-2-

9 0 00

-2-

في الزقاق يتحول الصمت إلى ضجة عند العصر ..

الأولاد يلعبون .. يتنططون .. يتقاذفون الكرة .. الحجارة .. الشتائم .. يستنشقون الهواء مغمساً بالغبار .. يطهرونه داخل الرئات الطفولية .. تلوح بشراتهم الصفراء بفعل سوء التغذية .. تضع أم محمود صحن الترمس أمام بسطتها المتواضعة من أنواع الحلوى ، أم محمود زوجة خميس الحداد الذي يعمل في مقهى أبو درويش القرمان .. ترتطم الكرة التي يتقاذفونها بصحن الترمس المصنوع من الألمنيوم فينقلب .. تتناثر حبات الترمس فوق الرمل .. يكفهر وجه أم محمود وتستشيط غضباً .. تكيل السباب والشتائم ثم تقف محاولة اللحاق بالأولاد .. تكاد تقع على وجهها قهراً .. يتقافز الأولاد هاربين .. يتصايحون وكل منهم يتهم الآخر بقذف الكرة ..

يتدافع أولاد خميس الحداد من الدار على صوت أمهم في الزقاق .. ينفعلون لرؤية الخراب الذي حلّ بمصدر لقمتهم .. يهرعون وراء الأولاد للاشتباك معهم فتمنعهم أم محمود رغم غضبها .. تصرخ فيهم أن يعودوا إلى البيت .

يختفي الأولاد فتهمد الضجة ، وينحسر الصخب . تلملم أم محمود وأولادها حبات الترمس فتنجذب معها حبات التراب .. يسود صمت أثقل من حصى الزقاق وحجاره ، وأشد من تعاسة الفقر ، شيطنة الأولاد عالقة بكل شيء . تومض خواطر أم محمود الحداد وتنطفئ .. تنسحب داخل بيتها لتغسل حبات الترمس ..

إسماعيل العجماوي يستيقظ على الضجة واختلاط الأصوات ، تتأمل عيناه النخلة وهي تستريح على ساعد الفضاء ، وتريح في داخلها سرب من حمام الدار ، يبتر تأمله صوت نباح الكلب في فناء الدار ..

في ساحة " الشجاعية " عند مدخل الحارة ، في ساعات ما بعد العصر ، يتعبأ دماغ الداخل إلى الحارة توتراً من شدة الصخب في الساحة ، حركة العمال التي هدأت بعد ساعات الفجر الأولى ؛ تعود من جديد مع العصر ، إذ تبدأ قوافل العربات والحافلات بالعودة من الداخل . وتفرّغ حمولتها من العمال في الساحة ، تنشط حركة الباعة ، وتزداد عربات النقل الداخلي .. يلعلع صوت المذياع في مقهى " الحرية " ، حيث يجلس صاحبها أبو درويش القرمان في ركن من أركان المقهى ، يشرف على الساحة ، يمشط أطرافها بعينيه .. يتأمل امتداد الشارع شمالاً .. في الوقت الذي امتدت فيه سنوات عمره التي تزيد عن الخمسين قليلاً ، إلى سواد شعره الذي ابيضّ أكثره ..

تتوقف العربات المحملة بالعمال .. ينزل بعضهم في ساحة " الشجاعية " عائدين إلى بيوتهم .. ومنهم من يتسوّق ثم يغادر إلى الضواحي القريبة والمخيمات المجاورة .. كثيرون يبحثون عن مواصلات تنقلهم إلى المناطق الجنوبية .. المعسكرات الوسطى .. خانيونس ورفح .

تطالع أبو درويش القرمان لافتة كبيرة كتب عليها "مركز شرطة المدينة " ، هذه اللافتة يشاهدها مضاءة بالنيون في الليل .. تصطك حجارة النرد بين أيدي اللاعبين بخشب الطاولة بقوة .. يحتك اللحن المنبعث من المذياع بالدخان الذي يعبق ، فيملأ الفراغ حتى سقف المقهى ، ويتسرب عبر الأبواب ..

يفتل أبو درويش القرمان طرفي شاربه .. يقبض بأصابعه بين الحين والآخر على بعض النقود التي يدفعها الزبائن ، يودع الفكة جرار الطاولة ، أما الأوراق المالية فيودعها جيب بنطاله الفضفاض ، تقرقر نارجيلته .. يسرح قليلاً وهو يعدل جمرات النار بالملقط فوق التنبك ، تتعبأ القارورة بالدخان .. يلتهب الجمر أكثر .. يبكبك الماء بقوة في بطن القارورة الزجاجية .. يسحب أبو درويش أنفاساً عميقة من فم الخرطوم بغيظ ، وانفلاق .. " المصاري تروح وتأتي .. وسخ أيدي .. المهم راحة البال " .. يجذبه من خرطوم النارجيلة زعيق بوق مزعج لإحدى حافلات العمال العائدة .. تقف في ناحية من الساحة .. تتابعها أنظار أبو درويش القرمان .. ينزل العمال يملؤهم غبار ورش البناء وعرق النهار .. سمات الكآبة والقهر تصاحبهم .. الضجيج يعلو المكان .. بدت له لحاهم غير محلوقة من أيام فاستطال شعرها .. يهملون حلاقتها ، فهم يخرجون مع آذان الفجر ويعودون بعد المساء ، يفتتهم التعب ولا وقت للراحة " يوم يفر المرء من أخيه .. وأمه وأبيه " الحياة تفرم اللحم والعظم ، ورغم التعب يفتش بعضهم عن بائعي الحلوى ، يضعون علب الحلوى في صرر الطعام الفارغة ، ورؤى الأطفال تلاحقهم ، ينسحبون من الساحة كل إلى قريته .. مدينته .. مخيمه .. وبعضهم يتفرقون في شوارع المدينة الكالحة .

الظلام يهبط .

يأمر أبو درويش القرمان بصوت غليظ أجش ، وهو يجلس في مكانه :

ـ أشعل النور يا خميس .

ـ حاضر .

ينتشر النور في أرجاء المقهى .. صوت آذان المغرب يلعلع .. يتململ الجالسون على المقاعد ويبدأ النور في غزو الساحة . يعود أبو درويش القرمان يتأمل الساحة والزقاق الذي يؤدي إلى مدخل الحارة ، ينتبه من تأمله " من هذا !! إسماعيل العجماوي !! إسماعيل العجماوي موظف الحسابات يحمل صرّة !! ماذا يحمل في الصرّة ؟ منذ متى يحمل الموظفون صرراً ؟! " .

يقترب إسماعيل العجماوي من واجهة المقهى أكثر ، فينحرف إلى الطوار الآخر من الشارع مبتعداً عن واجهة المقهى .. يغمره ضوء المقهى ، والضوء المنبعث من عامود النور . يتفحصه أبو درويش القرمان بدهشة واستغراب " لماذا يلبس إسماعيل العجماوي طاقية على غير العادة ؟! إنها تخفي بعض ملامحه ، هل يتعمد وضع الطاقية على رأسه ؟ ولماذا يحث الخطا نحو الساحة ؟! أين يذهب في هذا الوقت !! ما باله لا يضع ربطة العنق ؟! ولماذا يشيح بوجهه عن المقهى إلى الجانب الآخر ، كأنه لا يريد أن يراه أحد ؟ بل كأنه لا يريد أن أراه .. هل ؟ هل ؟ غير معقول .. " .

ينفض أبو درويش يديه للخاطر الذي يتسرّب إلى دماغه .. يهز رأسه غير مصدق الفكرة اللعينة التي لاحت له ، يشير أبو درويش إلى أبو محمود خميس الحداد عامل المقهى .. يتمتم أبو درويش القرمان بصوت خفيض ، فيحني خميس رأسه ، ويقرب أذنه :

ـ هذا إسماعيل العجماوي وإلا أنا غلطان يا خميس ؟!

يبحلق خميس الحداد في الشارع .. يتفحص بعينيه المارة .. تقع عيناه على إسماعيل العجماوي ، فيهتف باستغراب :

ـ هذا إسماعيل العجماوي يا أبو درويش ، أنت طول عمرك ما بتغلط .

يراقب أبو درويش القرمان ، وخميس الحداد عامل المقهى ، إسماعيل العجماوي وهو يقترب من تجمع لبعض العمال في المنتزه القريب الذي يشكل جزءاً من الساحة ، يجلس العمال تحت الأضواء .. كل واحد يضع صرته بجواره ، يرفع أبو درويش يده فوق عينيه ، يجمع الضوء ، يركز نظره على تجمع العمال المتكومين فوق عشب المنتزه ، حيث جلس إسماعيل العجماوي بجوارهم ، يسحب أبو درويش القرمان أنفاساً عميقة من النارجيلة .. يلتهب الجمر .. تلتهب أمعاؤه ، يشتعل صدره ، يكاد لا يصدق عينيه .

ارتفع صرير عجلات إحدى الحافلات وهي تتوقف بجوار تجمع العمال الذين وقفوا وإسماعيل العجماوي بينهم ، ينفتح الباب الأمامي للحافلة ، ثم الباب الخلفي ، يهرع العمال .. تهرع معهم الصرر .. تتداخل الأيدي .. تتشابك الأقدام .. تلتصق الثياب باللحم البشري .. الرءوس تتابع مواطئ الأقدام .. ازدحام .. ازدحام .. اشتباك أجساد .. ترتبك أصابع أبو درويش القرمان الممسكة بالملقط .. يعيد تكويم جمرات النار فوق التنبك ، يرى إسماعيل العجماوي ينحشر مع العمال بصرته عند باب الحافلة حتى تبتلعه في جوفها " إذن إسماعيل العجماوي يعمل في ورديّة الليل ؟! ماذا جرى للدنيا ؟ الله يرحم أيام زمان .. كان الناس يحسدون الموظف ويعتبرونه من الذين أنعم الله عليهم بالمال والراحة .. الله يكون في عونك يا إسماعيل .. تعمل بالليل والنهار ؟ يا عمي راتب الوظيفة قروش .. الرجل عنده عيال ، كيف يدبر أحواله ؟؟ العيال تأكل الوجه .. مجبور يشتغل ليل نهار .. دنيا آخر وقت .. يا لطيف .. , يوم يفر المرء من أخيه .. وأمه وأبيه " .

تتحرك الحافلة شمالاً إلى الداخل .. يطلق أبو درويش زفرة حادة .. يلاحظ توالي مرور العربات وهي تدوس الأسفلت .. تمتد أصابعه بالملقط .. يرتب وضع الجمرات .. يريح قدمه إلى الأمام فتصدم النارجيلة .. ترتطم بالأرض .. تنكسر .. يفرقع الزجاج .. يتهشم .. يسيح الماء والدخان من القارورة الزجاجية فوق الأرض .. تتناثر جمرات النار وأوراق التنبك المشتعلة .. يهرع بعض رواد المقهى عند سماعهم صوت الفرقعة والتهشم يستطلعون الخبر .. فاختلطت أصواتهم.

ـ خير يا أبو درويش ؟

ـ العوض على الله .

ـ انكسرت .. وانكسر الشر .

ـ عين صابتك ما صلت على النبي .

ـ اللهم صلي على النبي .

ـ الله يرحمنا برحمته .

يقف أبو درويش .. يتخلص من أفكاره ، ومن طيف إسماعيل العجماوي الذي يطارده .. يهدئ نفسه ، ويهتف بالرواد :

ـ استريحوا يا جماعة .. خير .. خير إن شاء الله .. شر وانكسر .

يعود أبو درويش القرمان للجلوس في مكان آخر بعيداً عن الزجاج المتناثر .. رواد المقهى ينصرفون كل إلى مكانه ليتركوا لخميس الحداد أمر تجميع الزجاج المهشم عن الأرض .

***