(1)
حين خرج فواز بوطويل من ملهى الحمراء لم تبلغ عقارب الساعة التاسعة ليلا.. كانت الأمطار تصفع وجه الأرض بغضب مارد.. استوى في سيارته الحمراء.. أدار محركها فراح يدمدم ومعه تعالت أصوات موسيقى الراي..
أحس أنه يضيع شطر عمره بمغادرته أجواء الحفل الراقص وقد انطلق لتوه.. وأنه يضيع عمره كله حين يدع جسد لعلوعه الراقصة للعيون الشرهة تلتهمه دون شفقة.. ولكن لا مندوحة، شرب قبل الأوان أكثر مما يجب، وأنفق على "الشلة" كل ما معه من مال.. هم أن يوقف السيارة، ويعود أدراجه، ولكنه ضغط على دواسة السرعة لينطلق في طريق عودته..
زادت الأمطار هيجانا.. وبدأت الخمرة تسدل ستائرها على عينيه.. خفف من سرعته وهو يدخل منعرجات راس العين الخطيرة.. كان الطريق مقفرا وموحشا، لم تستطع الأضواء الكاشفة أن تهتك حجبه الكثيفة.. رفع يمناه عن دواسة السرعة ليضعها على المكبح، ومال بجذعه إلى الأمام يمسك المقود جيدا كأنما يخشى الانفلات من قبضته.. دار يمينا لتشق به السيارة طريق الغابة الصغير.. لم يكن في مخيلته إلا لعلوعه تتهادى بين الصفوف، تتثعبن بجسدها الممتلئ لتلتف به على قلوب العاشقين الذين ليس لهم بد إلا الاستسلام فتسيل جيوبهم وأشداقهم..
وأحس جسدا يقطع الطريق والغابة تكاد تنهزم.. ضغط على المكبح.. صدمه.. سقط بعيدا.. انحرفت السيارة.. وارتطمت مقدمتها بآخر شجرة معزولة في الغابة.. انكفأ بكل الجسد على المقود والسيارة تدمدم على أنغام الراي.. ماالذي وقع؟ مدت أمه عزيزة الجنرال أصابع من حديد، وضغطت بها على قفاه.. أحس بإغماءة تلف شرنقتها على عينيه، ومخه ثم مافتئ أن استفاق وقد بدأ الدم دافئا مالحا يتسلل إلى شفتيه.. رفع رأسه.. تمطط.. مسح الدم من على وجهه.. نزل من السيارة.. فجأة اندفع يعدو هائجا باتجاه الجسد الممدد بعيدا.. وصل إليه.. تململ الجسد.. حاول النهوض.. مد يده إلى فواز يطلب المساعدة.. صفعه فواز على قفاه وهو يصرخ:
- فعلتها وتطلب المساعدة..؟
ثم عاد سريعا إلى السيارة.. فتح الباب.. حمل هراوة وعاد حيث الجسد مسجى يئن وراح يضربه على رأسه حتى هدأت حركته.. وتوقف فجأة وهو يلهث.. ثم عاد أدراجه حيث السيارة مازالت تدمدم على إيقاع الراي.
حين استوى واضعا الهراوة إلى جنبه أحس أن جسده كله يقطر ماء.. وأن المطر خارجا يكاد يخرق سقف السيارة إليه.. وأدرك أيضا أنه ارتكب جريمة قتل وهو تحت تأثير الخمرة.. وتراءت له أمه تصرخ فيه.. لم فعلت مافعلت بالسيارة؟
تراجع إلى الخلف وانطلق تتمايل به السيارة لايكاد يقدر أن يقودها على الطريق السوي.. وكاد يصدم سيارة آتية في الاتجاه المقابل..
حين وصل بيتهم اصدمت مقدمة السيارة بباب المستودع محدثة ضجة كبيرة عاد بها إلى الوراء وفتح الباب.. أدخلها.. وراح يصعد الدرجات بسرعة على صوت أمه تصيح باسمه.. ولم يشأ أن يجيبها ولكنه راح يسرع إليها.. وكانت مفاجأتها كبيرة وهي تلقاه في منتصف الدرجات.
- فواز.. ماالذي وقع لك؟ أين كنت؟ ماهذا البلل وهذا الدم؟
ولم يجبها فواز سوى بنظرات خائفة، وراح يكمل الدرجات وهي تتبعه قائلة:
- هل وقع لك حادث مرور؟
وحين دخل غرفته كانت الأم تصرخ بأعلى صوتها تطلب ابنتيها نورة وفريدة، وماكادتا تهرعان حتى أعطتهما أمر تحضير ملابس فواز، وتحضير الطعام له.
حين كانت عزيزة الجنرال تنـزل الدرجات بسرعة لم تكن تأبه برغاء زوجها سالم، وكثرة أسئلته لأنها كانت الساعةَ تغوص في تلافيف الذاكرة.. تقلب صفحات الطفولة.. وهي تحاول أن تحمي أمها بيديها الصغيرتين من ضربات سوط أبيها التي كانت تنزل عليها صواعق ماحقة.. ولم تكن الأم تقدر على دفعها إلا بالعويل الشديد، ولا تجد عزيزة ملجأ إلا حضن والدتها الجريحة، تلجأ إليه، وتنام على إيقاع إجهاشها المتقطع.
كانت عزيزة قد خرجت بالسيارة من المرآب.. وكانت الأمطار مازالت تتدفق على وجه الأرض كأن السماء احتقنت دهرا كاملا.. وكان زوجها قد كف عن أسئلته التي لا طائل من ورائها وهو يجلس بجانبها كالتابع الأمين يتابع بعينيه قسمات وجهها الحزينة بتأثر فائق، كاتما أسئلته الحيرى.
وضغطت فجأة على المكبح فتوقفت السيارة، وانكفأ سالم إلى الأمام يكاد رأسه يضرب الزجاج.
ولم تأبه عزيزة به ولا بالسيارة بل راحت تضرب المقود بكلتا يديها، وقد تلاعبت أمام ناظريها صور مختلفة متداخلة.. وأسرع سالم يمد يديه نحوها مهدئا.. وماكاد حتى دفعته عنها، واستمرت في سيرها ماسحة دموعا شحيحة نزلت من عينيها.. وزادت من سرعة سيارتها تنحدر بها في شوارع متعرجة شبه معبدة إلى جوف مدينة عين الرماد، ثم تعاود بعدها الصعود متجهة إلى هدفها في طريق مستقيم تنهض على جانبيه أشجار بينها تنافر وعداء شديد.
حين وصلت قرب مصحة الشفاء توقفت فجأة وطلبت من زوجها أن ينزل وأن يأتيها من الجهة الأخرى.. ولم يشأ سالم أن يناقش لأنه يعرف تصرفاتها الحمقى فأسرع بتنفيذ المطلوب.. ولما وقف أمامها كالتلميذ الطائع طلبت منه أن يتصل بالطبيب فيصل وينتظراها حتى تعود ليذهب معهما من أجل معاينة فواز.
وماكادت تنهي كلامها حتى انطلقت بالسيارة كالصاروخ تشق جدار الظلام البهيم متحدية الليل والأمطار، والطريق الممتلئ ماء.
حاشية1:
يقع ملهى الحمراء في جوف الغابة، تحضنه أشجار الصنوبر والفلين من كل حدب وصوب كقلب محاط بالأضلاع.. كان زمن الاستعمار بيتا لحاكم المدينة.. وصار بعد الاستقلال مركزا لبحوث الزراعة.. وتنازلت عنه الدولة لجنرال متقاعد ليحوله إلى ملهى يؤمه كبراء القوم وساداتهم، ولا يدري الناس لماذا سماه هذا الجنرال ملهى الحمراء؟ أنسبة للون الجدران الخارجية الأحمر؟ أم للون الخمرة وحمرة لياليها؟ أم نسبة لقصر الحمراء الذي شيده الأجداد بالأندلس؟ وضيعوه بين الخمرة والجواري؟ والغالب هو السبب الأول، لأن سيادة الجنرال كان شبه أمي، وبالتالي لاعلاقة له بالأندلس وحمرائها، وادعت بعض الألسنة أن الرجل انتهازي لا يحمل أية رتبة عسكرية.