(3)
ليل رحيله
حَمل"حامد"كتبه،وهدومه،وفضيحته-إن جاز تسميتها هكذا –مع البائعة،وقد قالت،وهى تستند على صدره برأسها المسلوت من عصابته..رافعة الراية البيضاء وجلبابها .
- أنا ملك جوزي
تضاحك،وحاول أن ينسيها أمره،وذِكره،وهو يلثم فمها.
****
تلصص"حامد"،وحمل شوقه وما استطاع.رأى"زكية"والأولاد،ورأى"فتوح"لا يشغله شاغل غير التقلب على الفراش.
ترك"حامد"كل شيء،عمله،بيته،عمره الذى أنفقه بين مزابل وحارات بلدته.وصقيع يحتل كيانه، ويأكل ما تبقى منه.
وقف"حامد"متجمداً،وحائراً..حين لمح بعض العيون الساهرة،وهى تتلصص،وتموت في تلصصها
{فلتجعل-يا حامد-موتك أمام عينيك تشهده}
سار بطيئاً،ووأد قلبه الجافل تحت قدمه.وقد كانت رغبته عارمة فى قضاء ليل رحيله مع البائعة. وكان يمكن له أن يبوح،ويظل قابعاً..مضاجعاً لها.الأبواب–الآن-في ليل رحيله مغلقة.
جفونه أرختْ ليله،وليل الناس؛فتحسس جيبه،ومضى.
****
انكشف الخيط الأبيض من الخيط الأسود،فانكشفتْ سوءته وهو ملقى بجانب النيل..بجوار شجرة الصفصاف العتيقة،والأغصان تتدلى بدلال،تشرب بملء كفيها.درأ سوءته فى بنطا له وبخفة حتى لا يلمحه شرطى؛فيسحبه بفعل فاضح فى شارع عمومى،والنيل شاهد، والأغصان يسمع كرعها،وصاحب الجلالة يتماوج.
ألقي"حامد"بجسده الثقيل الآن،وطارحه بالأحضان؛فكان جزءاً منه.والماء يدغدغ جسده.اختبر قوته،وتعاوم ضد التيار.
سار"حامد"لا ينوي علي شيء..غير أن يتوه؛فلا أحد يعرفه هنا.ميلاده الثاني متعثر،والوجه يغمره البياض.الآن ؛يتقافز "حامد"كالضفدع في الشوارع التى اكتظتْ باللحم الأبيض والأسود،حتى لفحته الشمس بلهيبها،وكلّتْ قدماه من المسير،فاستباح لنفسه الجلوس أمام الدكاكين.يهشّه أصحاب الدكاكين،فيفرّ مرغماً..يبحث عن مكان يضمه.هو نقطة متماوجة فى الزحام.وحين ينتهي السوق اليومي سوف يسعد بالشوارع والسكينة.طاف الشوارع والميادين حتى العصر.جلس –مهادناً جسده – يجرع الشاى.
القاهرة –واقفة على قدم وساق ليلاً ونهاراً –تغوص فى الأنوار.والنيل يضم العاشقين فى سلته، ويضيء مشاعرهم،ويجعل القبلات قصراً للشوق،ومرفأ للحلم الساحر،والرضاب أشهى من العسل.هكذا تصور حامد.
لا شيء ثابت مع سيره.وهو يتجول؛يقف–فقط–مذبوحاً أمام محلات الخمر،وتقاسيم الأنثى.لا أحد يعرفه،ولا يعرف أحداً.والأجساد تسير إلى غايتها بسهولة.
هرب من الجوع بالفرجة.كان يمر أمام صناديق القمامة،ينظر للقطط التى كانت تنوء،وتتعارك.هو فقط كان ينظرها.
دار بعينيه على أحد يعرفه،والخيبة بادية على تقلصاته وحركاته.لمح"مطاوع"،هرول ناحيته، والتصق به.
في آخر الليل؛والألسن قد تدبرتْ مكاناً للصمت؛جرّه"مطاوع".وكانت الأجساد قد التصقتْ في البداية،وسرعان ما تخبطتْ أقدام"حامد"؛ فتأخر خطوتين.
تتأرجح حياة"حامد"الآن بين أقدام"مطاوع".الخطوة سرّ.والمسافة زمن للجسد الموجوع بفعل حكايته مع ناسه.جسد منسى فى كل الأزمنة المعروفة.هو-حامد–فقط ينظر لتلك الأقدام المفلطحة، والحذاء الأسمر الكالح الذى ينقر أرض الأسفلت.
أمام الشقة؛وقف"مطاوع".نقر شراعة الباب الذي ينفذ منه ضوء أصفر باهت.وكان"حامد"على بَسطّة السلم.بينه وبين"مطاوع"خمس درجات من الرخام متآكلة،ثم وضع"مطاوع"المفتاح،وخبط الباب بقدمه.كان جسمه داخل الشقة،"وحامد"ما زال يصعد الدرجات المتآكلة.أطلّ"مطاوع"برأسه الصغير الأصلع،وزعق فيه.
الشقة أربع غرف وصالة فسيحة.كراسي قديمة متناثرة هنا وهناك،وترابيزة صغيرة..مدورة تشغل مساحة الوسط.ارتعب"حامد"حين وجد ثلاثة وجوه مصوبة ناحيته.قال"مطاوع":
- مساء الخير عليهم .
رد الرجل والمرأة والفتاة بحسِّ واحد:
- أهلا يا مطاوع
"وحامد"يعلن ارتيابه بوقوفه كتمثال رمسيس.جذبه"مطاوع"من تاريخه حين حدف تحيته،وأغلق غرفته،ووضع يديه على فم"حامد"،وقال:
-كل وقت وله آذان
لم ينزعج"حامد"{فليكن الأمر كما يكون}
صباحاً؛تسلل"حامد"إلى الحّمام.قابلته الفتاة ببسمة؛فألقى عليها التحية منعاً للإحراج.وكانت تجتهد في عمل الفطور على ما يرام.مضغ لقيمات قليلة،ونزل مسرعاً.تفحص المكان جيداً،وثبّتْ فوق الشقة سحابة آتية من بلدته.
ليلاً؛تجشم"حامد"مشقة الاقتراب،وعينا الفتاة لا ترمش،فاصطنع خجلاً..حياءً من أمها"ومطاوع"، ربما تكون من عائلته الكريمة.قطع"مطاوع"حبل صمته :
- لولا أمنا روحية
وهو يضحك،وهى تضربه بدلال على صدره
- ونسرين..
قالت روحية قبل أن يكمل حديثة:
- أنت ابني يا مطاوع.ربنا عوضني بيك
فأحسّ"حامد"بطمأنينة.أكملتْ كلامها،وغمزتْ بعينها"لمطاوع"الذي لمح ابتسامة كانت غائبة فى عبّها.وارتعش جسد"نسرين".بعدها؛ضمّتْ روحية"حامد"إلى العائلة كمطاوع،وابتسمتْ،فازداد "حامد"قرباً منها ومن"نسرين"،وعينا"نسرين"لا ترمش.تبسم"حامد".سألته "نسرين"عن اسمه وأشياء كثيرة أخرى.ردّ"حامد":
- أكل عيش
- عارفة..لكن
وضحكتْ"نسرين"،وحاولتْ مسك يده،وعيناها لا ترمش.ازداد"حامد"رعباً من بدايته،وحاول أن يتخفى بالليل.
كل البدايات اختيار،"و حامد"فقط هو الذي يمسك النهايات بدون بداية له ،يمسك بيديه الموت والحياة..لكنه لا يعرف.
ينزل"حامد"مبكراً،ويعود متأخراً.ومشاويره بين حانة ريش، والبستان،والأوبرا، والأتيلية،والوقوف بإجلال وتعظيم أمام محلات الخمر،والتشوف إلي صدور وأعجاز النساء.حين قابل"حامد""مطاوع" بالصدفة تعانقا جيداً،والقى أمامه مرارة العتاب.تأبطه"مطاوع".ومضيا معاً.
نطّ الدم،وصرختْ الفرحة في وجنتي روحية ونسرين فجأة،حين ألجمتهن مفاجأة حضورهما معاً وعلي غير العادة.انزوى"مطاوع"بروحية يحدثها أحاديث جانبية.أشفق"حامد"على"نسرين"،والتصق بها.هو يخفف عنها.حين أحسّ بحرارة الالتصاق؛مسك يديها برهبة وخلسة.سحبته إلى غرفتها،وفى عينيها لهفة يعرفها،وصدرها المتماسك قد تقطّعتْ به الأسباب؛فتبرز،وانتفخ.خلعتْ أرديتها إلا غلالة شفافة.أطلّ بجذعه،وتشوف صاحبه.يخاف أن يلمحه،أو تزجره روحية؛فيكون مصيره الخرائب."ونسرين"تتمدد رويداً..رويداً،والسحر الجميل يغلفها.قام جافلاً حين سمع خرير الماء.و هرول إلي غرفة صاحبه.أشار له"مطاوع"أن يستر عليهما بقفل الباب.لم يفعل،واستباح لنفسه فُرجة لم يرها من قبل.قام"مطاوع"،وهو يعنّف"حامد" وروحية تنفخ
- المجانية خلاص انتهتْ!
خطوته الثقيلة تناوله لنسرين بغلا لتها الشفافة وبسهولة.وماء النيل يتساقط من جبينه.والارتواء ظاهر وجلي في خد نسرين.قال لها"حامد":
- حرّصي من مطاوع
وتركها هابطاً إلي الشارع..تاركاً باب الشقة مفتوحاً.
عاد"حامد"إلي الغرفة يحمل لون الإسفلت،ولون ماركات العربات الملاكي وكانت"نسرين"علي أريكته منتظرة.داعبها،وقال في نفسه{ فليكن أمري معها كما تريد؛ مادامت تطيعني في نفسها بذلاً، وانقياداً لأمري}
بعد ثلاث ليال،طلب"حامد"من"نسرين"أن تخلي سبيله،وتقبل عوضاً عنه آلاف الرجال –ولهم ثقل ونخوة–فلم ترض،وازدادتْ تمسكاً به.راوغها،واستكان جسده للنوم.هي بجواره تدلك صدره،وتدق في جسده أنثى مرغوبة لا تهدأ إلا بالوثوب عليها،ورشف ترياق ثغرها.طلب أن تهبه نفسها.وهبتها{ ليس لي الآن مهرب}وطلب شهود زور على ذلك،فضحكتْ بدلال.قام يفتش عن شامتين التصقتا بجسمه. هذا آخر ما تبقى من آثار بلدته.عثر بصعوبة على برغوث وقملة،فحمدتْ"نسرين"الله،وقتلتهما حفاظاً على السرّ،وارتاحتْ نفسه قليلاً.لبس"حامد" نعله –ونعله جَمله وركوبته – حتى أتى النيل .والخيط الأبيض من الخيط الأسود قد انكشف؛فانكشفتْ سوءته.
للمرة الثالثة؛تخبره"نسرين"بحملها؛فيمسك"حامد"جيب أبيها وعقلها ومشورة روحية؛ويجهضها. تتمسك"نسرين"بعقاله{أعتقد أن لديها من الفراسة ما يؤهلها أن تصبح يوماً ما زوجتي}حاول"حامد" طرد هذا الخاطر.وبعد أن تعافت"نسرين"؛أطلق في وجهها رغبة الرحيل
- تعودت عليك
لم يرد عليها
- ارحمني،أنا محتاجة لك
تتمسك"نسرين"ببنطاله،وهو يحمل جسده الثقيل وخطوه.تبكى بحرقة.لم ير"حامد"هذه الدموع .ذبلتْ"نسرين"،ونشفتْ في الحال،وأبهره ذبولها وماء عينيها المالح.تقبّل"نسرين"حذاءه-وهى لا تقوى على صلب طولها –وقالت:
- اعمل أي حاجة!لكن..
صِدقها يحزّ في نفسه،ويستبقيه.والشقه بمثالبها تستعطفه أن يستظل بها،حتى روحية تحثه بدمعتين وهى تطيّب خاطر"نسرين".
- من ترك قديمه؛تاه.
"روحية"فتحتْ جرحه.والصديد يتجمع من جديد في صدره..بداية تسلله،وليل رحيله.
خرج"حامد"مسرعاً.والشطط والشوق واللهيب جنود يطاردونه.وصل لاهثاً إلى النيل.ثم؛ألقى بنفسه .بين الماء والنار ولادة من جدي.
كان مبلولاً على الشاطئ،وقد سمع وهو في غيبوبته( الدنيا فيها كثير.ربنا يستر على عبيده) "وحامد"لا يسمع خرير النيل.عاتبتْ"نسرين"أمها عتاباً مرّاً.انتشلوه من المستشفى بعد ما سمع"حامد" : انتحار..يائس.بعد أن استفاق،قال"حامد" لنفسه{ لي رغبة عارمة أن أزور بلدتنا}
على مشارف البلدة،استوقفته الريبة وسوء الظن.
طرق"حامد"الباب.والزغاريد تملأ الشارع وجوانحه.التصافح بشدة والغبطة برجوعه تؤكد أن للسلام معنى جميلاً.فتحتْ"زكية"بلهفة.لم تصدق،وارتابتْ.لما أفاقتْ،تحسسته بأناملها المرتعشة؛لتأنس بوجهه وشاربه.والقُبل تنهال على جسده.وعناقه"لياسر"والأولاد لم يتحمله؛فأجهش"حامد"بالبكاء.
وقف"فتوح"قبالة"حامد".تشهّد"حامد"،ورغبته في عناقه أمر حتمى –لا يستطيع ذلك إلا إذا فرد ذراعه –صافح "حامد""فتوح"بحرارة،وتناسى أمره سريعاً.
انتهتْ الزيارة على خير،وتسلموا هديته وعنوانه،واعتذر لسرعة رحيله{ كان الله في عونك }
****
حملتْ"نسرين"أثقالاً على سُرّتها{هي تقول ذلك}فلم ينفع معها هذا العلاج. بطنها تنتفخ،والفضيحة على الأبواب."حامد"ليس له طاقة في هجرة أخرى وابتداء آخر{هو يقول ذلك}
في ا لهزيع الأخير يتقلب"حامد"؛يحصى النجوم التي قد تلاشتْ.يعود إلى فراشه."ونسرين"نائمة بجواره.دثرها"حامد"،وأحكم الدثار على بطنها.زحرتْ بصعوبة،وقامتْ فزعة،فدثرها بصدره،فارتاحتْ ،وأحكم صدره وذراعه في عناق حار،وقال:
- خير إن شاء الله
أثقلها الفزع والزُحار،فأحكم"حامد"صدره وذراعه في عناق حار،فارتاحتْ،وحكتْ له حلمها:
-كلب أسمر يتسمح كالقطة بصاحبه.وصاحبه يرمى له الفضلات،ويضربه والكلب أنيابه ظاهرة.
هزّها"حامد"،ودغدغ جسدها حتى غفلتْ،فنسيتْ"نسرين"أمر الكلب،وارتاحتْ .ثم قامتْ فزعة، فدثرها بصدره،ولم يحكم الدثار
- أحلامك كثيرة اليوم.ممكن تولدى
ما زالت"نسرين"ثقيلة بالفزع والزُحار؛فدثرها"حامد".وملح عينيها يتساقط على صدره.ويداها تجوس في أنحائه،ففزع..لكنها أكملتْ حلمها:
-كرباجه على كتفه،يضرب واحداً قُدامه،والثانى يا عينى موجوع من الضرب ويقول:نسيت.لكن الوجع ظاهر لغاية ما اختفى منهم واحد
كان الفجر قد كشح السواد.لم ينم"حامد"بقية ليلته إمعاناً في تأويل.أجزم أنها أضغاث أحلام، فألقاها في سلّة مهملاته اليومية.
في يوم آخر؛ألقى"حامد"التحية على روحية،فوشوشته أن"نسرين"نائمة.حاول"حامد"كشف وجهها بلهفة لتهدئة نفسه بقُبلة حتى يستره الليل."نسرين"دامعة.معها ورقة تحاول إخفاءها.سلمتها له حين سألها،وأجهشتْ بالبكاء.توجس"حامد"( إعلان من محكمة كفر الزيات للأحوال الشخصية للمثول في نظر الدعوى المرفوعة من فتوح )ضحك"حامد"عالياً،فتوجستْ"نسرين"وهى تجوس بيديها في وجهه.بكى"حامد، فعانقته،وارتاح قليلاً.
"نسرين"الآن على وشك الولادة.الولادة متعثرة.والدكتور"ميخائيل"بشوش،والفز ع يخرم أحشاءه
- بنتان، وولد.ربنا يطرح فيهم البركة،ومحبة يسوع
عانق"حامد"الدكتور ميخائيل،و شَكَره{ربما يكون هذا هو التأويل}قال"حامد"لنفسه،ونسى أمر الكلب،فقد شغله التأويل عن الدخول لنسرين.مرّتْ ساعات، وكان على طرف سريرها.داعبها قائلاً:
- ثلاثة مرة واحدة..خلفة بأثر رجعى
تبسمتْ"نسرين".وحين علمتْ بموت البنتين؛بكتْ
- الولد يكسب
قال"حامد"،فانفرجتْ عن نسرين ابتسامة الرضا.
لم يمرّ يومان حتى قابلتْ"نسرين"رباً كريماً{ ما هذا؟ إعلان ببشرى الموت}وهرول"حامد"حتى وصل قُدام النيل،ولم يستطع خلع أرديته،وماء النيل شحيح.أجهش بالبكاء متوارياً عن العيون المتلصصة.والدمع يصنع الدوائر مع الماء المتبقي،ويختلط مع مائه.قام حين امتلأ النيل عن آخره، وفاض على جوانبه.
أسَّر"حامد"لصديقه الدكتور ميخائيل برغبة سرية،وقام بالتوقيع على ماكتبه الدكتور.وخصاه الدكتور مرغماً.بعدها؛حَمل"حامد"حقيبته،وترك لحمه الأحمر أمانة مع روحية،وسافر إلى الدلجمون .وكان"فتوح"قد قصّ رؤيته على زكية..نفس رؤيا"نسرين"
****
قاعة المحكمة مكتظة بالمتخاصمين والمتفرجين..أصحاب الأمزجة الحارة.انتصبا كعيدان الذرة الرفيعة حين سمعا اسميهما
- استسمحك سيادة القاضي
قال"حامد"،وذهب للقاضي،ووشوشه.ابتسم القاضي لمّا أعطي"حامد"له الكارنية الخاص بعمله. أمر القاضى بإخلاء القاعة."وفتوح"منشرح الصدر،باسم الثغر
- طلباتك ؟!
طلب"فتوح"مبلغا من المال شهرياً(هذا هين،وواجبى.لو تنحى بى جانباً،وطلب أكثر من هذا المبلغ ما ترددتُ في الإجابة،ومحامية – من أين لك هذا يا فتوح ؟- يمسك بعقال قضيته،ولا يخشى قولته: أنت وما تملك ملكاً لأبيك)
- وأنت يا أستاذ ؟!
- أنا . آه ! الطعام المتعفن فى بطنى؛الراحة فى..فى قذفه
"وحامد"نظر لفتوح نظرة مملوءة بتاريخ شخصي وذكرى،ثم بصبص له.هاج"فتوح"،وهيّج المشاعر بعدما شتم"حامد"
- مش معنى أنى كويس؛يبقى غيرى وحش
قطع محامى"فتوح"الطريق على بلاغة "حامد"،وقفل حنك موكله"فتوح"،وقال:
- سيدي القاضي، دخل فى موضوع القضية أحسن لنا
- آه،القضية !
وكلّم"حامد"نفسه{اعرف أنه ليس من حقى أن يكون لى ملك خاص،لأن ما أحصل عليه..أيّا كان نوعه – حتى لو كانت غانية أختلى بها – لا أحصل عليه لنفسى..بل لفتوح}
- آه،القضية !
نظر"حامد"لفتوح نظرة تعنى: الحقيقة والمجاز معا،وسار خطوات كأنها الدهر حتى وصل إلى منصة القاضى،ووشوشه مدة،وسلمه شهادة الدكتور ميخائيل،وأوراقاً،وشريط تسجيل،ثم نظر ناحية "فتوح"،وكساه الدمع لأول مرة،ثم قال:
- واسأل حضرتك"زكية"وياسر والأولاد عن الحقيقة.أُحكم بما تشاء
- رُفعت الجلسة
( فتوح،كل المسرات أمامك ،وكل شىء قد دُفع إلىّ منك ،ولا أحد يعرفني غيّرك ،ولا يعرفك غيري ، وقد طويتُ صحيفتي منذ فارقتك متسللاً )
ألقى"حامد"نظرة أخيرة –وفتوح متسمّر-وقد اغرورقتْ عيناه،والرعشة بادية على أطرافه،وعناقه لفتوح في قاعة المحكمة أمر صعب،ووداعه له أصعب،وصوته الحقيقي يعلن ويصرخ،شرط الخضوع :الحب،ومضى يبحث عن النيل.وصلصال بلدته يعلن رائحة العفن،ويختمر بدمعه.تذكر"حامد"لحمه الأحمر،فسافر مطمئناً،لا يشغله شيء.
بعدها،تعرّى"فتوح"،وأيقن أنه يقبض الهواء،فشخص بصره،ولم يرتد طرفه،وأصبحتْ الأرض مسجداً طهوراً،وصوته يعلو بعد صمتٍ{رد المقام}ويجهش بالبكاء،ويصمتُ مدة،فيعلو صوته بعد صمته {تزينوا للعرض}وملابسة رثة،وهيئته غبار،ويجهش بالبكاء،ويصمتُ مدة،ويعلو صوته بعد صمته{مكر النفس من حدّة الهوى}وقد حفر حفرة،فاحتلته.وانزوى بعيداً عن البلدة،لا يحسّ ببرد أو بحرِّ.واستقر بمثلث التقاء ترعة الباجورية والهاويس.والتقاء الماء يصنع دوامات هائلة تُغرق المراكب والسباحين.هدأتْ الدوامات،وتلاشتْ حين استقر فتوح بهذا المكان.وأصحاب المراكب والصيادون يجالسونه،وينادونه بعم الشيخ،ويعلو صوته بعد صمته{المكان مربوط بالسماء}فيتعجب جلساؤه، ويستشعرون الرهبة ،فيتباركون،ويتركون بجواره أشياء عزيزة.
علم"حامد"سيرة"فتوح"؛فبني له مسجداً حتى يأنس بحجيجه،وقد كانت كلمات"فتوح"قليلة يعلو بها صوته بعد صمته،حتى حفظها جلساؤه وندماؤه{الرضا موجود ؛ لو كان الغضب عن علّة . واجد، وموجود . واحد، ومحمود . موجود .. موجود}وندماؤه يتعجبون من فصاحته،وخشيته الممزوجة بدمعه، حتى انقضى أجله فى شتاء قارص.
يُقال:إن"فتوح"فارق البلدة.وأنه رجل خطوة،وحظوة.وأصبح من أعوان الخضر عليه السلام. وأن الطيور أكلته،ونهشته الكلاب والذئاب والثعالب..حين أقعده المرض.
لمّا وصل"حامد" خبر"فتوح" ؛عاين"حامد"المكان.وكان الدود يمشى فى المسجد.ورائحة العفن بادية.
****
أقرضهم"حامد"–قرضاً حسناً –يده مرغماً.ونظرته تغوص مجبرة فيما تحت الثرى.وقد داهمه شعور بالرهبة والتفسخ،فتقطّر الدمع،وتساقط..حافراً فى وجهه بعض ما يعانيه.وكانت يده كبيت العنكبوت خاوية وضامرة.كان الطفل الذى يتعلم أبجدية المشاركة يرفعها،ويخفضها كيفما شاء،ويضغطها بقوة؛ فتؤلمه،ويصرخ ؛فتشتعل في قلوب الرجال كل النخوة المفقودة،فيصافحونه بشدة،ويزداد ألمه، ويخالط قلبه الوهن،فيتصلب بقشّة،ويمسك جاره الفارد ذراعه حين يثقله الهمّ،وينقره.يجلسه رجل قد رآه يتلوى، ويهوى.يرمقه الرجال.والصبية يتعلمون فيه المشاركة،فيندسون بين الكهول،وأسماعهم متصنتة،فيلقون فى وجهه ما يسمعون بالحرف الواحد..متلعثمين ومتكبدين مشقة الحزم والتجهم كأقرانهم الكبار،وينسلون مسرعين من الطابور الطويل فرادى ومثنى،ويتجمعون دوائر..دوائر.وعلى البعد تتضاءل رؤيتهم فى عين حامد العامشة.والهواء رسول إلى أذنه،فيندفع الغضب فى جسده، ويرعشه،ويضحك غير معلن ضحكته للقابضين على يده،ويردد بدندنة–لا يسمعها غيّره –أغنية.
كان الصغار قد وصلوا إلى مشارف الحقول الواسعة،وأياديهم تنتزع من الحقول ما يُأكل،أو ما يدخل فى قلوبهم البهجة.زاغتْ عين حامد على ذيل الطابور الطويل كذقن الشيخ سعفان،فرأى ما يثلج صدره،ويحفزه في أن يظل صامداً للنهاية فقد شارف الطابور الطويل على الانتهاء.وكان بين الشيخ والرجل مسافة فرسخين أو يزيد،فكان يتزحزح للشيخ الهرم؛ليصافحه،ويمضى بعكازه.
في آخر الطابور الطويل شخص يشبه صاحبه.هو لا يجامل أحداً على حساب مزاجه،وراحة باله.لا يمكن أن يتخلى عن مبدأه؛ليصافحه،ويتحمل فوق طاقته ما لا يستطيع حمله أو تكراره{يمكن.لايمكن . ولما لا ؟}فرك"حامد"عينيه،وأوقف الدمع القليل العالق–شفقة منه على نفسه – وكرر محاولته.لا شىء أكيد.حالفه الحظ أن رأى اختلافا جوهرياً:يتوكأ على عصا.وقف"مطاوع" قبالته .وكان شيخ عجوز على مسافة فرسخين أو يزيد.تقوقع"حامد"داخل نفسه."ومطاوع" يتفحصه،وهمس له بأشياء مضحكة،والعجوز يقترب.لمح"مطاوع"سؤالاً مُلحّاً في عين"حامد".والعجوز يمد يديه البالية لحامد.سأل"حامد""مطاوع"فجأة.قال مطاوع:
- جابنى مزاجي
وهشّ"مطاوع""حامد"بعصاه،وضربه بها،وطلب رضوخه لمزاجه العكر،وكان يهتز اهتزازاً خفيفاً، وكان العجوز فارداً أصابعه المهترأة.مسك"حامد"صاحبه بقوة لا يعرف مصدرها،وصافح العجوز،وعنّف صاحبه،فالمكان مقدس وطاهر.تلجلج"مطاوع"في كلامه.وقبل مجيئه شرب زجاجة دواء –لعلاج سعال الأطفال –رخيصة،وجعلتْ دماغه في أصابع قدمه الوسخة،بدأ "مطاوع"يدفع"حامد"دفعاً كريماً. "وحامد"يتململ ضيقاً،وقد اشتعلتْ الرغبة في جسده ورأسه.وتمنى ساعتها أن يكون مثل"مطاوع". فاجأه الشيخ سعفان بتربيته؛فأفاق"حامد"من رغبته.حسبها الشيخ حزناً صادقاً،فأرخى عنان تنهداته المترحمة على السابقين.ونكّس رأسه؛فنكّس"حامد"رأسه.تمتم الشيخ بالدعاء؛فشكره"حامد".
انفض الجمع،وانقطع ذيل الطابور الطويل،فأرخى"حامد"يديه بجواره.وكان"مطاوع"ما زال أمامه"حامد"الذي همّ أن يضربه بعصاه.
حفار القبور يطلب أُجرته.ألقى"حامد"ما في جيوبه،وشَكَره على مضض،وترحّم على"نسرين"التي كفلته حياً،وكفلها ميتة.
انفض الناس من حول"حامد"سريعاً،وقد تحمّل أصابعهم ونعالهم المهترأة والمرقعة من أعلى ومن أسفل.ما يحزّ في نفسه هذه المجاملة المباغتة.كريم من أكرمه( كل هذا الجمع الذى انفض سريعاً لي أم له ؟! أجزم أنه لى،ويجزم صاحبى أنه للميت.فى دماغى لخبطه)أسكره هذا الازدواج،وأعجبه.يكرر حامد محاولة فهمه.
لفحته،"ومطاوع"نسمة باردة وهما على مشارف الدخول.والحقول الخضراء تتمايل،و تتراقص فى عينيه."ومطاوع"يكمل إيقاع النغم المقلوب.أفاق"حامد"قليلاً،وتلجلج لحظة حين لمح الأطفال واقفين وباسمين،ويودون لو يمران من جوارهم.سبح"حامد"في خوفه،ووقف ينظر أى الطريقين يسلك.حدف سلامه إليهم –وما كان آمناً خالصاً –وانحرف فى طريق ضيق لا تدخله الشمس.
مازال"مطاوع"يترنح،وفى يديه عصاه.رجع"حامد"سريعاً،واختطفه من الطريق العمومى.ضحك الأطفال،وتمنى أن يضحك مثلهم.
أسرع"حامد"الخطى حتى يلحق الشمس حين تذهب من سطح البيت الطيني،والمغطى بالقش وقذارة أهل البلد.هو دائماً يودعها حين تدمع،وجسدها الأرجوان يتلاشى.السواد يكبر،فيعود إلى فراشه تلدغه البراغيث ووحدته –وأمله أن يرجع كما كان –حتى انقضتْ أيام التعزية.وعاد"حامد"إلى القاهرة وفى جعبته شاعره الصعلوك"مطاوع".
اليوم الليلة الكبيرة للسيدة زينب؛سحب"مطاوع""حامد".جسد"حامد"يستنشق عرق الأجساد، وغبار الزحمة،ورائحة الحشيش مع صوت المديح والابتهالات،وزنقته عبراته حين لمح وجه"فتوح"يمر بخياله.ورأى بعض الوجوه التى تتشابه من قريب أو بعيد لوجه"فتوح"،أو طريقة لباسه،ومشيته.
ظل"حامد"يطارد"فتوح"،"وفتوح"يطارده؛حتى استقر علي فكرة تنقذه.
****
غَرَمَ"حامد"من المال ما يبنى اقتصاد بلد فقير..إحياءً لماض عزيز.ووافق المأمور وجنوده بالإشراف على الليلة الموعودة.
البلدة تضرب كفاً بكف.للشيخ منامة.والبلدة تُقدم رجلاً،وتأخر أخرى،وفى احتياج شديد لشيخ جليل يحفظها من اللصوص.والبلد –دون شيخ جليل،ومقام جميل–خرابة.
في الليلة الكبيرة الأولى"لسيدي فتوح"،لمح"حامد"أول المريدين،وتعجب،فقد كان يطوف حول المقام..العسال،وزوجته،وفتوح الصغير ."وياسر"بالركن الرابع المخفى..والمواجه لباب الدخول. يرتدى سروالاً قصيراً،وعمامة.واللحية قد طالتْ،ثم انتفض"ياسر"فجأة،ونتر الدمعات المتقاطرة على الأرض،ولفّ حول المقام.
الرواة
يتجلى الغناء واضحاً؛حينما يكون الطير علي وشك الموت،ورجع الصدى يملء فراغ الكون الواسع.وبالسحر الذي لا يملكونه؛انجذب الرواة للحكاية.ترنموا بها-أولاً-مع أنفسهم،ثم رددوها بقوة،ثم حكوا الحكايات دون خوف؛بعدما أصبح للشيخ مزاراً.