مقدمة

4 0 00

الرماد الذي غسل الماء

رواية

عز الدين جلاوجـي

الإهداء:

يابشـــراه...

يذبحنا التتار البيض كل مساءْ

فتجري منا الأرض دموعا ودماء

من بحرنا حتى سيْناء

غير أنَّا كل صباح

نُبعث أنبيــــاء...

نزرع الأرض زهرا

نضمخها عطرا وإخاء

*******

إلى الأشجار التي وقفت بكبرياء في جنين والفلوجة متحدية زوابع أعداء الإنسانية

لا طريق للكرامة إلا التضحية

ولا انتصار إلا للخير والحق والجمال

ولا منابر للخفافيش إلا الكهوف المظلمة

حبيبــي:

وأنا أتدحرج في مهاوي الأيام.. أنكث ظفائر العمر الحزين.. تتحداني براثن الليالي الكالحات.. لم أعد أشعر بدفء الحب يحضن قلبي الصغير المرتعش.. ما عدت أتنشق شذاه يدغدغ الفرحَ في جوانحي..

بحثت عنكَ كثيرا.. قلبت حتى ابتسامة الأطفال وتجاعيد الكبار.. وحلم الأبكار ينتظرن عاشقا على شرفات العمر.. طاردتُكَ خلف زقزقات العصافير الرمادية، وبين ثنايا الصَّبا يهب حزينا منكسا على مدينتنا البائسة.. ساءلت عنكَ البراءة في وجوه الصغار.. والدموعَ المضطربة على شرفات العيون.. والأحلامَ المقبورة في نفوس المقهورين.. وكنتُ دائما أراكَ خيط دخان ينفلت من بين أصابعي البضةِ المرتجفة.. وتظلُّ تبتعدُ إلى الأعلى يشيعكَ الحلم في عينيَّ.. وفي قلبي الصغير، عسى أن ألقاكَ يوما ما.. في مكان ما.

وها اليأس ياسيـدي يتغشاني غمامة من رماد.. يمد أكفانه إلى حلمي وقلبي.. وكل إشراقة فرح في نفسي.. أعرف أنك غادرت المدينة من زمن بعيد.. وجميلا فعلتَ وبقيتُ أنا أتجرع أماني ابن زيدون:

الذكــر يقنعنــا.. والطيــف يكفينـــا

بقيت أجر كل مساء قدميَّ الحزينتين.. أقطع الشوارع المتربة.. أجلس قريبا من راس العين.. أستلهمُ بركات الولي الصالح.. أتصفحُ وجه القمر ملفوفا بقزعات سود.. وأحلمُ أن أراك هناك.. كان حلمي أن أكون معك بعيدا عن كل البشر.. قريبين من دقات قلبينا.. من أحلامنا.. من أفراحنا.. من دموعنا..

ولاضيرَ.. كم تهدهني الغبطةُ وأنا أراك هناك في العليين..

لست أدري ياسيــدي أأنت راءٍ مرقاي الذي كنت أرقبك منه أم لا..؟

ولست أدري أراءٍ مكاني الآن أم لا؟

ولست أبالي الآن ياسيــدي.. فقد شردتني الغربة.. وتوزعتني أرصفة المدن الموبوءة.. ضيعتُ كل عناويني.. كسرتُ بوصلاتي.. مزقتُ كل أشرعتي.. ولامعنى لكل ذلك مادمتَ بعيدا عني.

همٌّ واحد مازال يلح علي حتى غدا لي كابوسا مرعبا.. هو أن أنقل إليكَ حكاية المدينة بعد أن غادرتَها.. وهي حكاية عجيبة لا تحتاج للسرد فحسب.. ولكنها تحتاج للتأمل أيضا.. فما رأيت أغرب منها ولا أعجب.. فمنذ أن هزت جريمة القتل الشنعاء فرائص عين الرماد والناس لاحديث يتجاذبون أطرافه إلا عنها..

ولست أدري كيف أقص هذه الحكاية العجيبة.. وقد صارت لها طرق عديدة مشهورة.. منها شائعات الناس.. ومنها محاضر الشرطة والمحكمة.. ومنها صفحات الجرائم على الصحف.. وحتى أئمة المساجد اتخذوا منها وسيلة لوعظ الناس وإرشادهم.. بل حتى أن أحد الأدباء قد كتبها رواية.. فسيناريو.. ثم بعثها أحد المخرجين مسلسلا عجيبا قطع أنفاس المشاهدين.. وحبسهم أمام الصندوق العجيب أياما وليالي.. حتى نسي التلاميذ دروسهم.. وأهملت النسوة أشغال المنازل.. وتعطل الرجال عن العمل.. فلا ترى المدن مساء إلا كوما من الإسمنت لاروح فيه ولاحياة.

وإذا كان الناس قد اختلفوا في وضع عناوين لها أشهرها "سوق النساء".. و"الجثة الهاربة".. فإني ارتأيت أن أسميها "الرماد الذي غسل الماء" ولك الحق في أن تضع لها العنوان الذي تراه مناسبا.. أو لا تضع لها عنوانا.. وقد قسمتها إلى أجزاء أسميتها أسفارا سأرسل بها إليك تباعا.

قلب أحبك بجنون

السِّفْرُ الأَوَّلُ