(2 )

4 0 00

(2 )

ظل كريم السامعي يغالب ظنا يلح على نفسه إلحاحا مقلقا..ما الذي رآه ممتدا يمين الطريق؟ أهو جثة إنسان طوحت به سيارة مجنونة.. أم غدر به ورمي على قارعة الطريق؟ أم هو حيوان من الحيوانات الكثيرة التي اعتادت أن تعبر الطريق على غير هدي فتُلقم ضربة قاتلة؟ أو ربما لا يعدو مارأى أن يكون كيسا تافها لا معنى له.

لكن صورة الإنسان ظلت تسيطر على نفسه، وتكاد تكون يقينا لايقبل النقاش.. أوقف سيارته يمينا ثم استدار بها.. ليقطع ميلا بالتقريب وعند الهاجس أوقف سيارته وترجل.

كانت الأمطار مازالت تلهث منحدره.. وكانت حواف الطريق قد جرت بماء غزير يكاد يتحول سيولا عارمة.. وصدق ظنه كان ما رأي جثة شاب ملتوي الرجلين مهشم الرأس ينكفئ على وجهه كأنما يحاول الفرار من الموت..

عند رأسه جثا.. ومد إصبعين مرتجفتين إلى رقبتيه.. ثم دس يمناه فوضعها على صدره يتحسس نبضات قلبه.

ورن جرس هاتفه النقال وألح في الرنين فلم يأبه به، بل أسرع يمتطي سيارته ويسرع بالابتعاد..

بعد أقل من ربع ساعة أوقف كريم السامعي سيارته الرمادية أمام مركز الشرطة.. وتنفس بعمق كأنما أحس بالنجاة من كارثة خطيرة.. ثم فتح الباب ونزل مسرعا.. وقبل أن يعيد الباب كان شرطي يقف أمامه مستعدا لإشهار رشاشه، وأسرع كريم السامعي يشرح له الأمر:

- جئت لأبلغ عن جثة رأيتها على قارعة الطريق..

ولم يمهله الشرطي ليكمل كلامه، وأشار إليه بالدخول، والجلوس في قاعة الانتظار ريثما يفرغ الضابط من عمله..

استوى على كرسي خشبي طويل، ثم مافتئ أن نهض من مكانه، وهو يحس بإزعاج البلل الذي أصابه.. نزع نظارته.. نظفها بمنديله.. دلك عينيه، وراح يتأمل صورا علقت على الجدار لمجرمين وإرهاربيين بلحى طويلة ودون لحى، وتحت الصور كتب نداء للمواطنين للمساعدة على القبض عليهم، ومبالغ إغرائية تقدم لكل من يقوم بذلك.

حين عاد كريم للجلوس تلقى الإذن من الشرطي بالدخول فحمد الله لأنه أحس بالبلل يتسلل إلى كامل جسده مخترقا كل ما كان يدثره من ملابس.

وقف الضابط من مكانه وعلى وجهه تبدو ملامح الإعياء الشديد.. صافح كريم السامعي، وعاد للجلوس ليرد على رنين الهاتف الذي راح يرن دون توقف.

سأل الضابط:

- إذن جئت تبلغ عن جثة؟

واندفع كريم يشرح الأمر منذ خروجه من مزرعته تاركا أباه خليفة السامعي.. حتى رؤيته الجثة ملقاة على قارعة الطريق وتأكده من موتها.

وماكاد الضابط يكمل كتابة المحضر، ويطلب من كريم التوقيع عليه حتى أسرع يطلب من رجاله الإعداد للانتقال إلى المكان.

حاشية 2:

لا أحد يدري بالضبط من أين جاءت لعلوعه، ولم يكلف أحد نفسه طرح هذا السؤال فقد ملكت على الجميع نفوسهم وقلوبهم، وشغلتهم بجمالها، فصارت حديث مجالسهم وسمرهم، ولكنها هي تذكر جيدا أنها درجت صغيرة في ضاحية منعزلة من ضواحي مدينة عين الرماد، وتذكر جيدا ذلك الصباح الذي كانت برفقة أمها في السوق تجمعان فضلات الخضر والفواكه لتعودا بها مساء إلى بيتهما القزديري المعزول، تذكر حين التقتهما السيدة جميلة، وكيف راحت تحدق في الصبية وفي عينيها دهشة قائلة:"ترمين الدر في المزابل وتدثرينه بالخرق البالية؟ عقابك عند الله عسير، بيعيني الفتاة، ومدت يدها فأمسكتها، ودق قلب الأم خوفا فتشبثت بها.. واتفقا أخيرا أن تمنحها مليونين كل شهر مقابل أن تعيرها لعلوعه أربعة أيام في الأسبوع، وكانت لعلوعه في ثيابها البالية غير المتناسقة شمسا ملفوفة بالكآبة.

ولم تمض إلا أشهر حتى صارت لعلوعه حديث الناس والقصور والجرائد والقنوات، وصارت لعلوعه الراقصة محج الولاة والوزراء والجنرالات والأثرياء، وتحدث عنها مسؤول كبير قائلا: لقد رفعت راية الوطن في دول العالم.. وقبل ممثل الثقافة جبينها.