٣
ولا أكاد أذْكُرُ مِنَ القصص اليوناني القديم الذي شُغِل به المحدثون شيئًا تجاوز القرن السابع عشر والثامن عشر إلا قِصَّة «أفجيني في توريس» Iphigénie en Tauride التي عُني بها جوت، وقصصًا قليلة أُخرى طفت في القرن العشرين، أَعْظَمُها خَطَرًا قِصَّة «أُوديب» هذه وقصة «إلكتر» Electre و«أمفتريون» Amphytrion، وقد جدَّدَهُما جان جيرودو Jean Giraudoux، وقِصَّة أَنْتِيجون، وقد جددها جان كوكتو بين الحربين، ثُمَّ جددها جان أنوي Jean Anouilh في هذه الأعوام الأخيرة. وهُنَاك قصص تمثيلية مُعَاصِرة جددت أو حاولت أن تجدد بعض القصص التمثيلي اليوناني القديم، ولكِنَّها لم تبلغ الملعب أو لم تظفر فيه بفوزٍ باهر ونُجْحٍ عظيم.
ولعل المُحْدَثين المعاصرين يُؤثِرون أن يشهدوا القصص اليوناني يعرض عليهم كما تركه أصحابه مع قليلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنَ التَّغْيِير، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ الكاتب الممتَاز الذي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدُلَّ بالقصة اليونانية على أكثر مما وصل إليه الشَّاعِرُ اليوناني القديم، أو أنْ يعرضها في شكل أشدَّ مُلاءَمَةً لِرُوح العصر الحديث.
وهذا هو الذي فعله جيرودو حين اتَّخَذَ إلكتر رمزًا لا للانتقام وحده كما فَعَلَ القُدَمَاء، بل للعدل أيضًا؛ للعدل الذي يَجِبُ أَنْ تَبْلُغه الإنسانية، وأن تُضحِّي فيه بكل شيء مهما تكن التضحية قاسية، ومهما تكن الضحية غالية، والذي لا يحفل بانْثِلال العروش، وانْهِيَارِ النُّظم، وإِزْهَاقِ النُّفوس، وسفك الدماء، وصَبِّ الدَّمَارِ على المدن، بَلْ يرى في ذلك كُله إيذانًا بطلوع فجر جديد.
وكما فعل جان بول سارتر Jean-Paul Sartre في قصة «الذباب» حين أراد أنُ يُجَدِّدَ مَأْسَاة إلكتر فجعل أخاها هو البطل، ولم يكتف بفكرة الانتقام من الأُمِّ التي خَانَتْ زَوْجَهَا وقتلته، ولا بِفِكْرَةِ العَدْلِ التي قصد إليها ووقف عِنْدَها جيرودو، ولَكِنَّهُ عُنِيَ بالحرية الإنْسَانِيَّة التي وقفت أورست موقف الثائر على ذوس Zeus المعارض له، والتي تقف الإنسان الحديث موقف الثائر على كل شيء، المزدري لكل شيء إلا حُرِّيته التي تَجْعَله إِنْسَانًا يُوجَدُ لِيَعْمَل مَا يَشَاءُ أَنْ يعمل، وليقول ما يشاء أن يقول، غير حافل إِلَّا بِنَفْسِهِ، وَلَا واقف إلا عند نفسه.
إلى شيء من هذا التجديد الأَسَاسي الخطير قَصَدَ أندريه جيد حين وضع قِصَّتَهُ التمثيلية «أوديب» مُجَدِّدًا هذه القصة كما تركها سوفوكل، غير واقف عِنْدَ ما انتهى إليه سوفوكل، ولا حَافِلٍ بِمَا بَلَغَهُ كُورني أو فولتير أو غيرهما من الشُّعَراء والكُتَّاب المحدثين.
وقد يحسن أن نتبيَّن قبل كل شيء إِلَامَ أَرَادَ سوفوكل حين وضع قصته هذه التي صوَّر فيها مأساة أوديب. وقد أضاعت الأَيَّامُ مَا تَرَكَ إيسكولوس وأُوريبيد وغيرهما من الشعراء القُدماء حول هذا الموضوع، بحيث أصبحت قصة سوفوكل هي النموذج القديم الوحيد الذي أَلْهَمَ الْمُحْدَثين من الأوروبيين.
وواضح أنَّ سوفوكل إِنَّمَا قَصَدَ في هَذِهِ القِصَّةَ كما قصد في أكثر قصصه الأُخْرَى إِلى ما يصور لنا صرامة القضاء من جهة، وحرية الإنسان من جهةٍ أُخْرَى، وَإِلَى أَنْ يُلائم بين هذين الضِّدَّين المختصمين على نحوٍ ما. فالقَضَاءُ صَارِمٌ قاسٍ بالقِيَاسِ إِلى أُوديب وإلى أبويه في هذه القصة، وهو صارم قاسٍ بالقياس إلى أبنائه في قصةٍ أخرى هي قصة أنتيجون.
القضاء صارم قاسٍ؛ لأنه قد كتب في غير حكمة بيِّنة للإنسان على لايوس أن يموت مقتولًا بيد ابنه، وكتب على جوكاست أنْ تَقْتُل نَفْسَهَا بَعْدَ أَنْ تتورط في إثمها ذاك البشع الشنيع، وكتب على أُوديب أنْ يَكُون قاتلًا لأبيه مُتزوجًا لأمه، مُسببًا لموتها فَاقئًا عينيه بيده.
ومن البَيِّنِ أَنَّ أحدًا من هؤلاء الأبطال لم يكن حاضرًا حين كتب القضاء ما كتب، ولم يقترف قبل وجوده إثمًا يُغرِي به القضاء، ويُسلط عليه قسوة الأقدار. فهناك إذن علة خفية لا يُدْرِكُها الإنسانُ، تدفع القَضَاءَ إِلى أنْ يُدَبِّرَ أَمْرَ النَّاسِ والآلهة كما يشاء.
ومن يَدْرِي! لَعَلَّ هذه العِلَّة الخفية لا وجود لها، ولعل القضاء يمضي كَمَا يُريد لا يخضع لقانون، ولكنَّه على كل حال صارم قاسٍ بالقِياسِ إلى الآلهة والناس جميعًا. غَير أنَّ الإنسان ليس خاضعًا خضوعًا كاملًا شَاملًا مُسْتَسْلِمًا لهذا القضاء، وإِنَّمَا هو مُسْتَمِتعٌ بشيءٍ من الحرية قد يكون قليلًا، وقد يكون ضئيل الأثَرِ، وقد لا يَكُون لَهُ أَثَرٌ ما، ولكنه موجود على كل حال. وآيةُ ذلك أولًا أنَّ الإنسان يُريد أن يعرف ما أضمر له القضاء، يُعمل في ذلك عقله، ويستنبئ عن ذلك وحي الآلهة؛ فهو إذنْ لا يخضع لأحكام القَضَاء غَير عالم بها، أو غير مفترض لوجودها كما يخضع لها الحيوان، وكما تخضع لها الكائنات الأُخرى التي تأتلف منها الطبيعة. وليس قليلًا أن يتلقى الإنسان ما كُتب له من خير وما قُضِي عَلَيْهِ مِنْ شَرٍّ وهو عَالِمٌ بِهِ وَعَالِمٌ بالمصدر الذي يَسُوقُهُ إليه أو يسلِّطه عليه.
وهناك آية ثانِيَةٌ عَلَى حُرِّيَةِ الِإنْسَانِ أَمَامَ القضاء؛ فهو لا يطمئن إلى العلم بما كتبت الأقدار عليه، وإِنَّما يُحَاوِلُ أَنْ يخلص مما قُضي عليه من الشر. وليس المهم أن ينجح أو يخفق في هذه المحاولة، وإنما المهم أن يحاول. فلايوس وجوكاست يعلمان أنَّ ابنهما سيقتُل أباه ويتزوج أمه، فيُحاولان التخلص من هذا الشر بقَتْلِ الصَّبِي قَبْلَ أَنْ ينمو ويَقْتَرِفَ هذه الآثام، ولا عليهما بعد ذلك أنْ يُفْلِتَ الصَّبِي مِمَّا دَبَّرَا لَهُ من الموت.
وأُوديب يعلم بما دبَّر القضاء له؛ فيَفِرُّ من قصر الملك في كورنت مُحَاولًا أنْ يَتَجَنَّبَ الإثم، ولا عليه بعد ذلك أنْ يقتل لايوس، فلو قد عرف أنه أبوه لما قتله، ولا عليه أنْ يَتَزَوَّجَ جوكاست، فلو قد عرف أنها أمه لما اقترن بها.
وهناك آيةٌ أُخرى على حرية الإنسان أمام القضاء، وهي أعظم من هاتين الآيتين خطرًا، وهي التي يُصَوِّرُها لنا سوفوكل في قصة «أُوديب مَلِكًا»، ولكنه يُصَوِّرها تصويرًا أعظم روعة وأكثر جلاءً في قصته الأُخْرَى «أُوديب في كولونا»، وهي أنَّ الإنسان حين يعجز عن رد القضاء لا يرى نفسه مُنهزمًا، ولا يرى نفسه مسئولًا عما تورَّط فيه من الإثم؛ فهو يُؤْمِنُ بِأَنَّ التَّبِعَةَ يَجِبُ أَنْ تكون نتيجة للحرية، وأن يكون حظ الإنسان من هذه التبعة مُلائمًا لحظه من الحرية، فأُوديب تدفعه الغريزة الإنسانية الأولى كما تدفعه التقاليد الموروثة إلى أنْ يُعَاقِبَ نفسه حين يستكشف الإثم المروع الذي تورَّط فيه. ولكنه بعد شيء من التفكير يَسْتَطِيع أن يثبت للقضاء، وأنْ يقف من الآلهة مَوْقِفَ المدافع عَنْ نَفْسِهِ المحتجِّ لها؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ قتل أبيه، ولم يقتله وهو يعلم أَنَّه أبوه، ولم يُرِد الزَّوَاجَ مِنْ أُمِّهِ، ولم يتزوج منها وهو يعلم أنها أمه.
فإن كان في هذا كله إثمٌ فليس هو المسئول عن هذا الإثم، وإنما يسأل عنه القضاء الذي دبره، والآلهة الذين ضللوا أُوديب حتى تورَّط فيه على كثرة ما حَاوَل تَجَنُّبَهُ والتَّخَلُّص منه. هو إذنْ بَرِيء أَمَامَ نَفْسِهِ، وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يراه الناس بريئًا أو أنْ يتهموه ويَحْكُموا عليه.
على أنَّ أُوديب لا يكتفي بذلك، وإنما يريد أن يقنع القضاء والآلهة أنفسهم ببراءته، وهو يبلغ من ذلك ما يُريد؛ فقد رَضِي الآلهة عَنْهُ آخِرَ الأَمْرِ فآووه إلى هَذِهِ الضَّاحِيَةِ مِنْ ضواحي أثينا، وألقوا عليه السكينة، وأشاعُوا في نفسه الطمأنينة والأمن، وجعلوا جُثَّتَه مصدر بركة للبلد الذي تُدفن فيه، وهم قد عاقَبُوا مَدِينة ثِيبَا فَأَثَارُوا فيها الفِتْنَة بِيْنَ الأخوين الملكين، وحَرَمُوها هذه البَرَكة المتصلة بشخص أُوديب حين قضوا أن يموت غريبًا، وأن يُدفن في بلدٍ غريب.
وإذن فقد انتهت حُرِّية الإنسان إلى شيء من الفوز، لم تَسْتَطِعْ أَنْ تجنب صاحبها المحنة، ولا أنْ تُنقِذه مِنَ الشَّر في هذه الحياة، ولَكِنَّهَا قَدْ صفَّت نفسه، وطهَّرت قلبه، واستخلصته من الآثام كما يستخلص المعدن النقي مما يُحِيطُ به من الخبث. فَليسَتْ هَذِهِ المحنة إذن إلا تَجْرِبة لِحُرِّية الإنسان، ووسيلة إلى تَصْفِية نَفْسه، وتنقية جَوْهَرِه إنْ اسْتَطَاع أن يثبُت للآلام وينفذ من الخطوب.
إلى هذا كله أراد سوفوكل حين كتب قصتيه اللتين صوَّر في إحداهما مِحْنَةَ أُوديب مَلِكًا، وفي أُخْرَاهُما نَجَاة أُوديب منفيًّا بائسًا طريدًا. ويَجِبُ أَنْ نَعْتَرِفَ بِأَنَّ الذين أرادوا أن يقلِّدوا سوفوكل لم يبلغوا مما أرادوا شيئًا ذا خطر، لا أستثني منهم إلا المعاصرين من الكتَّاب الفرنسيين.
فالكاتب الشاعر الفيلسوف سينيك لم يُضِفْ إلى ما ابتكر سوفوكل شيئًا، ولعله أضاع منه أشياء. وإذا كان لقصته شيءٌ مِنْ جَمَالٍ فَأَكْبَرُ الظَّنِّ أَنَّهُ إِنَّمَا يأتيها من روعة الفَصَاحَةِ اللاتينية، ومن بعض الخواطر الفلسفية العابرة.
أما كورني فقد كان مفتونًا بقصته، ويظهر أن معاصريه منحوا قصته هذه غير قليل من الرِّضا والإعجاب. ولكنَّ كورني فيما أعتقد قد أَفْسَدَ قِصَّة أُوديب إفسادًا عظيمًا؛ رأى أنْ يُلَائِمَ بين القصة وبين ذوق البيئة التي كان يكتب لها، وقد لاحظ أنَّ تِلْكَ البِيْئَةِ لَمْ تكن تتصور قصة تمثيلية تخلو من الحب، ومن الحب الذي يكون له في المأساة نفسها أثرٌ خطير. وليس في قصة سوفوكل حب أو شيء يُشْبِهُ الحب، فاضطرَّ كُورني إلى أن يُحدِث حبًّا ذا خطر، واضَّطر مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إلى أنْ يُنْشِئ للايوس بنتًا تَكْبُر أوديب سنًّا، وأن ينشئ بين هذه الفتاة وبين ثيسيوس Thésée — ملك أَثينا — حُبًّا، وأَنْ يُنْشِئ بين هذه الفتاة وبين أُوديب خصومة حول هذا الحب من جهة وحول العرش من جهةٍ أخرى.
فلم تكن الفتاة تعرف أن أوديب أخوها، وهي من أجل ذلك كانت تراه غاصبًا لعرش أبيها، ولم يكن أوديب يعرف أنَّ الفتاة أخته؛ فكان يُؤثِر أن يزوِّج ملك أثينا من إحدى ابنتيه. وكانت جوكاست حائرة بين بناتها الثلاث وبين زوجها.
والغريب أنَّ كُلَّ هذه الخصومات حول الحب والغيرة كانت تشغل الملك والملكة والحاشية والقصر كله في نفس الوقت الذي كان الوباء يَعْصِفُ فيه بالمدينة عَصْفًا شديدًا، ولا نشغل بالقصة نفسها إلا حين تُوشك الفصول أن تنتهي؛ هنالك تُثار العقدة، ويعلم الملك ومن حوله أنَّ الآلهة غِضاب، وأنَّ هناك مُجْرمًا يَجبُ أن ينزل به العقاب، ثم يستبين للملك أنه هو المجرم؛ فلا يفقد صوابه ولا يأخذه الهول، وإنما يتحدث إلى أُخته في حبها لملك أثينا، وفي زواجها من هذا الملك، ثم يعصف الندم بنفسه آخر الأمر حين تموت جوكاست فيفقأ عينيه.
وقد لاحظ كورني كذلك أنَّ البيئة التي كان يكتُبُ لها كانت من التَّرف ورقَّة الشُّعور بحيثُ كان يسوءها أنْ يَظْهَر أمامها أُوديب دامي الوجه بعد أنْ فقأ عينيه، فلم يُظهر الملك أمام النظارة، وإنما قصَّ آخرته وآخرة الملكة عليهم في شِعْرٍ قَدْ يكون جميلًا رائعًا، ولكنه لا يُغْنِي عن الصورة الماثلة أمام النظارة شيئًا.
وقصة كورني بعد ذلك لا تُضيف فِكْرَةً جَدِيدَةً إلى القصة اليونانية. ولستُ أَدْرِي أمنَ الحقِّ أَنْ تُسمَّى أُوديب، أم من الحق أن تسمَّى درسيه Dircée، وهو اسم الفتاة التي اخترعها كورني، والتي تدور عليها القصة وعلى حبها أكثر مما تدور على أوديب وعلى محنته.
وقد نقد فولتير قصة سوفوكل نقدًا مُفَصَّلًا مُسرف التفصيل، قاسه بمقياس العصر الذي كان يعيشُ فيه؛ فأظهر القِصَّة اليُوناينة منحلة مُتَهَالكة لا قِوامَ لها من منطق ولا من دِقَّة، ولا تكادُ تظفر بحظٍّ من إِتْقَان. ثم عطف على قصة كورني، فلم يعفها من النقد اللاذع الشديد. ثم أَذَاعَ قِصَّتَه هو؛ فَإِذَا هي شَرٌّ من قصة كُورني، لم تُضِفْ إِلَى القِصَّة اليُونانية جديدًا، ولم تَظْفَر من الجمال اللفظي بِمَا ظفرت به قصة كورني العظيم.
ويَكْفِي أَنْ نُلاحظ أنَّ فُولتير قَدْ وقع في نفس التخليط الذي وَقَع فيه كُورني؛ أراد أنْ يُنْشِئ حبًّا في هذه المأساة؛ لأن البيئة الفرنسية التي كان الأُدَباء يكتبون لها كانت تُريد الحب في التمثيل.
أراد أنْ يُنْشِئ حُبًّا إذن، فلم يجعل للايوس بِنتًا كَمَا فعَل كورني، ولكنه استكشَفَ لجوكاست عَاشِقًا قديمًا هو فيلوكتيت Philoctète، وقد عاد فيلوكتيت إلى ثيبا ليَعِيشَ قريبًا من عشيقته، ولِكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ زَوجَهَا قد قتل، فيستأنف حبه القديم ثورة جامحة، إلى آخر هذا العبث الذي لا يَزِنُ شيئًا بالقِيَاسِ إلى جد الشاعر اليوناني العظيم.
عَلَى أَنَّ مِنَ الحق أَنْ نَعْتَذِرَ عن فولتير؛ فقد كان في التَّاسِعَة عشرة من عُمره حين أَنْشَأ هذه القصة. والشيءُ المحقَّق أنَّ الشَّاعِرين الفرنسيينِ قد عُنِيا بالبيئة أكثر مما عُنيا بالموضوع؛ فأَرْضَيا قَومًا كانوا يُحِبُّون أنْ يَلْهُوا، ويكرهون أن يشقُّوا على أنفسهم بالتأمل والتفكير فضلًا عن أن يشقُّوا على أنفسهم بالنظر إلى المناظر التي تُؤذي شعور الغانيات المترفات.
ولأَدَع مَا حَاوَلَ الشُّعَرَاءُ والكُتَّابُ بعد فولتير من تَجْدِيد قِصَّة أُوديب؛ لأصل إلى هذه المحاولة الأخيرة التي أَقْدَم عَلَيْها أندريه جيد وجان كوكتو بين الحربين.
وهما قد أَقْدَمَا على هذه المحاولة في وقتٍ وَاحِدٍ، لم يسبق أحدهما صاحبه، ولم يعلم أحدهما بمحاولة صاحبه إلا بعد أن أظهر كل منهما قصته.
والفَرْقُ عَظِيمٌ جدًّا بين القصتين؛ فأَمَّا جان كوكتو فيُسْرِفُ في التَّجديد والابتكار إسرافًا شَدِيدًا لا يدعوه إليه تعمق الفكرة التي تدور القِصَّةُ حَولها، وَهِي فكرة الصراع بين سُلطان القضاء وحرية الإنسان، وإنَّما يَدْعُوه إليه الفن نفسه، الفن الخالص الذي يروع النَّظَّارة ويُبْهِرهم ويحرص على أنْ يسحر أعينهم وآذانهم وعُقولهم أكثر مِمَّا يحرص على أنْ يَدْعُوهم إلى التَّأمل والتعمق والتفكير.
فجان كوكتو ليس مُتَهَالكًا على الجد ولا مُمْعنًا فيه، ولعله يُبغض التقيد بأُصول الفن المقررة، فأحرى أن يبغض التَّقيد بقصة الشاعر اليوناني القديم، وهو من أجل ذلك يبتكر بطلًا جديدًا هو أوديب، ويُحِيطه بِظُروف تُوشِكُ أَلَّا تَستبقي من اليونانية إلا الأسماء دون الحقائق، وهو يعقِّد قصته تَعْقِيدًا ويُخَالِفُ فيها بين المناظر والفصول، لا يتقيَّد بوحدة في الزَّمَان، ولا في المكان، ولا في الحركة، وإِنَّمَا يَكْتَفِي بوحدة الموضوع.
فقِصَّتُه تَبْدَأُ منذ قتل لايوس، وتنتهي بعد أن يَفْقَأ أُوديب عينيه؛ وإذن فهي تستغرق نحو عشرين سنة. تبدأ القصة حين تعرف المدينة مصرع الملك من جهة، وحين يمتحنها أبو الهول بلُغْزه من جهةٍ أخرى. ونحن نرى في الفصل الأول ظل الملك القتيل يظهر لبعض الجند، يُريد أن يرى الملكة والكاهن ليحذرهما من خطرٍ عظيم. ونحن نرى الملكة والكاهن يصعدان إلى حيث كان يظهر ظل الملك القتيل؛ فنرى ملكة شابة حلوة الدُّعابة خفيفة الرُّوح، خائفة من ظل زوجها، خائفة من الأحداث التي يُمْكِنُ أَنْ تُلِمَّ بها، محبة مع هذا كله للحياة ولذاتها، لا تكره أن تُداعب الكاهن الذي يُداعبها أيضًا، ولا تكره أن تُلاعب الجندي الشاب الذي رأى ظل الملك القتيل، وتُظهر ميلًا شديدًا إليه.
ونَحْنُ نرى في فصل آخر ما يكونُ من الصراع بين أُوديب الفتى المغامر وبين أبي الهول، ثُمَّ ما يكون من انتصار الفتى. ونحن نرى في فصل ثالث زفاف جوكاست إلى الملك الشاب ونشهد أول الشر؛ فالكاهن محنق على أُوديب مُشفق منه، وليس كريون أقلَّ منه حنقًا ولا إشفاقًا.
ثم نَرَى نحنُ آخر الأمر ظُهور الحقيقة ومَصْرَع جوكاست، ونَرَى أُوديب وقد فقأ عينيه، ونفى نفسه من الأَرْضِ، وَهمَّ أَنْ يخرج من القصر تقوده ابنته أنتيجون، وإذا ظِلُّ أمه وزوجه جوكاست يظهر، فيراه أُوديب الضَّرير ولا يَرَاهُ المبصرون من حَوْلِهِ، ويتحدث فيسمعه أوديب ولا يسمعه الآخرون من حوله، وإذا جوكاست تنبئ ابنها بأنَّ الموت قد طهَّرها من الزَّوجية الآثمة، ولم يَبْقَ لها إلا الأُمومة البرَّة، وهي قد أقبلت لتقود ابنها إلى منفاه وتُعِينه على احتمال الغربة.
فالقصة كما ترى رائعة بما فيها من اختلاف المناظر وبراعة الاختراع وحسن التحدُّث إلى الحس والشعور. وَيَظْهَرُ أَنَّ هذا كله يُرضي الجمهور الضخم من النظارة الباريسيين. فأَمَّا التحدُّث إلى العقل، وأمَّا مُواجهة المشكلات العُلْيَا، وَأَمَّا الصراع بين الدين والحرية؛ فأشياء لم يكن يحفل بها جان كوكتو، ولم يكد يحفل بِغَيْرِهَا أندريه جيد؛ فأندريه جيد متتبع لسوفوكل في مجرى قصته، لا يَخْرُج عن الخطة التي رسمها الشاعر القديم منذ خمسة وعشرين قرنًا. ولكن أوديب الذي ينشئه أندريه جيد رجلٌ قد تمَّ نضجه الفلسفي بأرقى معاني هذه الكلمة في القرن العشرين؛ يظهر في أول القصة مُسْتَجمعًا شخصيته كلها، مستكملًا قوته كلها، مُتَحدِّيًا للناس مُتَحدِّيًا للآلهة، لا يُؤمن إِلَّا بنفسه، يُعلن إلى النظَّارة أنَّه رجلٌ سعيد، قد عَمَّر أربعين سنة وملك عشرين عامًا، واكتسب سعادته اكتسابًا لم يَرِثْهَا عن أحد؛ ويوشك هذا الاعتداد بالنفس أن يدفعه إلى الغرور، وهو من أجل ذلك يُخادع نفسه ويزعم لها غير مُخْلِصٍ أنَّ الآلهة قد أعانوه، لا يُريد بهذا الخداع إِلَّا أنْ يتجنَّب الغُرور الذي كثيرًا ما ورَّط الناس في الشقاء.
فالفِكْرَةُ الأَسَاسِيَّة فِي قِصَّة أَنْدِريه جيد هي اعتداد الإنسان بنفسه، وثقته بحريته، واعتماده على قدرته التي تمكِّنه من اقتحام المصاعب وتذليل العقاب. وهذا الاعتداد بالنفس يسوء الناس جميعًا؛ فالجوقة التي تُمثل الشعب ضيقة بهذا الغرور مُشْفِقةٌ منه على مصير المدينة، ويدفعها إلى الإشفاق والخوف هذا الوباء الذي يصبُّ على المدينة بلاءً عظيمًا.
وقد أَخَذَ الشَّعْبُ الذي كان مفتونًا بالملك يتطيَّر به ويَهمُّ في أنْ يَكِيدَ لَهُ بَعْضَ الكيد ليصرف إليه وحده غضب الآلهة من دون المدينة. والكاهن ساخط على الملك؛ لأنه لا يخلص دينه للإله، بل لا يؤمن بالإله. وأبناء أوديب قد اختلفت أهواؤهم: فأمَّا الشابان فقد تأثَّرا بأبيهما، فهما لا يُؤمنان بشيء، ولا يرجوان لشيء وقارًا، ولا يكرهان أن يصبوا إلى أختيهما، وأن يتحدثا إليهما كما يتحدثان فيما بينهما بهذه الصبوة الآثمة.
أمَّا أنتيجون وجوكاست فمتأثرتان بالكاهن إلى أَبْعَدِ حَدٍّ، حتى إنَّ الفَتَاة لتُوشِكُ أَنْ تهب نفسها للإله. وأمَّا كريون فناعم بالحياة في هذا القصر لا يُحِبُّ أحدًا ولا يكره أحدًا، وإنَّما يُحِبُّ نفسه، ويُحِبُّ الحياة، ويستمتع بما يُتاح له من لذَّاتِهَا، ويُحافظ على التقاليد ما وسعته المحافظة.
وعقدة القصة كلها هي الاختلاف بين أُوديب الذي يعتدُّ بنفسه حتى يبلغ الغرور وحتى يجحد الآلهة، والكاهن الذي يريد أن يبسط سلطان الدين، وأنْ يُسَيْطِرَ من طريق هذا السُّلطان على كل شيء، وعلى كُلِّ إنسان، وعلى نفس الملك خاصة. وليس الوباء الذي ألمَّ بالمدينة، وليس البَحْثُ عن مصدر هذا الوباء، وليست استشارة الآلهة لتعرف هذا المصدر، وليس استكشاف المجرم الذي قَتَل أَبَاهُ وتزوج أمه؛ ليس هذا كله إلا مظاهر لهذا الصِّراع بين حُرِّية الإنسان واعتداده بنفسه حتى يبلغ الغرور، وبين سلطان الإله وتفوُّقه على غرور الإنسان.
فإذا تبيَّنت الحقيقة وعرف أوديب أن سعادته لم تكن إلا غرورًا، وأنَّ انتصاره على أبي الهول لم يكُن إِلَّا سَرَابًا، وأنَّ مُلْكَه الذي أسَّسَه ونعم به لم يكن إلا امتحانًا؛ إذا عرف أوديب هذا كله، ورأى امرأته وأمه قد قَتَلَتْ نَفْسَها، ورأى نفسه قد فقأ عينيه بيديه، ظن الكاهن تيرسياس Tirésias أنَّ الإله قد انتصر على غرور الإنسان، وأنَّ أُوديب قد ثاب إلى رُشده، وأَذْعَنَ لسُلطان الدين.
ولكِنَّ أُوديب لم يخرج عن كبريائه، ولم يستسلم للمحنة، ولم يعترف بالهزيمة، وإنما ثَبَتَ للخطب، بل هو لم يفقأ عينيه إلا تحدِّيًا لنفسه وللناس وللألم، ومُحاولةً لبناء مجدٍ جديدٍ من طرازٍ آخر معنوي غير هذا المجد الزائل الذي كسبه حين قهر أبا الهول وأسَّسَ الملك.
وهو حين ينفي نفسه من الأرض لا يُفارق المدينة مُنهزمًا ولا مَخْذُولًا، وإنما يفارقها يائسًا. لم يقهر اليأس نفسه وإِنَّمَا رَفَعَها فوق النَّاس وفوق أعراض الحياة، وهو ينصرف ساخرًا من الشعب الذي أحبه، ثم كَرِهَه، ثُمَّ أَخَذَ يتملَّقه حين عرف أنَّ بَرَكَة الآلهة مُتَّصِلة بِشَخْصِهِ، وينصرف ساخرًا من كريون المحافظ الذي يرى الملك كل شيء، وينصرف ساخرًا من ابنيه اللذين لا يفكران في الحياة إلا على أنها وسيلة إلى المتاع، وينصرف ساخرًا من الكاهن الذي يَعِظه ويُريد أن يَحمِلَه على الندم؛ فهو لا يرى أنه قد فعل شيئًا يمكن أن يندم عليه.
هذه هي القصة التي وضعها أندريه جيد، وهي كما ترى قريبة جدًّا من القصة اليونانية في موضوعها وفي غايتها، بعيدة جدًّا من القصة في صورتها من ناحية، وإنْ احتفظت بالجوقة، وفي إتقانها للتفكير، وتجنبها للتكلف الشعري الغنائي الذي قد يروق ويعجب، ولكنه لا يُغني عن التفكير العقلي شيئًا.
ولست أدري أمُخْطِئ أنا أم مُصيب، ولكني أعتقد أنَّ هاتين القصتين: قصة سوفوكل وقصة أندريه جيد هما وحدهما اللتان تشهدان بأنَّ مِحْنَة أُوديب خَليقَةٌ حقًّا بأنْ تَكُون موضوعًا للتفكير الذي يغذو العقل، والفن الذي يغذو القلب، وبأنْ تَكُون من أجل ذلك صالحة لتفكير الفَلَاسِفَة وابتكار الأُدَباء على مَرِّ العُصور واختلاف الأجيال.
وقد يكون مِمَّا تَمْتَازُ به قصة أندريه جيد من القصص الأُخرى التي حاولت تجديد القصة اليونانية أنها لم تقفْ عند قصة أوديب ملكًا، ولكنها ألمَّت من قريبٍ جدًّا بالقصة الثانية التي وضعها سوفوكل، وهي قصة أوديب في كولونا.
وكان إلمامها بهذه القصة رائعًا حقًّا، لا أكادُ أَعْرِفُ شيئًا يُشْبِهُه في جَمالِ الإيجاز ودِقَّتِهِ وكفايته، بحيثُ يَسْتَطِيعُ قارئ هذه القصة أن يستوعب أمر أوديب كله في غير مشقة ولا جهد.
فقصة أُوديب مَلِكًا تنتهي حين تموت جوكاست، وُيعاقِب أوديب نفسه، ويُعلن أنه سيهاجر من وطنه. وقد رضي كريون عن هذه الهجرة، وابْتَهَجَ بها الشعب، وسكت عنها ابنا أوديب الطامعان في الملك اللذان اتفقا قبل أن يمتحن أبوهما على أنْ يكون الملك دولةً بينهما، وأزْمعت أنتيجون أن تصحب أباها في منفاه، وقرَّرَتْ إسمين أن تلحق بهما بعد قليل.
ولكن الكاهن يُعلن فجأة أنَّ الآلهة قد أوحوا إليه أنَّهم يصلون البركة بشخص أوديب ويكتبونها للأرض التي يُدفن فيها بعد موته، وإذا كل شيء يتغير إلا رأي أُوديب، فكريون يطلب إليه البقاء مُلِحًّا في طلبه، والشعبُ يطلب إليه البقاء مُتَمَلِّقًا مُترضيًا، ولكن أُوديب يسخر من إلحاح كريون، وتملق الشعب، وتَوسُّل الكاهن، ويمضي إلى منفاه ساخرًا من هؤلاء جميعًا.
وفي هذا الحوار القصير اليسير يُوجِزُ أندريه جيد خير ما في القصة اليونانية الثانية بحيث يخرج القارئ من قصة أندريه جيد وقد عرف من أمر أوديب كل شيء: عرف بدء القصة وخاتمتها، وعرف مكر الآلهة وغرور أوديب، وعرف المحنة والمقاومة، ثم عرف عفو الآلهة وانتصار الإنسان.