1
في بدايات القرن الماضي ومنتصفه كان يُعرف بشارع التكية نسبة إلى تكية بيت الجنابي عند مدخله المؤدي إلى شارع بغداد المحاذي لمحلة السراي وقد تحولت التكية بعد زمن إلى دائرة أوقاف دينية ثم عيادة طبية شهيرة للأمراض النسائية يجاورها معمل لصناعة الثلج و بعد تأسيس الجمهورية و افتتاح دائرة المعارف في الجانب الآخر منه حيث ينتهي بمحلة (الجديدة) صار يعرف بشارع المعارف نسبة إليها و بعد أن تغيرت الدائرة إلى مديرية التربية صار الناس يسمونه شارع التربية. وربما سيتغير اسمه مستقبلاً فعادة تغيير الأسماء هنا تنتشر مثل وباء، كلما تتغير حكومة تقوم بطمس تأريخ سابقاتها و ربما سيغيرون أسماء المواطنين أيضاً لو وجدوا ذلك يسيراً.
هذا الشارع ليس سوقاً فحسب، إنه مكان تجتمع فيه كل تناقضات المدينة وتحولاتها الثقافية والإجتماعية، يختصر تأريخها قبل أن يتخذ الناس له اسماً فهو مركز المدينة التأريخي و التجاري في آن واحد، يتجاوز طوله مسافة كيلومتر مع انحناءاته وتعرجاته التي تهبه شكلا غير متكامل للمعي حيث يمكنك وأنت تخترقه أن تفكر بأنك قد خرجت مهضوما، وبعدها ستشعر أنك امتزجت مع هؤلاء الآخرين الذين يتوافدون عليه جيئة وذهابا يدخلونه من مداخل شتى تتوزع على طوله و أشهرها مدخله الذي يبدأ بسوق ذهبي براق هو سوق خاص لبيع المصوغات الذهبية وإنتاجها يهيمن عليه الصابئة المندائيون الذين يختزنون أسرار صناعتهم ويحتكرونها بلغتهم المندائية التي لا يفهمها غيرهم من سكان المدينة.
و أحيانا تدخل الشارع كما لو انك تدخل حماماً عمومياً مختلطاً لتخرج خفيفاً مجرداً لا عوالق و لا أدران تلتصق بروحك وتشعر بخفة جسدك ونشوته التي لا تختلف كثيراً عن نشوة تحققها عشرة نساء على سرير واحد.
لم أعرف شيئاً عن السوق الكبير و فروعه سوى أنها مواقع تجارية يتبضع الناس فيها ويسترزق بذلك التجار وحشد كبير من العمال ولا أتذكر أنني كنت أهتم لشأنه إلا حين تعرفت إلى صبية واعدتها هناك.
*من مقدمته في أطروحة الدكتوراه.
المدينة و المطر