الفصل الرابع

5 0 00

الفصل الرابع

باقتراب موعد العرس ارتفعت حرارة الاستعدادات في حوش ود العمدة .. كانت جحافل النساء تغزو المكان دخولاً وخروجاً في كل

الاوقات ... وترقّب سكان الاحياء المجاورة لحي ابوروف الموعد بلهفة .. كانوا يتوقون لحضور عرس آخر يذكرهم بما شهدوه في

اعراس بنات ود العمدة السابقة ... بينما لم يعد احد يتذكر تفاصيل زواج ابراهيم من حبيبة ابنة بخيت والعينة الذي تم على عجل

واقتصر على اقرب الاقربين .. لم يكن هناك حفل باذخ مثلما توقع الجميع لزواج الولد الوحيد في الحوش ... فبعد عقد القرآن

المتواضع اخذ ابراهيم عروسه واختفى تاركاً جملة من التساؤلات والتكهنات عن سر هذا الزواج الغريب بين ابراهيم وهو من هو ...

وحبيبة وهي من هي .. وانتشرت الشائعات عن وجود فضيحة محتملة كان لابد من سترها باسرع وقت ... وبدا الجميع في عد الايام

لقدوم طفل حبيبة الاول حتى يتاكدوا من شكوكهم ... لكن ولادة فاطمة ابنة حبيبة البكر بعد سنة وثلاثة اشهر من زواجها دحضت

الشائعة وجعلتها تنحصر في فرضية رفض السرة لهذه الزيجة والذي عبرت عنه صراحة بحزم امتعتها وسفرها الى القرية وبقاءها

هناك لفترة طويلة بمرور السنين انمحت من الاذهان ذكرى هذا الزواج الباهت بينما بقيت صور زواج بلقيس وبسمة وبدور حاضرة

بقوة ... كانت فرحة السرة لا توصف بزواج اولى حفيداتها .. فوزعت رسلها في كل مكان لتوجيه الدعوات والتاكيد على معارفها

بالحضور ... اصبح حوش ود العمدة مهرجانا من الفرح المتواصل عندما اعلن حامد موافقته وانتشر الخبر فتوافدت جيوش المهنئين

وبدات سلسلة من الطقوس التي ابدعت السرة في تنظيمها واخراجها ... حتى اول جلسة لرحمة في ( حفرة الدخان ) تحولت الى

حفل مرتجل امتد الى ما بعد منتصف الليل ... وصار ايقاع ( الدلوكة ) موسيقى رسمية لا تنقطع في فضاء الحي ..

صبيحة يوم العرس فتحت الابواب على مصراعيها ووقف حامد في صدر المكان محاطاً باهله وجيرانه وهو يشرف على الذبائح التي

نحرت بالجملة ... كان الصيوان الواسع يموج بحركة الاطفال المتراكضين هنا وهناك ... عمال ينظمون الطاولات والمقاعد ...

آخرين يرفعون عقود الاضاءة لتثبيتها .. وفود من النساء تدخل وتخرج ... وبين الحين والاخر تتعالى زغرودة طويلة وتجاوبها اخرى

بايقاع يهز القلوب ...

في غرفة بلقيس ارتمت رحمة بين ذراعي والدتها وهي تنتحب بصوت مكتوم وامها تحاول ان تتظاهر بالهدوء والحزم ...

- بس يا رحمة ... بطلي بكا .. انتي عاوزة عيونك تحمر وتورم وبعدين الناس تقول العروس مالا ؟؟ طيب وريني انتي هسة بتبكي

ليه ؟؟ المفروض تكوني فرحانة .. مش محمود دة انتي الوافقتي عليهو وقلتي عاوزاهو ؟؟

رفعت رحمة وجهها الممتلئ بالدموع لدى ذكر رجلها الذي اختارته بعقلها ثم غزا قلبها .. وبصوت متحشرج سارعت تنفي عنه تهمة

تسببه ببكائها...

- امي انا ببكي لاني ما متخيلة بعد يومين اقوم من النوم وما القاك انتي ومنال جنبي .. ما القى امي السرة وابوي حامد .. ما متخيلة

اني اصحى في مكان غريب مع راجل غريب ... خايفة يمة ... خايفة شديد .. صحي محمود انسان طيب ومتدين والكل شهد ليهو

بالاخلاق والاحترام ... لكن انتي قلتي لمن ابوي جا يتقدم ليك برضو كل الناس قالت ليكم انو زول كويس .. وانتي ما عرفتي عيوبو

الا بعد ما خلاص بقى امر واقع ما منو مفر ...

تصاعد نحيبها مرة اخرى ...

- خايفة يمة بعد فترة محمود يبقى زي ابوي ويعذبني زي ما ابوي عذبك ...

على الفور تخلت بلقيس عن محاولتها التظاهر بالقوة والحزم ... احتضنت ابنتها بشدة وانهمرت دموعها كالسيل وهي تتذكر والد

ابنتيها .. الرجل الذي تزوجته ارضاء لاهلها وتطلقت منه انتصارا لكرامتها بعد ان اذاقها صنوفا من الذل طيلة فترة زواجهما

القصيرة التي خرجت منها حطام امراة..

كانت في التاسعة عشرة من عمرها وقد انهت للتو سنتها الجامعية الاولى بتفوق جعل والدها يطير فرحاً .. فبعد الخيبة التي لازمت

ابراهيم في كل مراحل دراسته .. اصبح تفوقها مصدر فخر لاسرتها خصوصا بعد ان اعلنت بدور عن عدم رغبتها في مواصلة

دراستها الجامعية وقررت الموافقة على الزواج من احد اقرباء والدتها عقب الانتهاء من امتحان الشهادة الثانوية مباشرة ...

بدات مأسآتها في الاجازة عندما قررت السرة اصطحاب بناتها لزيارة جدتهم المريضة في القرية التي تبعد مسافة قصيرة عن مدينة

شندي ... كانت المرة الاولى التي يذهبون فيها جميعاً بعد الرحلة الحزينة التي تلت زواج حامد من نعمات منذ ثلاث سنوات عندما

هجرت السرة منزلها وحزمت امتعتها وولدها الوحيد وبناتها الاربعة وعادت الى القرية لتؤجج مشاعر الغضب ضد حامد الغائب في

شهر العسل مع عروسه ... رفضت كل محاولات الترضية والاصلاح ما لم يقم حامد بطلاق نعمات لكن عندما مرت خمسة اشهر

دون ان ينفذ لها طلبها تغلب عليها حنينها لبيتها ولزوجها ولحياتها التي اعتادتها فابدت اشارة خفيفة عن رغبتها في العودة تلقاها حامد

بلهفة واتي محملاً بكميات كبيرة من الحلى الذهبية والعطور والملابس لترضية الزوجة الغاضبة التي عادت وبداخلها احساس

بالهزيمة والانكسار تمثل في كره شديد لضرتها ومحاولة دائمة للنيل منها...

في هذه الزيارة قررت بلقيس المنتشية بنجاحها ان تخلع رداء المراهقة وتظهر في مجتمع القرية بصفتها فتاة جامعية ناضجة .. لفت

قامتها المربوعة بالثوب ورفعتها بالكعب العالي .. وضعت الكحل في عينيها مما اظهر جمال لونهما البني الفاتح .. ونثرت العطر

بسخاء حول جسدها فبدت مثيرة ومختلفة عن بنات القرية اللائي يماثلنها سناً ولفتت اليها انظار الجميع ...

في عصر يوم غائم ايقظتها السرة من نومها بوجه يتهلل بشراً ..

- بلقيس ... يا بت يا بلقيس ... اصحي ... النوم الليك شنو زي المواعيد دي .. قومي عندنا ضيوف ..

كانت تهزها بعنف متجاهلة احتجاجاتها الناعسة

- عارفة برة في منو ؟؟ خالتك ( الزهوة ) مرة العمدة سعيد ... عارفاها جاية لشنو؟؟ عاوزة تخطبك لعبد العظيم ولدها ..

كانت الكلمات تندفع من فم السرة يرافقها رزاز من البصاق كما هو شانها في حالات الانفعال الشديد مسحت بلقيس وجهها براحة

يدها وهي تتطلع الى امها بانزعاج شديد ...

- خطوبة شنو وعرس شنو ؟؟ انتي يا امي مش عارفة رائيي في الموضوع دة ؟؟ مش السنة الفاتت لمن جاني ولد صاحب ابوي

يخطبني رفضت وقلت ليكم عاوزة اكمل دراستي واني ما حتزوج الا بعد اخلص الجامعة ؟؟ مش انتي وابوي قلتوا لي على كيفك

وما حنجبرك ؟؟ ليه ما قلتي للناس ديل طوالي انو انا لسة بدري علي لغاية ما اخلص الجامعة وافكر في العرس ؟؟

ضربت السرة صدرها بيدها واتسعت عيناها استنكاراً ...

- سجمي يا بلقيس .. عاوزاني اقول للزهوة بت العمدة ومرة العمدة انو لسة بدري عليك ؟؟ بدري عليك لشنو ؟؟ انتي قايلة روحك

صغيرة ؟؟ انا لمن كنت في عمرك كانوا عاقدين علي وبستعد للعرس ... واهي بدور الاصغر منك عرست وعلى وش ولادة ...

وبعدين انتي لمن رفضتي العريس الجاك اول داك ما قلنا شئ ووافقناك على كلامك لانو ما كان شيتاً نتحسر عليهو والزيو كتار ...

لكن عبد العظيم ولد العمدة سعيد دة الما بترفض .. اصل وفصل .. حسب ونسب .. قرش وجاه .. بنعرفو لغاية جدود جدودو عيلة تمام

ما فيها شق ولا طق .. يا بت انتي ما عارفة انتي محظوظة قدر شنو لانو اختارك دوناً عن بنات الفريق كلهم ... تعرفي دة لو مشى

لاي بيت من هنا لشندي بيدوهو بقلب قوي..

وفجاة اصبح رايها هامشيا ولا يعتد به ... وافق الجميع وباركوا وابتهجوا ..حتى والدها الذي كانت تعتمد على دعمه في الوقوف

بجانبها لرفض هذه الزيجة .. اتي مسرعا بامر من والده الذي اعطاه العمر الطويل سطوة ومهابة .. وبرغم تنازله عن لقب العمدة

لابنه الاوسط ( بله ) الا انه ظل صاحب الكلمة الاولى والاخيرة في كل الامور ..

لم تستطع الصمود في وجه الضغوط التي حاصرتها ليلاً ونهاراً .. خاصة بعد ان حضر العريس شخصيا وطلب الجلوس معها

بحضور اسرتها .. احست امام طوله الفارع بضآلة حجمها .. وعندما صافحها كانت قبضته قوية ومسيطرة ... كان رجلاً يعرف

ميزاته ويستمتع بعرضها.. برغم وسامته الظاهرة .. الا ان فيه شيئا لم تستطع تحديده اثار نفورها .. قطع كل حججها بعد ان تعهد

امام الجميع بتركها تواصل دراستها الجامعية واستعداده للاستقرار في العاصمة اكراما لخاطرها وحتى تظل قريبة من اهلها .. وقبل

ان تعود اسرة ود العمدة الى منزلها .. تم عقد القرآن وسط مظاهر فرح وبذخ لم تشهدها القرية منذ زواج السرة وإبراهيم ...

طارت الايام وهي ترجوها ان تتمهل .. وبعد شهر ونصف من عقد القرآن كانت تزف الى عبد العظيم .. الى رجل غريب لا تعرف

عنه شيئاً ..كان شهر العسل هو بداية رحلة العذاب التي استمرت حتى نهاية الزواج القصير ... كانت معلوماتها عن العلاقة الخاصة

بين الرجل والمراة قليلة وسطحية حصلت عليها من صديقاتها المتزوجات بالجامعة وكتب قرأتها خفية وعلى استحياء لتتعرف على

اسباب مشاكلها الصحية التي بدات مع وصولها الى مرحلة البلوغ ... لم تكن مهيأة لطلبات عبد العظيم الشبقة ولا خبرته العميقة بعالم

النساء .. في اول ليلة لهما معا دفعها خوفها للتعلل بالتعب ورغبتها في النوم بعد عناء النهار الطويل حتى تتفادى أي تواصل حميم

بينهما .. كان نومها قلقاً متقطعا ً .. استيقظت منه مذعورة قرابة الفجر على ملمس شئ رطب يتجول ما بين وجهها وعنقها ...

فتحت فمها لتبدا بالصراخ لكن عبد العظيم اغلقه بشفتيه في قبلة طويلة انقطعت معها انفاسها .. حاولت ان تتملص من الهجوم العنيف

لكن يبدو ان حركاتها المقاومة وهي ترزح تحت ثقل جسده الضخم جعلته يزداد ضراوة واصراراً ... وفي لحظات تحول قميصها

الابيض الناعم الى قطع متناثرة ظل بعضها معلقاً بجسدها وتناثرت البقية على الارض .. توقف عبد العظيم عن هجومه وهو يطل

عليها من عل متاملاً بعيون لامعة جسدها شبه العاري المصبوغ بلون البرتقال الناضج .. ابتسم برضا وبدا يحدثها همساً بغية تطمينها

وازاحة نظرة الرعب المرتسمة على ملامحها ..

- تعرفي يا بلقيس .. انتي حلوة شديد .. انا ما كنت قايلك حلوة للدرجة دي ... اول ما جيتي البلد حكوا لي عنك لغاية ما اصريت

اشوفك .. ومن اول لحظة قررت انك تبقي حقتي ..

جفلت بلقيس من جملته الاخيرة ... وحاولت جذب الغطاء لستر نفسها لكنه قبض عليه بيد بينما اتكا بالاخرى على جنبه وعيناه

تقومان بعملية مسح كامل لجسدها المسجي امامه بلا حول ولا قوة .. وواصل همسه المحموم ..

- انتي عارفة لو ما كنت عرستك كنت جنيت .. ما عاوزك تخافي يا بلقيس .. سلميني نفسك بس .. انا عارف انو ما عندك خبرة برغم

انك قاعدة في العاصمة ومشيتي الجامعة انا سالت عنك في كل مكان .. واكتر شئ عجبني انك بت خام وانا حكون الاول في أي شئ

..

خرجت ضحكته متحشرجة من فرط الاحاسيس التي تعتمل في صدره .. وبدا يفقد السيطرة على حركات يديه فانطلقت تجوب الجسد

المتخشب بجراة وحرية ... كانت لمساته خبيرة ... متأنية .. شعرت بها احيانا رقيقة كلمسة الفراشة .. واحياناً مؤلمة ولاسعة

كقرصات النحل ..

بدأ جسدها المتشنج يلين ويسترخى تحت تاثير الكلمات الناعمة واللمسات التي تعرف مكامن الاسرار ودخلت في مرحلة خدر لذيذ

وانتابتها مشاعر لم تشعر بها قبلاً ... كانت قد بدات تستسلم للمتعة الغامضة عندما سمعت صرخة الاستنكار الصادرة من زوجها ...

أحست كانها في بئر عميق وجاهدت كي تطفو على سطح وعيها مجدداً .. تحولت الكلمات الهامسة الى سيل من اللعنات جعلتها

تنتفض مذعورة وتعود الى تشنجها .. رفعت رأسها بدهشة وهالها منظر زوجها .. كان ضوء الفجر الشاحب قد تسلل من النافذة

وانعكس على ملامحه التي ارتسمت عليها تقطيبة حادة .. وتحول لون بشرته الذهبي الى لون داكن غير مميز ... تصلبت عضلاته

وجمدت حركاته وهو ينظر اليها بغضب شديد ... وقبل ان تستطيع سؤاله عما حدث كان قد هب واقفاً .. ارتدى ملابسه على عجل ..

وغادر الغرفة دون كلمة واحدة تبدد حيرتها وتهدئ خوفها ...

عادت بلقيس الى الحاضر بارتعاشة قوية من جسد ابنتها المستكين بين ذراعيها ... فاحتضنتها بقوة ثم افلتتها وهي تسمح دموعها بيد

حنونة وانخفض صوتها حتى صار اقرب للهمس ..

- ما تخافي يا رحمة .. مستحيل محمود يكون زي ابوك ولا يعمل العملو ابوك .. احنا في زمن مختلف وظروف مختلفة ... محمود

ولد متدين وبيخاف الله .. وفوق دة كلو بيحبك وبيحترمك .. وانا لو ما اتاكدت من الحتة دي مستحيل كنت حوافق انك تعرسيهو ...

وبعدين انا حاسة انو انتي كمان حبيتيهو برغم نكرانك للشئ دة ... وعشان اكون حقانية يا رحمة في حاجة لازم تعرفيها .. فشل

زواجنا انا وابوك ما كان هو براهو السبب فيهو .. انا كمان كان لي دور في الشئ الحصل .. يمكن دور ما اخترته بارادتي واتفرض

علي غصباً عني لكن في النهاية النتيجة واحدة ... يا بتي انتي مختلفة عني وبالتاكيد تجربتك حتكون مختلفة عن تجربتي .. انا دخلت

الحياة الزوجية وكنت صفحة بيضاء ما فيها أي شئ ... لكن انتي داخلاها وصفحتك مليانة ... انا وريتك وشرحت ليك وفهّمتك ...

والما قدرت اشرحو ليك .. جبت ليك كتب عشان تقري وتعرفي .. انا لمن جيت اعرس كل القالتو لي حبوبتك السرة حاجتين .. خليك

دائما نضيفة .. خليك دائما مطيعة .. بس وبدون زيادة .. ودخلت العالم دة وانا شبه جاهلة شنو الطريق الممكن يوصلني لبر الامان ..

لكن يا رحمة انتي ماشة وانا محفظاك كل الطرق ... كنت عاملة حساب اليوم دة عشان كدة من يوم ما ولدتك ما اعتبرتك بتي ..

اعتبرتك صاحبتي ... حتى لمن كنتي طفلة في اللفة كنت باحكي ليك كل حاجة وباشاورك في كل شئ .. كنت باشكي ليك همومي

وباضحك معاك ساعة فرحي ... وعمري ما ختيت حاجز الامومة والبنوة بيني وبينك لاني ما عاوزاك تفشلي زي فشلي ... ومن هسة

باقول ليك عمرك ما تخجلي مني .. أي حاجة ما تعرفي تتصرفي فيها اول ايام اساليني وانا بوريك .. لكن كمان في المقابل حاطلب

منك طلب .. اوعك تحكي لاي زول مشاكلك الخاصة شديد مع راجلك مهما كانت صغيرة ولا كبيرة .. أي مشكلة تحصل ليك ما

تطلع من باب اوضة نومك لانو تدخل الاهل بيزيد المشاكل .. فهمتي ؟؟

احتضنتها مرة اخرى ثم ابعدتها عنها وهي تتامل ملامحها الجميلة التي ورثت معظمها من والدها ... ابتسمت لها ومسحت بقايا

دموعها باطراف اناملها ثم امرتها بحزم...

- يلا قومي غسلي عيونك بموية باردة وابدي اجهزي عشان تمشي الكوافير .. رسلي أي زول يفتش اختك .. اكيد محشورة عند ناس

رجاء .. البت دي تقول انا دفنت صرتها هناك .. بس ما تلقى فرقة الا تشيل رجلينها وتجري عندهم .. شوفوا منو من بنات نعمات

عاوزة تمشي معاكم وما تنسي بنات خالك ابراهيم انتي عارفاهم معقدين خلقة ولو ما كلمتيهم حتبقى مشكلة .. اطلعي واقفلي لي الباب

دة وراك عاوزة ارقد شوية ... ولو أي زول سال مني قولي ليهم امي عندها صداع وما تزعجوها ... انا بعد شوية بطلع ..

نظرت رحمة الى والدتها بحب كبير .. قبلتها في جبينها ثم خرجت واغلقت الباب خلفها .. بعد رحيلها جلست بلقيس وحيدة في

غرفتها وهي تجاهد لابعاد شبح الذكريات المريرة .. لكن يبدو ان الدوامة التي بدات خلسة اصبحت اقوى بمرور الدقائق ولم يعد لها

القدرة على مقاومة الانجراف والسقوط في اعماقها حتى القاع ...

صبيحة زواجها غاب عبد العظيم طيلة النهار ..كانت تشعر بالخوف والالم والجوع لكنها لم تجرؤ على طلب خدمة الغرف ..كل ما

فعلته هو الاستحمام وتبديل قميصها الممزق ثم الجلوس والتفكير فيما حدث .. ظلت ساعات طويلة تحدق في الباب وهي تامل دخول

زوجها ليخبرها ما الخطا الذي ارتكبته ... كان الوقت يتمطى ببطء حقود ... فكرت في الاتصال بامها .. لكن ماذا ستخبرها ؟؟ بأن

زوجها هجرها في ليلة زفافها ؟؟ اذا انتشر الخبر سوف تصبح فضيحة مدوية لها ولاسرتها .. كيف ستواجه ابيها ؟؟؟ لابد انها

اخطات في شئ ما .. لابد انها فعلت او قالت شيئاً اغضبه .. كانت تحفر عقلها باصرار حتى تتذكر احداث الفجر الغريبة ... لكن

معظم ذكرياتها كانت مطموسة ومشوشة وتشعرها بالخجل .. ربما هي قلة خبرتها ؟؟ ربما لانها رفضته وتعللت بالتعب لتتهرب منه

في بداية الليلة ؟؟ غلبها النوم وهي متقرفصة في الكرسي الضخم المواجه للسرير ... استيقظت فزعة على وقع خبطة قوية فقفزت

حتى كادت تسقط ارضاً... كان زوجها يقف في فتحة الباب مترنحاً بعينان دمويتان ... كانت ملابسه متسخة ومجعدة .. ملامحه

مجهدة وجامدة ... اقتربت منه بحذر ..

- عبد العظيم ؟؟ انت كنت وين ؟؟ مشيت وين وخليتني براي الوقت دة كلو ؟؟ في شنو ؟؟ انا عملت ليك شنو زعلك مني ؟؟

خطا خطوة الى الداخل واغلق الباب بكعب حذاؤه .. تقدم نحوها بمشيته المهزوزة والكلمات تخرج من فمه ثقيلة ..

- كنت في السما الاحمر ... مشيت في ستين داهية ..

كانت تتراجع خلفاً وقد ازداد خوفها من اسلوبه ومظهره .. ورائحته ..

- عبد العظيم ؟؟ انت سكران ؟؟

- ايوة سكران ... عندك مانع ؟؟

تعثرت خطواته المترنحة بطرف السجادة المفروشة على الارض وكاد يسقط .. فسارعت اليه بيد ممدودة لتساعده لكنه نفضها عنه

بقسوة ونظر اليها شزراً ... ابتعد عنها وارتمى على طرف السرير وهو ما زال مرتدياً حذاؤه ... ومنذ تلك اللحظة بدا يمارس هوايته

المفضلة بصب قطرات الاسيد الحارق على روحها ...

- تعرفي يا حرمنا المصون انك طلعتي صفقة خسرانة ؟؟ بضاعة مغشوشة ؟؟

انعقد لسانها من قسوة الكلمات وسالت دموعها غزيرة ..

- بس يا بت السرة انا عاوز اسالك سؤال ... دة شنو ده العندك ده ... يعني عيب اتولدتي بيهو ولا شنو ؟؟ واهلك الطالعين بيك السما

ديل وعاملين فيها انو بتهم مكملة .. ما عارفين انك مشوهة كدة وما بتنفعي تعرسي ؟؟ ما تقولي لي انك مطهرة فرعوني وكلام من

النوع دة ... انتي ما اول مرا اشوفها .. شفت كتار قبلك ... والظاهر حشوف اكتر بعدك.. يا زولة اقول ليك كلام ؟؟ انتي ميح

خالص .. انتي شئ ما مفهوم شئ مقرف ..

خرجت من لسانه اصوات رفض واستنكار بينما كانت يداه تطاردان اشباح وهمية تحوم في الهواء فوق راسه ... فجاة رفع كفه امام

وجهها الشاحب ...

- عارفة كفة يدي دي فيها تضاريس اكتر من العندك ؟؟ ... انا في الاول كنت قايل المشكلة في يدي ... لكن بعد شوية عرفت انو

المشكلة فيك انتي ... المشكلة فيك انتي المشكلة فيك انتي...

ظل يردد هذه الجملة لفترة طويلة حتى اصبحت معلقة في فضاء الغرفة الساكن .. وعندما صمت اخيراً رفعت رأسها لتجده غارقاً

في النوم براس معوج وقدم متدلية خارج السرير ... إنهارت ارضاً وبدات ترتعش من الالم الذي اجتاحها وسلب كل قواها ... هل من

الممكن ان تنتهي حياتها الزوجية قبل ان تبدأ بسبب خطا لم يكن لها يد فيه ؟؟!! ...

كانت في السابعة من عمرها عندما اخبرتها امها بان ختانها هي وبدور سوف يكون الاسبوع المقبل صورته لهما وكأنه شئ يستحق

الاحتفاء به ... كانت تجهيزاته تشبه تجهيزات العيد ... حضرت الخياطة الى المنزل واحضرت الاقمشة فاختارت بلقيس اجمل

الالوان .. وقبل يومين من تاريخ الختان حضر والدها مبكرا وهو يحمل اربع اساور ذهبية عريضة وقلادة طويلة واقراط لكل واحدة

من ابنتيه فتوارى الخـوف خلف فرحة الهدايـا والملابس الجديدة ... في اليـوم المشهود حضرت ( الدايـة ) في وقت مبكر ومعها

مساعدتها بحقيبتها السوداء الكبيرة ... تم الختان بسهولة بحضور السرة التي امسكت بيد بناتها بينما قامت المساعدة بتثبيت القدمين ..

احست بلقيس بوخزة الحقنة ومن ثم تبعها وضع شريط لازق صغير في راس الجرح .. كان الختان ايذانا ببدء اسبوع من الدلال

الزائد اصبحت فيه طلباتها هي وشقيقتها اوامر تنفذ بلا نقاش ... انهالت عليهما النقود التي تبارى الاهل والجيران بدسها تحت

الوسائد ... كانت بدور ابنة السادسة سعيدة لدرجة انها طلبت من والدتها ان تجري لها عملية ختان كل شهر ...

بعد انقضاء ثلاثة اسابيع ذهبوا الى القرية لزيارة الجدود ... وهناك حصلوا على مزيد من الهدايا والنقود ... عقب وصولهم بيومين

وبينما كانت بلقيس تستعد للنوم مع صغيراتها اتت الجدة وبدا فاصل جديد من الاحاديث والحكايات .. فجاة طلبت منها جدتها طلباً

غريباً جعل بلقيس تنكمش خجلاً..

- كدي تعالي يا بت يا بلقيس خليني اشوف طهورتك ...

رفضت بلقيس واختبات خلف امها .. لكن الجدة اصرت فما كان من السرة الا ان نهرتها بعنف

- يا بت انتي بتخجلي من حبوبتك ؟؟ يلا امشي وريها طهورتك ...

عندما خلعت سروالها الداخلي وباعدت بين قدميها , ارتسمت نظرة رعب في وجه الجدة وضربت صدرها بكفها وهي تشهق ..

- سجمي يالسرة !!! دة شنو ؟؟ وينو الطهور ؟؟ ما تراها البت قاعدة زي ما هي !! انتي بتغشي على روحك ولا على الناس ؟؟

وافضيحتنا لو زول عرف بناتك ما مطهرات دي بكرة تبقى لينا نبزة .. تعالي يا بت يا بدور خليني اشوفك انتي كمان .. والله الداية

دي ضحكت عليكم وشالت القروش ساكت ... انتي مالك يالسرة ؟؟ عميانة ؟؟ ما شفتيها ولا ما شفتي بناتك ؟؟

عندما استطاعت السرة الرد على سيل التانيب ردت بحرج ...

- يمة حامد هو الجاب الداية .. وحذرها قدامي انها ما تطهر البنات فرعوني ... والله انتي لو عرفتي هو حتى طهورة السنة دي ما

كان راضي بيها الا انا اصريت عليهو شديد ..

اخاف شكل الجدة الصغيرات فاختبان وراء ظهر السرة التي عجزت عن تهدئة امها الغاضبة

- شوفي يالسرة .. ما تقولي لي حامد ولا ابوهو العمدة زاتو ... من متين الرجال بيتدخلوا في الحاجات دي ؟؟ كويس انك جيتيني

عشان نصلح الغلط دة ..بكرة بدري انا حرسل للداية الليلنا عشان تجي تطهر البنات ديل طهورة زي الناس ..

حاولت السرة الاحتجاج لكن الام المتسلطة قاطعتها بلهجة لا تقبل النقاش

- بكرة حنعيد الطهور يا بلقيس .. ولو خايفة من راجلك ما تجيبي ليهو أي سيرة .. انا مستحيل اخلي البنات بالصورة دي ... يا غبيانة

بكرة يكبروا ومافي زول يرضى يعرسهم ليك ...

لم يكن امام السرة الا الموافقة على اصرار امها باعادة الختان شريطة اخفاء الامر عن حامد ... وفي صبيحة اليوم التالي تمت

المجزرة ... وبرغم حقنة البنج الكبيرة التي وزعتها المراة الغليظة في جميع الاماكن .. لكن بلقيس احست بضربات الموس وهي

تقطع لحمها البض تحت ارشادات جدتها..

- اقطعي كويس شيلي من هنا ... واسي الجنبة دي ... ما تخلي أي حاجة بارزة .. عاوزاها طهورة صح .. خليو املس زي كفة يدي

دي ... خيتي لتحت شديد ... ضيقي الفتحة اكتر من كدة ...

كان الالم اقوى من قدرة بلقيس على الاحتمال فوضعت السرة قطعة قماش بين فكيها حتى لا تصرخ حاولت ان تبدي اعتراضها على

ما يحدث لابنتها ... لكن الجدة لم تعطها فرصة واسكتتها بصوتها الجهوري ....

- مالك يا السرة ؟؟ انتي قعدة امدرمان خربتك ولا شنو ؟؟ ما ياها دي الطهورة العملناها ليك ولكل اخواتك .. وقبل كدة عملوها لينا

نحن ولاماتنا وحبوباتنا ... لو ما قادرة تحضري اطلعي برة وجهزي البت التانية ...

غاصت الابرة المعقوفة عميقا في اللحم الطري وانتشرت رائحة الدم وعبأت جو الغرفة فافلتت بلقيس قطعة القماش واطلقت

صرخات داوية هزت اركان البيت فانهارت السرة وهي تبكي عذاب ابنتها ..

- كفاية يا امي .. عليك الله كفاية البت حتموت ..

لمدة اسبوع بعدها ظلت بلقيس ترتعش من الحمي .. خاصمت الاكل .. امتنعت عن شرب الماء والتبول حتى تتفادى الالم الحارق

للسائل الذي يخرج بصعوبة ويكوي جراحها النازفة ... احتباس البول داخل بطنها جعلها تنتفخ وتتكور حتى باتت كالحبلى .. اصيب

الجميع بالقلق .. وعادت الداية المذعورة مرات ومرات ... واقتصرت مهمة الجميع في حثها على التبول بالاقناع احيانا .. وبالتهديد

احيانا اخرى ... لم تعد والدتها تتزحزح من جانبها وهي تستجديها باذلال ..

- يا بتي استريني الله يسترك دنيا وآخرة .. لو أبوك عرف حيطلقني ... انتي عاوزاني اتطلق يا بلقيس ؟؟ لو ما بقيتي كويسة دة

الحيحصل .. انتي ما صغيرة وعارفة شنو معنى الطلاق مش كدة ؟؟ انا والله ندمانة وسافة التراب لاني وافقت حبوبتك على إعادة

الطهور لكن خلاص الحصل حصل .. الله يرضى عليك يا بلقيس ما تبقي سبب طلاقي من ابوك ...

تعللت السرة بمرض والدتها حتى لا تعود الى بيتها ويكتشف حامد ما فعلته بابنتهما ... وكانت تدعو الله عدم حضوره .. بعد اسبوعين

تماثلت بلقيس جسديا للشفاء ...لكن روحها كان قد اصابها شرخ غائر لم تشف منه ابداً ... لكن ما حدث لها اعفى شقيقتها الصغرى

من مؤامرة المجزرة ..

بمرور الايام تناسى الجميع التجربة المؤلمة حتى وصلت بلقيس الى مرحلة البلوغ وبدات مشاكلها الصحية تتزايد ... كانت تعاني

بصمت وخجل من التهابات متواصلة .. واصبحت ايام دورتها الشهرية فترة معاناة لا توصف ... لم تكن تشتكي .. لكن كثيراً ما

تفضحها اهات المها ودموعها العاجزة .. في احدى المرات وبعد ان فشلت كل جهود السرة في تخفيف الآمها باكواب النعناع

والحرجل المغلي ... سالتها بهمس ...

- بلقيس ؟؟ انتي بتبلعي حبوب المغص الجابها ليك ابوك ؟؟

- آي ببلعها.. لكن ما عاملة لي أي شئ .. انا اكتر شئ متعبني انو الدم ما بنزل كويس عشان الفتحة ضيقة شديد .. ومرات بتجمع

وبيكون قطع لمن تجي تنزل بتالمني تعرفي انا مرات الا ادوس شديد عشان طرفها يطلع واقوم اجرها لبرة ... يمة ؟؟ ممكن توديني

لدكتورة تعمل لي عملية توسع الفتحة دي شوية ؟؟؟ انا خلاص تعبت وما قادرة اتحمل الالم دة كل شهر ...

كانت المرة الاولى التي تناقش فيها بلقيس مشكلتها مع أي مخلوق آخر ... واتى رد فعل السرة الغاضب ليجعلها الاخيرة ...

- سجم خشمي .. كيفن يعني تعملي عملية وتوسعي الفتحة ؟؟ يا بت انتي جنيتي ولا شنو ؟؟ ما عاوزة اسمع كلام فاضي زي دة ...

وما عافية منك لا دنيا ولا آخرة كان جبتي السيرة دي تاني .. انتي ما اول ولا آخر بت تتالم .. ياهو دة سلو البنات كلهن من الله خلق

الدنيا ولمن تقوم القيامة .. اتحملي شوية ... بكرة تعرسي والمشكلة تخلص ...

لكن يبدو ان مشكلتها الحقيقية قد بدات بعد الزواج ولم تنته به ... كان راس بلقيس المتلصق بالارض ينبض الماً وهي تستمع الى

شخير عبد العظيم الرتيب ... الحت عليها افكار يائسة ..كان اشدها إيلاماً ان التعاسة ستكون قدرها المسطور الذي لن تملك منه

فراراً ...

مر الاسبوعين المقررين لبقائهما في الفندق ببطء السلحفاه ... واحست بلقيس كأن معاناتها تزيد من طول الزمن وتمدده الى ما لا

نهاية ... وعندما اعلن زوجها برغبته في مغادرة الفندق احست بالفرح لاول مرة منذ فترة طويلة لان البقاء في غرفة الفندق المنعزلة

اصبح عذابا يفوق الوصف ... كان عبد العظيم يغيب عنها بالساعات الطوال تاركاً لها حصيلة من الكلمات المهينة التي تجرحها

بصورة لم تكن تتخيل انها قد تتحملها ... وعند حضوره يبدا فاصل العذاب الجسدي .. لم يعد للامر علاقة بالمتعة او الرغبة بعد ان

تحول الى تحد وصراع بين رجل فخور بقدراته وامكاناته .. وحاجز منيع رفض الاستسلام ... كانت تستعد له كما الشاه التي تساق

الى الذبح .. تستلقي في السرير جسدا بلا روح وتنتظر الهجوم الشرس الذي تزيده مناعة الحاجز شراسة ... احيانا كانت تضع طرف

الغطاء بين اسنانها حتى لا تفضحها صرخاتها .. تماما كما علمتها امها يوم اعادة ختانها ... وكثيرا ما انقذها فقدانها للوعي من

معايشة الالم الرهيب ...

عادت الى المنزل الفخم الذي اثثه لها زوجها قريبا من اهلها ... وهناك حاولت الحفاظ على الصورة المتوقعة للعروس السعيدة

وبدات في استقبال المهنئين وتلبية الدعوات ... بعد عودتها بيومين زارتها امها واخواتها وهن محملات بالهدايا والحلويات ... حاولت

اخفاء هزال جسدها بالثوب السميك ... ووضعت طبقات من مساحيق التجميل حتى تخفي شحوب وجهها والهالات السوداء التي

ارتسمت تحت عينيها ... تظاهرت بالسعادة .. ضحكت للدعابات .. واستمعت للاخبار ببال شارد ... اخيرا انفردت بها السرة في

غرفة نومها واغلقت الباب بوجه بناتها المحتجات وهي تحاول معرفة احوال ابنتها مع زوجها ...

- اها يا بلقيس انشاء الله مبسوطة مع عبد العظيم ؟؟ شكلك ما عاجبني .. ضعفتي ولونك غمق وبقيتي عاملة زي الليمونة

الممصوصة ... يا بت هوي ما تخلي الراجل دة يعذبك شديد ..

واصلت كلامها بغمزة موحية ...

- باقي يا بتي رجالنا ديل ما شاء الله عليهم ما بيفتروا .. خصوصا اول ايام ... لكن انتو لسة صغار والعمر كلو قدامكم ... بكرة

تزهجوا من بعض وتتذكروا الايام دي وتضحكوا على روحكم ..

انحدرت دموع بلقيس غزيرة فرسمت خطوط متعرجة على قناع البودرة السميك ... اندهشت السرة فهبت من مكانها وجلست

بالقرب من ابنتها لفت ذراعها حول كتفيها وسالتها بانزعاج ...

- بلقيس ؟؟ مالك بتبكي ؟؟ في شنو ؟؟ عبد العظيم زعلك في شهر العسل ؟؟ قولي لي ما تدسي مني انا امك ومافي زول حيشيل

همك اكتر مني ..

هزت بلقيس راسها ومسحت دموعها بسرعة

- لا يا امي مافي حاجة ... عبد العظيم كويس خالص معاي .. انا بس اشتقت ليكم شديد وفرحانة بشوفتكم ... صدقيني ما في حاجة ..

تاملتها السرة بنظرة فاحصة وخبيرة ثم تنهدت بعمق ...

- معليش يا بلقيس انا عارفة الايام دي صعبة عليك قدر شنو ... انتي بالذات لانو وضعك مختلف عن باقي اخواتك ... لكن اتحملي

..بعد شوية بتبقى الامور عادية .. اتحملي يا بتي .. اتحملي ...

حاولت ان تتمسك بنصيحة امها .. فتحملت شتى صنوف الالم الجسدي والمعنوي ... لكن يبدو ان تقدم عبد العظيم البطئ وعدم قدرته

على اختراق السد المنيع اصبح اكبر من قدرته هو على التحمل خصوصا بعد ان فقدت الوعي ثلاث مرات خلال ثلاث محاولات

متتالية .. في المرة الاخيرة وبعد ان افاقت اتجهت الى الحمام بخطوات واهنة ... عند عودتها وجدته جالسا على طرف السرير وهو

ينفث دخان لفافة التبع بشراهة ... نظر اليها بحقد واحتقار ..

- تفتكري يا بت السرة انا اعمل معاك شنو ؟؟!! انا زهجت وقرفت وكرهت اليوم العرستك فيهو ..

قاطعته بهدوء ...

- وديني لدكتورة ...

هب صارخاً...

- اوديك دكتورة ؟؟ والدكتورة حتعمل ليك شنو ؟؟انتي عاوزة تفضحيني ؟؟ عاوزة الناس تقول علي ما قدرت ؟؟ لعلمك انا مافي

( مـرا ) قبـل كـدة غلبتني ... لكن انتي ما ( مرا ) انتي حاجة كدة مشوهة ومبتورة وما معروف ليها راس من قعر ... انتي ..

قاطعته بصوت حاد زاعق ... صوت امراة اصبح جرحها اكبر من قدرتها على السكوت ..

- كفاية حرام عليك يا عبد العظيم .. انت ما بتتعب من التجريح والاهانة ؟؟ يا اخي انا جبرتك تعرسني ؟؟ انا جريت وراك ؟؟ مش

انت الجريت وراي واصريت برغم انك كنت عارف اني ما عاوزة اعرسك ؟؟ انت بتعاقبني على شنو ؟؟ وضعي دة انا ما لي ذنب

فيهو ... دة شئ حصل وانا عمري سبعة سنين ... يا ود الناس قدامك حاجة من اتنين يا توديني لدكتورة تشوف لينا حل .. ولا ترجعني

بيت ابوي .. ولغاية ما تقرر تاني ما تلمسني ولا تجي جنبي .. كفاية العذاب الانا عايشة فيهو لي شهر كامل ..كفاية يا عبد العظيم ..

كفاية ..

خيار الانفصال بعد شهر واحد من الزواج لم يكن وارداً في حساباته ولا يستطيع تحمل تبعاته ... اخذها الى طبيبة معروفة في مجالها

... وبعد الكشف جلسا متقابلين امام مكتبها ...

- شوف يا سيد عبد العظيم ... حالة زوجتك دي ما اول حالة تجيني بالصورة دي .. وان كانت اصعب حالة ختان اشوفها لغاية الان

... يبدو انكم حاولتوا بالطرق العادية وفشلتوا ودة واضح من الجروح والتمزقات الشفتها ... انا عندي حلين للموضوع وانتو اختاروا

البناسبكم .. الحل الاول اننا نعمل جراحة صغيرة نوسع بيها الفتحة لمستوى معقول والباقي الطبيعة حتتكفل بيهو ... الحل التاني انك

تصبر لفترة ممكن تطول او تقصر حسب التجاوب والاستعداد وانا ممكن اديكم مراهم وملينات تحد من الالم وتساعد على سلاسة

العملية .. القرار راجع ليكم انتو الاتنين فكروا وادوني ردكم ..

اتت كلمات بلقيس في شكل رجاء حار ..

- العملية

واتى رد عبد العظيم حاسماً

- عملية لا ..

نهضت الطبيبة من مقعدها ... ونظرت اليهما بتفهم ..

- انا حخليكم مع بعض شوية .. اتناقشوا وقرروا .. لمن ارجع وروني عاوزين شنو ..

حاولت بلقيس اقناع زوجها بالموافقة على العملية لكنه رفض بشدة .. خرجا من عيادة الطبيبة بروشتة طويلة قام عبد العظيم بشراءها

من الصيدلية المجاورة ... ليلتها خف الالم قليلا كما قل تذمر عبد العظيم ... عندما اكتمل الشهر الثالث لزواجها ... بدات اعراض

الحمل تظهر على بلقيس ... وانحصر وحمها في رفضها العنيف لزوجها .. لرائحته ولوجوده وكل ما يختص به ... كانت تصاب

بالغثيان ما ان تراه وتغيب داخل الحمام فترات طويلة وهي تتقيا كل ما بداخلها حتى هزلت صحتها ولم تعد تقوى على الوقوف ...

فوافق عبد العظيم على مضض بانتقالها الى بيت ابويها .. وظلت هناك اربعة اشهر وهي تحاول ان ترمم روحها المتصدعة ... بعد

عودتها .. اعفاها زوجها من رؤيته الا فيما ندر ... يغيب طيلة النهار .... يعود عصراً ليتناول طعامه وحيداً .. يستحم ويتعطر ويخرج

... يعود بعد منتصف الليل منتشياً وتفوح منه روائح نساء أخريات ...

اتت رحمة الى الوجود فزرعت السعادة في قلب بلقيس المتقرح ومكثت اربعون يوما في منزل والديها وعندما عادت الى منزلها

ملأها احساس بالغربة والخوف ...كانت اول ليلة هي الاسوأ ... عاد زوجها متاخراً كالمعتاد فتظاهرت بالنوم كي لا تواجهه .. لكنه

اضاء نور الغرفة ووقف في نهاية السرير يراقبها بصمت حتى اضطرت الى رفع راسها والنظر اليه .. خاطبها بابتسامة ساخرة

- اهلاً يا حرمنا المصون .. حمد الله على السلامة .. شنو نايمة من بدري كدة ؟؟ مش تستنيني لمن ارجع ؟؟ ما اشتقتي لي بعد

الغياب دة كلو ؟؟

اجابته ببرود وهي تشيح بنظراتها تجاه سرير ابنتها النائمة

- اهلاً عبد العظيم ... اتكلم براحة البت نايمة ... ما قدرت استناك لاني تعبانة .. وبعدين انت مش عارف اننا جايين الليلة .. اتاخرت

برة قدر دة ليه ؟؟

وبذات اللهجة الساخرة اتى رده وهو يدنو من السرير

- آسفين ياستهن .. كان مفروض استناك وافرش ليك الارض ورد كمان ... ما رديتي على سؤالي .. ما اشتقتي لي ؟؟ انا شخصياً

اشتقت للضيق ويباس الريق .

ردت بلقيس بلهجة منتصرة ...

- ما تتعب روحك يا عبد العظيم ... ما بقى في ضيق ولا يباس ريق ..

ابتسمت شامتة وهي تتذكر رفضها القاطع لمحاولات السرة بان تعيدها كما كانت قبل الانجاب وغضبها عليها عندما طردت الداية

التي احضرتها خصيصا للقيام بالمهمة قبل ان تكمل اربعينها بيومين .. لقد اسكتتها بحدة لم تكن معهودة فيها ..

- امي .. عليك الله كفاية العملتي فيني زمان .. ارجوك ما تلحي كتير لاني مستحيل اكرر الغلطة دي تاني .. المرة الاولى ما كنت

بقدر ارفض ولا اقول لا ... لكن المرة دي لو بقى التمن طلاقي من عبد العظيم ما بسويها ... انتي يا امي كيف ترضي لي اني اتعذب

بالصورة دي عشان هو يستمتع ؟؟ انا ما انسانة ؟؟ ما عندي احساس ؟؟ انتي عاوزاني ابقى زي الغنماية رسني في يد غيري وما

عندي رأي حتى في ادق خصوصياتي ؟؟ كلمة واحدة والله واحد يا امي .. لو السماء انطبقت على الارض عملية ما بسوي ... واي

شئ حيحصل خليهو يحصل ما هاميني ...

يبدو ان ابتسامتها الشامتة ولهجتها المنتصرة قد اثارتا غضبه من ضمن اشياء اخرى .. فكان هجومه ساحقاً ... لكنه فوجئ بان

الحصن المنيع قد اشرع ابوابه على مصراعيها واستسلم بلا مقاومة .. فتوغل بعنف الغازي الحانق من سرعة الاستسلام .. عندما

انتهى من هجومه .. نظر اليها بغضب وخرجت كلماته محملة بالكراهية ..

- بالاول كنتي علّة لكن على الاقل كان فيك شئ يخلي الزول يتحملك ... هسة بقيتي مقرفة وخسارة الواحد يتعب فيك ... انعل ابو

اليوم الاسود العرستك فيهو ...

بعد شهرين بدات تظهر آثار غزوة تلك الليلة في دورة جديدة من الوحم الرافض لوجود الزوج واللجؤ الى بيت والديها والعودة

المتقطعة التي فوجئت في احداها بوجود امراة اخرى في بيتها ... مع زوجها .. وفي سريرها ... كانت في شهرها الثامن ترافقها

بدور لاحضار بعض اغراض رحمة التي تركتها نائمة في احضان السرة ...

كان اصعب ما فعلته هو الجلوس مع والدها وشرح مجمل معاناتها مع زوجها دون التطرق للتفاصيل المخزية ... وطلبت منه ان

يدعمها في طلب الطلاق ..

- طلاق ؟؟!! طلاق شنو يا بلقيس ؟؟!! احنا ما عندنا بنات بتتطلق .. وبعدين انتي ناسية انك حامل وعلى وش ولادة ؟؟ كدة استهدي

بالله وخليك في الطفل الجاي دة .. انا حشوف الموضوع مع عبد العظيم وحخليو يجيك لغاية عندك ويبوس راسك كمان .. ولمن

تتحلي بالسلامة انشاء الله ترجعي بيتك معززة مكرمة ..

لم يقتنع والدها بفكرة الطلاق الا بعد ان اتاه ابراهيم غاضبا من منزل عبد العظيم وهو يحمل رده الوقح على طلب والد زوجته

بالحضور اليه ...

- لقيتو في البيت ومعاهو واحدة شكلها غريب كدة وقال انها مرتو مع اني اشك في الكلام دة .. المهم لمن قلت ليهو انك عاوزو رد

علي بكل قلة ادب وقال لي مش ابوك العاوزني ؟؟ يبقى هو يجيني .. انا ما بمشي لزول .. وبعدين لو عاوزني عشان ارجع اختك ما

حيحصل .. زي ما طلعت براها ترجع براها .. ولو عاوز يقول لي طلقها .. ما بطلقها حخليها كدة زي البيت الوقف ومعلقة بين

السما والارض ... اها تاني عاوزين شنو ؟؟ عليكم الله ما تحمدوا ربكم اني راضي ببتكم دي وماسكها ليكم ... هي دي محسوبة مرا

مع النسوان ... والله دي ربع مرا ما جاية ...

في صبيحة اليوم التالي غادر حامد في رحلة قصيرة الى القرية ... عاد وهو يحمل معه حرية ابنته التي اصبحت فعلية بعد انجابها

لمنال ... يومها اقسمت بلقيس ان لا يدخل حياتها رجل آخر ... وبرغم الضغوط التي تعرضت لها على مرّ السنين .. وبرغم تميز كل

من تقدم طالباً يدها .. كانت ترفض باصرار شديد وبجملة ثابتة لا تتغير ...

- انا الرجال ديل ختيتهم مكان حامد ابوي وابراهيم اخوي ...

ما ان اكملت منال سنتي رضاعتها حتى قررت بلقيس العودة الى دراستها الجامعية ... تفوقت بجدارة حصلت على شهادة الماجستير

في الادب الانجليزي ثم تبعتها الدكتوراه ... هاهي الان ... تعمل استاذة بالجامعة ... رحمة على وشك الزواج .. ومنال في سنتها

الاولى بكلية الطب ... كانت تفكر بان القدر قد تصالح معها اخيراً ...

توالت طرقات قوية على باب الغرفة فاعادت بلقيس الى واقعها .. فوجئت بصدرها المبلل بالدموع .. فمسحت عينيها وحاولت استعادة

اكبر قدر من السيطرة على افكارها .. نهضت ببطء وفتحت الباب لتجد حبيبة زوجة ابراهيم منتصبة امامها بقوامها المتمرد ونظراتها

الكسيرة

- بلقيس ؟؟ انتي هنا وحجة السرة قالبة عليك الدنيا برة ؟؟!!

- اهلاً يا حبيبة .. كان عندي حبة صداع وقلت ارقد اريح شوية .. قولي ليها جاية ... بناتك مشوا مع رحمة الكوافير ؟؟

رمقتها حبيبة بنظرة ممتنة

- ايوة .. رحمة اصرت تسوقهم كلهم معاها ..

اهدتها واحدة من ابتساماتها الشحيحة ثم غادرت بخطواتها الراقصة التي اورثتها لبناتها ... كانت بلقيس تراقبها والافكار تتضارب في

راسها

- والله يا حبيبة انتي حكايتك حكاية !! اصلاً الزول ما بيطلع منك بحق ولا باطل .. لكن كونك اتحملتي امي وعمايلها فيك ما يوم ما

عرستي ابراهيم .. انا بعتبرك بطلة .. وهي امي بس !! ابراهيم راجلك زاتو مشكلة ماشة على رجلين .. وما عارفة انتي بتحبي فيهو

شنو ولا من الاساس وافقتي تعرسيهو ليه ؟؟

كانت تهم باغلاق الباب عندما اندفعت نحوها ابنتها الصغرى منال

- امي استني دقيقة ... اديني قروش زيادة .. العالم كلو مشى مع رحمة الكوافير ويمكن العريس ما يكون عامل حساب ناس كتار

ونقوم نحرجو ..

اخرجت بلقيس محفظتها واعطت ابنتها رزمة من الاوراق المالية

- اسمعي يا منال ... ادفعي للبنات كلهم وخلي العريس يدفع لرحمة بس ... وما تاكليني زي كل مرة .. جيبي باقي القروش راجعة ...

اختطفت منال الرزمة ودستها في حقيبتها وهي تطبع قبلة قوية على خد امها

- حاضر يا احلى ام في الدنيا .. لو ... يعني باقول لو فضلت حاجة كتيرة بارجعها ليك ولو شوية حلال علي بتك الصغيرة ...

همت منال بالمسير فسالتها بلقيس ...

- انتي ماشة مع منو ؟؟ ما تركبي تكسي براكي سوقي معاك زول يتقلك في السكة ..

اجابت منال دون ان تلتفت لوالدتها بصوت بدا متردد ومهتز ..

- ما تخافي يا امي .. جمال ولد خالتي رجاء حيوصلني ... يلا مع السلامة .. اشوفك بعدين ..

فتحت منال باب السيارة وما ان استقرت داخلها واغلقت الباب حتى انطلق جمال بسرعة ...

- بسم الله .. مالك مستعجل كدة ؟؟

قالتها بلهجة تقطر رقة وعلى شفتيها ابتسامة حانية .. وكانت لهجة جمال لا تقل عنها رقة وابتسامته تضاهيها حنواً ..

- عشان عاوز اقعد معاك اطول فترة ممكنة قبل ما اوصلك الكوافير ... منال انا لي قريب اسبوع ما شفتك زي الناس ومشتاق ليك

شديد .. ما كنت قايل قلبك قوي للدرجة دي وحتقدري تقعدي من غير ما تشوفيني !!

حرر يده اليمنى من عجلة القيادة وقبض بها على يدها اليسرى .. رفعها ببطء وطبع قبلة حارة على راس كل اصبع ... احست منال

برعدة تجتاح جسدها من تاثير ملمس شفتيه .. احست بانها تذوب فهمست له ..

- جمال يا مجنون .. احنا في الشارع ..

انزل يده وهي ما تزال قابضة على يدها ووضعها على فخذه ... سحبت منال يدها .. قلبت كفه وبدات ترسم فيها خرائط وهمية وهي

تتابع خطوطه المتقاطعة بلمسات خفيفة .. توقفت قليلاً في وشم الصليب المرسوم اعلى كفه واصبعها يدور حوله بشرود .. ثم تابعت

رحلتها في مجاري عروقه النابضة بخربشة حانية من اظافرها القصيرة ... ارتعش جمال وتسارعت انفاسه وهو ينطق باسمها

- منال ... انا ما عدت قادر اتحمل الوضع دة ... لازم نقعد ونتكلم عشان نعرف حنعمل شنو ...

على الفور تغيرت ملامح منال الهائمة وارتسمت عليها تقطيبة حادة ... سارعت بوضع يدها على شفتيه برجاء

- جمال .. ارجوك ما الليلة ... حنتكلم بس ما الليلة ... خلينا نخلص من عرس رحمة وبعد كدة اوعدك اننا نقعد مع بعض قعدة طويلة

ونناقش كل شئ ... انت ما حتقدر تتخيل انا تعبانة كيف من وضعنا دة ... لدرجة مرات باحس اني حاجن من التفكير الكتير .. ما

عارفة حتصرف كيف ولا حاعمل شنو ... الشئ الوحيد المتاكدة منو يا جمال هو احساسي ناحيتك ... احساس نقي وصادق وقوي

وعميق ... احساس اتجاوز من زمان عائق اني مسلمة وانت مسيحي..

تهدج صوتها وامتلات عيناها بالدموع ... ترك جمال يدها وبدا يلتفت يمينا ويسارا .. ابطا سيارته وانحرف في احد الازقة الضيقة

وتوقف ... التفت الى منال الباكية .. فتح ذراعيه على اتساعهما .. احتواها بينهما وضمها الى صدره بحنان جارف وتغلغلت يداه بين

خصلات شعرها الناعم تمسده بلمسات متتابعة ... بينما وضع شفتيه بالقرب من اذنها هامساً ...

- آسف يا منال .. صدقيني حبيبتي ما قصدت اعكنن عليك او ازعلك ... وحياتي ما تبكي انتي عارفة انا ما باتحمل اشوف دموعك ...

انا بس كنت عاوز نقعد نتكلم مع بعض عاوز نلقى حل لوضعنا ... منال انتي عارفة انا بحبك قدر شنو ... انا مش بحبك وبس انا

بعبدك بعد ربنا .. انا حبيتك من انتي طفلة عندك تلتاشر سنة .. يشهد ربنا اني حاولت اقاوم احساسي بيك ... حاربت نفسي ومشاعري

.. حاولت المستحيل عشان ما اتورط معاك لدرجة اني سعيت ارتبط باي بت من جماعتنا ..كنت عارف انو أي علاقة بيننا مستحيلة

وانو حبي ليك حيدخلنا احنا الاتنين في متاهات ومشاكل ما بنقدر نواجهها كنت بكتم احساسي بصعوبة خصوصا لمن اشوفك قدامي ..

عشان كدة اول ما دخلت الجامعة قررت اقعد في الداخلية برغم احتجاج ماما اني اخلي البيت .. حاولت اركز كل تفكيري في

الدراسة عشان انساك ... بس انتي بوظتي كل العملتو عشان اتفاداك لمن دخلتي انتي وجاكلين نفس الكلية معاي السنة الفاتت .. بقيت

مسئول عنكم الاتنين وحاولت اتعامل معاك زي ما بتعامل مع جاكلين ... دخلت نفسي في دور الاخو الكبير عشان ما اتذكر حبي ليك

.. وكنت مسيطر على الوضع كويس لغاية اليوم الجاتني فيهو جاكلين تجري وقالت انو اغمى عليك في المشرحة لمن بدا الدكتور

درس التشريح على جثة حقيقية .. لمن وصلت ليك كنتي واعية لكن شكلك مخيف .. اصريت ارجعك البيت وخليت جاكلين تكمل

محاضراتها عشان تجيب ليك الدفاتر وما يفوتك شئ .. متذكرة الحصل اليوم داك يا منال ؟؟ في نص السكة قلتي لي انك ما عاوزة

ترجعي البيت بحالتك دي عشان امك وحبوبتك حيتخلعوا لو شافوك كدة .. طلبتي مني اني الف بيك شوية بالعربية لغاية ما تهدي ... ما

تتخيلي فرحت قدر شنو للفرصة الجاتني من السما عشان اكون معاك براي ولو لفترة قصيرة ... لكن في نفس الوقت كنت خايف ...

ايوة يا منال خفت افضح نفسي قدامك .. قلت اعمل فيها الولد جاد وعرضت عليك ندخل متحف التاريخ الطبيعي اهو في سكتنا ...

دخلنا وبدينا نحوم .. ما عارف الحصل شنو ولا كيف حصل لكن فجاة اكتشفت اننا ماشيين وماسكين ايدين بعض .. قعدنا وبرضو

ماسكين ايدين بعض ..كأنو دة الوضع الطبيعي المفروض يكون بيننا .. كاننأ متفقين ... كان تصرف تلقائي وبسيط لكن خلاني اطير

من السعادة لانو لحظتها بس عرفت انك ممكن تكوني بتبادليني نفس الاحساس ....

انسلت منال من بين ذراعي جمال بعد ان وجدت فيهما السكينة التي كانت تحتاجها ... تاملت وجهه القلق وملامحه المقطبة .. رفعت

يدها الناعمة وبدات تمسد مكان التقطيبة بين حاجبيه .. فانحبست انفاس جمال وقبض على يدها المرتعشة فتح كفها المتعرق ... طبع

عليه قبلة طويلة وقوية .. ثم اغلقه .. اغمضت منال عينيها واسندت راسها على ظهر المقعد وقد لفهما صمت هائم .. وعندما

استعادت منال قدرتها على الكلام كانت كان صوتها مبحوحاً ...

- تعرف يا جمال يمكن ما تصدق انا حبيتك متين ... من اول مرة شفتك فيها ... أي والله كان حب من اول نظرة ... لمن طلعت اقدم

صحبتي ولقيتك واقف بتعاين للعمال البنزلوا عفشكم من اللوري ... لفت نظري شكلك .. كنت حزين شديد وزي البتبكي .. لحظتها

حنيت عليك وقربت اجي اسالك مالك بس خجلت ... ولمن اتصاحبنا كلنا وبقيت اجي بيتكم كتير .. كان اعجابي بيك بيزيد يوم ورا يوم

... بعترف انو بالاول كان شكلك هو العاجبني ... لكن بعد فترة بقيت مبهورة بادبك واخلاقك وشطارتك واحساسك بالمسئولية ...

وبالطريقة البتعاملني بيها .. حسستني كأني اميرة في واحدة من القصص الخرافية ... كنت قدام الناس كلها زول جاد وعرفت تدس

مشاعرك كويس ... الا مني انا ... كنت حاسة بيك ... كنت عارفة انك بتبادلني نفس الاحساس ... مرات كتيرة وفي فورة اندفاع

المراهقة داك قربت اصارحك .. لكن الخوف والخجل منعوني ... لمن مشيت الداخلية زعلت وفرحت في نفس الوقت ... زعلت لانو

غيابك خلق جواي فراغ مافي أي شئ قدر يملاهو .. وما كنت باحس اني ملانة الا لمن تجي من الداخلية نهاية الاسبوع واشوفك ...

فرحت لاني كنت خايفة من الاحساس الجواي ... وقلت اثناء غيابك حاقنع نفسي انو دي مشاعر عابرة ولازم اتخلص منها ... كنت

عارفة شنو ممكن يحصل لو أي زول عرف بمشاعري الانا داساها بحرص ...لكن يا جمال المشكلة بقت انو انت في وجودك ولا

غيابك كل يوم بتتزرع جواي اكتر ... وكل ما اكبر يوم احساسي بيك بيكبر معاي .. يوم مشينا المتحف داك كان اسعد يوم في حياتي

برغم اننا ما قلنا ولا كلمة لبعض دخلنا ومشينـا وقعدنـا واحنا ساكتين تصدق انا حتى ما متذكرة منو فينا مسك ايد التاني !! لكن الشئ

المتذكراهو انو ايدينا دي قالت كلام كتير كان اللسان خايف وعاجز يقولوا .. ومن اليوم ولغاية هسة مشاعرنا زادت الاف المرات

وبقت اعمق وانضج ... انت عارف انو دي اول مرة تنناقش في موضوعنا ؟؟ انا كنت عارفة انو حتجي لحظة لازم نقعد ونتكلم

ونحدد حنعمل شنو ... وكنت خايفة من اللحظة دي خوف الموت ... لاني بالجد محتارة احنا حنتصرف كيف ...

عندما صمتت بانفاس متهدجة .. ادار جمال محرك السيارة واصبحت تعابيره مصممة وجادة ...

- ما تخافي يا منال انشاء الله ربنا بيسهل علينا الامور لانو هو بس العالم بالاحساس الجوانا وقدر شنو هو نقي وصادق ... " الله

محبة " وهو العادل ... ما حيرضى اننا نتظلم ... انا بس عاوزك تكوني قوية خالص ... وتقتنعي من جواك اننا حنكون لبعض مهما

حصل وتختي في بالك انو قرار ارتباطنا حيكون اصعب قرار نتخذه في حياتنا كلها .. واننا لازم نحارب عشان ناخد حقنا ...

ساد بينهما صمت طويل حتى وصلت منال الى " الكوافير " وقبل ان تترك السيارة ضغطت على يده بقوة ..

تهادت رحمة بفستانها االابيض يتبعها ذيله الطويل على طول الممر المفروش بالسجاد الاحمر ... بدت فاتنة بطولها الفارع وتقاطيعها

الجميلة ونظراتها الحالمة .. بين ذراعيها استكانت باقة ورد ناصعة ومزينة بشرائط زهرية لامعة ... تعلقت يدها بيد زوجها الفخور

الذي بدت سعادته واضحة في الابتسامة الطفولية الجذلة .. بينما تابعته نظرات الفتيات وهن يتهامسن على اناقته الملفتة ... فقد بدا

كأحد فرسان العصور الوسطى ببذته السوداء التي تضارب لونها مع قميصه الابيض والفراشة الحمراء التي تزين عنقه و يتماشى

لونها مع حزام الستان العريض في خصره ...

تقدم الموكب صبي صغير يحمل مصحفاً وضع في وسادة من المخمل الاحمر ... تبعته قافلة من الصغيرات اللائي قمن بنثر اوراق

الورد على طول الممر لتطاها اقدام الفتيات الاكبر سنا وهن يحملن الشموع البيضاء المزينة بالشرائط الزهرية ... ومن خلف رحمة

كانت الاشبينات يدرن كالفراشات وقد احتار الناظرون اليهم في تحديد ايهن اكثر جمالا من الاخرى ... كان همس الحرير يتطاير

حول اجسادهن المغرية في فساتين زهرية ناعمة وتكللت رؤوسهن بتيجان من الورد الطبيعي بنفس اللون ... تعالت الزغاريد وبدات

موسيقى هادئة تعزف الحانها ووقف معظم الحضور حتى يحظى بمتابعة اوضح للموكب الفخم المتقدم ببطء في الممر الطويل ... من

بعيد ظهر حامد ود العمدة وهو يسير برصانة الملوك .. احتضن العريس مهنئاً وقبل حفيدته في جبينها بحنو .. من خلفه وقفت بلقيس

بهيئتها المتناقضة ... كانت دموعها تسيل بغزارة في وجه علته ابتسامة مشرقة كضوء الشمس اطلقت زغرودة طويلة بدت وكانها

سوف تستمر للابد .. ثم احتضنت ابنتها في عناق قوي استغرقت منال وقتا كي تفصمه وهي تهمس في اذن امها ...

- امي .. فكيها عشان التسريحة ما تخرب ... وما تبكي عشان عشان رحمة حتبكي معاك وتبوظ المكياج ...

عندما وصل الموكب اخيرا الى (الكوشة) الفخمة ..كانت عينا رحمة تدوران بقلق وهي تتامل الحضور بحثا عن وجه بعينه ... عندما

اعيتها المحاولة مالت على امها التي تمسك يدها بقوة وهي تسالها ..

- امي ؟؟ حبوبة السرة وينا ما شايفاها ؟؟!! ...

ردت بلقيس بخفوت وهي تتلقى سيل التهاني ...

- حبوبتك تعبت شوية ... اليوم كان طويل عليها وانتي عارفة صحتها ما بقت تستحمل قالت بترتاح حبة وتطلع ..

ظهر الفزع على ملامح رحمة وعلا صوتها بدون وعي وهي تخاطب امها ...

- حبوبة تعبانة وما شافتني لمن دخلت ؟؟ تعال يا محمود ارح جوة نسلم على حبوبة ..

ووسط دهشة الحضور امسكت رحمة بيد زوجها وهي تشق الجموع الى الباب الكبير المؤدي الى المنزل تتبعها بلقيس وهي تقديم

التبريرات لتصرفات ابنتها ...

- ماشة تسلم على حبوبتها عشان ما قدرت تطلع تشوفها ...

كانت تلتفت خلفا بانزعاج وهي تبحث عن ابنتها الاخرى ..

- تعالي يا منال ارفعي فستان اختك عشان ما يتوسخ ...

على سرير في منتصف الباحة الخلفية بدت السرة المستلقية وهي تتامل النجوم بصمت وغارقة في خيالاتها كأنها في عالم آخر ...

انتبهت على صوت الزغاريد والضجة المصاحبة للعروس .. ابتسمت بفرح وهي ترى حفيدتها تتقدم نحوها مسنودة بيد زوجها

ونظرات القلق تملا عينيها ..

- حبوبة مالك ؟؟ سلامتك ... صحي تعبانة ؟؟

نهضت السرة وغطت راسها بثوبها واطلقت زغرودة عالية ثم احتضنت حفيدتها وانحدرت دموعها وهي تردد ...

- ما شاء الله تبارك الله .. الصلاة على النبي .. بتي القمرة عروس ؟؟ يا ولد يا محمود تخت رحمة دي جوة عيونك .. دي الغالية

بت الغالية .. واوعى يوم تجي تشتكي لي منك ..

تحلّق الجميع حول سرير السرة التي اقنعت حفيدتها انها بخير وطلبت منها الخروج حتى يبدا الحفل وما ان غاب الموكب عن

انظارها حتى دست يدها تحت الوسادة واخرجت علبة صغيرة تناولت منها لفافة تبغ رفيعة .. وضعتها على شفتيها باحتراف .. مالت

وهي تحجز شعلة اللهب الصغيرة المتراقصة من تيار الهواء ... امتصت نفساً عميقاً حتى توهج طرف اللفافة ثم عاودت الاستلقاء

على ظهرها ومراقبة النجوم ... لقد اعادتها فرحة رحمة الى ذكرى اخرى بعيدة ذكرى فرحتها وهي تزف الى حبيبها ابراهيم ...

اخرجت الدخان من فمها ونفثته في الجو فتعالت حلقات متراصة تتسع كلما صعدت الى اعلى حتى تتلاشى مع هبات النسيم ...

ابتسمت السرة بسخرية فقد كانت الحلقات الدخانية تشبه حياتها تماماً ... الان لم تعد تهتم بما آلت اليه ايامها .. فقد اصبحت كل

اللحظات متشابهة ومكررة للحظات عاشتها قبلاً ... لحظات عاشتها بعمق ... صادقت فيها حزنها وتجاوبت مع فرحها ... تجاوزت

الصعاب وتخطت الاحباطات ... هادنت الالم وتغلبت عليه .. كانت دروس مهادنة الالم هي الاصعب والاكثر قسوة لانها بدات باكراً

...

تذكرت صباحا شتويا دافئا تدثرت فيه بفانلة الصوف وهي ترسم خطوط لعبة ( الحجلة ) بعود صغير على ارض الحوش الجافة

تناوبت بعدها هي وشقيقاتها الاكبر سناً في رمي الحجر ومحاولة تمريره من مربع لآخر وهن يقفزن بقدم واحدة ...كانت في منتصف

اللعبة عندما اتت والدتها واقتلعتها من وسط ضجيج اللعب دون ان تابه لاحتجاجها ... ادخلتها غرفتها حيث ( الطشت ) الملئ بالماء

الساخن .. فركت جسدها الصغير بالصابون المعطر ... جففتها وجدلت لها شعرها الطويل الكثيف ... البستها قميصاً جديدا زاهيا ...

واقتادتها الى غرفة الضيوف المحرمة عليهم في الاحوال العادية ... احست ابنة السابعة بالحيرة .... وسرعان ما تحول احساسها الى

الم حاد وصرخات مذعورة اطلقتها بينما كانت الداية تقتطع لحمها بحضور امها المراة القوية التي لقنتها في ذلك اليوم اول دروس

مهادنة الالم وهي تهمس في اذنها...

- اسكتي يا بت ... اقفلي خشمك دة واوعاك تتعودي على الصريخ ... المرة التمام ما بتكورك ولو اكلت الجمر ... صوتك دة ما يطلع

برة ابدا فاهمة ولا لا ؟؟

لم يتوقف صراخها ... لكنه انعكس واصبح موجه الى داخلها ... لم تعد تصدر صوتا ... بينما امتلات اعماقها بضجيج الالم ... كانت

طفلة تضج بالحياة ... ممتلئة القوام بوجه مستدير كالقمر .. وشعر اسود طويل وكثيف .. عيون سوداء لامعة ولون مائل الى السمرة

ولكنه يجافيها ... عندما بلغت العاشرة تجدد موعدها مع الالم ... لكن هذه المرة حرصت امها على تهياتها نفسياً لاستقبال ما هو آت

... حفزتها بكلمات مبهمة عن مدى اهمية هذا الطقس ودوره في ابراز جمالها ونقلها من دنيا الاطفال الى عالم النساء ...يبدو ان

المها والشتاء كانا على وفاق ... فقد كان البرد قارساً .. وعندما اشتكت من حدته لامها نهرتها قائلة ...

- البرد احسن عشان الجرح يبرا سريع وما يحصل ليك شئ ...

كانت ( الشلاخة ) عجوز شامخة مشهورة بدقتها ومهارتها في قريتهم والقرى المجاورة ... تتميز بوجع مفلطح عريض لامع السواد

احتل الانف الافطس مساحة كبيرة منه .. عيناها صغيرتان كحبات الخرز .. ومن اطراف المنديل الابيض المربوط باحكام على

راسها ... ظهرت مقدمة شعرها خشنة ومبرومة كحبات الفلفل الاسود ... عندما تتحرك تتبعها موجة من روائح المحلبية المختلطة

برائحة اخرى لم يستطع انفها الصغير تمييزها ...

في ذلك اليوم لم تستطع التمسك بنصيحة امها ... وهزت صرخاتها فضاء البيت عندما شرعت الشلاخة في شق خدودها بموس حاد

... بدات بالخد الايمن فرسمت فيه ثلاث خطوط طولية عميقة ثم انتقلت الى الخد الايسر لترسم شبيهتها ... حاولت ان تتملص وتفلت

من الالم الذي مزقها لكن مساعدات الشلاخة القويات قمن بتثبيتها حتى خارت قواها ... لحظتها تمنت الموت حتى تتخلص من الالم

... عندما انتهت العملية غسلوا لها جروحها ووضعوا عليها قطع قطن مشبع بالمحلبية والقطران ظل الالم يلازمها قرابة الشهر

عانت فيه ما عانت من حمى وهذيان .. تورم وجهها حتى صار كالبالون ... عافت نفسها الاكل وحرمت حتى من نعمة البكاء كي لا

تنزل دموعها المالحة على جروحها المفتوحة وتزيد المها ... لم تنظر الى وجهها في المرآة الا بعد مرور شهرين واحست بسعادة

غامرة عندما وجدته مزيناً بشلوخ عريضة ... عميقة ومنتفخة ... نسيت معاناتها السابقة واصبحت تتباهى بشلوخها المتقنة بين

قريناتها .

عندما بلغت الخامسة عشرة كانت قد اصبحت امراة مكتملة الانوثة ... ووقتها سمعت لاول مرة جملة ( ابراهيم للسرة والسرة

لابراهيم ) وانتفض قلبها طرباً لفكرة الزواج من ابن عمها الامين عمدة القرية ... كان يكبرها بثلاث سنوات ... تميز عن اخوانه

بوسامة ظاهرة وذكاء حاد ... وبعد ان انهى دراسته الثانوية توقع الجميع ان يتفرغ لادارة تجارة ابيه الواسعة خصوصا بعد ترشيحه

لمنصب العمدة خلفا لوالده بحكم انه اكبر الاولاد ... لكنه فاجا الجميع بقرار دخول الجامعة في العاصمة ... انقبض قلب السرة عندما

سمعت بقراره ... انتابتها الهواجس وملات عقلها الوساوس خوفا من ان يغير ابن عمها رايه من الزواج بها اذا ما عاش في

العاصمة ووجد اخرى تنسيه ابنة عمه القروية لكنه بدد مخاوفها وكان وفيا لارتباطه بها ... وعند عودته في اجازاته الدراسية التي

كانت تمر بسرعة البرق .. كان يجلب لها الهدايا ويغمرها بالاهتمام ... اكمل دراسته بعد اربع سنوات مرت عليها كالدهر وجعلتها

تزداد تعلقا به الى درجة مخيفة ... لقد احبته بكل جوارحها ومشاعرها البكر واختزل بوجوده كل الرجال ... بعد تخرجه عقد قرآنه

عليها وامهلها سنة حتى تتهيا للزواج ....

في التاسعة عشرة كانت قد اصبحت من اجمل بنات القرية .. اكمل وجهها استدارته واصبحت شلوخها اعمق وادكن ... ظهرت

اشراقة الحب جلية في ملامحها وحركاتها ... توزع امتلاء جسدها بشكل مغر ... نفر صدرها معلنا عن وجوده بافصح الطرق ...

تضمر خصرها وبرزت خلفيتها بصورة جعلتها موضع حسد الكثيرات اللائي يتهامسن ما ان يرينها عند ظهورها في أي مجتمع (

السرة ام صلب جات ) ...

بدات طقوس الانتقال من عالم البنات الى دنيا النساء بكل حماس ... كانت تجلس في حفرة الدخان بالساعات الطوال حتى تفحم لونها

وصار بسواد الشملة التي تتغطى بها ... جدلت شعرها الطويل في ضفائر صغيرة بعد ان اغرقته بدهن ( الكركار ) .. خاصمت

الكحل الذي تعشقه ... واعتزلت الخروج من المنزل مهما كانت الاسباب ...

وقبل موعد العرس بثلاثة اشهر جددت عهدها مع الالم عندما خضعت لوشم شفتها السفلي ايذانا بانتقالها النهائي الى مجتمع النساء

المتزوجات ... كتمت انفاسها بينما كانت الابر الصغيرة الحادة تغرز بسرعة وحرفية ... اغمضت عينيها حتى لا ترى الدم المندفع

برغم طعمه الذي ملا فمها ... حاولت ان تلهي نفسها عن التفكير فيما يحدث لها بالغرق في تذكر حبيبها ولقاءتهما الخاطفة عند

حضوره الى منزلهم ... نظراته الواعدة ولمساته المختلسة عندما يضمن اختفاء الاعين المراقبة ... كانت تتوق ليوم زواجهما ..

وتتلهف كي يصبح كل منهما ملك للاخر ...

عندما انتهى الوخز المؤلم مسح الدم بقطعة نظيفة وذر نبات النيلج على شفتها المتقرحة التي تورمت حتى احست بانها تحمل شيئا

غيرها في وجهها .. وكان الالم رهيبا خصوصا عندما تحاول شرب الماء .. فقط الغوص في خيالها مع ابراهيم كان يخفف المها

ويجعلها تحتمل كل ما تمر به ليقينها بانها تفعله من اجله .. وكي تكون جميلة امام عينيه ...

في يوم العرس كان قلب السرة يتقافز في صدرها كقطة مشاغبة ... استيقظت فجرا وظلت في سريرها ساكنة ... تفكر ... وتحلم ...

وعندما بدات الشمس تنشر ضياءها اصبح المكان حولها كخلية نحل .. لكنها ظلت مسجونة داخل الغرفة المظلمة ولا يسمح برؤيتها

الا للمقربون .. كانت تتامل بدهشة وفرح نقوش الحنة السوداء التي رسمت باتقان من اطراف اصابعها وحتى منتصف ذراعيها ومن

اصابع قدميها حتى منتصف ساقيها .. جسدها الذي توالت عليه ابخرة حطب الشاف والطلح والكليت والهبيل ... اكتسب نعومة مذهلة

خصوصا بعد جلسات الفرك بعجينة ( اللخوخة ) المخلوطة ببودرة الكركم وقشور البرتقال المجفف المطحون والتي كانت تتم صبحاً

ومساءَ على ايدي خادمات قويات ... بدا ضجيج الخارج بعيدا عنها وهي سارحة في امنياتها وخيالاتها .. مرت ساعات اليوم كالبرق

وما ان مالت الشمس نحو الغروب حتى اتت امها وخالاتها وهن يحملن الصناديق الخشبية المشغولة بالاحجار الملونة والاصداف

وبدات طقوس التزيين وارتداء الملابس المرهقة ... تولت شقيقاتها تعطير كامل جسدها بزيت الصندل حتى صار لامعاً متوهجاَ ..

عطراً ... واحست بوخزات مؤلمة عندما شُد رباط ( الرحط ) حول خصرها باحكام لينزلق فوقه فستان الستان الاحمر القصير...

صففت خالتها شعرها الطويل وتركته منسابا خلف ظهرها ليغطي خلفيتها المتوثبة ثم وضعت فوقه ( الجدلة ) المنضومة من جنيهات

الذهب الخالص .. من اذنيها تدلت ( الفدو ) الضخمة .. وامتدت (الرشمة ) من خلف اذنها حتى انفها ليصبح وجهها المستدير بشلوخه

العميقة مضيئاً بانعكاسات لون الذهب والستان الاحمر ..

تغطى صدرها الناهد ( باللبة ) الكبيرة المتوارثة في العائلة منذ اجيال .. وكاد عنقها ينحني من ثقل عقود ( القصيص ) و ( الفرجلات

) ... تراصت عشرات الاساور على يديها وأحاطت ثعابين ذات عيون حمراء لامعة بأعلى ذراعيها ... على الساقين وضعت (

حجول ) كبيرة اظهرت جمالهما وزاد الكحل الاسود عينيها عمقا واتساعاً ... وبعد انتهاء طقوس ارتداء الملابس والزينة احضرت

احدى شقيقاتها ( مبخر ) ملتهب الجمرات ووضعت فيه قبضة من اعواد خشب الصندل المعطر ووقفت السرة فوقه بصبر حتى

تشبعت به واصبحت رائحتها مزيج مثير يشاغب الخيال ويلهب المشاعر .. اخيراً لفت قوامها بثوب حـريـري احمـر مزين بـورود

ذهبيـة لامعـة .. تغطت ( بالقرمصيص ) وتهادت في مشيتها مصحوبة بالزغاريد وأدعية الحفظ من امها وخالاتها .. وتنافست طلقات

الرصاص المحتفية بمقدم العروس .. كانت تتقدم بخطوات بطيئة ومدروسة حتى وصلت الى المكان المعد لجلوسها مع زوجها ..

عندما رفع ابراهيم ( الفركة ) عن وجهها احست باحتباس انفاسه فنظرت اليه بخجل ... كان يبدو رائعاً بطوله الفارع الملفوف في (

توب السرتي ) بلونيه البيج والاحمر ... توسط جبينه العريض هلال ذهبي مربوط بقطعة من المخمل الاحمر ... احست بدقات قلبها

تتصاعد في اذنيها .. واصابها دوار خفيف جعل بقية احداث الليلة مشوشة ... تتذكر منها لمسة ابراهيم على فخذها عندما همَ بقطع

شعرات الرحط المربوط على خصرها ... كانت لمسة خاطفة اشعلت النار في حواسها المرتعدة ووعدتها بالكثير ..جعلتها تهيم في

عالـم آخـر فاصبحت طقوس ( الجرتق ) كانها حلم افاقت منه على رذاذ اللبن الذي رشه ابراهيم بسخاء على وجهها ..

بدا الحفل بغناء حماسي رفرفت له القلوب وارتفعت العصى والسيطان عالياً ... اغمضت عينيها خوفاً وهي ترى حبيبها ينهال ضربا

على ظهور اخوانه واقرباؤه واصدقاؤه المتلفحين بشجاعتهم وصمودهم امام لسعات (سوط العنج ) اللاهبة وهي تصلي الجلود العارية

.. حتى حامد شقيق زوجها الصغير وقف بشجاعة متحملاً الضربات التي مزقت جلده الغض بلا رحمة ... ارتفعت حرارة المشاركة

وزادت الحماسة عندما تعالت زغاريد النساء الفخورات وهي تمجد شجاعة رجالهن في تحمل الالم .. كان ( بطان ) حامي الوطيس

ولم يتخلف عنه احد ...

بعد انتهاء الحفل جلس زوجها بقربها وهمس في اذنها ...

- السرة ... احنا حنسافر بكرة انشاء الله الخرطوم ... عارفك تعبانة شديد عشان كدة حاصبر لغاية بكرة ... ارتاحي الليلة ونومي

كويس .. لانو لمن نصل هناك مافي نوم..

اخجلتها كلماته الموحية فلم تستطع الرد ولا مواجهة نظراته ...ضغط على يدها برفق وابتسامته تملا وجهه الوسيم ...

- انتي لسة بتخجلي مني يا السرة ؟؟ بعد دة خلاص مافي خجل بينا .. بجيك بدري خليك جاهزة ..

اختار ابراهيم فندق جديد مشيد في منطقة هادئة وجميلة ... عاشت فيه السرة ايام لن تنساها ابدا كانت خليط من المتعة والالم ..

اختبرت فيها احاسيس لم تكن تظن انها تملكها ... تعرفت فيها على نفسها وكنوزها بصورة لصيقة ... عاشت اوقات من السعادة

الخالصة التي جعلتها تندم على كل لحظة من عمرها مرت بدون وجود ابراهيم فيها ...

بعد عودتها الى القرية انتقلت الى بيت العمدة في جزء خصص لها .. وبدات تتعمق في تفاصيل حياتها الزوجية حتى خيل اليها انها

كانت زوجة لابراهيم منذ الازل ... عندما انقضت سنة على زواجها .. تقدم ( بلة ) شقيق زوجها الاصغر لخطبة شقيقتها الصغرى

... وعندما انجبا اول طفل لهما بعد سنة اخرى من زواجهما بدأ الجميع يتساءلون عن سبب عدم انجابها هي وابراهيم ... وكانت بداية

رحلة طويلة من العلاج استمرت ثلاث سنوات رفض خلالها ابراهيم كل الضغوط التي مورست عليه للزواج مرة اخرى بحجة ان

السرة عقيم ولن تنجب له اطفال ...

عندما بدات اعراض الحمل تظهر على السرة لم تصدق نفسها واصرت على استشارة الطبيبة قبل ان تبشر زوجها الصابر الملهوف

... بكت بحرارة عندما تاكد حملها .. وافرغ ابراهيم عشرون طلقة من مسدسه في فضاء المنزل ... ذبحت العجول ووزعت على

فقراء القرية ... وعادت البسمة الى وجه السرة .. حرص زوجها على ملازمتها طيلة الوقت واقتصرت سفراته الى العاصمة على

الامور التي لا يمكن تخليصها من القرية ... كان حمل السرة يتقدم سلسلاً بلا مشاكل وبطنها يتكور باندفاع تباهت به بين نسوة الحي

... في نهاية شهرها السادس سافر ابراهيم الى العاصمة لعقد صفقة مع احد التجار ... غاب عنها لمدة اسبوع مر عليها كالدهر ...

وفي اليوم المقرر لعودته استعدت لاستقباله بلهفة امراة عاشقة .. كانت تجلس على كرسي امام المرآة وهي تتزين بحرص ... جدلت

شعرها الطويل بالطريقة التي يحبها زوجها .. كانت تبتسم لانعكاس صورتها وهي تمرر يدها على بطنها المنتفخ بحنان عندما تناهت

الى سمعها اولى الصرخات الملتاعة ..

ركضت خارجاً تستقصى الامر وقد انقبض قلبها من صدى الحرقة والمرارة التي شابت هذه الصرخة ... عندما وصلت الى الحوش

وجدت والدة زوجها مرتمية على الارض وهي تحثو التراب على راسها ووجهها ... بينما جلس عمها العمدة منهارا وقد انحنت قامته

التي كانت دوما منتصبة بفخر وكبرياء ... كانت شقيقات زوجها يبكين بحرقة اخافتها فاقشعر جلدها وانتابتها مشاعر غامضة .. ما

ان رآها الجميع في طرف الحوش حتى تزايد العويل باصوات وهمهمات لم تميز منها غير اسم زوجها .. تسمرت قدماها على

الارض وبدات تهز راسها بعنف حتى ينزاح الكابوس الذي يجثم على صدرها ويكاد يسلبها روحها لكنه لم يختف ... بل اذداد حدة

بوصول جيوش من البشر الذين تحلقوا حولها دون ان يجرؤ احد منهم على الاقتراب منها ... فقد بدت كالشبح وهي تسمع نعي

زوجها الذي كانت تنتظر وصوله بفارغ الصبر ... دارت عيناها بذهول فيمن حولها .. ثم نظرت الى قميصها الجديد بلونه الاخضر

الزاهي .. لقد ارتدته خصيصاً لعودة حبيبها ... لابد ان يعود ليراها وهي ترتدي اللون الذي يحبه ... لابد ان يعود ليرى طفله ... لابد

ان يعود ...

فجاة امسكت بمقدمة القميص بيديها الاثنتين وشقته بكل قواها ... وقعت ارضا وهي تتدحرج في تراب الظهيرة الحار ... كان بطنها

العاري يهتز وهو يرتطم بالارض كانه بالون ممتلئ بالماء ... حاولت بعض النسوة ايقافها .. لكن حزنها امدها بطاقة زئبقية فافلتت

من كل محاولات التثبيت ... واذداد العويل حدة على الزوجة المفجوعة حتى شق صوت العمدة حشد النساء قبل جسده ... خلع عبائته

وستر بها الجسد العاري وهو يثبتها وينهرها بصوت حازم ...

- السرة ... استغفري ربك ... البتسوي فيهو دة حرام ... استغفري ربك ...

لم تستجب لكلماته لانها انهارت بين ذراعيه وفقدت الوعي ..

ظلت السرة تقاوم واقع موت زوجها بالغياب في عالم آخر .. اعترى الخوف الجميع عليها وعلى جنينها خصوصا بعد مرور اسبوع

كامل لم تفتح فيه عيناها الا للحظات قليلة تنظر فيها الى من حولها بتوهان ثم تعود الى عالمها دون ان تنبس بحرف ... استدعى

العمدة امهر الاطباء من العاصمة في محاولة يائسة للحفاظ على حياة ارملة ابنه وحفيده ... كانت التشخيصات متشابهة ...

- ما تقلقوا يا جماعة .. دي ردة فعل نفسية معروفة بتعبر بيها عن رفضها لخبر وفاة زوجها ... بس لازم ننقلها مستشفى ويتعمل ليها

نظام تغذية بالوريد حفاظا على سلامة الجنين ... انشاء الله بعد فترة حيبدا عقلها يتقبل الحقيقة ويتعامل معاها ...

نقلت السرة الى المستشفى في شندي وهي ممعنة في غيابها ... وعندما استعادت كامل وعيها وغادرت المستشفى بعد عشرون يوما

.. قرر جنينها ان يغادر ملاذه الآمن في احشائها ويواجه العالم مع امه الحزينة ... ولد في شهره السابع ..طفل خديج ضعيف بالكاد

يستطيع الصراخ ... وضع داخل جهاز لمدة شهر كامل ظل فيه متارجحا على خيط رفيع طرفه بيد السرة التي تحارب للحافظ على

رائحة زوجها التي اورثها لابنه ... وطرفه الآخر بيد ابراهيم المتلهف لرؤية ثمرة حبه لزوجته في النهاية انتصرت ارادة السرة

وعادت الى بيت العمدة وهي تحمله لتبدا مراسم العزاء مرة اخرى وتعيد تجديد عهد السرة مع الالم ...

- حبوبة !! انتي بتبكي ؟؟!! ...

انتفضت السرة وتبادلت نظرات مندهشة مع منال التي كانت تحمل طبق ملئ بالطعام بيد وزجاجة المياه الغازية بالاخرى ... دهشة

السرة التي ظهرت في ملامحها كانت اكبر من انزعاج الحفيدة .. فهي لم تكن تتوقع ان يكون مخزون الالم في اعماقها بهذا الزخم

والتوهج ... ظنت ان السنين قد حولت جمرها الى رماد .. وان الذكريات اصبحت باهتة ومترهلة كجسدها ... لقد ظنت ان حياتها مع

حامد والتي فاقت الاربعين عاما قد طمست ذكرى خمس سنوات عاشتها مع ابراهيم ... ابتسمت بسخرية وهي تفكر بان سنين العمر

كلها .. او ما بقى منها لن تستطيع ان تمحو من عقلها ذكرى الرجل الوحيد الذي احبته بكل احاسيسها ...

- مافي حاجة يا منال .. انا بس ما هاين علي فراق رحمة ...

عبست منال وخاطبت جدتها بلهجة مازحة ...

- اعملي حسابك يا حبوبة .. انا كدة حغير واقول انك بتحبي رحمة اكتر مني .. هسة لمن اعرس حتبكي علي ولا حتقولي بركة

الاتحليت من البت المزعجة دي ؟؟

نهرتها السرة وهي تحاول ان تتمالك نفسها ..

- يا بت انتو كلكم عندي واحد وباحبكم قدر بعض ... ما سمعتي المثل البيقول اعز من الولد ولد الولد ؟؟

- طيب يا حبوبة يلا قومي اتعشي انتي الليلة من الصباح ما اكلتي كويس وصحتك ما بتتحمل صيامك دة ... يلا انا حاقعد معاك لمن

تاكلي عشان نطلع برة سوا ... رحمة عاوزة تشوفك في الخيمة .. وقالت لو ما بتقدري تطلعي هي حتجي تقعد معاك جوة ...