4

10 0 00

4

لماذا اختار منزله بجوار جامع الحاج طه وهو المسيحي ؟ وكيف سيعيش تسعة وعشرين عاما وهو الوحيد بعد الله الذي ظل كل هذه المدة يستمع إلي آذان الفجر؟ ليس آذانا واحدا كما في كل الدنيا ولكنه آذانان,الأول للتنبيه ,وليس له ميعاد ثابت , بل هو الوحيدالذى عرف أن آذان فجريوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر أبريل الموافق الخامس من جمادي الثانية لم يؤذن له ,ولطالما فكر أن يسأل عن ذلك ولكنه خاف ,وظل يعتقد لسنوات أن هذة شعيرة دينية سرية لدا المسلمين تماما كاحد اسرار الكنيسة ولم يفكر ولو لمرة وحيدة أن أحدا لم يكن يعلم بغياب المؤذن الذي راحت عليه نومة,أو أحد ذهب إلي صلاة الفجر في هذا اليوم من أهالي المنطقة, أصوات كثيرة استمع اليها,اختلف صوت الشيخ حسن عن صوت الشيخ قاسم وأسماء كثيرة لو حاول تذكرها لاحتاج إلي سويعات كثيرة أيضا,وبالطبع تغيرت اللزمات التي تصاحب الآذان الأول عن الثاني ,

فمن( هذا هو الأذان الأولاني)

إلي (هو ده الآدان الأول)

وصلي الله علي محمد صلي الله عليه وسلم ,

فجور كثيرة أتبعها إعلان عن موت أحد الأصحاب أ و الجيران أوالمعارف,

بصراحة يمكن لأي مسيحي أن يستمع إلي الآذان مرة أو مرتين في اليوم ,هذا أقصي ما يمكن استحماله,باستطاعة أي مسيحي يمتلك ريموت تليفزيون أن يغير القناة حين يسمع الآذان,باستطاعته أن يغلق التليفزيون حتي لا يستمع إلي درس الشعراوي يوم الجمعة, بل يمكن له أن يشغل نفسه في أي شي وهو جالس في ميكروباص العتبة حلوان ,أن ينظر مثلا إلي المارة, أن يتابع عربة ـ ولتكن حمراء ـ تقودها فتاة جميلة, بل با ستطاعته أن يتحمل صوت المقريء لمدة نصف ساعة هي أقصي فترة زمنية يمكن فيها اجتياز الرحلة ,لكن

أن يؤذن في بيته,أن يستمع إلي كل الدروس العديدة دون أن يتمكن لمرة وحيدة كالمسلمين أنفسهم من ترك الدرس والانصرا ف إلي حال سبيله,هذا مالاطاقة لأحد به,

مولاي إني ببابك قد بسطت يدي ,من لي ألوذ به إلاك يا سندي ؟ مولاي يامولاي, هي أكثر ما أحب من كل ما استمع إليه طيلة السنوات الستة والعشرين ,والغريب أنه لم يستمع إلي هذا الدعاء من ميكروفون الجامع رغم كم الأدعية التي استمع إليها ,ورغم ذلك لم يستطع أن يمتلك هذا الدعاء أبدا.

فجور كثيرة استمع بعدها عن إعلان للوفاة كما قلت ؟ ثلاثة فجور فقط هو ماتحمله ذاكرته ليس عن قلة أو كثرة , فقط عن لحظات تملكت شعوره بعد معرفة اسم المتوفي ,اللحظة الأولي هي يوم وفاة الحاج طه وبالتحديد بعد سبع سنوات من إمتلاكه لبيت بعيد عن بيت أبيه الضعيف أمام زوجته الجديدة والصغيرة أيضا , أما اللحظة الثانية فقد كانت يوم وفاة سعاد ابنة جاره محمد نوح

,فلقد كانت صاحبة ابنتيه وأجمل ما رأت عيونه من طباع, اللحظة الأخيرة هي أحب ما يتحدث عنه.

ـ البقاء لله , توفي إلي رحمة الله المعلم عبد الجبارمحروس أبو حربية , أبو كل من منير وعماد ,والدفنة الساعة عشرة من أمام منزله بشارع 21 .

لماذا يحفظ الإعلان كما خرج من فم الشيخ بكر رغم مضي سبع سنوات علي الأقل؟

ماذا يملكه في قلبه لعبدالجبار حتي يعيد الإعلان الذي قيل لمرة وحيدة دون أن يضيف اسم أحد الأبناء الذين سقطوا سهوا من الشيخ بكر ـ الذي اعتذر ليوسف أحد أبناء عبد الجبارالسبع أمام جمع من المشيعين حين أنبه علي طريقة الإعلان عن وفاة أبيه و حين أتم اعتذاره أمام الناس بالسهو وجل من لا يخطئ , أنبه مرة أخري علي عدم تدارك الموقف بإذاعة الخبر مرة ثانية .

كان قداستقر بالمنشية منذ ما يقرب من الثلاثة أعوام ,وبالطبع عرف عبدالجبار وأولاده جميعا ـ يرجع الفضل إلي ذلك لأفعال عبد الجباروعائلته التي يعرف أخبارها القاصي والداني ـ وكعادة أهل المنطقة تجنب كل ما يمت إلي عبد الجباربصلة, فإن كان أخوه الحاج عبد الرؤف يفر منه فرار السليم من الجربان ـ فما بالنا بالمقدس فرج الذى يحتا ط أكثر من كل ساكني المنطقة وذلك يعود بالتأكيد لكونه المسيحي الوحيد في المنطقة آنذاك .

كان قد استمع إلي معركة عفريت شارع 21أو شارع عبد الجباركغيره من الأهالي, وكان من عادته منذ بنى الدور الأول لبيته أن يمسك بالمقشة ـالتي كانت عبارة عن عرجون نخلة ـ ويكنس أمام بيته الذي هو في نفس الوقت أمام الجامع ,ثم يدخل إلي بيته ويأتي بالجردل المليء بالماء ويرش المنطقة كلها وذلك بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر, من بعيد شاهدعبد الجباروبعض ساكني بيوته وأبناءه وهم يحملون العصي والفؤوس, كان ما يزال يكنس الشارع فلمّ ما كنسه بجور حائط الجامع ودخل ريثما تمر المظاهرة التي دخلت يومها الرابع علي التوالي ,لم يشأ أن يجلس في الحجرة فدخل إلي البلكونة مباشرة,وجلس على الأرض حتي لا يراه أحد,كانت الزفة اليومية تتوقف أمام رؤوس الشوارع لتعلن ( للمعرصين) ساكني الشارع واللذين يسرقون اللافتة أنهم لابد واقعين ,ولحظتها فقط سيتم تحويلهم إلي نساء لذكورهم الكبيرة والكثيرة أيضا, ربما تغير الإعلان نظرا لمكانة صاحب البيت ,كان اليوم هو اليوم الرابع الذي يتم فيه سرقة اللافتة والذي اقتنع فيه عبد الجبارشخصيا بأن ما يفعل هذة الفعلة هو عفريت كما قال له الشيخ أبو مينا ,ومن هنا جاءت الصدفة لعبد الجبارحين نظر بعينه إلي حائط الجامع ووجد الزبالة مكومة بجواره ,فكر سريعا في كلام أبي مينا واسترجع سريعا كلماته عن العفريت الغريب وتأكد له أن فرج هو الذي حضّر العفريت الغريب هذا وحين ذلك قال :

ـ شفتوا النصراني ابن ميتين الكلب راكن الزبالة فين ؟

أحس بنشوة الاكتشاف فقال بصوت تعمد أن يكون حاسما :

ـ هوابن القحبة ده اللي مسلط عفاريته علي اليافطة ,

لم ينتظر أبناء وأحفاد وساكني بيوت عبد الجبارأمر الهجوم , لقد خرج حين تبين لكبيرهم أن عفاريت المقدس فرج هي من تسرق اللافتة,لم يعرف ماذا يصنع مع الطوب الذي ينهال عليه, كانو يقذفون باب البلكونة , الله وحده هو الذي كان يعرف أن فرج جالس في البلكونة.حتي زوجته التي لم تكن تعرف سبب هذا الهجوم والتي قامت ونزلت إلي الدور الأول وأغلقت الباب الحديد ثم صعدت و بعد أن أمسكت بابنيها منير وصفوت أغلقت باب الحجرة عليهاوجلست علي السرير تاركة الطوب يصل إلي باب الحجرة بعد سقوط زجاج باب البلكونة ومرور الطوب من حجرة الجلوس إلي الصالة مرتطما بباب الحجرة التي أغلقتها عليها وعلي ولديها ناسية تماما أبا منيرالذي راح يتزحزح قليلا تحت وابل التصويبات الصحيحة وأخذ جانب السور الخارجي ,وظل لمدة يعلمها الله يتلقي الطوب علي يديه و رأسه, نزل الحاج طه وأمر عبد الجبارأن يلم كلابه الذين تفرقوا جميعا بمجرد ظهور الحاج , تجمعوا خلف كبيرهم وهم يتابعون المضي علي باقي المنطقة. لشهرين كاملين لم ير المقدس فرج الذي قالت زوجته أنه ذهب إلي البلدة في المنوفية لمرض أمه ـ المتوفية من الأساس ـ قبل الهجوم بدقائق ومن أجل ذلك ترك الزبالة جوار الجامع دون أن يلمها حين علم من ابن عمه بمرض أمه, ولما طلب منها الحاج أن يعرف العنوان ليقوم بالواجب قبل رجل يحبه ويحترمه كثيرا حسب تعبيره لأم منير تعللت المرأة بطلب المقدس ذاته بعدم إبلاغ أحد,حين ذلك طلب منها الحاج طه أن تدع عم أحمد النجار يصلح ما أفسده عبد الجباروأولاده, شكرته وقالت إن المقد س غير موجود ولا تستطيع أن تستقبل أحدا ,وحين أخبرها الحاج بعدم ممانعته بذهاب الحاجة لتكون جوا رها وأحمد يصلح الأشياء الواجب إصلاحها قالت :

ـ الحكاية كلها لوحين قزاز وشوية حاجات صغيرة وربنا يعوض علينا , ثم أحست برغبة عارمة في البكاء فأضافت ويخلف علي اللي كان السبب,كان بالفعل كل شيء هين ويمكن تعويضه بجوار ما شاهدته حين خرجت إلي البلكونة لتري ما فعلته عائلة عبد الجبار,وقبل أن يرتفع صوتها رفع فرج يده بصعوبة ووضعها علي فمه وهو ينبهها إلي وجود ناس تحت منه, كان يرتعش وكل جسده يشخب دما , رأسه ويداه ووجهه وقدماه, أمسكت بالمقشة وأزاحت الزجاج والطوب وأمسكت بذيل الجلباب ـ كما أمرها بصوته الضعيف أو كما خيل لها ما قاله بصوته الذي لم يكن واضحا ـ وجرته علي البلاط حتي دخل من باب البلكونة ووقف وأسند يديه علي زوجته ودخل إلي الحمام, كان البن الموجود بالشقة لايكفي لسد الفجوات الكثيرة ,ورغم ذلك رفض أن تنزل هي أوأحد أبنائه لشراء بن , عند العاشرة مساء كان يتساند علي امرأته , رغم الآلام المبرحة والتي استحال السكوت عليها بعد عدة ساعات ,حتي يذهب إلي دير العريان بالمعصرة, وظل هناك لمدة شهرين تم خلالهم علاجه وعاد وهو يضع طاقية سوداء فوق رأسه علي غير عادته لم يرفعها أبدا بعد ذلك ,بل إنها أصبحت أهم ما يميز المقدس فرج بعد ذلك,ولما أراد الحاج طه وبعض الجيران فتح موضوع تكلفة الخسائر الناتجة عن التخلف الفظيع الساكن رؤوس بعض أفراد قاطني كفر العلو قال بهدوء وثقة:

ـ طالما مفيش حد من العيال اتعور أو جري له حاجة تبقي الحكاية بسيطة , ثم سكت قليلا وهو يستجمع قوته وأضاف ـ بس أنا لي طلب عندكم

, حين ذلك تكلم الحاج طه وقال :

ـ بل هو أمر يابو منير ,أأمر وعلينا إن شاء الله التنفيذ ,

تنحنح المقدس فرج ليستجمع صوته الذي تأثر كثيرا من ذلك الحب الواضح في كلمات الحاج والمحيطين به والذين أمموا علي كلام الحاج وأضافوا عليه من عندهم بعض الكلمات , التي لابد تقال لكي يرضي المقدس فرج علي الصلح وعدم إبلاغه للشرطة في عبد الجبارالذي كان ينتظر نهاية اللقاء علي أحر من الجمرفي بيته ولابد من وجود أحد المهتمين بشؤونه في هذه الجلسة سوف يبلغه ما تم الاتفاق علية,ولكن ما لا يعلمه عبد الجبارأو أحد غيره من هؤلاء الذين تكلموا كثيرا عن ضرورة الصلح خوفا من الأضرار الناتجة عن الاعتداء علي مسيحي أن المقد س فرج لم يخطر في باله علي الإطلاق موضوع إبلاغ الشرطة ,

ـ خرج صوته متأثرا من هذة الحفاوة والمحبة الظاهرة في عيون بعض جيرانه وبعض ساكني بيت عبد الجبارنفسه ـ الذين كانوا يعلنون أملهم القريب في الله عز وجل أن يكرمهم في البعد عن بيته الذي لا يطيقه أحد ـ ولولا الظروف التي يعلمها المولي لناموا في الشارع وذلك أفضل لهم بالتأكيد.

ـ والنبي محمد وعيسي الموضوع ده مايتكررش تاني ,

ولمدة ستة وعشرين عاما لم يفاتح أحدا, حتي زوجته لم يقل لها أبدا لماذا كان يجلس وحيدا وحزينا تحت سور البلكونة ؟