-3-
شبـــــح الليــــــــل
تسمرت كريستينا في مكانها ، تتأجج في حيرة ، وتبحث عن عبارات تنطق بها . ظلت معقودة اللسان . لم تكن تتوقع أن تراه ثانية . لا بل تمنت إلا ترى وجهه في حياتها ، خاصة بعد تلك الحادثة المؤسفة ، وتصرفه البارد معها . ألم يؤنبها بعد أن خلا الشارع من المارة ، واعتبرها مجرد طفلة صغيرة ضالة؟ ألم يعتبرها سيئة النوايا لا هم سوى استغلال امرأة طاعنة في السن؟ ألم تشكره على مساعدته ، ومضى كل منهما في سبيله ، فماذا يريد الآن؟ من هو بالضبط ..؟
هتف هازئاً :
- ما هذا الصمت أيتها السكرتيرة البارعة؟ آمل انك لم تتعرضي لمزيد من المصائب منذ لقائنا الأخير .
شمخت كريستينا بأنفها . يدل مظهره ، وطريقة دخوله المنزل انه أحد الزوار الدائمين ، أو ربما يكون أحد أقارب السيدة براندون . وعرفت ان من الأفضل لها إخفاء عدائها إزاءه ولكن كلماته تجرح مشاعرها ، وتثير أعصابها إلى ابعد حد .
قالت بتأفف :
- شكراً . كل شيء على ما يرام .
رفع حاجبيه :
- هل أنتِ في طريقك إلى المكتبة لتناول الشاي؟
كادت تنكر كل شيء ، وتنسحب إلى غرفتها . ولكنها قاومت رغبتها العابرة وهي ترى يولالي منتصبة قرب باب المكتبة تصغي إلى تبادلهما العبارات المثيرة بدهشة . لا ، لن تتصرف بحماقة ، خاطبت نفسها ، ومشت بخطى وئيدة صوب المكتبة .
كانت غرفة المكتبة جميلة للغاية ، مربعة الشكل ، منخفضة السقف ، مفروشة بسجادة عجمية . وتمتد أرفف الكتب فوق ثلاثة من جدرانها وتزين الجدار الرابع نوافذ فرنسية ذات شراعات لاستقبال النسيم العليل . ولمحت مقاعد جلدية أمام النوافذ مع طاولة صغيرة في الوسط ووضعت هناك صينية ، يتوسطها إبريق شاي فضي وإلى جانبه فنجانان فاخران . وأدركت لتوها أن الشاي معد لشخصين فقط .
التفتت وراءها وهالها أن تراه يهم بإغلاق باب المكتبة . نظر إليها مبتسماً وكأنه يقرأ أفكارها . ثم قال ساخراً :
- افضل الشاي مع بعض الحليب ولكن بدون سكر من فضلك .
احمرت وجنتاها ، وأسرعت تظهر انهماكها بإبريق الشاي . بدا قديماً وثقيلاً وأحست بارتعاش خفيف بيدها ، حيث اندلق بعض الشاي فوق الصحن والصينية عضت شفتها آسفاً ، وأخذ المجهول المتطفل يهز رأسه تشفياً :
- ما هذا أيتها السكرتيرة البارعة؟ عليك تلقي بعض الدروس قبل أن تصبي الشاي لعمتي . إنها لا تتساهل أبداً حول أشياء كهذه ، وتبدي رأيها بصراحة . ألم تلاحظي ذلك؟
أرخت كريستينا إبريق الشاي باضطراب . تنبهت إلى كلمة واحدة نطق بها:
- تقول عمتي! هل أنت .... هي ...
قال بهدوء :
- هذه هي الحقيقة المرة . اعتقد أن الأوان حان لتقديم نفسي . أنا ديفلين براندون ابن أخت السيدة براندون .
ردت كريستينا بعد لحظة مليئة بالدهشة :
- هكذا إذن!
اخرج ديفلين براندون علبة سجائر من جيب قميصه وأشعل واحدة منها وعلق ببرود :
- اعرف أن وجودي مفاجأة غير سارة . هل يهدأ بالك لو قلت أن ردة الفعل كانت متبادلة؟
أجابت بامتعاض :
- وكيف ذلك؟
ابتسم بخبث :
- لأنك لم تشبعي فضولي كسكرتيرة حول حاجة عمتي إلى خدماتها .
تمالكت كريستينا أعصابها ، وصبت الشاي في الفنجان ، وحملته إليه بثقة و ثبات :
- ألا تعتقد أن سؤالاً كهذا يوجه إلى عمتك؟ وكف عن مناداتي بهذا اللقب!
أشار بأسلوبه اللاذع :
- لا يمكنني . إن ذلك يبدو لائقاً .
قالت وهي تشعر بالاعتزاز :
- لم أتصور أن اللياقة تهمك كثيراً يا سيد براندون .
ظل محافظاً على هدوئه ، مسترخياً في المقعد الجلدي ، وابتسامة ساخرة تعلو وجهه :
- إن للقطة الصغيرة مخالب إذن . أنصحك بعدم إظهارها . لا يتسع هذا المكا- ماذا تنتظر؟
- انتظر لأسمع اسمك وماذا تفعلين هنا.
ترددت كريستينا . كان عقلها يحثها على ردعه وإفهامه أن هذه الأمور لا تعنيه لا من قريب ولا من بعيد . ولكن ربما كانت مخطئة؟ انه من عائلة براندون ، ولا تعرف ما هو مركزه في العائلة بعد وأخيراً قالت بجفاف :
- اسمي كريستينا بينيت واختارتني السيدة براندون لأكون سكرتيرة ومرافقة .
أجاب بعذوبة :
- هل هذا صحيح؟
حدجته بنظراتها في غضب :
- يبدو ... يبدو انك لا تصدقني . ولكن هل يوجد مبرر آخر لوجودي هنا؟
أطفأ سيجارته في المنفضة :
- هذا ما تبادر إلى ذهني . وحتى الآن لم احصل على إجابة مقنعة .
أعادت كريستينا فنجانها إلى الصينية و قالت بحدة :
- انك تثير غضبي!
لوى فمه :
- ماذا؟ اسمعي يا آنسة بينيت أنتِ التقيتِ بعمتي ، ويمكنك أن تحكمي بنفسك عما إذا كانت تحتاج إلى مرافقة .
طوت كريستينا أصابعها باستياء :
- اعتقد أن ذلك يتوقف على ما تنتظره من خدمات.
- وما هي الخدمات التي يمكنك تقديمها؟
اضطربت قليلاً :
- لم نناقش هذا الموضوع بالتفاصيل ..
- هذا هو الصدق بعينه . قولي لي يا آنسة بينيت هل سبق لكِ أن قمتي بعمل مشابه؟
قالت تتحداه :
- نعم كنت اعمل مع ... مع ... عمتي ولعدة سنوات .
أجابها بفتور :
- وتعتقدين ان ذلك يؤهلك للعمل مع عمتي . انك أما بالغة السذاجة أو خارقة الذكاء يا آنسة ولا أدري أيهما أنتِ؟.
فغرت كريستينا فمها :
- انك قليل الحياء يا سيد براندون . إذا كانت عمتك تعتبر مؤهلاتي كافية فهذا يكفيني ( ونهضت واقفة ) والآن اسمح لي بالانصراف ...
قال بفظاظة :
- اجلسي مكانك . لم انته من الكلام بعد .
ابتسمت باستخفاف :
- يا لحظك السيئ . لم يعد لدي ما أقوله . ومن الواضح انك تجدني غير مؤهلة لهذا العمل ، مع إنني لا افهم لماذا ...
قاطعها بحزم :
- لا تفهمين لماذا؟ أمعني النظر يا عزيزتي الصغيرة .
وقبل أن تأتي بحركة ، توجه نحوها ، وامسك بكتفيها ، فوجدت نفسها أمام مرآة معلقة قرب الباب . صدمها مظهرها الغريب بشعرها الأشعث ، و وجنتيها المحمرتين ، وعينيها المتطايرتين شرراً . بدت مخلوقة همجية . حاولت التملص من بين يديه فمنعها بصوت أجش :
- لا تتحركي . واسألي نفسك ما الذي يمكن أن تقدمه فتاة في مثل سنك ومظهرك إلى امرأة مثل عمتي .
رددت بعنف :
- ربما كانت السيدة براندون لا تريد الانزواء كسيدة طاعنة في السن . تريد أن تنعم بصحبة أحد في مثل عمري وهذا ما قالته لي .
- وأنتِ أغرتك الحياة الصاخبة في هذه المنطقة من العالم فتشبثت بعمل كهذان لأكثر من نمرة واحدة ، وكما ستلمسين ذلك بنفسك وإنني انتظر
كانت خائفة ومتوترة الأعصاب وكادت تبوح له بكل الحقيقة وتروي له شكوكها ومخاوفها التي تقض مضجعها ولكن لتتركه يفكر كما يشاء لن تبالي به .
وقالت ضاحكة :
- طبعاً ولا تعتقد إنني وقعت في خدعة معينة . إن السيدة براندون شرحت لي كل السلبيات والمصاعب والتي ستعترضني .
تركها وشأنها ومشى نحو النافذة :
- وماذا عن الإيجابيات والفوائد ... هل ذكرتها لك ؟
استطردت بثقة :
- إنها اشهر من أن تعرف .
ورأته يلتفت إليها بمرارة وامتعاض :
- ربما كنت على حق ، لا ادري ما الذي دفعك لقبول العمل في هذا المكان المنعزل ومع سيدة مستبدة لا تزال تظن أن عصر الرقيق لم يتم إلغاؤه بعد .
قالت كريستينا بصوت مضطرب :
- يا لك من خسيس قليل الأدب . كيف تقول هذه الأشياء عن عمتك ...
قاطعها :
- إن آرائي لا يهضمها خيالك الشاعري وتصورك لحياة المزرعة . لا تخدعي نفسك يا آنسة بينيت أنت لا تعيشين في الفردوس ، ولا توجد ملائكة هنا .
حمدت ربها وهي تلاحظ انفتاح باب الحجرة . ظنت أن يولالي عادت تطمئن عليها . لاكن خاب ظنها .
رأت شاباً في ريعان الصبا ، فائق الوسامة بشعره الأسود وعينيه اللامعتين وفمه الجميل . كان يرتدي ملابس الفروسية بأناقة تامة .
خاطب كريستينا بلباقة مهذبة :
- تأخرت كثيراً ويبدو انك تناولت الشاي . أردت العودة مبكراً أرجو المعذرة اسمي ثيو براندون .
ثم انقبضت أساريره قليلاً ، كان شيئاً ما أزعجه ، قال :
- مرحباً يا ديفلين
أجابه ديفلين بانحناءة من رأسه :
- لم اكن اعلم انك تحب الشاي يا ثيو؟
هز ثيو بكتفيه ونظر إلى كريستينا بلطف :
- أردت الترحيب بالضيفة الجديدة .
رفع ديفلين حاجبيه :
- ضيفة؟ تقول أنها أتت لتعمل هنا .
رد ثيو متبرماً :
- لا بأس . ستجد جدتي شيئاًَ يشغلها في ساعات الضجر ولكن عليها أن تستعيد نشاطها تحت أشعة الشمس ( ونظر إليها بإشفاق ) لقد عانت جدتي كثيراً مؤخراً إذ فقدت إحدى قريباتها .
- آه ... لو أنني عرفت ذلك لوفرت على نفسي متاعب كثيرة ( ومشى نحو الباب ثم توقف ) عندما ترتاح عمتي من عناء السفر ، هل أبلغتها أن وفداً من لجنة الجزيرة يرغب في مقابلتها وفي الوقت الذي يلائمها .
ابتسم ثيو ابتسامة باهتة :
- هل من الضروري أن تجتمع بالوفد؟
- لا . ولكن طلبوا مني إبلاغها .
جلس ثيو على حافة المقعد ، ينقر حذائه بسوط الركوب ، واستفسر :
- وهل ستكون أحد أعضاء اللجنة؟
استدار ديفلين يهم بالخروج . كان معكر المزاج وسمعته يردد بعنجهية :
- طبعاً ، طبعاً .
قالت بنبرة واضحة عذبة :
- وداعاً يا سيد براندون .
هدر غاضباً .
- افهم معنى كل ما قلتيه لي ، آنسة بينيت ولكنك تبالغين قليلاً لاشك أننا سنلتقي اكثر من مرة وأثناء إجازتك .
لحظها السيئ ، فكرت كريستينا ، وهو يوصد الباب وراءه بشدة ووجدت ثيو ينظر إليها باستغراب ، فخجلت قليلاً . سألها ثيو بوقاحة :
- هل تجدينه جذاباً؟
كادت أن ترد عليه بوقاحة أشد ، ثم تذكرت أن الاثنين تربطهما صلة القرابة :
- آسفة . لم اقصد ....
قهقه :
- ما لنا وللمجاملات . كانت ردة فعلك طبيعية سيشعر بصدمة رهيبة لو عرف حقيقة مشاعرك تجاهه . انه يعتبر نفسه فاتن النساء . وما الذي قاله فأغاظك هكذا؟
أجابت تتعمد إخفاء اضطرابها :
- لا شيء . سبق لنا أن التقينا قبل هذه المرة وهذا كل ما في الأمر .
علت الدهشة وجهه .
سمعت دقات خفيفة على الباب ثم دخلت يولالي وقالت مباشرة :
- السيدة براندون تسأل عنك .
أسرعت كريستينا ترتب هندامها .
- حسناً خذيني إلى غرفتها .
مشت خلف يولالي إلى أن بلغتا البهو الرئيسي . وأدركت كريستينا أن جناح السيدة براندون يقع بمحاذاة البهو الكبير ، ويتكون من غرفة نوم كبيرة وحمام وحجرة صغيرة تضم آلة بيانو .
كانت السيدة براندون منفرجة الأسارير عندما دخلت كريستينا :
- أجلسي يا ابنتي هل أنتِ بخير؟
أجابتها كريستينا بانحناء من رأسها ثم قالت :
- آسفة كان علي تغيير ملابسي لتناول العشاء .
تقبلت الأمر برحابة صدر :
- لا أهمية لذلك . لا أتوقع منك أن تعرفي كل شيء منذ اليوم الأول . اخبريني ما هو رأيك في ارك اينجل؟ هل أعجبك الحال هنا؟
لم تتوقع كريستينا سؤالاًَ كهذا ، فغمغمت ببضع كلمات غامضة . فطمأنتها السيدة براندون :
- اعرف انك تحتاجين إلى مزيد من الوقت لاتخاذ قرار كهذا . ولكن أريدك أن تتصرفي وكأنك في بيتك.
أجابت كريستينا بحياء :
- هذا من لطفك يا سيدتي أعدك ببذل جهدي لتلبية كل طلباتك وأتمنى أن تحددي مهام عملي هنا وما يتطلبه بالضبط ، ونوعية واجباتي .
لوحت السيدة براندون بيدها ، تتلألأ منها الماسة كبيرة ، وقالت :
- يوجد متسع من الوقت لبحث كل ذلك أما الآن فخذي فسحة من الراحة وتمتعي بما حولك واعتقد انك تعرفت على حفيدي .
قالت كلماتها الأخيرة بدون مبالاة ولكن كريستينا أحست بتوتر خفي . أجابت على نحو طبيعي :
- نعم تعرفت عليه آتى عندما كنت أتناول الشاي .
- هذا ما قاله لي . يبدو انك تركت لديه انطباعاً طيباً .
نظرت كريستينا مذهولة :
- انك تبالغين قليلاً يا سيدتي . إن الأولاد في مثل سنه يتأثرون بسرعة .
تجهمت السيدة براندون :
- في مثل سنه؟ انه لا يصغرك إلا بأشهر قليلة . وفي الحقيقة تبدين بشعرك المتدلي فوق كتفيك اصغر منه .
قررت كريستينا اتباع سياسة الحذر :
- نعم . ولكن يقال أن البنات ينضجن قبل الصبيان ولو كانوا في سن واحدة .
ردت باقتضاب :
- من المحتمل . لم يحدث أن تعرفت على عدد كبير من البنات ، ولذلك أعجز عن إعطاء رأيي في هذا الأمر . هل تجدين ثيو صغيراً بالنسبة إلى عمره؟
سارعت كريستينا بالقول :
- لا . أبداً يبدو انه ناضج تماماً ويحب الحياة .
طاب خاطرها فتنهدت قائلة :
- صحيح انه لم يرزق بصحبة أبناء من جيله حتى الآن . واعلق آمالي عليك لسد هذا النقص قدر المستطاع . أنكما مثال الرفيقين مع بعضكما البعض .
بلعت كريستينا ريقها محتجة بدون طائل :
- ولكن اعتقدت إنني سأعمل سكرتيرة لك .
عقدت السيدة براندون حاجبيها :
- ليس تماماً يا ابنتي . أنا لا أدفعك للعمل مع ثيو . أريد القول أن لديك كامل الحرية لتقبل دعوة منه .
احمرت وجنتا كريستينا وتمتمت :
- شكراً يا سيدتي .
- هل يزعجك اهتمام حفيدي بك؟
مدت كريستينا يدها تفرك أذنها :
- كلا انه شاب مهذب ولكن لا افهم كيف تسمحين لي كموظفة ليست أرقى من الخادمات كثيراً بعمل صداقة مع حفيدك .
تجمدت عينا العجوز وقالت مصعوقة :
- أنتِ ضيفتي وكانت ربة عملك صديقتي . لا أريد سماع أي حديث عن خدمات وما إلى ذلك بعد الآن . تتكلمين كأنك تعيشين في القرن الماضي .
أطرقت كريستينا رأسها :
- أنا آسفة ولكن وضعي هنا يبدو غامضاً جداً ...
داعبت وجنتها بنعومة :
- هدئي من روعك لا داعي إلى القلق وهذا الاضطراب والآن دقي الجرس ولنذهب لتناول العشاء .
التهمت كريستينا طبقها بشهية رغم أفكارها المشوشة ومراقبة ثيو لها خلال فترة العشاء بأكملها. ثم توجهوا إلى صالون خاص تزينه ألوان ذهبية وعاجية وانتهزت كريستينا انهماك ثيو في لعب الورق لتتجول في الغرفة وتمعن النظر في اللوحات والرسوم المزخرفة . ومر أمامها شريط من صور عائلة براندون مغرقة في القدم ثم لمحت لوحة زيتية تصورت أنها بريشة الرسام الفرنسي الشهير رينوار .
انتهت من جولتها فأحست بالملل الشديد . تمنت لو تستطيع التنزه في حدائق ومنتزهات المنزل لكنها عدلت عن ذلك لمعرفتها أن ثيو لن يتوانى عن رفقتها كانت لا تريد التورط في أية علاقة غرامية معه والأفضل أن تخرج وإياه للتفرج على المزرعة والحقول المجاورة في وضح النهار وليس تحت ستار الظلام . همس ثيو في أذنها ، فاضطربت قليلاً :
- هل تحبين الموسيقى؟
أجابت :
- احبها كثيراً رغم أنني لا أجيد العزف على أية آلة .
تقدم من دولاب قديم وفتحه . رأت آلة ستيريو ومجموعة ضخمة من الاسطوانات وأشار عليها باختيار ما تريد قائلاً :
- أنها كلها موسيقى كلاسيكية للأسف جدتي تمقت الموسيقى الراقصة يوجد ما يشبه النادي الليلي في سانت فيكتوار يمكننا الذهاب معاً إلى هناك ذات مساء إذا أحببتِ .
كانت دعوته العفوية تلقائية وطبيعية لذلك كان لا يجوز رفضها ، قررت بينها وبين نفسها ولم تكن مفاجأة لم تتوقعها ، فابتسمت شاكرة .
وقع نظرها على اسطوانة تعجبها فطلبت منه سماعها وجاءت الموسيقى الناعمة لتشكل خاتمة لطيفة ليومها . هكذا حدثت نفسها وهي تتوجه نحو غرفتها مخلفة وراءها ثيو مكسور الخاطر . بدت غرفتها مريحة مزهوة باستقبالها ولاحظت أن أحداً ما أشعل المصباح بجوار سريرها . خاطبت نفسها :
- علي الاحتراس ، وإلا وقعت ضحية هذه الحياة الجديدة .
وهذه هي مشكلتها أتت إلى هنا لتعمل وتكسب رزقها بعرق جبينها وها هي تكتشف أن للحياة أشكالاً أخرى مختلفة ولن ترضى بحياة كهذه تؤدي بها إلى الكسل والخمول والاعتماد على الغير أوت إلى الفراش وظلت مسهدة لا يجد النوم إلى عينيها سبيلاً . تمنت لو نفذت خطتها وقامت بنزهة قصيرة بدلاً من الإصغاء إلى الموسيقى . إن الهواء العليل يهدئ الأعصاب و يجلب النعاس . وبعد أن تقلبت في الفراش متململة لبعض الوقت نهضت من السرير وارتدت معطفها . مشت نحو النافذة وفتحت الشيش المطل على الشرفة . كان الجو منعشاً فكرت وهي تحدق إلى صفاء الفضاء يتهادى فيه قمر فضي بشعاع باهت . تنفست بعمق وإحساس بالمرح . بدا كل ما يحيط بها عالماً جديداً لا عهد لها به .
وبينما هي غارقة في أحلامها العذبة ، لفتت انتباها حركة مكبوتة في الأسفل . عرفت لتوها القامة التي خرجت من الظلال وسطعت تحت ضوء القمر رغم اختفاء الجاكيت الأسود ، إنها يولالي تمشي بجسدها الأهيف . ورأتها كريستينا تدور حول حمام السباحة تسرع الخطى في اتجاه شجيرات كثيفة كالشبح .
عادت كريستينا إلى غرفتها وخلعت معطفها . تأكد لها أن يولالي ذاهبة للقاء أحد ما ولا بد انه شخص لا يسكن في آرك اينجل .
استلقت على فراشها يساورها الارتياب . إن هذا الشخص ليس سوى ديفلين براندون ولكن لماذا تشغل بالها به وبهذه الخادمة .