(1)
في مدينة جدة وبينما كان إسماعيل حسين أبو طرف جالسا في مكتبه يتحدث مع زميله السيد /عدنان محفوظ في الإدارة العامة لشؤون الموظفين في يوم شديد الحر......إذ دخل عليهما ذلك الرجل الطويل وقد بدت على وجهه آثار العرق وحرارة الجو واندفع مباشرة إلى السيد عدنان وتعانقاعناقاً حاراً.وجلس بجانبه...... أخذا يتحدثان في امور شتى وظهر للسيد إسماعيل أنهما صديقان منذ زمن ..... كان الضحك يغلب على استرجاع تلك المغامرات وتعالت وتيرة الضحكات حتى انه يخيل لمن يراهما أنهما في حالة غير طبيعية...... وطال حديثهما عن أيام الطفولة وشقاوة الصبا..... كان ذلك الرجل اسمه حمزة....وكانت علامات السطوة والاندفاع والجرأة تبدو في ملامح وجهه......كان إسماعيل أبو طرف ينظر إليه وهو يتحدث إلى السيد عدنان بذهول .خصوصا عندما قال.
- تذكر ذاك اليوم.....عندما هربنا من المدرسة ......الله يا ذاك اليوم .... أنا ما أنساه.
- لا تقول لي عنّه .... الله لا يعيده ....بقينا خائفين سنة كاملة .... لكن الله سترها . بس ....... أقول لك..
إحنا ليش ما ودينا الولد المستشفى يوم انكسرت رجله.
- يا بويه كل اللي في المستشفى يعرفونني........ كان من يومها سحب أبويه السيارة مني.....قلنا يمكن اللي عند مدرسة البنات يودوه المستشفى ..وأكيد أنهم ودوه .... أصلاً مستشفى باب شريف جنبهم قريب منهم .... أكيد أهم ودوه المستشفى وأكيد ان أهله أخذوه ....خلاص أنت سمعت عن الموضوع حاجة....؟
- لا.....
- اذاً اكيد ودوه المستشفى ..
- مشكلة الله لا يعيدها .
- بس أنا قلت للي كانوا واقفين .. نصف ساعة وأجيب لكم هوه ....
- ومرّت .والله سترها.
- أيوه مرّت ..والله كان أبويه يسحب السيارة مني ....لأن اللي في المستشفى كلهم زملاء أبويه ويعرفونني. كان فين اودي وجهي من ابويه.... والله ما يسامحني عليها...
جلس حمزة عند زميله عدنان بعض الوقت ثم ذهب وسأل اسماعيل زميله...
- يظهر ان زميلك حمزة هذا ماهو بسيط....
- هذا عفريت .... كان زميلي في المدرسة ايام الثانوية بس ايش.... جني من الجن .... ما عرفت القصة اللي كان يقول عنّها ...
- لا ما عرفت شيء ...
- كنا في نهاية السنة ... اعتقد سنة ثانية ثانوي .. وتعرف ايام آخر السنة ..... يعني زوغنا من المدرسة بعد الحصة الثالثة ..... كان معاه سيارة جديدة وحب يوريني هيه ... بس بعدما تمشينا بالسيارة في جهة النزلة ...وحنا مارين من زقاق كذا ضيق شوية وكان حمزة مسرع ... وعلى طول طلع لنا ولد صغير جاي من الشارع الثاني .. وما شافه حمزة ... وعلى طول لقطه ... وضرب الولد على طرف الرصيف ... ياسيدي والتفوا الناس .. وعلى طول قام حمزة وحمل الولد .... وصاح في الناس اللي التفوا حول السيارة ولبخهم بحركات كذا .. وافهمهم انه راح يوديه المستشفى ..
- ووداه المستشفى ..؟
- لامستشفى ولا شيء .... حطه قدام مدرسة البنات اللي في باب شريف وصلى الله وبارك ...
- طيب ليش ما وديتموه المستشفى..؟
- ابوه كان يشتغل في المستشفى ويعرفوا حمزة... بس الله سترها .. اكيد لحقوه اهله وأخذوه.. بس والله بقينا فترة واحنا خايفين .....
- من ايش خايفين ...
- كان حمزة ما عنده رخصة ويخاف من ابوه برضه..
عندما عاد اسماعيل إلى البيت سرد القصة لأبوه حسين أبو طرف وكان يشرح له ما دار في الجلسة وما اخبره به زميله عدنان وتفاصيل القصة بعد ذلك ......فجأة ...... سأله ابوه .
- قلت لي في أي وقت .
- ما أدري.....لكنني اعتقد انه قال في أيام الثانوية .....يعني احسب أن لهذه الحادثة حوالي 25سنة او2......يعني بين 2.و25سنة ويمكن اكثر ب شوية .عند ذلك استوى الرجل واقفاً.
- هل أنت متأكد من هذا الكلام ....؟.
- نعم سمعت هذا الكلام بإذني .
- وقلت لي أنهم بدل ما يودونه المستشفى وضعوه أمام مدرسة البنات.
- نعم.......ويقولوا أنهم تركوه أمام المدرسة وذهبوا .
- ما تدري أي مدرسة من مدارس البنات ....
- المدرسة اللي في باب شريف .... .
- الله اكبر.......هذه الحادثة أنا أذكرها جيدا واذكر انه تم تسجيلها ضد مجهول.... والولد الى الآن ضائع ..... يا الله ... معقول... هل وجدنا طرف خيط ممكن ان يوصلنا لحل هذا اللغز الذي بقي مبهماً خلال هذه الفترة ... انت تعرف فين ساكن ....؟
- لا ...... لكنني اعرف الدكان ... اقصد ان عنده ورشة لاصلاح السيارات .. واعرف مكان الورشة حسب ما وصفوها ..
وبقي هذا الأمر في ذهن السيد حسين أبو طرف..... ومن صباح اليوم التالي ذهب إلى مقر عمله القديم ......
ترك العمل حسين أبو طرف في إدارة الشرطة قبل حوالي ست سنوات وكان عندها برتبة نقيب........ عاد إليها اليوم بعد أن غادرها اغلب زملاؤه الضباط اللذين كانوا يعملون معه.
كان مدير الإدارة احد زملاؤه اللذين كانت تربطه بهم علاقة طيبة فاتجه إليه واخبره بالقصة كاملة.... وطلب منه الأذن أن يكمل هو بنفسه المهمة التي كانت تحت يده عندما كان على رأس العمل في تلك الفترة ...بل من المشاكل التي تعب تعباً شديداً للوصول الى حقيقتها فلم يستطع .....رغم البحث والتحري في ذلك الوقت والتي استمرت فترة طويلة ..... إلا أن القضية لم يتضح لها طرف... وتعثرت كل الجهود في الوصول إلى الطفل المفقود.....كان اسم الطفل المفقود/ فوزي جابر العلوي ..
اخبره مدير الإدارة عند ذلك ان الأمور أصعب ممّا تصورها حسين أبو طرف .... اذ انه بموجب الأنظمة الجديدة لا يمكن الموافقة على تكليفه بتلك المهمة بعد إحالته على التقاعد...... فلابد للضابط المكلف بتلك المهمة أن يكون معه فريق تحت أمرته وأن يكون على رأس العمل ولديه الصفة الرسمية التي يتمكن بها من اصدار اوامر للفريق الذين يساعدونه في البحث من جديد وبطريقة رسمية ... وتأخذ الناحية النظامية اكبر في التحرك والتحقيق ...
وطلب منه ان يعمل متعاونا مع احد زملاؤه الضباط لإكمال هذه المهمة وتسير الأمور بعد ذلك بشكل رسمي. كما طلب منه ان يتعرف على الرجل ومكان اقامته ومقرعمله وأن يبقى تحت نظره حتى يبت في الأمر ....
تم تكوين فريق عمل لذلك ......كان الفريق يتكون من ضابط برتبة ملازم واثنين من صف الضباط وعدد من الجنود.
بدأ الملازم فهد في مهمته من اليوم التالي ...... وأخذ بعض زملاؤه من فريق المهمة وذهب إلى إدارة تعليم البنات ومن هناك قابل مدير التعليم واعطاه فكرة عن الموضوع وطلب المساعدة واخبره انه سيذهب الى المدرسة لاستكمال التحقيق ومتابعة الموضوع كما طلب من مدير التعليم ان يكون معهم عضواً من الادارة عند الذهاب الى المدرسة .....
في اليوم التالي اتصل الملازم فهد بمديرة المدرسة واخبرها أن هناك أمرا يستدعي ان يقوم بزيارة المدرسة ومقابلتها مع معاونتها وحارس المدرسة وان الموضوع مجرد تحريات عن أمور سابقة وسيكون معه مندوب من ادارة تعليم البنات فرحبت به ........
كان ذلك في اليوم التالي وحضرت المديرة ومراقبة المدرسة والحارس وزوجته وكان الموضوع اجتماع مغلق وسري للغاية...
طلب الملازم فهد من الجميع أن يتم مناقشة الموضوع في غاية السرية ....وأي معلومات تظهر عن هذا الأمر فإن المتسبب سوف يكون عرضة للعقاب الصارم....... وتأمل من الجميع التعاون اللا محدود في سبيل الوصول إلى الحقيقة .كما طلب بياناً بأسماء المديرات والحراس اللذين تعاقبوا للعمل في المدرسة منذ انشائها وكذلك بياناً بأقدم المعلمات والعاملات .في المدرسة وعلى قدر ما تكون المدة التي قضتها المعلمة في هذه المدرسة أطول فأن الحاجة إليها تكون اكبر أيضا ثم اردف قائلاً :
ليس هناك أي أمر يستدعى الخوف أو الإنزعاج فالموضوع يتعلق بطفل وصلتنا إخبارية انه وضع عند باب هذه المدرسة قبل حوالي 25 سنة ولعل بعضكن تتذكر هذا الموضوع ونحن نريد أن نعرف الحقيقة وأهل الطفل قد بحثوا عنه حتى تعبوا وتعبنا نحن في الشرطة ايضاً فلم نعثر له على خبر ..... ولكن الآن وصلتنا معلومة حديثا قد تكون مدخلاً للوصول الى الحقيقة ولعل من بينكن من يعرف شيء عن هذا الموضوع فأنا أريد التعاون من الجميع ..... وسوف تحصل من تقدم لنا خدمة أو معلومة في هذا الموضوع على مكافأة مالية كبيرة سواء من الدولة.....أو من أهل الطفل... وأيضاً نريد ان نعمل بسرية تامة وأي شخص لا يريد ان يتكلم أمام الجميع فبالإمكان أن يتصل بي بالتلفون وسوف يبقى الموضوع محل السرية ولن يكشف عن اسمه أبدا ...وأنا اعتقد انه لا يوجد أي أمر تتخوف منه أيّاً منكن فالطفل ضائع ونريد أن نعيده إلى أهله وكل إنسان قد يتعرض لمثل هذا الموقف وبقدر ما يساعد الإنسان في الوصول إلى الحقيقة بقدر ما ييسر الله له من يساعده إذا وقع في مشكلة مثل هذه والدنيا اخذ وعطاء ....ولهذا كان اجتماعنا والسلام.
- والله يا خويه أنا مالي غير 5 سنوات في هذه المدرسة ولا عمري سمعت عن هذا الولد شيء.(قالت ذلك مديرة المدرسة).
- طالما أن الطفل أنفقد عند باب هذه المدرسة.....لابد أن يطلع ...ونحن الآن .....نقول نتساعد......يمكن بعض المعلمات سمعت عنه بعدما وصلت إلى المدرسة.......يمكن واحدة من زملائك سمعت عنه ....... قبل أن نبدأ في البحث عن المديرات اللاتي قبلك في هذه المدرسة.
- .............لم يتكلم أحد.
- أي واحدة من الأخوات المعلمات صار لها. ..فترة طويلة في المدرسة.؟
- الأستاذة.... إيمان.
- ممكن تطلبيها لنا.
- نعم.....وأرسلت إحدى العاملات في المدرسة وحضرت. وسألها الضابط ..
- كم سنة يا أخت إيمان صار لك في هذه المدرسة.
- حوالي عشرين سنة.
- ممتاز جدا.....سمعت بالطفل الذي رماه صاحب سيارة عند باب المدرسة في ذلك الوقت..
- لا.......ما سمعت.
- تذكري....؟.
- ما عندي فكرة عنّه.
- الموضوع....عمل إنساني ولا هناك أي خوف من أي بلاغ عنه أو معلومة توصل له.... فقط نريد أن نعيده إلى عائلته.
مرة اخرى.. أنت يا مديرة المدرسة نريد منك أن تكتبي لنا جميع عناوين الأخوات المديرات اللاتي عملن قبلك في المدرسة من واقع الملفات الموجودة لديك وكذلك الحارسات والحراس ...قد تجدينها في ملفاتهم الموجودة في المدرسة ونريد بعض الملفات اذا احتجنا عليها في حينها قد نجد بها معلومات اخرى ....... يمكن تحصلين على عناوينهم أو تلفوناتهم وبعد أسبوع أريد أن تكون جاهزة ثم أستأذن وانصرف .....وعندما خرج من باب المدرسة خطر على باله أن يبحث مع أصحاب البيوت المحيطة بالمدرسة وأن لا يترك بابا يمكن أن يحصل منه على معلومة حتى يطرقه .
كان الوقت ضحى وأغلب أصحاب البيوت في أعمالهم فقرر أن يعود إليها بعد صلاة العصر ...... وفعلاً عاد إلى الحارة بعد صلاة العصر وبدأ يطرق الأبواب واحداً بعد الآخر ويسأل عنه ويتحرى عن أي خبر او معلومة حول الغلام ...حتى تعب..... وكان الجواب سلبيا دائما.....لكنة لم ييأس ......
بعد أسبوع عاد إلى المدرسة لأخذ البيان الذي طلبه من مديرة المدرسة......وخطر له فكرة مقابلة الأستاذة إيمان مرة أخرى مع مديرة المدرسة فقط.
حضرت المعلمة إيمان وجلست على كرسي قريبا من الباب....فقال الضابط....:
- أنا ادري أن عندك معلومات يا أخت أيمان وقد لا تريدين التحدث بها أمام زميلاتك لكن الموضوع ليس فيه عليك أي مسئولية وإذا كنت سمعت عن هذا الطفل فلا يجب أن تسكتي او تتستري على من يريد أن يأخذه من أهله ....... وهبي نفسك أنت في مقام اُمه..... ارجوك .....لا تساعدين الظالم على ظلمه..
أنا اعتقد إن بإمكانك أن تساعدينا على كشف الحقيقة والولد قد يكون بخير...... وكل ما هنالك نريد أن نعيده لإهله .
- شف يا خويه......أنا بأقول لك الصحيح ...وأنا ما شفت لكنني سمعت عن موضوع الطفل.... وأنا ما أدري هذا الكلام صحيح وإلا ماهو صحيح.
- أيوه......الله يوفقك...
- يقولوا ياخويه..... أنه أخذته الخالة رمزية وزوجها اللي كان حارس عند الباب وأنهم ربوه وصار ولدهم .
- خلاص ....هذا اللي نريده منك..... لكن ما تعرفين من فين الخالة رمزية. او فين ساكنة...؟
- لا والله هي وزوجها تقاعدوا من زمان....
- ولا تعرفين عنوانها اوتلفونها......؟
- لا والله ما أعرف.
- أحنا الآن ناخذ أقوالك وأنت قد تحصلين ... على مكافأة كبيرة إذا وجدنا الولد.
ياخويه أنا ما أبغى مكافأة.....أنا من يوم ما قلت لي وأنا ما أنام الليل ..... ضميري يعذبني......أنا لازم أقول الحقيقة.....أيش ذنب هذا الطفل.... وأيش ذنب أهله . انا برضه اخاف على عيالي ......وأنا قلت اللي اعرفه وريّحت ضميري وأنتم ابحثوا عنه بطريقتكم الخاصة.
- أنت ما قصّرت والله يجازيك كل خير....ولك أجر عظيم بأذن الله وكذلك هذه خدمة للوطن والمواطنين (ثم التفت إلى مديرة المدرسة وطلب منها البحث عن أي عنوان أو تلفون أو أي شيء يمكن أن يستدل به على عنوان الخالة رمزية.)..
حاول الضابط فهد بموجب اسم الحارس مستور زوج الخالة رمزية. وصورة تابعيته الموجودة في ملفه في إدارة المدرسة أن يصل منها إلى ما يدله على مكان إقامته .... والذي كان أمله أن يكون واضحا......ويمكن أن يبدأ معه البحث عن الرجل وزوجته منه ... فكان مكان الإقامة .... مدينة جدة ...وهذا عنوان قد يبدو مبهما بعض الشيء ..... وقد يكون قد غيّر مكان إقامته بعد التقاعد .... لكنه لا يزال يرى ان هناك أملا في الوصول إليه .... لذلك فقد اخذ يدون في دفتره كل المعلومات الموجودة في ملفه لعله يجد مدخلاً يوصله إلى عنوان الرجل أو يحصل منها على فائدة قد يحتاجها في يوم من الأيام .
كانت جميع المعلومات المدونة في ملفه مختصرة وقد لا يمكن أن يصل منها إلى عنوان الرجل أو مكان إقامته الدائم في ذلك الوقت ......
قرر أخيرا أن يضع إعلان في إحدى الصحف المحلية يذكر فيه أن للسيد مستور الجميل باقي رواتب وأجور منقطعة وعليه أو على ورثته الإتصال برقم هاتف تم وضعه في الجريدة....
لم يطل الانتظار بعد ذلك كثيرا حتى تم الاتصال برقم الهاتف الذي كان موجودا في غرفته وكان احد أبناء الجيران للسيد/مستور الجميل .
- انا خالد من جيران السيد مستور الجميل وجدت هذا الرقم في الجريدة وعليه خبر أنه باقي له مستحقات مالية.
- نعم هذا صحيح ويمكن أن تقابلني في إدارة تعليم البنات غداً أو إحضاره ويستلم المبلغ........ أنت ولده.....؟ (قال ذلك الملازم فهد )
- لا ..... انا من جيرانهم .
- وأين السيد مستور ......؟.
- الله يرحمه.
- وزوجته ....أليست على قيد الحياة......؟
- بلى .....هي موجودة في البيت.
- لا بد من إحضارها معك فلها مستحقات ايضاً.
- لا تستطيع الحضور إنها كبيرة في السن.
- هذه ليست مشكلة ......إذا تقابلنا يكون خير...... يمكن ان نذهب انا وأنت اليها .
بعد أن أنهى الملازم فهد المكالمة.
توجه مباشرة إلى إدارة تعليم البنات وتم ترتيب الوضع الذي سيتم استقبال ذلك المتصل غدا.... ثم انصرف وقبل ذلك اتصل بزميله المتقاعد حسين ابو طرف وأبلغه بما وصل اليه .....
في اليوم التالي وصل السيد خالد ....إلى إدارة تعليم البنات وفي نفس الوقت ...أخذه الملازم فهد إلى إدارة الشرطة وهناك بدأ التحقيق معه.
- اسمك....؟
- خالد سليم .
- قلت ان السيد مستور الجميل قد مات .
- نعم هذا صحيح.
- ومتى توفي...؟
- قبل ثلاث سنوات.
- وأين زوجته السيدة رمزية....؟
- إنها بالبيت.
- في أي حي انتم ؟
- في وادي فاطمة ..
- نريد مقابلتها.
- لماذا...؟
- سوف نخبرك في حينه...... هل عندها اولاد .....؟
- لا ما عندها ..
- اكتب لنا العنوان كاملاً.....ونريد أن نقابل السيدة رمزية .. وستكون انت معنا ..
- لماذا....؟
- هناك أمور تتعلق بالعمل أيام المدرسة....
- ليس لدي مانع .
- إذا فلنذهب إليها الآن .
وذهب خالد مع الملازم فهد وبعض معاونيه إلى وادي فاطمة وهناك قابلوا الخالة رمزية.
كانت في الستينات من عمرها لكنها لازالت نشطة ومدركة......كان الوقت ظهراً فوجدوها تصلي صلاة الظهر وبعد أن انتهت من صلاتها قامت إليهم في المجلس.
كان الضابط جالساً مع خالد.واثنان من رجال الأمن. في المجلس فقال الضابط ....:
- ياخالة .... نحن نريد أن نستوضح منك موضوع.حصل أيام المدرسة ولعلك تذكرينه جيدا.
- ربما تسأل عن الغلام الذي وجدناه أمام المدرسة.
- كيف عرفت ذلك ..؟
- كنت انتظر من يسأل عنه منذ زمن ..
- نعم.......هذا الموضوع الذي نريد أن نبحثه معك.
- هذا الطفل وجدته أمام المدرسة... وكانت رجله مكسورة وكنت جالسة في غرفة الحارس مع زوجي مستور ....الله يرحمه وسمعنا صراخ طفل فوجدناه يبكي...... كان عمره يمكن .حوالي سنتين.....التف عنده أولاد صغار وخرجت أنا....فأخذت الولد وعندما حاولت أن أوقفه ...كان رافعا رجله فعرفت ان رجله مكسورة ... فقام مستور... وأخذناه عندنا في غرفة الحارس........ قال زوجي.:
..هيا نذهب به إلى المستشفى...... والحقيقة إنني خفت أن أدخل أنا وزوجي في سين وجيم عن هذا الولد ونحن لا نعرف عنه شيء بل كنا نحسب انه من.....الأولاد....الذين........؟؟؟؟؟.... وكان زوج اختي الله يرحمه يعرف يجبّر الكسور ... فقلنا نأخذه ونوديه له في وادي فاطمة ...... ونجبر الكسر الذي في رجله.... وعندما وصلنا الى اختي وزوجها طلبوا منا ان نتركه عندهم حتى يجبر الكسر وقلنا لهم إن سأل عنه احد او عرفتم اهله فسلموه لهم لكن لم يسأل عنه احد ..
- نعم وبعدين.
- أخذناه عندنا في البيت بعد ستة اشهر...وجبرت رجله وربيته حتى كبر.
- وأين هو الآن.....؟
- جا يتك بالكلام .
هذا الولد ربيته واتخذته ولدي فأنا ما عندي عيال وقلت لو حد سأل عنه او طلع له اهل سلمناه لهم ..... لكن ماحد سأل عنه بعد كذا أضافه مستور في تابعيته ودرّسناه حتى تخرج من المتوسطة.
- أيش سميتوه.
- سميناه حامد .
- حامد بن مستور الجميل.
- نعم....هذا اسمه.
- وبعدين....؟
- بعدين لما تخرج من المتوسطة حصل بينه وبين واحد من عيال القرية مضاربة وهواش وقالوا له كلام لم يتحمله .
- كلام أيش....؟
- كلام كذا .....يقولوا أنك من أولاد الشوارع .. او ابن حرام أو حاجة زي كذا.
- وبعدين....؟
- جاني يبكي.......ويتعلق بثوبي ويسألني عن كلامهم.
حاولت أن أبدد شكوكه... وأحلف له أنه ولدي وأن مستور ابوه لكنه كان مستوحش... لم يصدقني ....
- وأين هو الآن.....؟
- لقد راح ......وأخذت تبكي.
- فين راح....؟
- هذا الذي لا أدري عنه........وين يكون راح المسكين..الله أعلم.
- منذ متى فارقكم.....؟
- قبل اكثر من عشر...سنوات تقريباً.
- ولم يكن له أي إتصال بكم بعد خروجه من عندكم....؟
- لا... أبدا.
- هل تعتقدين أن هناك مكان يمكن أن يذهب إليه....؟
- لا أدري.......لكنني لو أعرف مكانه لذهبت إليه أنا...... صار ولدي....لقد ربيته منذ كان عمره سنتين تقريبا.
- هل لديه بطاقة شخصية........؟
- عنده صورة من تابعية زوجي مستور ..
- شكراً.... أريد تابعية زوجك او صورة منها ..
- حاضر يا ولدي .. ثم قامت وأحضرت تابعية زوجها وسلمتها اليه ...
- أخذ التابعية معه وقال :.إذا سمعت عنه أي خبر فأرجوا الاتصال بنا.على التلفون الذي عند خالد.....
ثم أنصرف من عندها وقدماه تخطا الأرض وكأنه كان يطرد سرابا......وضاع منه الأمل في آخر لحظة.
لكنه قد عرف الآن إن اسمه حامد مستور الجميل وأنه يمكن ان يراجع الأحوال المدنية لكي يحصل على التابعية في يوم من الأيام .
في اليوم التالي ذهب إلى إدارة الأحوال المدنية وقابل مدير الإدارة وطلبه المساعدة في البحث عن حامد عن طريق الإسم الذي يحمله فأبدى استعداده للمساعدة وأرسله إلى قسم النفوس لكن لم يكن هناك ما يمكن أن يساعده على الوصول إلى ما يطلبه. ..... فلم ييأس وكان يعتقد أن الغلام ربما يعود إلى تلك المرأة....