- 4 -
صيادون فوق أغانيهم يركبون البحر . طقوس الاحتفال بالزوجة ومفاجأة الليلة الأولى . لمعان أشعة الذكريات في تضاريس العقل . وحشة المكان والبعد عن الوطن . حزم ضوئية من الأمل تتقاطع خطوطها بالألوان المختلفة ، وعشرات الألوف من الخلايا تتحطم بعد إطفاء الشمعة الأولى في غمرة الوهج .
هو ذا ، تغلق الدنيا أبوابها حتى اللحظة الفاصلة بين الغبار وتلاشي الجسد ، وتفتح ممرات كانت سرية فيما مضى على المتعة وارتشاف النشوة بين حبيبين أنهكهما الاغتراب ودوران الزمن .
وهكذا ،انتزع عبد الله وفلك نفسيهما من حضن الليلة الأخيرة في عمان والأيام الأولى لشهر العسل ، عندما قررا العودة إلى الوطن عبر نهر الأردن . ففي ظهيرة اليوم الذي سبق كان عبد الله قد ذهب إلى المقهى الذي اتفق فيه مع الدليل ووضع معه اللمسات الأخيرة وحددا الموعد والمكان الذي يلتقيان فيه وأجرة التهريب وسبل الأمان وصولاً إلى مشروع العلمي في أريحا .
وعندما عاد إلى فلك ، كان الليل بحيرة تتدثر بالضباب والغبار وموجات صقيع وقع الخبر على مسامعها . شحب الوجه من الفزع وارتفع نبض اللحظات عنيفاً يحمل صوت طلقات رشاش .
لماذا هذه السرعة ؟
قالت ذلك ، وفي وجهها خوف وتردد مع مزيج من الحزن والرقة.
غاص في أحلامه التي ما تزال رهن إنجاز الخطوة المقبلة .
رد عليّ . لماذا هذه السرعة ؟
تجهم وجهه فتشكلت الأسرار بنموها الطبيعي ولكن سرعان ما فضحتها الكلمات .
أهي خالتك أم رائد ما زالت تقف بيننا ؟ هل رأيتها خلال غيابي ؟ لماذا تخيفك عندما تكونين بجواري ؟
يزداد وجهه تجهماً ويواصل حديثه :
دعيني أصوغ السؤال على نحو مغاير حتى أحمله حداً قاطعاً لا يقبل التأويل : هل تخشى عليك مني ؟ كيف يقتل الإنسان نفسه ؟ ولماذا دائما تزرع الخوف في قلبك ؟
أقول لك ، لا يروق لها رؤيتنا سويّاً ، تسعى إلى الإفساد بيننا مهما كلفها من ثمن .
ربما كانت ترتب لك على زواج مختلف ، فظهرت أنا فجأة كي أدمره، مما جعلها تفقد صوابها عندما علمت عن إمكانية العودة إلى الوطن عن طريق المهربين . لعلها لن تتورع عن وضع العراقيل في طريق عودتنا ، ومع ذلك لن يمنعني عن العودة إلاّ الموت ! أبلغيها عند الوداع لن نلتقيها مرة أخرى في عمان !
كان يتحدث بمرارة . وكانت تنظر إليه بشفقة . ولما توقف عن الحديث ، ابتسمت له كأنها تجلو صدره من أي ترسبات، ثم قالت:
أنت كالرعد ورثت منه البرق وسرعة القصف !
آه .. كم نحن مخدوعون وبسطاء ! ليتني كنت رعداً قاصفاً ، أو بركاناً ثائراً ، أو شمساً سقطت سهواً من مدارها فصهرت الصخور ، أو مطراً غامراً يحمل أشرعة الزوارق إلى حيث لا مفر من وصول القلوب الحائرة إلى المرفأ الأخير حيث الاستقرار والخلود في النعيم !
آه أيها الحبيب ما أغباني ! تحمل كل هذه الهموم في رئتيك ولا تتنفسها ، وقلبك يفيض بالحب الذي لا أرى سواه . أين كان عقلي غائباً وأنا تاركة أذني تستمع للشكوك وزراعة الخوف في نفسي!؟
لك ما تشاء . أن نعود الآن دون وداع الخالة ، أن نسير على أرض ألهبتها سياط الأزمنة الغابرة ، أن نحفر على تضاريس أيامنا سطور المرحلة ، أن نعيد تشكيل الحاضر كما تراه الأجيال القادمة ، أن نقف أنت وأنا تحت ظلال هذا العراء نتأمل شموخ الجبال وخرير مياه نهر الأردن ثم نصعد إلى مدارات حلمنا يوماً بركوبها ، أن ، أن …
وجاء صوت أم كلثوم يصدح متسللاً من النافذة يدق أبواب السمع فأعادهما إلى لحظات كانا أحوج ما يكونان إليها ..
* * * *
اقتحم الدليل البدوي ومساعده النهر وهما يضعان الحقيبتين فوق رأسيهما ، فيما تبعهما عبد الله وفلك . كانت مياه النهر ضحلة عند الخطوات الأولى ، غير أن عمقها أخذ في الازدياد خطوة إثر خطوة ، وكانت فلك بين يدي عبد الله أشبه ما تكون بالورقة البيضاء ، وكان عبد الله كلما زاد عمق المياه صعد بها إلى السماء خشية البلل ، وعندما تساوت مع عينيه قالت :
دع مياه النهر تلامس جسدي فلا أريد أن أعلو عليك !
لن يمسك البلل حتى وإن علت العين على الحاجب .
عند الخطوة التالية ، أخذت المياه تنحسر ومعها يعلو عبد الله وتنخفض فلك . ولما وصل أربعتهم إلى اليابسة ، انتصبت فلك واقفة كعروسة بحر خارجة من ضلع النهر ، فارتفع وجهها نحوه لامعاً دامعاً رسمت عليه قطرات العرق المتفصدة خطوط أشعة الشمس التي أعطته لوناً كان يحتاجه فزاده جاذبية وتمنعاً .
وقفت قبالته تماماً ، وكان النهار قد تجاوز نصفه قليلاً ، فرسمت الشمس ، لهما ، مع انحدارها صورة ماسية مشتبكة امتزج بريقها مع البخار المتصاعد من الأرض فرحة بعودتهما . عندئذ توسمت فيه الحضور فكان غائباً . قالت :
أي أقدار دفعتنا صوب اجتياز النهر ومداعبة رذاذه المتطاير ! هل كنت تعرف أننا حتماً سنمر من هذا الباب؟ هل كنت على يقين أنك ستحملني يوماً بين يديك حتى نصبح متساويين عندما دفعتني نحو جامعة عين شمس من أجل دراسة المساواة بين المرأة والرجل ؟ هل أنت واثق من الخطوة المقبلة ؟
غطى الصمت نفوره فتفصدت الكآبة قروحاً في الأعماق . ارتفعت أشرعة الماضي إلى السماء فحملتها الريح عند مرافئ الذكريات . مرت ثريا وسميحة وبقايا الأطراف الآدمية أمام عينيه خطوطاً متصلة قلصت المسافة بين غزة وأريحا وأشعلت الحنين إلى مستشفى دار الشفاء . وكانت اللحظة تدفع باتجاه الاختباء بين الأشجار سريعاً قبل أن تمر بالمكان الطائرات التي تمسح الأرض من السماء منعاً لتسلل الفدائيين .
قبض على يدها وهو يقول :
لا وقت الآن لتأمل معاني الكلمات المضيئة . يجب الإسراع والاختباء بين الأشجار قبل أن تمر الطائرات .
ولما أضحيا بين الأشجار قالت :
ها نحن متساويان أمام الخطر ، لا تنسَ هذه اللحظة ، سأذكرك بها عندما تقلص حقوقي لصالحك .
وهكذا كان السير بين الأشجار المثمرة متعة تنقصها الطمأنينة الخالصة . الدليل ومساعده يسيران في المقدمة بينما عبد الله وفلك يتعقبانهما على بعد عدة خطوات . وكلما صدر عن الدليل صوت أشبه ما يكون بزقزقة عصفور الصحراء ، حسب الاتفاق ، تساوت الأجساد بالأرض ، إلى أن يصدر الصوت مرة أخرى .
وعندما وصلوا المكان الآمن طلب الدليل أتعابه المتفق عليها.. نقده عبد الله المبلغ بحضور "البياري" الذي كان في تلك اللحظة يقوم بري الأشجار من بئر ارتوازية . . مضى في حال سبيله ، فيما واصل "البياري" عمله .
* * * *
عبر بريق لحظتين ، تسلل الخوف إليهما في الأولى ، بينما في الثانية، أخذ يصب الماء على رأسها ووجهها البرونزي المشبع بالحيرة وضجعة الليلة الأولى .
لقد كانا يجلسان على حافة مجرى المياه الذي يشطر بيارة العلمي نصفين ، عندما مرت الدورية العسكرية الإسرائيلية في جولتها الاعتيادية منعاً لقدوم متسللين من الضفة الشرقية لنهر الأردن، غير أن البياري حذرهما قبل وصول العسكر ، مما حدا بعبد الله لصب الماء على فلك ومداعبتها .
ولما وصل العسكر إليهما سأل الضابط بالعبرية ، وكي لا يرتاب بوجودهما ، رد عليه عبد الله بالإنجليزية :
أي طبيعة خلابة هنا في هذا المكان !!
ثم غرف بيديه من الماء وصب على وجهها . كانت تجلس على حافة مجرى المياه ، ساقاها مثل جسر يمتد إلى الضفة الأخرى . والمياه بخريرها الناعم تنساب من تحت ساقيها ، فيما كانت نظراته تسير فوق الجسر باشتياق العشاق وفوق وجهها المغتبط التي حاولت جاهدة إخفاء مسحة الأسى المفاجئ الممزوج بالفرحة التي كانت قبل لحظة . ومع ذلك ، كان وجهها كمرآة تستقبل نظرات عبد الله فيزيده وهجاناً والتماعاً ونضجاً أنثوياً مباغتاً .
ولكن ماذا تفعلان هنا في هذا الجو الجهنمي ؟
نقضي شهر عسل أنا وزوجتي !
ألا تخافان العرب ؟
كيف نخافهم وأنتم هنا !؟
انتزع أحد الجنود خوذته وقذف بها في الهواء قائلاً :
بالرفاه والبنين ، تمتعا بالحب والنعيم .
تركاهما ومضوا ، في وقت أخذ فيه عبد الله وفلك يتنفسان الصعداء .
مغادرة الجنود للمكان نشرت جواً من الارتياح على شجر البيارة . أوراقها تراقصت وأغصانها تمايلت وجذورها امتصت سماد التربة بشهية . حتى الأرض تماوجت فرحة وهي تزفر حقداً لا يمكن إخفاؤه على الغرباء الذين يجوسون فوقها بكراهية !
عند الغسق شدهما منظر الشمس الدامي وهما يشاهدانها لحظة الغياب ، لأول مرة ، تختبئ خلف أشجار الوطن !
وفي المساء كانت السيارة تنطلق بهما صوب غزة حيث الأهل والأحبة والأصدقاء وأَسِرّة المرضى . وضع رأسه على كتفها في المقعد الخلفي وأخذ يتأمل الجبال والسهول بعينين لا تشبعان من رؤية جمال الطبيعة . وفجأة رفع رأسه ونظر إليها كمن تذكر اللحظات الأخيرة قبل مغادرة الجنود ، ثم قال وهو ما يزال ينظر إليها بشغف :
أحياناً يشفع الجسد لصاحبه !