الفصل الرابع
زواج وفاء الذي لم يعمّر سوى سنتين وبضعة أشهر، لم يكن حدثاً عاديّاً البتة. سواء في ذاكرة وفاء، أم في ذاكرة القرية.
مثلما كان محاولة استقرار، دفعها إليها الأب، والأم، و..نادر!
وفاء تتذكر جيداً يوم أتى ذلك الريفيّ طالباً للفلسفة.
لم يكن جديداً عليها، فهو ابن عمها. تعرّفتْ عليه في القرية، حيث كان الوالدان يصطحبانها دائماً إلى هناك بزيارات عديدة، خاصة في مواسم الصيف.
وتبتسم وفاء ابتسامة غامضة ومليئة لنتف من ذكرياتها تلك.
بل لا تتحرّج من الحديث عنها ولو بحياديّة كاذبة...
"ها.. هل أعجبتكَ؟!" قال أبي ذات مرة مداعباً "الصبيّ نادر"
وهو يلكمه بلطف على صدره، ويشير نحوي.
تطلّع الصبيّ إليّ بحياء، وابتسم من بين أصابعه التي راحت تغطي وجهه المدفون في حضن أمه، فضحكت، ثم لا أدري كيف صرنا نركض سويّة كأرنبين عبر أزقة القرية.
الجوع وإصرار الأمهات وحدهما كانا يقطعان متعة اللعب المتواصلة. أما حين نمضي إلى البستان فأمام عيون أهلنا نطير.. نعربد.. نضيع بين الخضرة.. نرعى كخراف صغيرة.. نتراشق بالماء والفرح.
ـ أنت أسمر. قلتُ لـه ذات مرة.
فقال: من الشمس.
قلت: وأنا بيضاء مثل الحليب.
ـ من قال لك ذلك؟
ـ أمي.. وأبي و.. وكل العالم.. وأنت ما تقول؟
ـ أقول بيضاء مثل الثلج.
ثم قال لي: عندما ينزل الثلج تعالي نتراشق ونلعب.
قلت: المدينة بعيدة.. وأبي لا يأتي عندما ينزل الثلج.
ففكر وقال: عندما أكبر سأشتري سيارة.. وأجلبك كل يوم.
ومرةً قبّل خدّي. فركضت وأنا أهدّده بأنني سأشكوه لأبي.
أقسمَ أنه لن يعيدها. مع ذلك شكوته، فبكى. في حين ضحك أبي، واسترضاه.
احتضنه، جفّف دموعه وهو يقول: لا تبكِ أمامها يا جرو.
ودعانا لأن نتصالح. ثم أهملنا.
نسينا يومها أن نتصالح. وغرقنا في تقليد حركات وأصوات الطيور ومطاردتها، والفرح حتى التعب.
في زيارة تالية، كنا متمددَين على العشب بين داليات العنب، وكنا قد شبعنا لتوّنا من اللعب والثرثرة. لمحته يتطلع إلي بخبث طفوليّ.
تساءلت كمن تذكر لعبة ما: أتريد أن تبوسني على خدّي؟
فأسرع يقول كمن لُدغ: لا والله.
قلت: أنت خائف؟
قال: أنا لا أخاف.
قلت: هذه المرة لن أقول لأحد. وضحكتُ.
فاقترب بحذر. وقبلني. فضحكتُ، وضحكَ.
ثم قال: أمي قالت لي: سأزوّجك من وفاء.
قلت: تعال لنتزوج.
كان الزواج بالنسبة إلينا، هو أن يجلس العريسان قرب بعضهما، في حين يرقص الآخرون. ويغنون ويأكلون، وأنّ من الطبيعي أن ينسحب أيّ منهما عندما يتعب أو ينعس، ليذهب إلى أمّه فينام.
وتزوجنا على طريقتنا إلى أن أتعبنا التمثيل. فوجدتُ الزواج مضجراً.
عندها قفزت أركض، وقفز راكضاً ورائي، عائدين إلى ذوينا.
لم تنقطع زياراتنا للقرية، رغم أنها بدأت تتباعد أكثر فأكثر.
بتّ أسافر أحياناً بمفردي إلى القرية. حيث الجميع هناك يحبّني، ويهتم بي، كما أن هناك فضاء لا محدود للطيران. إلى أن بدأت أشعر بالضجر. حيث لا عمّي الطيب، ولا زوجته التي تعاملني كأم حنون، ولا نادر، ولا سواهم بات بقادر على ملء الفراغ الذي تتركه المدينة.
كنت قد انتسبتُ إلى المدرسة الثانوية، ودخلتُ الحياة الاجتماعية من أبوابها العريضة، بتردّد بادئ الأمر، ثم بثقة. خاصة وأن كل من يلقاني يحتفي بي.
طبعاً لم أغفل عن أنّ لمكانة أبي العامة ضلعاً في الأمر. وكان يطيب لي استثمار ذلك.
وكل هذا على حساب إغراء القرية، وإغراء ذلك الحب الطفليّ الذي لم يعد طفليّاً.
لكن نادر وحبّه لم يتأخرا عن اللحاق بي إلى المدينة.
كان قد حصل على الثانوية العامة، وأتى ليتابع تحصيله العلمي.
نصحه أبي بالالتحاق بالكلية العسكرية. لكنه اختار أن يكون فيلسوفاً صغيراً يحشو رأسي من حين لآخر بمقولات ومفاهيم لا نهاية لها.
في الوقت الذي كانت الحياة الحلوة والسهلة مفتوحة لي على مصراعيها.
بل أصبح أستاذاًَ إضافياً لي. دون أن يعهد إليه أحد بهذه المهمة.
بادئ الأمر. رحّبت بذلك. وكذلك والديّ. ثم صرت أتهرّب أحياناً، إلى أن حصلتُ بدوري على الثانوية العامة وانتسبت إلى كلية الآداب. قسم اللغة الإنكليزية.
كنت أود الالتحاق بكلية الصيدلة.
"لكن درجة نجاحك لا تسمح بذلك". قال والدي ذلك ببساطة أذهلتني ليقيني بأنه يدرك أكثر مني أن درجة النجاح ليست وحدها من يقرر دائماً.
ـ إذا لم تشأ الحصول على استثناء لها، فبإمكان جدّها أو أحد أخوالها مساعدتها بذلك. القضية قضية مستقبل.
ذلك ما قالته أمي. فرماها أبي بنظرة شرسة، وخرج.
لم تجرؤ أمي بعدها على مناقشة الأمر. وقرّرتُ بدوري الرضوخ لمقاييس النجاح العامة.
ـ على الأقل لنحتفل بنجاحك. قال الخال يوسف.
فتساءلتُ: أين سنحتفل؟
أجاب الخال أبو تيسير وهو يقهقه صاخباً: قطعاً ليس في منزل والدك. لم أدر حينها إن كان عليّ أن أضحك معهم، أو احتجّ. حيث أن والدي في نهاية الأمر هو والدي.
ـ إذاً.. في كازينو القط الأسود. قال الخال يوسف.
ـ وعلى حسابكَ. عقّب أبو تيسير ضاحكاً.
يومئذ وفور دخولي صادرني الكازينو بجوّه الأرستقراطي الفخم، وتوّجني أميرةً استقطبت اهتمام الكثير من الرواد.
ـ من هذه الحلوة؟! قالها البعض باحتراس، وبعضهم بطرق محبّبة.
ـ ابنتنا.
ـ أيهنّ؟
ـ ابنة الكولونيل.
وكانت الهدايا الذهبيّة التي سبق أن طوّقتْ عنقي ويديّ، وزيّنت ثوبَ السهرة الأنيق، تغريني بمداعبتها جنباً إلى جنب مع نظرات الإعجاب التي كانت تتفحّصني. إلى أن برز أحدهم. لا أدري من أين. ومدّ لي يده في دعوة ناعمة للرقص.
وزّعت نظراتي حولي بارتباك، فدفعوني بابتساماتهم وإيماآتهم المشجّعة.
ـ كل الأميرات يرقصن. قال الشاب مداعباً.
نهضتُ مخفضة بصري حياءً. وناولته يدي.
كنت قد تدرّبتُ على الرقص في حفلات خاصة وصغيرة، لكن الشاب، وقد بدا أستاذاً في الرقص، جعلني أبدو كتلميذة صغيرة. تحاول ألاّ تتعثّر كثيراً.
ـ اسمي سومر.
تطلعت إلى وجهة متذكرة أننا لم نتعارف بعد. وعجلتُ بخفض بصري وأنا أهمس: وفاء. مندهشةً من جرأة عينيه.
كانت التجربة ثقيلة على أحاسيسي بقدر ما كانت لذيذة وساحرة.
ثم قبلتُ دعوته للعشاء في ذات الكازينو بعد يومين لم أسمح خلالهما لنادر بتعكير أحلامي، والتي كانت في غاية البساطة والعذوبة والرفعة.
ـ أراك تعيرين المكياج والثياب والحليّ اهتماماً زائداً. قال نادر.
ـ ما العيب في ذلك؟! تساءلتُ بحنق مضمر، ورحتُ أتشاغل عن قصد. فمضى دون أي تعليق، ودون أن يكرر دعوته لي لزيارة القرية.
ـ في الموعد المحدّد مضيت إلى السهرة. نقلني سومر بسيارته الجميلة. بدا مهذباً ناعماً وفي غاية الأناقة.
فور أن ترجّلنا تأبّط ذراعي دون استئذان. لم يترك لي سوى السير باستسلام إلى جانبه، لكأننا نؤدي طقساً عاديّاً ومألوفاً.
للوهلة الأولى لم تطق عيناي وطأة النظرات الوقحة التي كانت تلاحقنا. والتي فرضت عليّ الانطواء على مشاعر غامضة ومُثارة.
لكن الجو العام وحرارة الويسكي جعلاني أكثر جرأة وتفهّماً لما يجري. إلى أن دنا مني أحد الشباب، وجرّني من يدي إلى حلبة الرقص. في حين كنت أتلكأ بصعوبة، وعيناي تتعلقان بسومر على أمل أن يخلّصني من هذا الخاطف. إلاّ أن سومر غرغر بالضحك إذ رأى في موقفي ما يشبه نكتة طريفة
كان الراقص الشاب أشبه بالثمل. لم يهتم بالتعارف، فقط جهد بملامسة جسدي ولدرجة أخافتني، مما جعل رقصتنا أشبه بمعركة صامتة.
وعن كثب كان سومر يرفع نخب المطربة الفتية، ويردّد معها:
لنرحل إلى أيّ عالم تريد.. طالما أنت معي.
عندما تهرّبت من الراقص وجلست، تجاهل سومر نظرة عتابي، بل ربما استغربها. وخاصرني وهو يبتسم.
ـ أبعد يديك. قلتُ باستنكار ويدي تدافع يده.
ـ الغنج الزائد لا يناسب الأميرات. قال سومر بشيء من الإحباط.
ـ لنعد. قلت، وقد هالني خلوّ وجهه من أية ملامح كتلك التي رسمتها لـه خلال اليومين السابقين.
فقال: السهرة مكلفة.. لم نتمتع بعد بما فيه الكفاية.
طويلاً قاومت رغبتي برمي رزمة من النقود في وجهه، ومن ثم الانصراف وحيدة. "ـ لن تكوني وحيدة. ـ أنت؟".
كدت أشهق بسعادة، وأنا أرى نادر ملء عيني، واقفاً بيني وبين سومر!
وبصعوبة تذكرت أن نادر لا يستطيع ارتياد هكذا أمكنة.
".. بل تستطيع لو شئت.."
كم رجتهُ أحلامي أن يوافق!
فالمشكلة لديّ ليست مشكلة نقود، فهذه تتدفق عليّ من هنا وهناك.
بل المشكلة كيف أعيش.
فقط لو يستطيع نادر التخفّف من إبائه بعض الشيء.
يقول: المسألة ليست أخلاقية فحسب.. ثم يصدع رأسي بشروح لا تنتهي عن ".. سلطة المال التي تسلبنا أجمل أحاسيسنا بحريتنا وإنسانيتنا ..".
ثم ينسحب بعد أن تزعجه لا مبالاتي، واضعاً بيني وبينه، ورغماً عني حدّاً من حدوده الطبقيّة التي لا يملّ من التبشير بإزالتها.
كنت أشعر بمرارة الوحدة عندما قال لي سومر: تفضّلي يا مدموزيل..
لكن لا تنسي أنك جعلتِ مني أضحوكة لرفاقي.
.. بقينا صامتين طوال طريق العودة، دون أن أدري كيف جعلته أضحوكة لرفاقه، إلى أن ارتجّت السيارة.
كانت الأشياء غائمة ومتداخلة.. الليل.. رائحة الويسكي.. السرعة المرتفعة.. الصمت الداكن.. نبضات قلبي الصاخبة. وزعقت المكابح.
تلمّستُ الأمان الغريزيّ في اليد التي حالت دون ارتطامي بزجاج السيارة الأمامي، لكن اليد نفسها هصرتني، وأطبق سومر على جسدي.
ـ نذل! صرختُ بوجهه، ودفعته بكل قواي، وصفعته بعد أن ترك على شفتيّ بصمة الاغتصاب.
ـ اعتقدت أننا حبيبان! قال بذهول وامتعاض.
فتساءلت باحتجاج غاضب: منذ متى؟!
فأجاب لكأنه ينهرني: يبدو أنني غلطان فعلاً.
بدوت عاجزة عن تحديد مشاعري بدقّة، أو تقييم ما حدث وأنا أترجّل من سيارته قرب منزلنا.
ـ سأجد طريقة ما للاعتذار. قال ذلك بنبرة حياديّة باردة، ومضى بعد تلويحة يدٍ واثقة.
***