1

10 0 00

1

كانت المرة الأولي التي يظهر فيها موسي مقدرته المادية,لقد استطاع علي مدار ثلاث سنوات من العمل المتوا صل علي عربة الفول أمام شركة الحرير أن يكون نفسه,كانت بيوت المنطقة التي سميت بمنشية جمال عبد الناصر لا تتعدي خمسين بيتا تم توزيعها علي المساحة الكلية للمنطقة والتي تساوي مربع زراعي مقدره 2 كيلو مترمربع بطريقة عشوائية, فعلي بعد 50 مترا من الكورنيش ـ الذي يمتد من ركن فاروق إلي ميدان حلوان ـ يجلس بيت الحاج رشاد وإذا أخذنا خطا مستقيما سيكون بيت كمال سرحان ومجموعة بيوت ملاصقة له علي مسافة مائة وخمسين مترا وبعدها بقليل ولكن بانحراف الخط المستقيم ليصبح خطا عرضيا توجد مجموعة من البيوت والزرائب ملك الحاج عبد الرؤف,تسكنها عائلة أولاد الجابري الذين يعملون في الأرض ويحرسون أملاك الحاج عبد الرؤف ,ثم بيت أنور الصاوي وزوجته أم أحمد التي تبيع الجاز,وعلي مسافة لا تقل عن المائة متريقف بيت عبد الفضيل بعيدا عن الطريق العمومي والذي كان بجوار الترعة التي تفصل أرض الإصلاح الزراعي عن أرض المنشية ثم وعلي بعد 50 متر تقف ثلاثة بيوت مشهوره ببيوت الحاج عبد الديم الذين يملكون ورشة تصنيع الاخشاب وبالقرب منهم منزل معرش بالايمنت يسكنه عم عوض الكهربائي وبعدهما وعلي بعد 50 متر يقف بيت المقدس فرج وبجواره بيت المعلم يوسف أنيس وأمامهم مباشرة يقف جامع الحاج طه ثم بيته الأول الذي يسكنه هو وزوجته ثم بيته الثاني الذي يؤجر دوره الاول المعلم موسي صاحب المطعم وعربة الفول ,ثم علي مسافة عشرين مترا يقع منزل أبي نوح وبجواره منزل أبى سويلم وعلي مسافة عشرة أمتار بيت أبى زيد وخلفه مباشرة منزلان ملتصقان هما منزل عبد العليم ومنزل عم صالح وعلي مقربة منه منزل الحاج إسماعيل بجوار المسقة التي تقسم المنطقة من المنتصف ,وبقية المنطقة والتي تتسع أكثر من 700 مترطول وعرض لا يوجد بها غير بيوت وزرائب عبد الجبار,وعند منزل أبي نوح لو أخذنا خطا عرضيا وعلى مسافة لا تقل عن ثلاثين متر توجد مجموعة بيوت اهمها بيت عم شبل المغربي بائع القصب وبعده بـ 100 متر يجلس منزل عم محيي ثم بعده وعلي بعد 600 مترسوف نجد منزل أم طارق الرغاية أي بجوار الرشاح تماماـ الرشاح يفصل كفر العلو عن المنشية ـ الرشاح هذا تم حفره في بداية عام 1947 حين افتتح أولاد أبي رجيلة مصنع الغزل والنسيج الذي أمم بعد ذلك عام 55 وكان عبارة عن ترعه صغيرة تمر فيها مخلفات المصنع ,كانت المسافة بين بيوت الحاج عبد الرؤف ومنزل الحاج طه كلها مزروعة ويحرسها عائلة أبي سعيد الجابري المكونة من ستة من الأبناء أكبرهم بالطبع سعيدالذي ظل لمدة أربع سنوات يتحكم في مرورنا بهذه المنطقة ولم يستطع أحد منا المرور وحيدا في منطقة نفوذه التي كنا نسميها منشية أبناء الجابري ,كان أحمد صالح أكثرا حبا للمغامرة مع شجر النبق والبلح, ورغم أنه قدعوقب كثيرا من أولاد الجابري وأبيه بعد ذلك إلا أنه لم يرتد إلا بعد أن صمم عم الجابري علي ربطه في إحدي الأشجار بعد أن تركناه أنا وعبد الحميدومحمود ابن عوض الكهربائي وجمال عبد الدايم وجلسنا في بيوتنا يومين قبل أن نعرف أن عم صالح هو الذي فك ابنه وتعهد للجابري أو علي وجه الدقة للحاج عبد الرءوف صاحب الأرض والبهائم والذي يستمد منه الجابري وأبناؤه نفوذهم أن يربي أحمد جيدا ,كانت العبارة التي لازمت أحمد بعد ذلك هي قسم الحاج عبد الرءوف أمام الرجال الذين ذهبوا مع جارهم صالح ليخلصو أحمد:

ــ والله لو شفته بعد كده لأربطه في عود جرجير والجدع فيكم يقدر يفكه .

كانت نغمة الصوت وليست الكلمات التي تغيرت بتغير قائليها هي أهم اللزمات التي صرنا نقابل بها أحمد بعد أن أصبح طبيبا بيطريا يشرف علي مزارع الحاج عبد الرءوف بعدأن انتقلت إلي ركن فاروق ,كانت الحكومة قد قررت مد خط الكهرباء إلي بيوت المنشية وزوجة محمد نوح قد فكت عن كيس أحزانها لأم ( علي ) زوجة موسي صاحب المطعم وعربة الفول ومن هنا جاءت المرة الأولي التي أعلن فيها موسي مقدرته المادية وقال لمحمد نوح الذي ذهب يشتري منه العيش والفول قبل ذهابه إلي عمله في شركة الحرير :

ـ مالك يابو مجدي مهموم ليه ؟

ارتبك قليلا ثم سأله:

ـ مين اللي مهموم يابو علي؟

ـ لمؤاخذة باين عليك ,

ـ من غير لامؤاخذة باين عليّ إزاي؟

وضع موسي كبشة الفول في الحلة الألمنيوم التي أعطاها له أبو مجدي دون إرادته لما وجد يده تمسك بها وهو يسأله ثم أعقبها بالثانية والثالثة وهو ينظر في الحلة وعلي وجهه علامات شبه الإحراج الشديد ثم قال :

ـ لمؤاخذة يابو مجدي إحنا إخوات والست بتعتك كانت قالت لأم( علي) على موضوع النور والفلوس اللي طلبتها المحافظة والحاجات دي يعني ,وإحنا في الأول وفي الآخر إخوات ,يعني ممكن تاخد الفلوس وتسددهم أما ربنا يسهل.

كانت الحلة قد امتلأت تماما حين انتهي موسي من كلامه مما جعل محمد نوح يمد يده ويمسك بالحلة التي أصبحت علي وشك حرق يد موسي أو وقوعها علي الأقل . أمسك بها ثم وضعها علي حافة البنك وراح ينظر لموسي الذى تغير لونه كثيرا وقال:

ـ ربنا يسهل يابو( علي) إنت عارف يوم الحكومة بسنة ,وأهه بقالها شهور بتقول علي موضوع النور ده ,وأنا شايلك للعوزة ثم ابتسم وأضاف, أنا لّيا مين غيرك يعني ياموسي.

دخل البيت وهو يضع الأرغفة وفوقهم الحلة في يد وفي الأخري كيس الطعمية وحزمة الجرجير أمسكت أمرأته بحلة الفول وقالت:

ـ ابو علي متوصي بيك قوي ليه؟

كانت الكلمة كفيلة بإظهار مدي تجهم وجه محمد الذي قال لزوجته:

ـ انتي يامرة انتي إيه اللي خلاكي تحكي لأم (علي )علي موضوع فلوس النور ؟

لمحت المرأة تجهم وجه زوجها فقالت بخوف وعشم :

ـ والله ياخويا ماني عارفةإيه اللي وقع لساني ,كنت اتشليت ومطلعتش من لساني,

كانت الكلمات تخرج من فمها بمأساوية شديدة مما حرك قلب زوجها فبدا وجهه رائقا وطيبا وحنونا وهو يشرح لها عن مخاوفه من لسان أم( علي) وزوجهاأمام الزبائن , نفت المرأة بنفس مساحة المأساوية التهمة عن موسي وزوجته وراحت تعدد محاسنهم منذ جاءوا من خمس سنوات .

كانوا من أول سكان المنطقة ,سكنوا في المنزل الملاصق لجامع الحاج طه . كان موسي وزوجته وأولاده الثلاثة علي وأحمد ونعمة ,(علي) الكبير يبلغ من العمر احد عشر عام وأحمدالصغير لم يتعدا العامان ,أما نعمة فهي الوحيدة التي من سننا إذ تبلغ الخامسة,عرفنا أنه يعمل في مطعم في حلوان وظللنا شهورا كثيرة نراه وهو عائد عند العصر ببدلته الزرقاء يحمل شنطة قماش فوق كتفه حتي جاء ذلك اليوم الذي فوجئنا به عائدا عند العصر في عربة نصف نقل عليها عربة خشب من عربات الفول والطعمية التي تشبه عربة الكشري ,كانت الرسومات المرسوم علي العربة بدقة وعناية جميلة جدا أو بدت في عيوننا جميلة جدا بعد أن استقرت بجوار الجامع ,دخل موسي إلي الداخل وأصبح( علي) ونعمة هما الحارسان, اجتمعت أطفال البيوت وراحوا يقرأون بصوت خائف من الخطأ أمام بعضهم البعض الكلمات المنقوشة بروعة علي العربة ,قال عبد الحميد :

ـ عين الحسود فيها عود,

أشارت نعمة علي اسمها ولكزتني في بطني وهي تقول:

ـ الفول نعمة ,

ضحكنا كلنا عليها ,قال أخوها (علي) الذي كان يعمل مع أبيها ولم يكن يعرف القراءة بصوت جهوري :

ـ الفول نعمة يابقرة , مش اسمك ,

دخلت إلي البيت وهي تبكي ونحن نلف وندور حول العربة كلّ يريد أن يلحظ العيون المرسومة بدقة وجمال ,خرج علينا عم موسي وهو ممسك بيده نعمة التي احمرت عيونها من البكاء ,جري محمود الكهربائي وطارق ابن أم طارق الرغاية ,وبعض الأطفال حين وقف عم موسي أمام العربة ,لم نتحرك نحن ,كنا نعرف طيبته منذا جاء من عامين ومن أجل ذلك لم نخف منه ,قال ( لعلي) وهو يظهر قرفه الشديد من جهله ويشير علي الكتابة:

ـ الفول نعمة,يعني الفول بتاع نعمة ياحمار,منتاش شا يف الخطين دول ,وأشار علي علامتي التنصيص اللذين يحضنان اسم نعمة,ثم أمسك بيده وقال:

ـ شايف (علي) ده اسمك

ـ بس ده علي الله يابا,

ـ مش بقولك حمار ,( علي) أهه لوحدها ,وبعد كده الله ,وتبص علي الناحية التانية تلاقي أكبر.يعني الله أكبر فهمت ياحمار.

في صباح اليوم الثاني شاهدت المنطقة التحرك التاريخي لعربة الفول ,كانت الأيام الأولي بالنسبة لبعضنا في العام الدراسي,وكنا نسمع صوت حجر دق الطعمية للمرة الأولي في حياتنا مما جعلنا جميعا نشارك في زفاف العربة ,كان المعلم موسي الذي أخذ لقبه ذلك اليوم من جميع زبائنه أمام بوابة شركة مصر حلوان للغزل والنسيج يرتدي جلبابا أبيض وعليه فوطة( تيل نادية) بجيوب طويلة وفوق رأسه طاقية شبيكة يمسك بمقود العربة من المنتصف وفي الأمام (علي)يضع ظهره علي مقدمة العربة وهو يرمي بيديه للخلف ممسكا بزاوية العربة ,كان كل منا يبحث عن مكان في الزاويتين الباقيتين ـ كانت القدرة علي الاستحمال والمعافرة هي المعين علي الفوز بأي مكان فأحمد صالح مثلا ـ الذي كان أكثر قدرة علي المشاكسة ـ غير مكان تواجده خلال الأمتار الأولي أكثر من عشر مرات كان خلالها يسمع صوت المعلم موسي وهو ينهره,استقر أخيرا بعيدا عن عين المعلم حتي يستطيع أن يفوز بأول قرص طعية مسروق, لم ننتبه إلي ذلك حتي اليوم الثالث حين وقفت طوبة غاشمة أمام إحدي عجلات العربة فتحرك المعلم من مكانه للمرة الأولي وذهب باتجاه(علي)عن طريق الجانب الذي اتخذه أحمد مستقرا له خلال الأيام الماضية , كانت الصرخة الخارجة من فم المعلم كفيلة بسحب يدي من علي مؤخرة نعمة

ـ وأنا يابن الكلب بقالي يومين بقول الطعمية بتروح فين ؟

انتبهنا جميعا علي رقبة أحمد الظاهرة في يد المعلم وفمه المليئ بثلاثة من أقراص الطعمية , تركه المعلم بعد أن أخرج القرص الثالث من فمه ثم نظر إلي القرص جيدا ثم أطاح به بعيدا وهو يدعو الله علي خلفة الشياطين .

لشهور طويلة ظللنا نقوم برحلة الصباح,كانت يدي خلالها قد تدربت كثيرا علي جميع أجزاء جسد نعمة التي لابد كانت سعيدة بذلك لأنها كانت تشاركني سندوتشات الفول المهروس فيها طعمية في الفسحة.

أول أيام الأجازة الصيفية شاهدنا إنشاء طريق المنشية شركة الحرير , كان المعلم موسي قد جاء بماسورة كبيرة وأدخل فيها حبلا طويلا وراح يجرها هو وبعض معارفه ونحن معه حتي استوي للمرة الأولي طريق سمي فيما بعد بشارع زين الدين.