الجزء الثاني

7 0 00

الجزء الثاني

الردّ

فكّر الشيخ عبدالرزاق أن يُخفي عن ابنه مُحمّد خبر وفاة أخيه؛ حتي لا يؤثر عليه في علاجه او يُبطئ من تماثله للشفاء والتئام جروحه، لكن الغريب أنّ مُحمّد رغم بكاء عينيه كان مبتسمًا، فُدهش الأب لذلك، فقال له مُحمّد:- "لقد أخبرت سليم كثيرًا أنّني سأسبقه إلي الجنة، فكان دائماً يضحك ويقول أنّ العيد الصغير يأتي قبل العيد الكبير، وبالتالي سأدخل الجنة قبلك" ابتسم الأب وقلبه يبكي، ثم مسح بيده وجه ابنه وهو يحمد الله على تنافس أولاده علي مثل هذا الشرف العظيم. صمت مُحمّد للحظات قبل أنّ يتحدث بصوت يملأه الإيمان والأمل معاً:-" أتعرف يا أبي، لقد وضعت ثلاث ألغام مضادة للأفراد تحت المقاعد في محطة الحافلات، لكن ما رأيته من دمار في المحطة يحتاج لعشرات الألغام، أتعرف ما يعنيه هذا يا أبي؟"

لم ينتظر مُحمّد الرد لكنّه أجاب بنفسه: "إنّّني استشعر دائماً، أنّ الله معنا"

"وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى " صدق الله العظيم.. قالها الأب بإيمان خالص وفهم لكل لفظ في الآية .... ابتسم الاثنان معاً، ثم قبّل الشيخ عبدالرزاق جبين ابنه، قبل أن ينهض، ليتركه يستريح.

علي عكس ما توقع الوالد، كان مُحمّد يهرول في اتجاه الشفاء، وكأنّه يسابق الزمن حتي يقف علي قدميه من جديد، كان يتناول طعامه كاملاً علي عكس عادته، وحريص علي شرب لبن الإبل، رغم عدم حرصه علي تناوله من قبل، بل ويطلب تحليته بالعسل، حتى الأعشاب المُرّة للغاية كان يتناولها وكأنها قطع حلوى.

سألته أمه بدهشة عن ذلك فأخبرها أنّ ذلك ينبع من رغبته الشديدة في الشفاء، وذلك ليُعاود هجماته علي الأعداء، اهتز قلب الأم للحظة، لكنها عادت لتُذكر نفسها أنّ الأعمار بيد الله، وأنّ جهاد ابنها لتحرير وطنه أكبر من أي شيء؛ لذا لم تنطق بكلمة وإنّما قبّلت رأس ابنها وهي تنهض، لكن العجيب أنّ مُحمّد لم ينتظر حتي يُتم الله شفاءه، وإنّما بدأ في التحرك مبكراً، فطلب من والده معلومات عن مخزن الذخيرة الضخم في قلب سيناء، وبالفعل قام الأب بجمع المعلومات بمهارة شديدة، وكأنه جندي استطلاع متمرس ثم وضع المعلومات بين يدي ابنه، كان الأمر غاية في الصعوبة؛ فنقاط التفتيش بالعشرات حول المستودع، وحتى إن نجح في اختراقها، فسور المستودع يتخطي الخمسة عشر مترًا، بينما يبلغ سُمكها أكثر من خمسة أمتار ولا يظهر من المخزن سوى مترًا واحدًا فوق الأرض بغرض التهوية، أمّا فتحات التهوية فهي لاتتجاوز العشرون سنتيمتر، ومغطاة بالحديد. استوقفت هذه المعلومة مُحمّد، فظل يسأل والده عنها، فأخبره أنّها مخصصة في الغالب لتجديد الهواء حتي لا تنفجر الذخيرة بفعل الحرارة، لكن سُمك السور وضيق فتحة التهوية يجعل من المستحيل لأحد الدخول عبرها.

ابتسم مُحمّد وهو يسأل أباه مداعباً:- "حتي ولو فأر؟"

فكّر الأب للحظات دون أن يهديه تفكيره لمغزي سؤال ابنه، فاستطرد الأخير موضحاً" لو استطعت الوصول إلي فتحة التهوية، فسأتمكن من تدمير مستودع الذخيرة؛ وذلك عن طريق إدخال فأر صغير يجر في ذيله كرة نار"

أكمل الأب بجدية:-"فزع الفأر من النار في ذيله، سيجعله ينطلق إلي داخل المستودع، وبالتالي... بوووم

رد مُحمّد: "هذا بالظبط ما أعنيه يا أبي"

ابتسم الاب لحظة، ثم طرح سؤالاً هامًا:-"كيف ستصل إلي فتحة التهوية؟ وكيف ستنصرف قبل أنّ ينفجر المستودع؟"

في صباح اليوم التالي عاد الشيخ عبدالرزاق إلي الدار حاملاً شيئين لمُحمّد: الأول كان يربوعًا -وهو يشبه الفأر الي حد كبير- لكنه يتميز عنه بصغر الحجم والقوة النسبية، وهو ما أسعد مُحمّدا للغاية.

أما الشئ الثاني فكان عبارة عن حل لمشكلة دخوله وخروجه من منطقة المستودع، فهناك كهف غير بعيد عن المُستودع يستطيع النزول منه دون أن يراه أحد، ثم يعود إليه ليكون في أمان لحين حدوث الانفجارات العنيفة المتوقعة بعد اشتعال الذخيرة، ثم يغادر الكهف مستغلاً الهرج الذي يحدث عقب العملية، وقبل أن تخمد النيران تماماً يدور حول الجبل، حيث سيكون أبوه في انّتظاره بالجمل في الجهة الأخري.

وافق مُحمّد علي الخطه لكنّه أدخل تعديلاً بسيطًا فقام هو بربط الجمل في هذه المنطقة دون وجود أبيه حتي لا تفقدهما الام معاً اذا حدث شئ -لا قدر الله- وأمام اصراره وافق أبوه

كان الانفجار رهيبًا هزّ سيناء كلها، وأضاء ليلها حتي أنّ جنود المراقبة علي الضفة الغربية رصدوه، وبعد دقائق كان الجمل يعدو حاملاً مُحمّد الذي كان يضحك مردداً:- "الحمد لله .... هذا ابسط رد علي اغتيالكم أخي".

الفخ

كان رجال جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" علي حافه الجنون؛ فالعمليات في عمق سيناء لا تتوقف، ولا وجود لأي أثر لجنود مصريين أو رجال صاعقة، ولا أثر لصواريخ أو رصد لطلعات طيران، كيف إذاً تتم هذه العمليات، لا يوجد مبرر واضح لهذا التحول الشديد في تكتيكات الجيش المصري، الذي سقط منذ فترة في بئر الهزيمة.

وزاد من حنق الموساد ذلك التقرير عن المستودع الذي تم تدميره، فلقد كان مُحصنًا فوق العادة، لا تؤثر فيه ضربات الطيران أو الصواريخ، ولا يمكن اختراق تحصيناته سوي بقنبلة ذرية كما أكّد المهندسون الذين أشرفوا على بنائه.

لم يشف غليل الأعداء ما يفعلوه عقب كل عملية، من غارات على أهداف مدنية وقتل عشرات الأطفال والنساء في منازلهم، بل ومدارسهم أيضاً.

بعد نقاش طويل احتد فيه الكثير من القادة والعملاء علي بعضهم البعض، توصلّوا إلي خطة، كانت بمثابة فخ للإيقاع بمن يقومون بهذه العمليات، كانت الخُطة أن يُظهروا بعض التراخي من الحرّاس حول مستودع ذخيرة آخر قريب، وقد ظنّوا أنّه قد يكون الهدف التالي للمصريين، وبينما الحرّاس قليلون ومُتراخون سيكون هناك علي مبانّ قريبة قنّاصة يترقبون أي حركة غريبة.

نصح الشيخ عبدالرازق ابنه بعدم القيام بعمليات أُخري في وقت قريب، ذلك أنّ جنود العدو اصبحوا كالمجانين يطلقون النار حتي علي ظلهم، استمع مُحمّد لنصيحة والده، لكن ما لبث أنّ أغراه مستودع الذخيرة الضخم الذي لا يحرسه سوي جنود قلائل، كما أنّ قربه من إحدي القري يجعل من السهل عليه الإختباء داخل القرية، ففي سيناء الجميع أقارب.

درس مُحمّد الوضع جيداً وتأكد من قلة الحرّاس ومن تراخيهم، فقرر الاقتراب من سور المستودع بجمله وكأنه يلهو، وأن يفعل ذلك في وضح النهار، مستغلاً حرارة الشمس المرتفعة، كانت فكرة مُحمّد ذكية فاقترابه من السور في وضح النهار لم يُثر شك الحرّاس أو القناصة، ووقف مُحمّد بجوار السور كأنّه يقضي حاجته، ثم أخرج اليربوع من طيات ملابسه، وربط فيه كرة القماش المبلل بالبنزين، وهمّ بإشعالها فلمحه القناص وشاهد الكبريت في يده ، فأطلق النار علي الفور علي فخده، في محاوله منه للأمساك به، وانطلق القنّاص بلهفة من عثر علي غنيمة سهلة، فنزل من المبني الذي كان يجلس فوقه تاركاً كل شئ، وهو يُمنّي نفسه الإمساك بهذا الصبي وما سيفعله معه حتي يتمكنوا من التعرّف علي من يقفون وراءه والقبض عليهم، ليُنهوا بذلك مسلسل الخسائر الرهيبه التي يتكبدوها.

وقف القنّاص مندهشاً عاجزاً عن الكلام .. أين ذهب هذا الصبي؟ .... لقد ظن أنّه غنيمة سهلة حتي أنّه لم يستدعِ زملاءه بجهاز اللاسلكي، فقد أراد أن يقبض عليه وحده؛ لينال التكريم والأوسمة وحده.

أدرك مُحمّد الفخ الذي وقع فيه، وشاهد بعينيه رصاصة القنّاص بطولها المعروف تخرج من الجهة الاخرى لفخذه، فأدرك أنّه سقط في كمين أُعدّ بدهاء، لكنه لم يرغب بأن تكون هذه النهاية، فأمسك بلجام الجمل، لكن قواه بدأت تخور بفعل دمه النازف، فتشبث بالحياة، وبالحبل المربوط علي بطن الجمل ثم وكزه، ليغدو به مسرعاً ومبتعداً، ولكن قواه خارت تماماً، ولم يستطع الإمساك بالحبل أكثر من ذلك،ففتح يده رغماً عنه، ليسقط عند أطراف القرية ويشعر بحرارة الرمال، وحرارة الجرح معاً.

انطلق الجندي إلي السيارة كالمجنون ليبحث عن هذا الصبي الجريح .... بالتأكيد لم يبتعد كثيراً كما أنّ آثار دمائه تدل علي مكانه.

أغمض مُحمّد عينيه وهو يناجى ربه أنّ ينقذه، وإذ بسيدة عجوز تمر بالقرب منه بحمارها، فمالت على مُحمّد لتساعده، لكنه رفض؛ فقد خشى أنّ تتسبب مساعدته له فى إلحاق الأذى بها، فهؤلاء الأوغاد لن يردعهم كونها آمرأة أوعجوز .. لكن المرأه صممت، وأصرّت على حمله إلى البيت لينال الرعاية، فإّنها إن تركته سيموت إن لم يكن بسبب جرحه، فسيكون بيد جنود الأعداء الذين سيبحثون عنه فى كل مكان.

رضخ مُحمّد أمام إصرار السيدة، ونهض بمساعدتها ليتمدد على ظهر الحمار، الذى أسرع الخُطى نحو بيت العجوز، وكأنه يعلم خطورة الامر، وما هى إلا دقائق حتى استقر مُحمّد على أريكة مريحة داخل دار العجوز، واحاط به أبناؤها، فمنهم من ربط جرحه، ومنهم من حاول إطعامه. وصل القناص إلى أطراف القرية ليجد بقعة كبيرة من الدماء انتهى بعدها أى أثر للصبى .. فعضّ على أصابعه وهو حائر ماذا يفعل وكيف يتصرف؟ ثم قرّر أن يُخبر قائده بما حدث، فرغبته فى الإيقاع بالصبى غلبت على خوفه من العقاب على تركه يهرب وعدم إبلاغ زملائه.

اشترط مُحمّد على العجوز شيئًا لكى يظل فى بيتهم، لقد طلب منها قبل كل شئ أن تُحضر كل ما لديها من "الشطة" والفلفل الاسمر، ثم تنطلق إلى المكان الذى عثرت فيه عليه، وتنشر"الشطة" فيه، ثم تبدأ فى السير تجاه بيتها وهى تنثر الشطة على الرمال وأيضاً الفلفل الأسمر، فوافقت السيدة، وعلى الفور انطلقت لتنفيذ المهمة.

دقائق فقط تلك التى فصلت بين مغادرة السيدة للمكان وقدوم فرقة من جيش الأعداء، معهم مجموعة من الكلاب المدربة على اقتفاء الأثر، كانت الفرقة قد أطلقتهم بعد أن قاموا بشم رائحة دم الصبى عند السور، ثم تتبعت أثره لهذا المكان، لكن ما أن وصلوا وبدأوا فى الشم حتى زكمت أنُوفهم رائحه الشطة والفلفل الأسمر، فأخذت الكلاب فى العطاس وعجزت عن مواصلة الشم أو تتبع الأثر بل نفرت من المكان كله، وأرادت المغادرة وسط دهشة الفرقه وعدم قدرتها على تفسير الأمر.

ذكريات

تمدد مُحمّد بجسده النحيل على سرير من الخوص فى بيت السيدة العجوز، وحوله ابناؤها ينظرون إليه نظرة تطرح ألف سؤال .. كيف لصبيّ فى الرابعة عشر من عمره أن يفعل بالجيش الإسرئيلى كل هذه الأفاعيل؟ .. كيف لفتى صغير مثل مُحمّد أن يُحارب وحده الجيش الذى ادّعى أنّه لا يقهر؟ كيف لمن غادر بالكاد مرحلة الطفولة أن يُكبّد جيشًا بهذا الحجم كل هذه الخسائر؟ إنّ ملامحه عادية، لا يكاد يوجد فى وجهه ما يميزه عن أقرانه .. عيناه لا تنطقان بالذكاء كما توقعّوا. عضلاته لم تكن مفتولة وكتفاه لا يدلاّن على أنّ صاحبهما فارس ومحارب فريد.. لكن ما كان واضحاً للجميع ذلك الإصرار الشديد فى ملامحه، والذى تؤكده شفتاه المذمومتان دائماً، وحاجباه المعقودان رغم ابتسامته! ظلّ أبناء السيدة العجوز حول مُحمّد طوال اليوم، وتطوّع أحدهم بالخروج لإخبار أبيه بمكانه وطمئنته عليه .. ظل الجميع حوله يطعمونه ويهدهدونه إلى أن نام.

لم يدر كم من الوقت نام، بل إنّ استغراقه الشديد جعله يشعر للحظات أنّه نام لعدة أيام، كان الجو مظلمًا للغاية ورائحه الشواء تملأ المكان، تلك الرائحه المُحببة إلى النفس والتى ما تلبث أنّ تُحرك وحي الجوع وتُسيل اللعاب.

جوعه الشديد هذا أشعره أنّه نام أيامًا عديدة .. لكن الخبر اليقين سيعرفه الآنّ فلقد دخل عليه أحد الأبناء حاملاً صينية كبيرة عليها قطعة كبيرة من اللحم عليها توابل يعرفها محمد جيداً، فقد كانت والدته تجلب هذه الاعشاب البرية صانعةً منها توابل هى فى الحقيقة أقرب إلى الدواء.

تناول مُحمّد الطعام مستمتعاً بروعة وبخبرة من طهاه .. لكنّه كان مستمتعاً كذلك بتلك الذكريات التى تقصّها عليه هذه الرائحة .. كانت تحكى له عن بيتهم المميز وسط القرية الهادئة، وكيف أنّ والده صممّ على بنائه كاملاً بالأحجار دون الطوب اللبن، وكيف صممّ نظام البيت من الداخل على طراز أثرياء غزة .. لقد ظل بيتهم الجديد موضع حديث قريتهم بأكملها، وحديث العرب والمدن المحيطة حتى أنّ هذا الحديث وصل إلى عمه فى العريش .. كم كان والده يشعر بالخير فى كل اركان البيت، وخاصةً حينما تفجّر ذلك البئر وحده فى حديقة الدار، وبعدها بأيام قليلة انجبت ناقتهم قاعودين صغيرين دفعة واحده وهو شئ نادر، لقد كان كل شئ فى الدار يُوحى بأيام رائعة قادمة يملأها الخير ويفيض، لقد سكن الحمام ذلك البرج -الذى شاركه أخيه سليم فى بنائه فوق الدار- قبل اكتمال بنائه .. قال يومها أنّها بركة أمه التى وضعت حجر الأساس أو فضل أبيه الذى جلب الأحجار الملونة من أعلى الجبل الذى يحتضن قريتهم .. المهم أنّه كان فألاً حسناً أنّ يسكن الحمام مكان قبل أنّ يكتمل.

صوته الدافئ عطّر الغرفة، إنّه والده دخل لتوه ليطمئن عليه، يبدو أنّ الرسول الذى أرسله إليه لم ينجح فى بث الطمائنينة الى قلبه، فجاء بنفسه ليفعل.

احتضن الشيخ عبدالرازق مُحمّد بكل رفق رغم قوة ضمته له، يبدو أنّ كل هذه السنوات لم تنجح فى التأثير فى أعصاب أبيه القوية .. شعر مُحمّد للحظة أنّ تلك الذكريات التى دارت بخلده كانت بمثابة استدعاء منه لأبيه، فهو رغم صموده وصلابته بل وحروبه مع العدو لايزال صبيًا يتطلع لدعم والده وينظر إليه وكأنه سر قوته .. ابتعد الشيخ عن ولده وهو يفحصه بلهفة وعيناه تسأل عن حاله وصحته، تحسس مُحمّد مكان الجرح وكأنه يرشد عيني والده لمكانه، فاقترب هذا الأخير ليفحص الجرح بيدى خبير، ثم ابتسم ابتسامة اعادت الطمئنينة إلى قلبه اكثر واكثر:

- الحمد لله يا بنى، يبدو أنّ جرحك لن يطول.

- الحمد لله، أتمنى أن يلتئم جرح الوطن قبل جرحى.

- شفاء جرحك سيساعد -بأذن الله- فى شفاء جرح الوطن.

- اتمنى أنّ أقدم شيئًا بحق.

- وهل تقديم حياتك قليل.

ابتسم مُحمّد واحتضن والده وبدأ بذرف دموع أعادته لحجمه، فقد كانت السيدة وأولادها يرونه عملاقًا، فهو منذ دخوله لم يبك رغم كل آلامه، ليس هذا فقط لكنّه أيضاً لم يتأوه، ربما اختزن كل هذه المشاعر ليُلقى بها جميعاً على صدر أبيه.

الكتيبة

رغم أنّ الأيام التى قضاها مُحمّد فى بيت السيده العجوز قليلة، إلا أنّ علاقته بأبنائها أصبحت وطيدة لدرجة حرّكت بداخلهم روح البطولة، وأصبحوا يسألون أنفُسهم: لماذا لم يقدموا لبلادهم ربع ما قدّم هذا الفتى الذى يصغرهم سناً؟ لماذا لم يتحركوا ليدافعوا عنها ورضوا بذل الاحتلال؟ أيكفى أن يمتنعوا عن معاملة المحتل، فلا يبيعوا لهم شيئًا أو يأخذوا منهم شيئًا؟! لقد دار هذا الحوار بداخل كل واحد فيهم، إلى أنّ صرح به أصغرهم فى أحد الليالى الباردة والمطر يهطل فى الخارج .. لقد سأل نفسه بصوت مرتفع: "لو أنّنى عثرت عليك وأنّت جريح هل كنت سأفعل ما فعلته أمى؟"

مرت لحظات صمت بدت طويلة .. لكن صوت مُحمّد بددها بضحكته الهادئة، ثم أخذ نفساً عميقًا ليقول ودون تردد: " نعم بالتأكيد" ثم استطرد ليجيب عن سؤال آخر طرحته أعين الجميع" لقد كان أى منكم سيتصرف بنفس الطريقة، فهذه الأم الطيبة أرضعتكم جميعاً حب الوطن مع لبن الرضاعة، ثم منحتكم الشجاعة التى تملكها يوماً بعد يوم، والدليل على ذلك تلك الحفاوة التى تعاملوننى بها، فلم يتذمر أحد منكم رغم ما أمثله من خطر عليكم، فكلكم يعرف أنّ الأعداء يبحثون عنى فى كل مكان، وأنّ عثورهم عليّ داخل بيتكم كفيل بأنّ يُوصلكم جميعاً – لاقدر الله – إلى السجن ومع ذلك أنتم تتسابقون على خدمتى وترغبون فى حمل آلامى عنى"

ابتسم أكبر الأخوة بخجل قبل أن يربت على كتف مُحمّد شاكراً ردّه الذى رفع عنهم جميعاً الحرج، لكنه قال أنّ هذا لا يغير من الحقيقة شيئًا، فهم بالفعل لم يواجهوا جنود الأعداء يوماً"، ثم فجأة أضاءت له فكرة وجد فيها ضالته، لقد رأى أنّ الحل الأمثل هو تشكيله مع أخوته فرقة صغيرة تصبح تحت قيادة مُحمّد للقيام بعمليات فدائية.

فكر مُحمّد للحظات قبل أنّ يبتسم وهو يضغط على كفه معلناً موافقته، فتهللت وجوه الاخوة وكبّروا فرحاً، ثم علا صوت الام تحمد الله أنّ حبب أبناءها فى قتال العدو والجهاد فى سبيله.

القنابل الصفراء

قبض مُحمّد على مسدسه الموضوع تحت الوسادة بحركة تلقائية حينما سمع صوت اقدام تأتي نحو باب الغرفة التى يرقد فيها،( ذلك المسدس الذى منحه والده أياه فى نهاية زيارته الأخيرة، لقد فهم مُحمّد الرسالة جيداً .. لقد أوصاه والده بهذا المسدس ألا يستسلم للأعداء إذا عرفوا طريقه، وأن يُسقط بعضاً منهم قبل أنّ يصلوا إليه) .. لكنه ما لبث أنّ ترك المسدس حينما رأى ابتسامة على وجه الأبن الأكبر وقد دخل الغرفة، وهناك أمر خطر يطل من عينيه سرعان ما نّطق به لسانّه .. كان الابن يتحدث عن صيد سهل من جنود الأعداء يتمثل فى عدد من الجنود سيأتون إلى مزرعة قريبة لتسلّم شحنة من البرتقال، استمع مُحمّد للإبن وهو يشرح كيف سيمّر هؤلاء الجنود بمناطق جبلية، يسهل اصطيادهم فيها وقتلهم جميعًا، اعتدل محمد وهو يفكر بعد أن توّقف الابن فى انتظار الرّد لكن مُحمّد أطال الصمت فاستطرد الابن .. "لا تقلق يا مُحمّد لن أطلب منك المشاركة وأنت جريح .. ولن أُعرّض أخوتى للخطر"

- لست قلقاً لكننى أدرس ما قلت.

- العملية سهلة.

- لا ليست كذلك.

- لماذا ؟!

- أولاً شعورك بسهولة العملية سبب كاف لفشلها، ثانياً لقد اعتمدت على تخمينات قد تكون جميعها خاطئة

- كيف ؟!

- لقد افترضت أنّ عدد الجنود الذين سيأتون لتسلّم البرتقال قليل وقد يكون غير ذلك، ثم أنّك افترضت مرورهم فى طريق معين وقد يغيروه، بالإضافة إلى إهمال احتمالات مثل وجود طائرة تحميهم من الجو.

صمت الابن وهو يحاول من وقت لأخر أن يبلع ريقه، لعله يُرطّب حلقه الذي يزداد جفافه، ثم ابتسم بتسامة حزينة وهو يتمتم: "إذاً لم يأن الآوان بعد "

"لا .. لقد آن الآوان" .. قالها مُحمّد بحماس من شُفيّ تماماً من جميع جروحه، فنظر إليه الابن وقد تضاعفت دهشته، وقبل أن يستفسر منحه مُحمّد الإجابة: "سنقوم بالعملية ونقتل أضعاف أضعاف من سيأتون لاستلام البرتقال" قفز السؤال عن الطريقة من بين شفتى الابن الأكبر، لتُجيبه نظرة ذكاء حاد من عينى مُحمّد تمنحه الثقة وتُعيد إليه الهدوء.

امسك مُحمّد برتقالة قريبة منه وهو يبتسم، ثم قذفها فى الهواء ليلتقطها الابن مع كلمات مُحمّد الرنانّّة:

- سنُحوّل هذه الفاكهة اللذيذة إلى قنابل تُبيد الأعداء

- كيف؟ هل تريد وضع ألغام أو قنابل داخل الأقفاص؟ إنّهم يقومون بتفتيش دقيق لكل قفص.

- أعرف ذلك، لكننا سنستخدم ميزة البرتقال الرائعة ، وهى أنّ له قشرة تحفظه -وسنجعل هذه القشرة أيضاً تحفظه من التفتيش- سنحقن البرتقال بالسم، ونجعلهم يقتلون أنفُسهم بأيديهم

قفز الابن من مكانه ليحتصن مُحمّد صارخاً: " يالك من عبقرى .. يالك من عبقرى"

قبل الغروب

يعلم كل من عاش فى الصحراء أنّ كثيراً من العقارب تتحرك فى الليل بحثاً عن فرائسها، أما النهار فتقضيه تحت الاحجار والصخور هرباً من الشمس وعيون أعدائها، لذا كان على الأخوة التحرك فى أسرع وقت لجمع أكبر كمّ من الثعابين والعقارب قبل الغروب، حتى لا تصبح مهمتهم أكثر صعوبة فى الظلام مع تحرك هذه الكائنات السامة.

شارك الجميع -حتى الأم- فى جمع الثعابين والعقارب، وبلغ حماس الأخ الاكبر ذروته حيث امسك "بطريشة" وهى نوع من الثعابين غاية فى السمية حتى أنّها تستطيع قتل جمل ضخم خلال ثلاث دقائق، وهى تملك كمية كبيرة من السم رغم صغر حجمها، ويزيد شكلها رعباً تلك القرون على رأسها ما يجعلها اشبه بحيوان اسطورى.

كانت الأم العجوز آخر من حضر، وكانت تحمل حقيبة قماشية كبيرة، وضعت بجوارها كوبًا زجاجيًا قدمته لمُحمّد الذى تناوله بابتسامة ثم قال: "لو أنّنا ملأنا نصفه فقط لقتلنا أغلب الكتيبة"

"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" قالتها الأم بإيمان فأثلجت الآية قلب الجميع، لكن وقعها كان أشد علي مُحمّد الذي كثيراً ما سمعها من والده عقب عمليات ناجحة فاعتبر هذه إشارة بالتوفيق وأخبرهم بذلك.

مدّت الأم يديها وبطريقة بدوية شهيرة أمسكت بأحد الثعابين؛ لتجبره على فتح فمه، ثم إفراغ سمه داخل الكوب الزجاجى الذى أمسك به مُحمّد بحرص، وعلى الفور نفّذ جميع الأبناء الطريقة نفسها ليمتلئ الكوب فى دقائق، وتبدأ مرحلة جديدة من العملية إذ ذهب أحد الابناء إلى ساحة الدار ليحضر محقنًا معدنيًا كان قد جلبه من بيت عمه ثم ملأه بالسم، وانطلقوا نحو مخزن البرتقال الموجود داخل المزرعة وهناك طلب منهم محمد كسر القفل، فرفض الأخوة في البداية، لكن مُحمّد اصر على طلبه فنفذّه الأخ الأكبر .. وفى الداخل وأثناء حقنهم البرتقال بالسم، شرح لهم مُحمّد وجهه نظره، وهى أنّ الاعداء حينما يكتشفون أنّ البرتقال مسمم سيقبضون على صاحب المزرعة وهنا قاطع احدهم مُحمّد قائلا: "ممتاز حتى يتعلم ألا يبيع شيئًا للأعداء"

رد مُحمّد بهدوء "بالتاكيد سيتعلم الدرس، لكن الاسرئليين كعادتهم سيجرون تحريًا وتحقيقًا، فإذا وجدوا القفل مكسور فسيكتفون بسجنه لإهماله، أما إذا وجدوه سليم فسيقتلوه، لأنّهم سيظنون أنّه من فعل ذلك .. وبالتأكيد نحن نتمنى أنّ يتلقى درسًا فقط، لا أنّ يفقد حياته".

وهنا تنهد الاخ الأكبر وهو يقول "يالك من انسان. لا تريد أن تقتل مصريًا حتى وإن تعاون مع الأعداء"

رد مُحمّد " لعله يعود لرشده"

مر الوقت سريعاً وبزغ الفجر فاضطر الاخوه إلى التوقف، وقاموا بتوزيع البرتقال المسمم على جميع الأقفاص ثم انّطلقوا قبل موعد مرور الدوريات، حتى يتمكنوا من إيصال مُحمّد إلى مكان آمن قبل شروق الشمس ، فلقد قرر العودة لبيته رغم عدم اكتمال شفائه، فالأعداء سيقومون بتفتيش جميع المنازل بطريقة جنونية كما يحدث بعد كل عملية، مما يُشكّل خطرًا على حياته وحياة أهل البيت الذى سيجدوه بداخله.

العودة

لم تصدق الأم عينيها وهى ترى طيف ابنها قادمًا من بعيد، لكن نظرها الثاقب وقلبها الذى لم يخطئ قط، أكدّا أنّه هو، وزاد من تأكيد الأم ذلك الحمام الأبيض الذى حام حوله ورفرف فوق رأسه كما يفعل حينما يُقدّم له الطعام .. هرولت الأم بطريقة لاتتناسب مع سنها نحو ابنها تحضنه بعينها وقلبها ثم اخيراً بيديها، ياااااه إنّه هو ... مررت الأم يديها بعطفها المعهود على وجه ابنها ثم على شعره، وكأنما تستنطق جسده أن يبوح لها بمكان الجرح، إنّها سعيدة سعادتين؛ سعادة أن رأت ابنها يمشى على قدميه أمامها، وسعادة عودته المفاجئة التى سبقت ذلك الموعد الذى ضربه لها بأسبوعين كاملين.

"الحمد لله" .. قالتها أمه بزفرة من صدرها اخرجت معها كل الوساوس والظنون .. ثم قالت

- ملعون ابليس هذا .. إنّه يسعى لتنغيص حياتنا بافكار سوداء

- هذا دوره يا امى وهو يؤديه على اكمل وجه

هبت الأم واقفه كالملسوع من عقرب، ثم قامت بعدها بحركة رشيقة اعتاد عليها مُحمّد اثناء مطاردتها لدواجنها .. ففهم ما يدور ببالها .. استوقفها وهو يبتسم ابتسامة زادت وجهه بهجة

- يا أمى اطمئنى، لقد كنت عند أهل كرم .. اطعمونى وغذونى مثلك تماماً.

- اتركنى أذبح لك ديكًا صغيرًا .. لقد كدت أن أطيل الحديث معك، دون أن أُجهز لك ما يضمد جراحك .. نصف ساعة وسأعود لنحكى معاً.

- مهما فعلت لن استطيع أن أهرب طالما صدر الامر .. لكن أين أبى؟

- ياآلهى .. لقد نسيت، لقد ذهب منذ الفجر يقصد زيارتك.

- زيارتى .. يا آلهى .. يارب سلّم.

- ماذا حدث يابنى؟ هل حدث مكروه .. لا قدر الله؟

- لا ياأمى لكنّى أخشى على أبى من جنود الاحتلال، فهم كما تعلمين فى كل مكان.

- اشعر أنّك تخفى شيئًا.. إنّها مشكلتك الأبدية معى .. إنّ عينيك تبوحان لى دائما بما لا يبوح به لسانك.

- صدقّينى يا أمى .. كل ما فى الأمر ..

قطعت طرقات الباب حديثهما فانتفض مُحمّد ليفتح .. وما إن فعل حتى بدا الارتياح على وجهه فلقد كان ابوه مبتسماً يُحيط به بعض الحمام ..

جلس مُحمّد مع أبيه يحتسيان الشاى بالقرب من الأم المنشغلة بطهى الدجاج . نظر الأب نظرة طويله إلى ابنه وكانه يريد أن يُشبع عيناه منه، ثم خلع غطرته فإذا بها ملطخة ببعض الدماء، هبّ مُحمّد متسائلاً عن السبب فضحك أبوه مداعباً ..

- أنت السبب يا سيدي

- كيف ؟!

- ما فعلته هذا الصباح

- أبى أرجوك، وضّح لى ..

- لقد أوجعت ضربتكم الأعداء لدرجة أنّهم فقدوا السيطرة على أعصابهم، فأخذوا يبطشون بكل من قابلهم.

- هل نجحت الفكرة ؟!

- نجاح رهيب ..

- بهذه السرعة

- أسرع مما تتصور

- هل تقصد أنّ الاعداء هم من جرحوا رأسك هكذا ؟

- نعم .. لكنى لست حزينًا لأنّ هذا دليل على هزيمتهم.

- احك لى يا أبى ما حدث بالتفصيل.

خسائر كبيرة .. وجرح طفيف

وضع مُحمّد لوالدة على الجرح بعضاً من عسل النحل ثم ربطه .. وجلس يستمع لأبيه بلهفة، ابتسم الأب وهو يلمس الجرح، ثم بدأ يحكى وابتسامة عينيه تزداد:- "لقد صليت الفجر ثم انطلقت بسيارة النقل أقصد زيارتك، ومعى بعض الهدايا لمضيفيك، وقفص به بعض الحمام الزاجل بهدف مراسلتك لنا والاطمئنان عليك، وفى الطريق اعتقلتنى قوات العدو بعنف شديد، وأخذونى إلى وحدة الجيش، وهناك قابلت الشاب الذى تُقيم عنده وبعض شباب القرية .. كان الجميع قلقًا إلا الشاب، فأدركت أنّ للأمر صلة بكم وبدأت أقلق إلا أنّه طمئننى بعينيه، وما هى إلا دقائق حتى جاءنا قائد الوحدة بنفسه، وعلى وجهه كل علامات الغضب، ومن خلفه جندى يحمل قفص برتقال وبدأ يتكلم بالعبرية وبدا على الجميع عدم الفهم."

- لكنك تجيد العبرية يا أبى

- تظاهرت بأنّى لا افهم ايضاًَ .. وهنا بدأ يتكلم العربية، وطلب منا أنّ نأكل من البرتقال فأبدى الجميع دهشته حتى الجندى الصهيونى نفسه، فتظاهر قائده بالدهاء وتحدث إليه بالعبرية-لكى لا نفهم-" إذا كان أحد هؤلاء هو من سمم البرتقال فسيرفض الأكل منه، أما إذا أكلوا منه فهم ليس لهم صلة بالأمر، الفائدة الثانية أنّنا سنعلم إذا كان البرتقال اصلاً مسممًا أم لا، فإن ماتوا فسنتأكد، وإنّ عاشوا سنبحث عن سبب آخر لحالات الوفاة التى حدثت فى الوحدة"

- وماذا فعلتم .. هل أصاب أحد منك مكروه؟

- الحمد لله يابنى أنت تعلم أنّنا جميعاً لدينا مناعة من سم العقارب والثعابين، إما بسبب لدغها لنا ثم علاجنا منها وهذا يعطينا مناعة .. أو بسبب ما نتناوله من أعشاب برية تقينا لدغها بالاضافة إلى تلك السنة النبوية التى يحافظ عليها أغلبنا .. لقول النبى صلى الله عليه وسلم "من تصبح بسبع رطبات لا يمسه سم ولا سحر" فأكلنا جميعاً وتركونا نرحل والحيرة تسيطر عليهم

- يالله لك الحمد .. معنى ذلك أنّهم سيأكلون منه غداً أيضاً وربما تزداد خسائرهم

- ربما .. المهم ما حققتموه بالفعل .. لقد قتلتم جزءً كبيرًا من الجنود، قبل أن يُعلنوا حالة الطوارئ، لقد ذهب تفكيرهم -كما سمعت من القائد- إلى أنّ الجيش المصرى يُنفّذ عليهم حرباً مبتكرة باستخدام غازات.

- رائع .. دعهم يموتوا رعباً.

- لكن هذا لن يستمر كثيراً، فبمجرد أنّ يرسلوا برتقالة للمعمل فسيكتشفون ما بها من سم.

- المهم أنّنا نجحنا والحمد لله.

- حجم سيارات الإسعاف والطائرات التى كانت تنقل المصابين والقتلى، تشير لفقد الوحدة للعشرات من الجنود.

قالها الأب وهو ينهض ممسكاً بقفص الحمام فحاول مُحمّد أن يحمله عنه ولكنّه رفض، وطلب منه أنّ يستريح هو حتى يعود لرعاية الحمام من جديد، وأخبره أنّ هذا الحمام ملك المرأة العجوز وأنّ الأبن الأكبر أعطاه اياه لكى يرسل عبره الرسائل، وينظم معه أمورهم.

الزائر

لم يعتادوا على هذه الطرقات الرقيقة قبل الفجر فدائما الزائرون فى هذه الساعة المتأخرة يكونون من قوات الاحتلال، وبالتاكيد كانوا يدقون الباب بعنف أو حتى يحطموه .. خرج الشيخ عبدالرازق على أطراف أصابعه من حجرته وهو يصغى إلى الطرقات؛ لعله يستشف منها شخصية الطارق ثم عرج إلى النافذة، لينظر من ثقب بها على الباب، فرأى شخصًا ملثمًا يتلفت يميناً ويسارًا، ثم يعاود الطرق .. هنا ادرك الشيخ شخصيته .. أنّه الضابط خالد بكل تأكيد ..

فتح الشيخ الباب على الفور؛ ليدلف خالد بسرعة إلى فناء الدار، ويُخرج الشيخ رأسه من الباب متلفتًا يميناً ويساراً ليتأكد أنّ أحداً لا يتبعه.

استقر الضابط خالد على أريكه فى عمق الدار بعد أنّ فك لثامه، وقبّل كتفى الشيخ عبدالرازق وسرعان ما انضم إليهم مُحمّد الذى سعد للغاية بهذا الزائر، وبعد عبارات المودّة والترحاب بدأ خالد يتحدث

- لقد جئت فى مهمة خاصة خلف خطوط العدو، انتم جزء منها .. إنّنى أريد معرفة بعض المعلومات عن تسليح العدو فى هذه المنطقة، بالإضافة إلى التأكّد من بعض المعلومات التى وصلتنا.

- نحن رهن إشارتك .. قالها مُحمّد بحماس شديد

- لقد رصدنا انفجارًا مهولاً -هو على الأرجح- لمخزن ذخيرة ضخم جداً .. مُرجح أن يكون الانّفجار بسبب خطأ بشرى أو ارتفاع حرارة الذخيرة

ضحك الشيخ عبدالرازق وهو ينظر لمُحمّد قائلاً : "إنّ نصف المعلومة صحيح والنصف الثانى خطأ" وقبل أنّ يستفسر خالد أجابه .. "لقد انفجر مخزن ذخيرة ضخم فعلاً، ولكنه ليس بخطأ بشرى وإنّما بفعل فاعل."

- كيف؟ ومخازن الذخيرة مُحصّنة بطريقه تجعل من المستحيل اقتحامها.

- هذا حقيقى .. لكنّه غير صعب على فأر ذيله مشتعل، يعدو داخل فتحة تهوية يبلغ قطرها ربع المتر تقريباً.

نظر خالد بدهشة بالغة إلى مُحمّد وهو يشير إليه بسبابته .." يالك من عبقرى"

مال الشيخ عبدالرازق إلى الأمام قليلاً وقد مسح الحزن وجهه .. لقد كانت هذه العمليه هى رد مُحمّد على اغتيال أخيه

- إنّ لله وإنّ إليه راجعون .. أوَاستشهد سليم.

- الحمد لله أن وهبه الشهادة.

- اللهم الحقنا به يارب .. قالها مُحمّد بخشوع قبل أن يسأل الضابط عما يريد من المعلومات

فأجابه خالد والتأثر لا يزال فى صوته

- وصلتنا معلومة عن إصابة الجنود فى الوحدة القريبة من مطار العريش بمرض غامض حتى أنّ بعض الضباط والقادة أصيبوا به.

أجابه مُحمّد هذه المرة بجدية شارحاً عملية البرتقال, ثم أضاف والده أنّه قابل أحد قادة الوحدة، وهنا أخرج خالد مجموعة من الصور من جيبه، وعرضهم على الشيخ عبدالرازق ليُشير لإحداها وهو يقول .. هذا هو.

- هل أنّت متأكد

أومأ الشيخ برأسه مؤكداً بما لم يدع مجال للشك، فتعجّب خالد من ذلك إذ أنّ هذه الصورة للمساعد الثالث لقائد الوحدة، مما يُعنى أنّ رئيس الوحدة ومساعديه قد أُصيبا.

كبّر مُحمّد فرحاً، وقرر أن يُرسل رسالة بذلك لأصدقائه يخبرهم فيها بمدى نجاح عمليتهم، ولكن الضابط خالد طلب منه أخذ الحذر، واستخدام رموز يفهموها هم فقط دون غيرهم، ثم بدأ يتساءل عن المعلومة الثالثة، وهى تتعلق بنشر اسرائيل لنوع غامض من الصواريخ فى وسط سيناء، لكن لا مُحمّد ولا أباه كان يملك ردّاً على هذه المعلومة .. وهنا قرّر خالد أنّ يتجول بنفسه الليلة للتأكد من ذلك.

الجزءالثالث

استطلاع

استغل الشيخ عبدالرزاق معرفته بدهاليز الجبل في إيصال خالد إلي أقرب مكان لمعسكرات العدو، دون المرور علي أي من نقاط التفتيش أو دون أن تقابلهم أي من دوريات العدو، وبمنظار مقّرب استطاع خالد الاطّلاع علي أحوال العدو وتجهيزاته، ورصد لليلة كامله تحركاته، ليدرك أنّ توقف حرب الاستنزاف علي جبهتي قناة السويس، كان فرصه سانحة؛ ليعيد العدو تعبئة قواته ولملمة جراحه، تلك الجراح التي تسبب بها الجنود البواسل الذين يعبرون القناة ليلاً، ثم يعودون وقد حطّموا ودمّروا الكثير من قوات العدو، بل إنّ منهم من كان يعود بأسير أو أكثر.

ظلّ الضابط خالد طوال عودته إلي بيت الشيخ شارد الذهن، فهو قلق من التغيّر السريع في تحركات العدو ومواقع أسلحته، وفي نفس الوقت لا يستطيع البقاء لفترات طويلة خلف خطوط العدو، وهنا خطرت بباله فكرة تمنّي أن يوافق مُحمّد عليها، وأن تُسعفه ذاكرته لإنجازها.

كانت الخطّة تتضمن اطلاع مُحمّد علي أشكال وأنواع أسلحة العدو، مما يُسهل عليه عملية رصدها ثم إيجاد طريقة آمنة لنقل هذه المعلومات إلي الجيش المصري، وبذلك يكون الجيش قد وضع له عينًا في وسط سيناء.

أذهل مُحمّد الضابط خالد وهو يخبره عن بعض أنواع الأسلحة وينطق له اسمها بالعبرية، كما زاد دهشته فراسة محمد الذي كان يستطيع أن يُحصي الجنود بمجرد النظر، فإذا أخبر محمد الضابط خالد أنّ هؤلاء الجنود حوالي عشرين يجد الضابط العدد قريباً للغاية.. ليس هذا فقط، بل إنّه يستطيع ببساطة تقسيمهم إلي (رُتب) وعدد كل رتبة والتمييز بينهم وبين الجنود.

سرعه بديهة مُحمّد وفراسته، وفرّت علي خالد الكثير من الوقت والمجهود، لذا كان عليه العودة إلي الضفة الغربية بأسرع وقت لاطلاعهم علي ما وصله من معلومات، وما هي الا أيام قليلة إلا وكان هناك زائرًا جديدًا، لكنّه هذه المرة كان أحد أبناء عمه وهو "أبو زيد" شاب رياضي كان مميزًا أثناء خدمته العسكرية وحصل علي العديد من البطولات في الألعاب القتالية.

كم كان مُحمّد يسأل عن السر الذي جعله لم يعاود الالتحاق بالجيش مرة أخري وقتال الأعداء، الآنّ فقط فهم الأمر .. فلقد التحق" أبو زيد" بالجيش ولكن فى مهمة سرية ليصبح همزة الوصل بين الجيش ورجاله فى سيناء .. ياله من تفكير ذكى من قادة الجيش، بل واختيار موفّق لشاب متميز..

قطع على مُحمّد تسلسل أفكاره طلب ابن عمه المغادرة حتى يتمكن من إبلاغ المعلومات فى أسرع وقت، وتواعدا على أن يلتقيا مرة كل أسبوع حتى لا يلتفت إليهم أحد، أما فى حالة حدوث أى طارئ فعلى مُحمّد زيارته فى قريته.

لقاء مع بطل

على غير الموعد المتفق عليه حضر أبو زيد راكبًا جمل، عليه عدة صناديق وأجولة مغطاة بأعواد الذرة الجافة، انتبه مُحمّد لصوت الجمل حينما أناخه أبو زيد خلف الدار، فنظر مُحمّد من النافذة وعلى الفور انطلق لمساعدة ابن عمه .. وما هى إلا دقائق حتى كانت جميع الصناديق داخل الدار عبر النافذة.

جلس أبو زيد أمام مُحمّد يحتسيان أكواب القهوة العربية، وقد أمسك أبو زيد بعود حطب جاف، أخذ يرسم به على أرض الدار بعض الخطوط والمعالم، سرعان ما تبين مُحمّد كنهها؛ إنّها خريطة لجبل قريب وبعض الهضاب المحيطه به، وبدون أى مُقدمات دخل أبو زيد فى صلب الموضوع حيث أخبر مُحمّد أنّ هذه الصناديق مُحمّلة بالطعام والماء، وقليل من الذخيرة، ويُفترض أن يتعاونا قبل أول ضوء لوضع هذه المؤن فى نقاط محددة.

البدء فى التنفيذ كان هو رد مُحمّد على التكليف بالمهمة، فلقد استعان بجمل آخر لبدء المهمة، فاقتسم مع أبوزيد المؤن على أن يلتقيا فى النقطة الأخيرة، لينطلقا منها فى طريق العودة، وبالفعل تم تنفيذ الأمر بسرعة حتى أنّهما وصلا لنقطة اللقاء قبل الفجر بدقائق، وهناك طلب منه أبو زيد أن يستريحا قليلاً، قبل أن يشرعا فى العودة .. ولكن فجأه وأثناء تجاذبهما أطراف الحديث شعرا بحركة فى الخارج، فقبض أبو زيد على سلاحه، بينما أمسك مُحمّد بقطعة خشب قريبة منه.

بعد لحظات من الترقب مرّت طويلة، سمع أبو زيد صوت يألفه يقول "سيناء عربية" فرد أبو زيد "بإذن الله" ثم استطرد مبتسماً وهو ينهض -وسط دهشة مُحمّد-: "على يد الفرقة 39 والجيش المصرى" .. ثم احتضن رجل متوسط الطول مفتول العضلات دخل لتوه من باب المغارة التى يجلس فيها مُحمّد وأبوزيد .. ربت الرجل على كتف أبو زيد الذى لمعت عيناه حينما رآه، وقبّل كتفه بحب شديد لم يشاهده مُحمّد إلا حينما يكون ابن عمه مع أبيه أو أمه، فدارت اسئلة عديدة داخل رأس مُحمّد عن هذا الرجل الغامض .. ذلك الرجل الذى جعل مُحمّد يحبه كأبيه، لكن سرعان ما زالت دهشته حينما قدمه له قائلاً :-" إبراهيم الرفاعى، أبى الروحى" لم يشعر مُحمّد بنفسه إلا بعد أن احتضن الرجل مقبلاً كتفه، لقد سمع عنه من أبوزيد، بل ومن اليهود أنفسهم، وكيف أنّهم لقبوه وفرقته بالأشباح، حيث يعبرون يومياً القناة، ويقومون بأعمال تعجز عقول اليهود عن تصديقها، إنّهم يظهرون فى أى مكان وأى وقت، وهاهم فى عمق سيناء لا يعرف مُحمّد كيف وصلوا إلى هنا، .. قطع شرود محمد صوت إبراهيم الرفاعى الذى خرج من المغارة ليُشير بيده إشارة تلاها ظهورعدد من رجال الصاعقة ليدخلوا المغارة تباعاً، ياله من قائد رفيع يدخل بنفسه لتأمين المكان .. هكذا القادة العظماء يكونون دائمًا فى المقدمة.

تساءل أبوزيد عن سر تغيير الخطة، فمن المفروض أن تكون نقطة البداية هى التى وضع فيها أبوزيد المؤن، ثم يجتمع إبراهيم مع رجاله فى نفس المكان الذى اجتمع فيه مُحمّد وأبوزيد، أى أنّ وصول إبراهيم لهذا المكان يعنى أنّه بدأ من نقطه النهاية .. ابتسم إبراهيم دون أن يُجيب، فقط أخرج من جيبه بضع تمرات وزعها على جنوده، وكذلك على مُحمّد وأبو زيد، ثم قال لهم مداعباً:"حتى يكون بيننا عيش وملح".

لم يمكث مُحمّد طويلاً، فلقد غادر بعد نصف ساعة تقريباً حيث أدى صلاة الفجر مع البطل إبراهيم الرفاعى، ثم جلس يستمع لبعض نصائحه عن التكتيك الحربي عن طريق توجيهه لأبوزيد حيث طلب منه أن يضع نفسه دائمًا مكان العدو، ويدرس ما سيفعله وما يتوقعه، ثم يقوم بعمل غير المتوقع، فدائمًا تكون المفاجأة نقطة قوة.

ضحك أبو زيد وهو يقول:- "أنت أبرع من يُطبّق هذا، فاليهود ينتظرونك على شاطئ القناة الليلة، فى حين أنّك خلفهم" .. ابتسم إبراهيم ثم قال بتواضع " وما توفيقى إلا بالله "

ثم التفت إلى مُحمّد وأمسك كتفه بقوة وقال: "لقد سمعت عنك الكثير أيها البطل الشاب، لقد أذهلتنى خططك وما ألحقته بالعدو من خسائر" ثم مال على مُحمّد وقد ازدادت قبضته على كتفه قوة، حتى شعر مُحمّد أنّ أصابع الرجل صنعت من فولاذ .. وأكمل هامساً: "لكن يا صديقى العزيز هناك بعض المواقف التى تستلزم القوة البدنية، فالعقل يكسب غالباً، لكن إذا كان فى خدمته جسد قوي يصبح بالتاكيد فى أمان أكبر."

ابتسم مُحمّد وقد فهم مغزى كلام القائد البطل، وتلوّن وجهه الأسمر بشئ من حمرة الخجل وهو يقول .." وصلت الرسالة"

بداية الطريق

أثناء العودة ظلّ أبو زيد يحكى لمُحمّد عن بطولات إبراهيم الرفاعى، وكيف أنّ فرقته عادت بأول أسير من الأعداء، وكان لهذا أعظم الأثر على معنويات جنودنا، فقد روّج إعلام اليهود دائماً أنّهم جنود فوق العادة، لايُهزمون أبداً .. لكن رعب هذا الأسير وما اعترف به من معلومات على الفور، جعل الجنود يعرفون مكانتهم الحقيقية .. وروى أبوزيد عن رصد إسرائيل لمبالغ ضخمة مقابل قتل أو إصابة أى جندى من الفرقة 39، تلك الفرقة التى أسسها إبراهيم الرفاعى من رجال الصاعقة؛ حيث حرص على تدريبهم على المشي والعدو لعشرات الكيلومترات، وعلى السباحة والقفز بالمظلات حتى أصبحوا جنودًا فوق العادة، يعبرون القناة ليلاً ليُحيلوا المعسكرات الإسرائيلية إلى كتل من النار بفعل الانفجارات التي تلحق بالمعدات ومخازن الذخيرة، بل ويعودون أحيانًا بصواريخ ويقومون بتسليمها للقيادة المصرية لدراستها، وهذا بالتاكيد كان له فائدة عظيمة، لكن أغرب هذه العمليات كانت تلك العملية التى قاموا فيها باختطاف ضابطة إسرائيلية، كانت تأتى مع صديقاتها للسباحة فى مياه القناة يوم إجازتهم الأسبوعية، فى حين لا يستطيع أى جندي مصري الاقتراب من مياه القناة بسبب قنّاصة العدوّ، وأدّت هذه العملية إلى عدم نزول أى إسرائيلى إلى القناة حتى الآن.

كان مُحمّد منصتًا لكل كلمة ينطق بها أبو زيد، وكان خياله يرسم الأحداث أمامه، كأنه يراها.

صمت أبو زيد للحظة منتظرًا تعليق مُحمّد، لكن هذا الأخير ظل ينتظر المزيد من قصص البطولة، وهنا أخبره أبو زيد أنّه سيعاود لاحقاً سرد ما يعرف، لكنّه توقف للحظة سأل مُحمّدًا بعدها عمّا همس به القائد البطل، وهنا نظر مُحمّد بعيداً قبل أن يُجيبه بكلامات قليلة مصحوبة بزفير هادئ:"إنّه يُريدنى أنّ اكون محاربًا كما يجب"، ثم أخذ نفساً عميقاً قبل أن يُكمل: "لذلك سنبدأ معاً -إنّ شاء الله- من اليوم -إن لم يكن لديك مانع- تدريبات مُكثّفة، حتى يُصبح بُنياني مثلك، كما أريد أن تُعلمنى بعض فنون القتال التى تعرفها."

"على الرحب والسعة" قالها أبو زيد فرحاً، وكأنه حصل على شيء أراده منذ مدة .. ثم طلب من مُحمّد شيئًا غريبًا، طلب منه الالتحاق بالعمل فى المحجر أولاً ولمدة شهرين، قبل أن يبدأ التدريبات.

حضن الجبل

على مدار شهرين ظل مُحمّد وسط الصخور لايملك إلا معولاً ثقيلاً وإرادة قوية، كان يعمل طوال النهار فى تكسير الصخور وتشكيلها؛ حتى تصبح جاهزة للبناء، ظل يضرب الجبل ويحطم الصخور لكي يبنى جسدًا صلبًا، لقد عانى كثيراً فى البداية من حرارة الجو وقسوة الصخر، لكنّه سرعان ما اعتاد هذه الحياة القاسية بل إنّه أصبح يبغض يوم الراحة .. لم يكن هناك ما يضايقه إلاّ توقفه المؤقت عن صنع الفخاخ للعدو.. لطالما ذكّر نفسه أن ما يفعله هو من أجل العودة بقدرات أعلى لتنفيذ عمليات أكبر.

فى نهايه الشهرين زار أبو زيد مُحمّد فأبدى إعجابه بقوة بنيانه، وأثنى على استجابة جسمه السريعة للتدريب ثم أخبره أنّه الآن لايحتاج لأي تدريبات للقوة الجسدية، ولكنّه يحتاج فقط لبعض التدريبات المهارية، وتدريبات أُخرى على الأسلحة .. وبالفعل ما هي إلا أسابيع قليلة حتى أصبح مُحمّد جندياً من الطراز الأول، فهو يُجيد استخدام البندقية الآلية، وأظهر براعة فى التصويب، كما تعلّم الكثير عن استخدام الـ ( ار.بى.جى ) الذى استخدمه الجنود المصريين لأول مرة فى التاريخ كمضاد للدبابات فأصبحت المعادلة العجيبة: رجل أمام دبابة.

كانت الأخبار التى تأتي من الجبهة على القناة تزيد مُحمّد حماساً، وكانت البطولات تُلهب مشاعره وتلهمه، فلقد استعرض تاريخ انتصارات عجيبة، قام بها جيش هُزم قبل أن يحارب، وهنا صمم مُحمّد علي أن يصنع نصرًا كبيرًا، ولكن كيف سينفذه؟ تلك كانت المشكلة.

اختار القدر أبو زيد ليُجيب اسئلة محمد فى اليوم التالى، فلقد جاء يلهث، ووجهه متهلل بطريقة تُنبئ ببشرى عظيمة، وبعد أن التقط أبو زيد أنفاسه، أخبر مُحمّد أنّه عثر على أحد مخابئ السلاح المصرى التى كان الجيش يستخدمها قبل النكسة .. وكان هذا أمرًا معتادًا للبدو .. لكن ما أسعد أبوزيد لهذه الدرجة، هو وجود بعض صواريخ الكاتيوشا ذات التاثير القوى للغاية فى القصف، بالإضافة إلى إلمام ابو زيد الشديد بكيفية استخدامها، وعلى الفور أدرك مُحمّد ما يرمي إليه أبو زيد.

اتفق الاثنان على استخدام هذه الصواريخ لتكبيد الأعداء خسائر ضخمة، واستقر بهم الأمر على قصف المطار، ذلك أنّهما يعلمان أهمية المطار والطائرات بل والأهم على الإطلاق وهم الطيارون، كما كانا يعرفان مدى ما ستسببه إصابة المطار من ذعر لدى الجنود، فهم يطلقون على سلاح الجو الذراع الطويلة التى لا تُقهر.

من أجل كل ذلك قرر الرفيقان ضرب المطار، ولكنهما اتفقا على التأنّى فى التنفيذ.

ز .. زرع . ق .. قتل

كان يومًا دراسيًا عاديًا .. لكن ما حدث فى منتصف اليوم الدراسي، بالتحديد فى الساعة العاشرة هو أمر غير عادي، فقد اخترقت الطائرات الحربية الاسرئيلية مجالنا الجوى، واتجهت صوب محافظة الشرقية، لتُلقى بأطنان من القنابل فوق مدرسة "بحر البقر"؛ لتقتل عشرات الأطفال الأبرياء. 31 طفل ليس لهم أى ذنب سوى أنّهم ارادو أن يتعلموا، اختلطت دماؤهم بحبر الكتب، هؤلاء هم الاسرائيليون .. يردون على انتصارات جنودنا على الجبهة بقتل الأطفال .. يهربون من قتال الأبطال ليقتلوا الأطفال.

أُذيع الخبر واستنكره العالم بأسره، لكن كان للخبر وقع أكبر على مُحمّد، فلقد شعر أنّ الصهاينة قتلوا أخاه 31 مرة، لذا قرر الرد بطريقته، فذهب على الفور لمنزل أبوزيد وقررا أنّ ينفّذا عملية المطار فى أقرب وقت، وبالفعل استعانوا بأبناء المرأة العجوز لنقل الصواريخ إلى كهف فى أعلى الجبل المُشرف على المطار، وبمهارة وإصرار نجح الأبطال فى تنفيذ عملية النقل فى ساعات قليلة ما بين منتصف الليل وأول ضوء للنهار.. وضعوا الصواريخ فى مكان آمن ثم انصرفوا بسرعة ليعودوا فى نفس اليوم قبل الغروب .. استغل الأبطال انتهاء طلعات العدو الجوية التى دائمًا ما تنتهى قبل الغروب ليتسللوا إلى قمة الجبل مستخدمين مظلة من القش بنفس لون الصخور، وبعد دقائق تمكن أبو زيد من تجهيز الصوريخ للإطلاق، ثم انطلقت أربعة صواريخ لُتصيب الطائرات وبرج المراقبة بدقة متناهية حتى أنّ مُحمّد داعب أبو زيد قائلاً أنّه يستحق وسامًا على دقته فى حساب المسافة، وتقدير مكان سقوط الصاروخ، وبعد لحظات سمع الجميع صوت ضجيج محرّك فأيقن الجميع أنّها مروحية، فأعطى أبو زيد إشارة للجميع بالمغادرة، كلاً يأخذ طريقًا مختلفًا حتى لايكونوا هدفًا سهلاً.

ارتفعت المروحية فى الهواء، واستخدمت كشّافات ضوئية قوية، أحالت المكان إلى ظهر، مع قنابل مضيئة لكشف أي جندى ممن أطلقوا الصواريخ، لكن الأبطال كانوا مهرة فى التخفى والاختفاء داخل المغارات والوديان والشقوق، حتى أنّ الطائرة عجزت عن كشف أيّا منهم، رغم أنّها كانت تطلق النار بجنون على أى هدف يتحرك.

ظلّت حالة ارتباك شديدة ودهشة بالغة تسيطر على المطار، فكيف لهذه الصواريخ أن تصل لهذا المدى، وتصيب الطائرات وبرج المراقبة بهذه الدقة؟ :- هل طوّر المصريون اسلحتهم لهذا الحد، أم أنّهم استطاعوا الوصول لهذا العمق داخل سيناء رغم كل هذه التحصينات ونقاط المراقبة؟ ..

هرعت سيارات الإطفاء إلى المكان وسبقتها سيارات الإسعاف لنقل الجرحى، كذلك حضر بعض القادة لتفقّد الوضع والوقوف على الخسائر، وبعد نصف ساعة من القصف تقريباً هبطت المروحية التى لم تعثر على شئ ولم تتوصل لمصدر إطلاق الصواريخ، عادت بخيبة أمل لتجد المطار وقد تحول لخلية نحل من القادة والمهندسين، والمحققين الذين يتفقدون الموقع، لكن ما لم يتوقعه أحد أنّ ينطلق فجأة صاروخين واحد تلو الآخر، ليتسببا فى تضاعف الخسائر من القتلى والجرحى، وليعمّ الذعر من جديد، ويزداد انهيار الجنود.

العودة

مرّت الدقائق بصعوبة على أبو زيد الذى جلس داخل غرفه مُحمّد ينتظره .. كان قلقًا مضطربًا يزرع الغرفة مجيئاً وذهاباً، تارة يُلقى نظرة من النافذة، وآُخرى يرهف السمع لأى طرقة على الباب، اعتصر التخمين عقله، واستبد القلق بأعصابه يلهبها، لكن سرعان ما نفض عن كاهله كل هذه الهموم وقد وصل لأذنه صوت مُحمّد يهمس بالسلام وهو يدلف من الباب.

لم ينتظر أبو زيد دخوله، لكنّه هرول نحو الباب ليلقاه هناك مبتسماً، وقد شمّر ساعديه كاشفاً عضلاته التى أصبحت مفتولة، احتضنا بعضهما فى سعادة بالغة وهما يهتفتان "الله اكبر .. الله اكبر" وكأنهما يرددان نشيد النصر، ظلا يتسامران فى سعادة بالغة، تضاعفت خلالها سعادة أبوزيد حينما حكى له مُحمّد ما فعله .. فبعد أن غادر الجميع ظل مُحمّد فى أخدود عميق يراقب ما يحدث فى المطار دون أن يتحرك؛ حتى لاينكشف أمره، فالأضواء المبهرة التى أطلقتها الطائرة تحاصره فى كل مكان .. ظل يراقب الموقع المحترق بفرحة بالغة، ويترقب مغادرة الطائرة، وأخيرًا وبعد حوالى نصف ساعة، يئست المروحية فغادرت عائدة إلى المعسكر، وهنا فكّر مُحمّد أن يُلقى نظرة أخيرة على المعسكر المحترق من أعلى، ويتفقد الصاروخين الباقيين، لعله يستطيع إخفاءهما بدلاً من اكتشاف الصهاينة لأمرهما فى دوريات الصباح، وهنا قفزت إلى ذهنه فكرة، لماذا لا يطلق الصاروخين اللذين وجههما أبو زيد بدقة؟ وبالفعل جذب حبل الصاروخ الأول لينطق مزمجراً، ثم يحصد عشرات الجنود والمهندسين بل والقادة، ثم أعقبه بصاروخ آخر أكّد الانتصار. نهض أبوزيد من مكانه ليحمل مُحمّدا على كتفيه، وظل يدور به فى الغرفة بطريقة مسرحية هاتفاً بحياته، ثم ردد الاثنان ببهجة "تحيا مصر .. تحيا مصر" لينضم إليهم الشيخ عبدالرازق الذى استيقظ ليصلى الفجر، ثم صمت الجميع لحظة لالتقاط الأنفاس، وليحكوا للشيخ ما فعلوه، ثم توّج الشيخ الفرحة بأن أخبرهم بأنّه قد أُذيغ بعد خروجهم مباشرة فى الإذاعة المصرية أنّ البحرية المصرية استطاعت إغراق غواصة متقدمة للغاية، قبل دخولها الخدمة فى الجيش الاسرئيلى .. فلقد منحتها بريطانيا لابنتها المدللة إسرائيل، ولم تكتف بذلك، ولكنها دربّت طاقمًا ضخمًا من الضبّاط والجنود لكى يستطيعوا تشغيل الغواصة على أكمل وجه، وأثناء إبحار الغواصة فى البحرالمتوسط فى طريقها لفلسطين المحتلة، للانضمام للجيش الإسرئيلى، دخلت الغواصة إلى المياه الإقليمية المصرية قرب الاسكندرية لمهمة استكشافية، أو لاستعراض القوة، لكن المفاجأة أنّ أحد القوارب الصغيرة رصدها عبر الردار، فقام بإلقاء عشرات الألغام المتفجرة، التى أفقدت الغواصة القدرة على الفرار، فغاصت إلى الأعماق بلا رجعة.

"الله اكبر .. الله اكبر" رددها مُحمّد وأبو زيد وقد زادت نشوتهم، وهنا سمع الجميع آذان الفجر فقاموا ليصلوا فى المسجد مع أبيهم.

المفاجأة

كان نسيم الفجر العليل يرفرف حول الشيخ عبدالرازق ومُحمّد وأبو زيد، وهوائه المنعش يتسلل إلى صدورهم بعد أن داعب وجوههم، لكن فجأة وعلى بعد خطوات من المسجد، سمعوا صريرًا قويًا لسيارة - أدرك مُحمّد قبل أن يلتفت أنّها عسكرية- تلا صوت الصرير صوت أحذية عسكرية تعدو تجاههم، وما لبث مرتدوها أن أمرهم بالتوقف، وقبل أن يفعلوا انقض ثلاثة جنود عليهم من الخلف ليسقطوهم أرضاً، بينما كان أربعة آخرون يصوبون أسلحتهم تجاه روؤسهم وقد جذبوا إبرة الامان، كدلالة على استعدادهم التام لإطلاق النار إذا قاوم أيًا منهم، وهذا بالتاكيد ما لم يفعلوه. قيّدهم الجنود الثلاثة بفظاظة، ثم قادوهم إلى السيارة بعنف، وقبل أن يُركبوهم السيارة، أمرهم قائدهم بالتوقف، ثم تفحّصهم بنظرات ثاقبة، كمن يريد أن يقرأهم ثم قال: "أشخاص إضافيين فى السيارة قد يبطئ حركتها، ليس لنا حاجة فى وجودك معنا أيها العجوز المخرّف"

كاد مُحمّد أن يتحرك أو يرد، لولا نظرة والده التى أوقفته، فاستطرد الضابط الإسرئيلى: "عجوز مثلك لا يستطيع محاربة نملة، وبالتالى فلا حاجه لنا بك" .. ثم وبحركة خاطفة أطلق رصاصة من مسدسه اصمّت آذان مُحمّد، وأصابت قلبه قبل أن تُغادر المسدس ليصرخ بصوت كالرعد "أبى .. أبى"

فتح مُحمّد عينيه بعد أن أغلقهما بحركة لا إرادية، ليجد أباه يقف شامخاً دون أن يطرف له جفن، لقد كان الضابط يحاول تهديده، فأطلق الرصاصة لتمر بجوار أذنه .. ضحك الضابط ساخراً من رد فعل مُحمّد، لكن فى الحقيقة كانت ضحكاته تحاول إخفاء رعشة أصابته من جمود الشيخ عبدالرازق أمام الموت، لقد تذكّر أنّه منذ لحظات، وبالتحديد حينما سمع الانفجارات فى المطار القريب من معسكره، عجز لدقائق عن الحركة حتى أنّه شعر أنّ سرواله ابتل، كيف له وهو جندى مدرب أن يخشى الموت لهذه الدرجة، فى حين يقف رجل مُسنّ أمام رصاصة هكذا.

ألقى الجنود بمُحمّد داخل العربة ومن خلفه أبوزيد الذى لمس مُحمّد بكتفه محاولاً بث الطمائنينة إليه، ومهوناً عليه خوفه على أبيه لكن سرعان ما ابتعدا عن بعضهما بعد أن دهستهما أقدام الجنود الذين جلسوا فى جوانب السيارة.

المحنة

استبد العطش بمُحمّد حتى جف لعابه تماماً، وشعر بأنّ الشقوق تملأ شفتيه وفمه، يومان لا طعام ولا ماء فى غرفة صغيرة، لا يستطيع أن يفرد فيها رجليه، فما بالك بالنوم، وفجأة سمع صوت عربي يألفه، بعكس الأيام السابقة التي كان يسمع فيها العبرية فقط، كان الصوت يقترب من زنزانته متحدثاً بلكنة مصرية أصيلة، ويتمتم ببعض السباب للجنود الاسرئليين متحدثاً عن نزع الرحمة من قلوبهم، لتركهم مُحمّد يومين بدون طعام أو شراب.

فُتحت الزنزانة فجأه لتسمح لضوء مبهر بالدخول، أعمى عين مُحمّد للحظات، فهو لم ير النور منذ أن وُضع فى هذا الحبس الانفرادى.

بدأ مُحمّد يتبين هيئه الشبح الذى دخل لتوه، فى البداية ظهر كجسم مظلم بفعل الضوء المبهر خلفه، ثم مالبث أن اتضحت ملامحه حينما جلس القرفصاء أمام مُحمّد لتظهر ملامحه المصرية الصميمة، ذلك الشارب الأسود الذى يبالغ فى تربيته كبعض أبناء الصعيد، ثم بشرته الخمرية التى يكتسبها الفلاحون، باختصار كانت ملامحه المصرية تُثير بعض الارتياح .. قدّم زجاجة صغيرة من الماء إلى مُحمّد الذى التقطها بدون وعي، ثم بدأ فى رشف الماء؛ ليُجهز على الزجاجة خلال ثوان .. ابتسم الرجل وهو يتابع مُحمّد ثم أمسك بيده لينهض معه خارجاً من الزنزانة، ويسير بجواره وقد وضع يده على كتفه بود شديد، ثم ذهب معه لغرفة بها العديد من المقاعد، كل مجموعة منها حول منضدة، كانت الغرفة خالية إلاّ من كاميرا وصينية بها طعام يبدو شهيًا للغاية ..

قدّم الرجل الطعام لمُحمّد الذى بدأ يأكل، والرجل يتحدث معتذراً عن سوء المعاملة من الجنود وأنّهم لم يقصدوا إهانته هو أو أباه أو ابن عمه، لكنّهم كانوا غاضبين من الانفجار الذى حدث فى المطار .. اقترب الرجل من مُحمّد بصوت مصحوب بفحيح يشبه فحيح الأفاعى .. ثم همس "هل تعرف شيئًا عن انفجار المطار هذا؟ " فجأه انتبه محمّد للفخ المُحكم الذى نصبه له هذا الرجل .. لقد حاول اكتساب ثقته بتحقيق أهم امنياته فى هذه اللحظة وهى أن يشرب، لقد أطعمه وسقاه لكي يخدعه، كان الماء قد أعاد الحياة لعقل مُحمّد فأخذ يحاور بذكاء ..

- أى مطار؟

- المطار القريب من قريتكم.

- نحن نسمع انفجارات يومياً .. يقولون أنّكم تتدربون.

- نتدرب؟! هل انفجارات تحدث قبل الفجر بساعة تُعّد تدريبًا؟

- أنا لا أهتم بتحليل ما يحدث تجاهكم.

- هل يمكنى رؤية قدمك؟

- لماذا؟

- أرنى إيّاها .. نفّذ الأمر

رفع مُحمّد قدمه بهدوء، فأمسك بها الرجل بسرعة ليتفحص كعبه .. الآن فقط فهم مُحمّد كلمات أبوزيد، حينما رفض أن يرتدوا الحذاء العسكرى رغم أنّه يسهل عليهم السير على الرمال وصعود الجبل، .. فقد أخبره أبوزيد وقتها أنّ الحذاء العسكرى كان سببًا فى عدم قدرة العديد من الجنود على خداع الاسرائليين عام 67، حيث ارتدى الكثير من الجنود ملابس البدو، ليهربوا من الجيش الإ سرائيلى، لكن جنود الأعداء كانوا يكتشفون الجنود من البدو، عن طريق أثر يتركه الحذاء العسكرى فى كعب القدم.

قطع تفكير مُحمّد ضغط الرجل على منطقه فى منتصف ساقه، بعد أن كشف جزء من ساقه.

كان الرجل يتحدث بلغة جديدة، اختفى منها الهدوء والتودد، وحلّ محلّها عنف واضح:

- ما هذا الجرح؟ .. هل أُصبت بطلق نارى من قبل؟

- ازدرد مُحمّد لعابه ليستعيد هدوءه، ويتخطى المفاجأة" إنّها شظايا أُصبت بها حينما كنت ألعب مع أخى عند سفح الجبل، فانفجرت قنبلة أو لغم فى أخى؛ ليُستشهد هو وأُصاب أنا"

- يُستشهد ؟! هل تسمى من يموت شهيدًا؟ .. لقد ذهب أخوك إلى الجحيم.

جرحت العبارة الأخيرة مشاعر مُحمّد الذى ضغط بغيظ شديد على أسنانه، لكن الرجل لم يمهله فلقد أمسك بناصيته بعنف شديد رافعاً رأسه لأعلى متحدثاً بتحدى شديد ..

- سأمنحك فرصة عظيمة للّحاق بأخيك الشهيد، إذ لم تتعاون معى .. أريد منك معلومات عن أى جندى مصرى شاهدته من الجوار، أو أى شخص غريب رأيته فى الأيام السابقة، أريد معلومات عن حال البدو، ورأيهم فى جيشنا العظيم، والحياة فى ظل حكمنا.

لم يكن مُحمّد يعرف سر ما يشعر به تجاه هذا الرجل، هل هو ممثل بارع استطاع فى البداية اكتساب ثقته، والآن يسعى لإرهابه ليسلبه أى معلومة يعرفها؟ لكن الغريب أنّ مُحمّدا كان يرى نظره غريبة فى عينى الرجل، نظرة لا تتناسب مع قسوته، إنّه رغم ما يفعله لا يبدو شريرًا! سؤال لم يجد مُحمّد بداخله إجابة عنه، ربما تجبيه الأيام القادمة.

لحظات عصيبة

بكل ما استطاع من عنف، دفع الرجل مُحمّدا ليسقط فى فناء موحش، أرضه من الاسمنت وليس له سقف، وهو عبارة عن مربع، يُشكل المبنى الذى كان محتجزًا فيه أحد أضلاعه، أما باقى الأضلاع فكان عبارة عن سور غاية فى الارتفاع، تعلوه أسلاك شائكة.

نهض مُحمّد ببطء، وقد تفحص المكان ثم بدأ يُلقى نظرة على الأشخاص .. لكن الأمر تعدىّ إلقاء نظرة عابرة، فلقد كان كل شخص فى هذا الفناء تحمل ملامحه قصة وحشية من الضرب، وتظهر على ظهورهم خرائط من التعذيب الوحشى، كان مُحمّد يتحرك ببطء، وخطواته على الأرض بدأت تتحول شيئًا فشيئًا إلى خطوات على صفيح ساخن من هول ما رآه، وزاد الأمر ألمًا صعوبة ما سمعه بعد ساعات من تواجده، فقد عرف قصة كل شخص فى هذا المكان؛ لقد روى له أحدهم أنّه كان أحد أسرى 67، وأنّه حينما أحاط بهم الصهاينة رفضوا التسليم، وظلّوا يقاوموا ببسالة، مُكبّدين العدو خسائر لا حصر لها، حتى أنّهم طلبوا إمدادات مرتين أو ثلاث، لكن نفاذ الذخيرة جعل سقوط الحصن أمر حتمى، وهنا قام الأعداء بدّك الحصن بالطائرات أولاً، حتى لاتكون خدعة، ثم دخلوا ليأخذوا الجميع أسرى، وفى الطريق تعرّفوا على الضبّاط والعساكر، فما كان منهم إلا أن قيدّوا الضّباط ورصّوا أجسادهم بجوار بعضهم البعض، ثم قاد أحدهم الدبابة ليمر فوقهم، لقد قتلوا أسرى عُزل، وخالفوا جميع الأعراف والأديان.

وهنا زرف الجندى دمعة ظل يمنعها من النزول طوال فترة حكيه.. وسمع مُحمّد قصة آخر قتل الأعداء زملائه بعد أن جعلوهم يحفرون قبورهم بأيديهم، وحكى له ثالث عن إطعامهم قشر البرتقال والموز لأيام طويلة، أما الرابع فقد كشف له عن ظهره ليُريه جراح السوط التى لم يكتف الأنذال من ضربه به مسببين هذه الجروح، لكنهم وضعوا على الجروح الملح لكى يتضاعف الألم.

اقترب شاب لم ينجح التعذيب في إطفاء بريق عينيه من مُحمّد وهو يعرج، ثم أمسك بيده بقوة جعلته يتذكر أبو زيد ابن عمه، وقبضته العسكرية الفولاذية، ثم تساءل بداخله فجأة عن مصير ابن عمه وصديقه فى الكفاح .. لكن سرعان ما استعاد انتباهه حينما ربت هذا الشاب على كتفه هامساً: "لاتظن أنّ الأعداء يفعلون شيئًا بالصدفة أوعبثاً، إنّهم يخططون لكل حركة أو كلمة .. لقد وضعوك معنا نحن الأسرى حتى نحكى لك ما حدث لنا من تعذيب، وترى بعينك أثر ذلك فتنهار مقاومتك، وتحكى لهم ما تعرفه، أو تتعاون معهم فى الفترة القادمة، .. لكن كنّ ذكيًا كما تقول ملامحك، فلا تسقط فى الفخ .. تحمّل وإنّ لم يصلوا إلى شيئ سيتركونك.

- وماذا عن المصرى الموجود بالداخل؟

- إنّه مصرى يهودى، عاش مع والديه فى مصر حتى بلغ الخامسة عشر، ثم خرج منها بعد قيام الثورة، ويستغل اليهود اتقانه للعامية المصرية فى التأثير علينا، وأحياناً يعمل مترجمًا؛ فهو يُتقن عدة لغات بجانب العربية والعبرية.

أغمض مُحمّد عينيه لثوان، وكأنّه يراجع ما قاله الشاب ليحفظه جيدا،ً ثم صافحه مغادراً، وقد أعادت كلمات الشاب إليه كل ثقته بنفسه.

الجزءالاخير

الامتحان

يد قوية انتزعته من مكانه ثم دفعته لجنديين ضخمين كجنود العمليات الخاصة، فحملاه من ذراعيه وسارا به دون أن تلمس قدماه الأرض .. كان الأمر مؤلمًا بعض الشئ، لكن مُحمّد تحمّل حتى لا يشمتوا فيه، وبعد قليل ألقوا به فى غرفة بها ما يقرب من خمسة أجهزة، علم فيما بعد أنّها جميعاً مخصصة للتعذيب، كانت الغرفة تبعث على الرهبة، يشعر من يدخلها بغربة مصاحبة لبرودة تسرى بداخله، ويزيد من هذا الإحساس ذلك الماء الذى يُغطىّ أرضية الغرفة.

جلس مُحمّد على مقعد خشبى أمام رجل، سلط على وجهه منذ جلوسه ضوءًا مبهرًا وبدأ يسأله بعربية ركيكة

- هل تعمل مع الجيش المصرى؟

- لا.

- هل سبق وأمسكت سلاح فى حياتك؟

- لا؟

- ما سر الإصابات الموجودة فى ساقك.

- شظايا من لغم أثناء لعبى مع أخى.

- هل أطلقت النار على جندى إسرئيلى من قبل؟

- لا.

- هل تحب الإسرئليين؟

- لا.

- لماذا؟!

- لأنّهم قتلوا أخى.

- هل ستتعاون معنا.

- فى ماذا؟!

- تقول ما تعرفه عن الصاعقة المصرية، التى تأتى إلى عمق سيناء.

- لا أعرف أى جنود.

- إذاً أنت لست متعاونًا.

- لا أعرف أي شئ.

- سأجعلك تعرف.

كانت الجملة بمثابة إشارة للحارسين للإمساك بمُحمّد، ثم بدأ تعذيبه .. كهرباء . مواد كيماوية على يديه، جلد بالسوط، منعه من النوم أو الأكل أو الشرب، وسائل عديدة وقاسية، لكنها جميعاً فشلت فى جعله ينطق بحرف واحد.

توقف الحرّاس عن تعذيبه، ثم حملوه مرة أخرى إلى كهف، اخبروه أنّ اسمه هو كهف الجحيم. وهناك وجد أنّ اسمه هذا لم يأت من فراغ، فلقد كان الكهف موحشًا، به أدوات تعذيب تبدو أكثر تمزيقًا للأجساد وفتكًا بها، لكن الأكثر إيلاماً هو ذلك الشاب المُعلّق فى سقف الكهف، من أحد أقدامه، وقد أخذ وجهه ينزف دمًا رأى محمد ذلك في الضوء الخافت الذي سُمح له بدخول الكهف.

كهف الجحيم

مرّت أيام لم يعرف مُحمّد عددها، كل ما يعرفه هو فتات خبز عفن، يقدمه إليه جندي ،إلي جانب وجبات أخري عديدة من التعذيب والاستجواب، كان الصمود هو السمة السائدة فيها ... لكن في أحد الأيام دخل أحد الضباّط إلي الكهف، ثم أنّزل مُحمّدا والشاب المعلق من قدمه، ثم قدم لهم طعامًا يبدو شهيًا، وسط دهشة مُحمّد ورفيقه، لكنهما لم يستطيعا مقاومة الرائحة الشهية للطعام، وبعد أن تناولا الطعام سألهما الضابط إن كانا يعرفان سبب إحضاره لهذا الطعام؛ فلم يجد إجابة فقال للرجل: "إنّكم في مصر تسألون المحكوم عليه بالإعدام عمّا يريد قبل تنفيذ الحكم " ثم صمت للحظات مرت كالدهر قبل أن يستطرد موجهًا كلامه للشاب: " لقد حكمت عليك بالإعدام، ورأيت أنّ أُقدّم لك وجبة شهية"

ذرف مُحمّد الدموع قبل أن ينهض ليقئ كل ما أكله، في حين بدا الإحباط الشديد علي زميله الذي ظل يأكل، وكأن الأمر لا يعنيه، وسط سخرية الضابط وبكاء مُحمّد، ثم غادر الضابط معلناً أنّه سيُنفّذ حكم الإعدام بعد نصف ساعة.

ظل الصمت هو المتحدث الوحيد لمدة ربع ساعة، قبل أن يأخذ الرجل المحكوم عليه بالإعدام نفساً عميقاً ثم يهمس لمُحمّد:

- أنا ميت ميت، لكن لديّ أسرارًا خطيرة، أريد إيصالها للجيش المصري.

- أسرار؟

- نعم فأنا ضابط مقاتل في الفرقة التاسعة عمليات خاصة، هل تعرف أحدًا من رجالها؟

- لا.

- هل تعرف أيًا من رجال القوات الخاصة أو العملاء، إنّها معلومات غاية في الأهمية، وأنا سأموت ... ولا أريد أن تموت معي.

فكّر مُحمّد للحظات، ثم تذكّر كلام ذلك الشاب الذي أخبره أنّ الصهاينة لا يفعلون شيئًا إلا بتخطيط، ثم سأل نفسه عن سبب إحضاره لهذا المكان، فلم يجد إجابة شافية، ما حدث معه كان من الممكن أن يحدث معه في المعسكرات أو حتي في الزنزانة، وهنا أدرك مُحمّد أنّه فخ نُصب له بعناية

ناداه الأسير مرة أخرى بتوسل

- أرجوك سأموت، هل تعرف أحدًا؟

- لا.. لا أعرف أحدًا، ولن أستطيع مساعدتك.

قالها مُحمّد بحسم، وهنا دخل الضابط الاسرائيلي، لُيخرج مسدسه، ثم يُطلق رصاصة علي صدر الأسير؛ فينطلق الدم غزيرًا من صدره ويفارق الحياة.

شعر مُحمّد بالأسي يعتصر قلبه علي هذا الشاب الذي قتله الأعداء بدم بارد، ثم شعر بتأنيب الضمير؛ لأنّه تخاذل عنه ولم يسمع سرّه ليُوصله لزملائه، لكن كل هذه المشاعر ما لبثت أن تبددت وذلك بعد أن دخل أحد الجنود بعد ما يقرب من نصف ساعة وجذب الشاب القتيل من ملابسه باستهانة، لكن قوة ملاحظة مُحمّد مكّنته من رؤية شيئين، الأول هو ذلك الكيس الموضوع داخل ملابسه والمملوء بسائل أحمر يشبه الدم، والثاني هو صدر الشاب الذي يعلو وينخفض، ما يدل أنّه يتنفس، وهنا حمد مُحمّد الله علي أنّه لم يقع في هذا الفخ المحكوم بدهاء.

الفرج

أنفه ينزف، ويده تقطر دمًا، وعددًا من ضلوعه يؤلمه، هذا بالضبط ما كان يشعر به مُحمّد حينما اصطحبه الضابط ذا الملامح المصرية واللغة العربية، كان شعورًا باليأس من الخروج من هذا الكابوس في وقت قريب قد بدأ يدب في نفس مُحمّد، وحينما كان الضابط يمسكه من ذراعه بعنف وينقله من كهف الجحيم إلي زنزانة انفرادية مرة أخري حدث مالم يتوقعه مُحمّد، إذ مال الضابط قليلاً نحوه وهو يهمس

- يبدو أنّك عانيت كثيراً من هؤلاء الوحوش.

- تتحدث وكأنّك لست أحدهم.

ضحك الضابط مجلجلاً، فزاد غضب مُحمّد وحنقه من السعادة التي يبديها الضابط، لكن هذا الأخير عاد يهمس ثانيةً

- إنّك لم تسألني عن اسمي.

- وبما سيفيدني هذا؟ الكلب كلب حتي لو كان اسمه أبو السباع.

عاد الضابط يضحك مجلجلاً، وكأنه أحد أبناء الصعيد، ثم قطع ضحكته فجأة ورسم علي وجهه الجديه وهو يقول

- لست أبو السباع ولكن اسمي فرج، وأنا لست عدوًا ولكنّي صديق لك وللضابط خالد.

خفق قلب مُحمّد وهو يسمع اسم الضابط خالد لكن سرعان ما عاود الحذر

- أنا لا اعرف عمّن تتحدث.

- هل سينجح الفأر وعملية مخزن الذخيرة في تذكيرك؟

- ماذا ؟

قالها مُحمّد بدهشة حقيقية.

- لا أريد منك سوي الصبر، وسنقوم بإخراجك من هنا قريباً إن شاء الله.

وصل الضابط بمُحمّد الي المبني ليُسلمّه إلي جندي آخر أمسكه بعنف؛ ليُلقي به في الزنزانة الانفرادية الضيقة، لكن مُحمّد لم يكن يشعر بضيقها، أو بأنّه وحده، كان يحس أنّ هناك من يفكر فيه ويسعي لنجدته.

الصفقة

دخل الشيخ عبدالرزاق إلي المعسكر وسط أربعة من الجنود الصهاينة، وبعد تفتيشه بدقة، تم إدخاله مع الضابط "فرج" إلي قائد المعسكر، حيث رفض الشيخ الحديث إلاّ معه شخصياً، وأمام القائد وقف الشيخ عبدالرزاق يبكي علي الظلم الذي لحق بابنه، وكيف أنّه يحاول منذ أن فقد ابنه الأصغر إبعاد مُحمّد عن أي شيء خطر، وبالتالي ما كان ليسمح له بقتال الاسرائيليين.

لم يبد القائد أي تأثر بكلام الشيخ، وإن كان عقله قد عمل في الاتجاه الذي يريده الشيخ، وهنا دلف هذا الأخير لصميم الموضوع، حيث أخبر القائد عن رغبته في إبرام صفقه معه، يدله بموجبها علي مكان مخزن للذخيرة من مخلفات الجيش المصري، وهو ما يعّد بالنسبة للجيش الاسرائيلي صيد ثمين، حيث اعتاد الفدائيون علي استخدام مثل هذه المخازن في هجماتهم علي اليهود.

اقترب الشيخ من القائد الذي سرعان ما تحسسّ مسدسه، خاصةً أنّ الشيخ كان يُقلّب في ملابسه، وتبدّد قلق القائد حينما قدّم له الشيخ عملة ذهبية ضخمة، لم يتمالك القائد نفسه أمامها، حيث أمسك بها، ولعابه يسيل علي قيمتها التي لا تُقدّر.

ابتسم القائد وهو يدس العملة في جيبه، وأشار للضابط أن يصحبه للإفراج عن ابنه، بعد أن يتأكد من موضوع مخزن الذخيرة.

بداية جديدة

كانت السماء أصفي من كل يوم، والشمس تحنو علي الأشجار بأشعتها الدافئة، والشيخ عبدالرزاق يقف أمام المعسكر، يُمنّي نفسه بلقاء قريب مع ابنه الحبيب، انفتح الباب ليدخل معه شعاع أمل الي قلب الشيخ، وما لبث أن خرج مُحمّد للنور مرّة أخري.

كانت محنه بكل معاني الكلمة، لكنها أيضاً صقلت شخصية مُحمّد وعزيمته، وفي الطريق للبيت شكر مُحمّد أباه علي ما فعل، وواسي الأب ابنه علي ما حدث له، لكن ظل الاثنان طوال الطريق يتناقشان في أمر مخزن الذخيرة، محاولين الوصول إلي مبرر له.

لم يكن الشيخ بالتأكيد يعرف مكانه، لكن أحد الرجال آتاه قبل يومين، ليُخبره بأمر المخزن ثم أعطاه العملة الذهبية، وطلب منه أن يقوم بما قام به، ظلّ الاثنان طويلا يحاولان حل لغز هذا الرجل، إلي أن وصلا إلي البيت، وهناك كانت الإجابة.

لقد كان الضابط خالد في انتظارهم بالقرب من الدار، يرتدي ملابس البدو ويجلس بجوار جمله، وبعد أن تعانق الجميع، وحمد كلاً منهم الله علي سلامة الآخر، ودخلوا إلي الدار ليتحدثوا بحرية أكبر، ويتناقشوا فيما حدث، وربما فيما سيحدث.

كان الأعياء واضحًا علي مُحمّد، ونظرات خالد ترعاه في شفقة، وكلماته تبث في روحه الطمأنينة، التي افتقدها لأيام وليالي.

قطع الشيخ عبدالرزاق الصمت سائلاً خالد عن مخزن الذخيرة، وكيف أنّهم سلمّوه لليهود بهذه البساطة، رغم أنّهم كانوا في حاجة إليه، أوعلي الأقل كان يجب إخلاء جزء منه، ويسلمونهم الباقي.

ابتسم خالد من كلام الشيخ ،الذي آلمه وصول الاسلحه للأعداء -حتي لو كان ذلك سينقذ ابنه- ثم شرح الأمر قائلاً إنّ الأعداء يعرفون هذا المخزن لكنهم تركوه ليكون فخًا للفدائيين، فهم يرصدونه حتي إذا همّ أحد بأخذ أي قطعة سلاح منه يلقون القبض عليه، ولأنّنا قمنا بالإبلاغ عنه فهو لا يشكل مكسبًا حقيقيًا لهم.

صفّق مُحمّد علي ذكاء الضابط خالد، وهنا تنهد الشيخ عبدالرزاق وهو يقول: "إذاً أعطيانهم هذه العملة الأثرية فقط".

ضحك الضابط خالد مرّة أخري قبل أن يستطرد "وهذه العملة أيضًا لا قيمة لها،" فهي مُزيّفة ولا تساوي شيئًا، إنّها ليست ذهبية، فقط مطلية بماء الذهب."

نهض الشيخ ليحتضن الضابط خالد، وهو يقول: "الحمد لله إنّهم لم يكسبوا شيئًا"

دفء البيت

كان الطعام شهيًا للغاية، ربما لأنّها المرة الأولي منذ اعتقاله يأكل بهذه الشهية، وربما لأنّ أباه الحبيب وصديقه الضابط يشاركانه الطعام، المهم أنّه استمتع بوجبة شهية من صنع يدي والدته، وتلاها الشاي الرائع قبل أن يُعاود الضابط خالد الحديث مرّة أخري، لكن هذه المرّة فارقت وجهه الابتسامة، وحلّ محلها جديته المعهودة، قدّم خالد بحديثه لمُحمّد أنّه قام بما لم يقم به أي شخص في مثل سنه، وأنّه كافح وعاني كثيراً من أجل تحرير الوطن.

أدرك مُحمّد علي الفور أنّ أمراً جللاً ما سيحدث، وأنّه سيكون من صانعي الأحداث فيه، فقاطع خالد بأدب شديد، قائلاً:

"لا داعي لهذه المقدمات، فلقد علمتنا أنّ الوقت مهم للغاية"

أدرك خالد أنّ مُحمّد بذكائه، استنتج ما يريده، وأنّه وفّر -كعادته- عليه شرحًا طويلاً فقال: "هل أنت جاهز للقيام بعملية فدائية، نسبة النجاة فيها 10% فقط؟"

ارتعدت فرائص الأب قبل أن يتمالك نفسه، وينظر مرّة أخري لابنه منتظرًا رده.

"جاهز للتنفيذ" نطقها مُحمّد بصرامة لا تخلو من اندفاع الشباب.

- قبل أن تعرف المهمة.

- طالما تم ترشيحي لها، فبالتأكيد أنتم تعلمون أنّني قادر علي تنفيذها.

- مهما كان حماسك، يجب أن تعرف المهمة وكل أبعادها، قبل أنّ تقرر شيئًا.

- وهو كذلك، مع العلم أنّي قد أخبرتك برأيي.

أخرج الضابط خالد مظروفًا أصفرًا كبيرًا، ليضعه أمامه، وهنا استأذن الشيخ ليدعهما لمهمتهم، ويخرج هو لآمر آخر.

كانت الأوراق عبارة عن خرائط لسيناء، بالإضافة إلي صورة لطيار إسرائيلي، سرعان ما اكتشف مُحمّد الشبه الشديد بينهما، وهنا بدأ رأس مُحمّد يعمل بسرعة أكبر، وتوالت الصور والأحداث أمام عينيه، ثم أخرج زفيرًا ساعد علي تنظيم أنّفاسه قبل أن يقول بهدوء -لا يتناسب مع دقات قلبه المتسارعة- :"هل تُريدني أنّ أُحلّ محل هذا الضابط" لمعت عينا الضابط خالد ثم ابتسم ابتسامة ارتياح وهو يقول: " لقد اختصرت نصف الطريق أيها البطل"

بدأ الضابط خالد يتحدث عن المعابر في سيناء، وهي عبارة عن ممرات بين الجبل، وهناك عقيدة عسكرية راسخة تقول أنّ في حالة حدوث حرب في منطقة كسيناء، فإنّ من يستولي علي المعابر، فإنّه يصبح صاحب الكلمة العليا في الحرب، والمُسيطر علي مجريات الأمور، وبالتالي فإنّ أهمية هذه المعابر، تٌعدّ في أعلي مراتب التحكم في الحرب.

قال مُحمّد مفكراً: "لكن اليهود لم يتركوا شيئًا علي حاله في سيناء خلال السنوات الخمس التي احتلوها فيها، لقد غيرّوا كل شيء، حتي أنّهم استقطعوا بعض الأجزاء من الجبال"

هزّ خالد رأسه مؤكداً علي كلام مُحمّد، وقد علت وجهه مسحة من الحزن.

فجأة وأثناء الحديث حدثت هزة عنيفة، مصحوبة بصوت انفجار أصمّ الآذن.

سر الانفجار الرهيب.

خرج مُحمّد من البيت بأقصي سرعة باحثاً عن أبيه، ومستطلعاً ما يحدث في الخارج، وأسباب هذا الانفجار المُدوّي، تاركاًَ الضابط خالد غارقاً في بحر من الحيرة، فهو لا يستطيع الخروج حتي لا يراه أحدًا، ويرغب في معرفة سر هذا الانفجار الرهيب.

بعد دقائق من عدوه في اتجاه صوت الانفجار، شاهد مُحمّد أعمدة الدخّان تناطح السحاب، لتصل الجبل الشرقي بالسماء، وبالرغم من أنّ ذلك الدخان الأسود يبعث علي الانقباض، إلاّ أنّ مُحمّدا شعر بشئ من السعادة، لأنّ هذا المشهد مرتبط معه دائماً بعملياته ضد الأعداء، وبانتصاراته عليهم وتحطيمه حصون ذخيرتهم، توالت الانفجارات الواحد تلو الآخر، مما أكّد حدس مُحمّد وخالد معاً أنّ هذه الانّفجارات القوية ناجمة عن انفجار عربة ذخيرة، أو ربما .. مخزن.

تهلل وجه مُحمّد وهو يقابل والده القادم نحوه راكباً جمله، ولكن الغريب أنّ والده كان يحمل صقره "القنّاص" .. إنّه ليس موسم الصيد؟

ربت الاب علي كتف ابنه الذي تسلق الجمل بخفة ليجلس أمام والده ويقود الجمل، إنّه كثيراً ما يستخدم هذه المهارة في ركوب الجمل دون أنّ يُنيخه.

"قلبي يحدثني أنّك وراء هذا الانفجار يا أبي" قالها مُحمّد دون أي مقدمات.

ضحك الأب بملأ وجهه، قبل أن يشير علي مكان قلب ابنه من ظهره وهو يقول

- صدق قلبك ياولدي، فهو لا يعرف الكذب.

- هل هو مخزن الذخيرة؟

- نعم ... ما كنت لأترك سلاحنا في يد أعدائنا.

- متي وكيف؟

- حينما طلب مني الضابط إلقاء نظرة علي المكان، دون أن آخذ منه شئ، حتي أستطيع وصفه جيداً ... - كما علمنا بعد ذلك أنّه كان يريد لمن يراقبوا الموقع، أن يروني حتي يكون لكلامي مصداقية لديهم- حينها قمت بمدّ خيط من لغم داخل المخزن، ثم ربطت في هذا الخيط الريش، الذي أقوم بتدريب الصقر به علي الصيد، وأثناء خروجي من المخزن أسقطت الريش عند مدخله، بحيث يستطيع الصقر رؤيته.

- يا لك من عبقري. قالها مُحمّد بأدب شديد.

ابتسم الأب ثم استطرد:"كنت أُلقي نظرة من وقت لآخر على الموقع، لأنّي عرفت أنّ الصهاينة سينقلونه، طالما أخبرتهم عنه، واشتهر أمر معرفتهم به لدى البدو"

- لم ترد تفجيره فقط.

- نعم كنت أريد حصاد مجموعة من خبراء المتفجرات في جيش الأعداء، وحينما شاهدت سياراتهم العسكرية أمام باب المخزن اليوم، أطلقت قنّاص ليحضر الفريسة، وما إن جذب الريش محاولاً الطيران به حتي... بوووووم

العملية الكبرى

صفّق الضابط خالد ثم انحني بطريقة مسرحية أمام الشيخ عبدالرزاق، الذي ضحك من رد فعل خالد، وهو يحكي له عن عملية مخزن الذخيرة، ثم بدأ بتضميد جراح الصقر الذي أصابته بعض الشظايا.

"إنّكم أذكي عائلة شاهدتها في حياتي" قالها خالد بصدق شديد.

رد مُحمّد بهدوء: "كل ما في الأمر، أنّنا نؤمن بقضيتنا ونسعي لكسبها"

نهض الشيخ عبدالرزاق من مكانه، وهو يُشمّر ساعديه وقال "سأُصلي ركعتين لله، أشكره علي توفيقي، وأدعوه أن يوفقكما فيما تفعلا"

أعادت هذه العبارة مُحمّد وخالد إلي حديثهما قبل الانفجار، فعادا إلي غرفة مُحمّد، دخل خالد في الموضوع مباشرة، فتحدث عمّا سيواجهه مُحمّد من مخاطر، تختلف تماماً عن أي مخاطر سابقة، وتحدّث عن التدريبات الشاقّة التي سيقوم بها مُحمّد، والتي قد تمتد إلي أكثر من شهرين.

قام مُحمّد منتصباً أمام الضابط خالد مؤدياً التحية العسكرية، مُعلنًا استعداده لأي تدريبات، وأي مهمة، وأي مُخاطرة.

قلّب الضابط قلمًا كان يمسكه بطريقة من يعمل عقله في أكثر من اتجاه، ثم أسند ظهره إلي ظهر المقعد ليُتيح لصدره التنفس بحرية أكبر ثم بدأ يسرد: "العملية بالتحديد هي دخول مبني الطيارين بمطار العريش، والاستيلاء علي خرائط الممرات الموجودة في حقيبة، يقومون بتسليمها للطيارين أثناء المحاضرات، ثم يُعيدها الطيارون بدورهم، بعد انتهاء المحاضرات لقد لاحظنا ذلك الشبه الذي كاد أن يصل إلي التطابق بينك وبين هذا الطيّار، لذا فكّرنا في دخولك الموقع بدلاً منه، في أحد أيام التدريب بعد أن نقوم بتأخيره، أو تدبير غيابه، المُهم أنّك ستدخل إلي دورة المياه، ثم تستولي علي الخرائط وتضعها في جيب سري في سترتك، وتُكمل المحاضرات، ثم تُغادر بعد تسليم الحقيبة، في الأسابيع القادمة سيأتي إلي هنا خبراء يعملون علي صقل لغتك العبرية، بالإضافة إلي خبراء الطيران، ليجعلوا منك طيارًا ممتازًا"

ضحك مُحمّد وكذلك خالد الذي استطرد: "نظرياً طبعاً" ازداد ضحك الاثنان قبل أنّ يُكمل خالد: "ستعرف كل شئ عن الطائرات وتسليحها، وأنواع الأسلحة، والمطارات وأرضياتها، وممراتها وكل شيء، لكن هذا يتطلب منك عقلاً يقظًا وذاكرة فوتوغرافية"

- ستجدني إنّ شاء الله علي قدر المسئولية.

- بقي أن تقوم بحلق شاربك يومياً طوال شهرين، حتي يُصبح كثيفًا كشارب ذلك الطيار.

- وهو كذلك.

خلية نحل

هذا بالظبط ما تحوّل اليه بيت مُحمّد طوال شهرين وبضعة أيام؛ فلقد كانت التدريبات - والتي غالباً ما تتم ليلاً- تشمل تدريبات في التمثيل حتي يتمكن مُحمّد من تقليد الطيار الإسرائيلي، كما تم صقل لغته العبرية مع الحرص علي تعليمه بعض تعبيرات اليهود الشرقيين (السفرديم ) كما يطلقون عليهم، وهم مختلفون عن اليهود (الأشيكناز) الغربيين الذين يُكثرون من إدخال مصطلحات انجليزية، كان اجتهاد مُحمّد الذي لم يفتر يوماً محل إعجاب كل من يتعامل معه، وأخيراً جاءت تدريبات الطيران، التي حدثّه عنها الضابط خالد، وهي التدريبات التي كان يخشاها الضابط خالد -وكذلك خبير الطيران- حيث تحتوي علي مصطلحات كثيرة لم يألفها مُحمّد، كذلك كانت الأمور الخاصة بتكوين الطائرات أكثر تعقيداً، ذلك أنّ مُحمّد لم ينل قسطًا كافيًا من التعليم، لكنّه وكعادته كان يملك طاقة جبّارة تدفعه لتحقيق هدفه، وذكاء يبدو في كثير من الأحيان خارقًا.

هرولت الأسابيع، وجرت الأيام، وجاء يوم العملية سريعاً، وكأنّه لم يكن متوقعًا، رغم تحديده بدقة من أول يوم.

كان مُحمّد مستعدًا عقلياً ونفسياً تماما،ً ولم يبق من تدريباته شيء سوى إلقاء نظرة علي صور لموقع الطيارين، وقاعات المحاضرات حتي يدخل المكان وهو يعرفه تماماً.

كان رأي الضابط خالد أن مشاهدته لهذه الصور قبل العملية بدقائق، يجعله يألف المكان ويشعر عند دخوله أنّه كان هنا منذ لحظات، وهذا ما حدث بالفعل.

ساعة الصفر

قبل ساعة الصفر بدقائق، كانت سيارة نصف نقل تقف خلف تبة مرتفعة علي بُعد أمتار من مبني الطيارين، ارتدي مُحمّد ملابس الطيار وأمسك بحقيبته، ثم تلا سورة الفاتحة، ودعا الله أنّ يُوفقه ليس من أجل بقاءه، ولكن من أجل تحقيق هذه المهمة لوطنه.

وضع مُحمّد العلكة في فمه، وهو يسير واثق الخطوة في طريقه إلي مبني الطيارين، كانت العلكة لها نكهة النعناع القوية والتي جعلته يشعر بالانتعاش، كما شعر بالثقة، حيث كانت هذه العلكة أحد التفاصيل الصغيرة في شخصية الطيار، استطاع رجال المخابرات رصدها؛ حتي يُصبح الأمر مقنعًا لكل من يتعامل معه.

ابتسم مُحمّد عند الباب لرجل الأمن الذي مد يده بهدوء، ليضع فيها مُحمّد سيجارة، ثم يعبر من البوابة ليتسلم حقيبته، التي عبرت من جهاز كشف الأسلحة والمعادن.

دخل مُحمّد إلي غُرفة الطيارين، حيث فتح دولاب ملابسه ليضع فيه حقيبة يده، ثم يأخذ حقيبة الأوراق، وهنا تعمّد مُحمّد التأخر بعض الوقت حتي لا يتجاذب معه أحد أطراف الحديث، وما إن شعر بأنّ المحاضرة أوشكت أن تبدأ، حتي اتجه إلي قاعة المحاضرات، ودخل مبتسماً ابتسامة أخفاها شاربه الكثيف، لكن وشت بها عيناه، استمع مُحمّد إلي المحاضرة وتبادل النقاش مع زملاءه والمحاضرين، حتي أنّهم علّقوا علي اجتهاده في هذه المحاضرة، مما جعله ينتبه أنّه قد يكون بالغ بعض الشئ، فأخذ حذره و قّللّ حديثه إلي أن انتهت المحاضرة، فبدأ البعض بالتدخين، وأخذ آخرون مشروبات دافئة، فما كان من مُحمّد إلاّ أن تظاهر برغبته الشديدة في الذهاب إلي المرحاض، وهناك أخذ يُفتّش في الحقيبة، حتي وجد الخرائط في جيب سري، فأخذ جميع الأوراق التي رأي أنّها هامة، ثم انتتظر داخل الحمام، حتي بدأت المحاضرة التالية وهنا وضع اصبعه في حلقه، ليتقيأ أمام عامل النظافة الذي ساعده في الخروج من الحمام.

ثم استعان برجل الأمن ليخرجه من المبني، ويوقف له تاكسي، وهنا أشار إليهم مُحمّد بالبقاء وأخبره أنّه سيذهب إلي المستشفي العسكري.

لم يكن أحد ليشك لحظة أنّه ليس اسرائيليًا، فلغته تدل علي أنّه قضى في اسرائيل ما لا يقل عن عشر سنوات، ومناقشاته تؤكد أنّه طيار.

نظر مُحمّد لمبني الطيارين وهو يبتعد عنه، كانت السعادة تملأه، لكنّه كان يبدو للسائق الذي يتابعه في المرآة في قمة الأعياء، وفجأة أمر السائق أنّ يتوقف، مُدعياً أنّه سيقئ، فما كان من السائق الذي خاف علي نظافة سيارته،إلا أن توقف فزعاً، فنزل مُحمّد من السيارة ثم قام بوضع اصبعه في حلقه مما جعل السائق يشمئز، ثم طلب مُحمّد من السائق المغادرة، لأنّه سيعود إلي مبنى الطيارين، ثم قدّم للسائق مبلغًا زهيدًا يتناسب مع المسافة التي قطعها، وهنا عرض عليه السائق متردداً أن يُوصله لمبني الطيارين، ولكن وكأي يهودي في موقفه رد مُحمّد بالرفض، إذ لماذا يدفع نقودًا وهو قادرعلي عبور الطريق وركوب أي سياره تابعة للجيش في طريقها إلي المبني؟

غادر السائق المكان، فاتجه مُحمّد بدوره إلي التبة التي وضع خلفها السيارة النصف نقل، ليخلع ملابس الطيارين ويدفنها، ثم يرتدي ملابس البدوي في ثوان، بعد أن وضع الوثائق والخرائط في مكان آمن بالسيارة.

الفصل الاخير

يُعرف عن الضبّاط دائماً الصلابة ورباطة الجأش، فما بالنا بضابط عمليات خاصة مثل الضابط خالد، ذلك الرجل الذي يواجه الموت يومياً، حينما يتعامل مع الألغام، ويواجهه حينما يقفز بمظلته من طائرة تُلقي به علي ارتفاع شاهق، ليهبط في الظلام في قلب سيناء خلف خطوط العدو، رجل أُصيب بجرح نافذ بجوار قلبه في حرب 67، وظل في بستان الشيخ عبدالرزاق يومين، يُصارع الموت، رجل يُعّد جسمه مثال للرياضي، وشخصيته تبدو أقوي من الفولاذ، لكن كل هذه الصلابة والقوة تلاشتا تماماً، حينما دخل مُحمّد عليه الدار، حيث كان يجلس مع أبيه في انتظاره، والقلق يكاد يقتلهما، دخل مُحمّد ووجهه متهللاً فوق العادة، فأيقن خالد أنّ تلميذه النجيب قد تغلّب علي نفسه، ونجح في مهمته التي قال عنها خالد -في أشد لحظات التفاؤل- أنّ نسبة النجاح بها 10 %. احتضن خالد مُحمّدا بشدة وانهمرت الدموع من عينيه كالمطر، كانت فرحته بعودته أكبر بكثير من فرحته بنجاح العملية، أخرج مُحمّد الخرائط والوثائق من طيات ملابسه بفرح، رافعاً إياها أمام الضابط خالد الذي احتضنه مرّة أخري علي انجازه، وعلي الفور مسح الضابط دموعه، وظهرت علي وجهه ملامح الجدية، وهو يفتح الخرائط ثم يقوم بتصويرها بكاميرا صغيرة، أخرجها من جيبه، صوّر خالد جميع الوثائق والخرائط، وانتظر آخر ضوء، ثم غادر فوراً متجهاً إلي القناة، ليُعبر متجهاً للقيادات لتسليمهم الميكروفيلم.

كذلك غادر الشيخ بناءً علي طلب الضابط خالد ليُسلّم أصول الخرائط والمستندات لعميل آخر في البلدة المجاورة، حتي يقوم بدوره بإيصالها للجيش المصري في حال حدوث أي مكروه للضابط خالد.

جلس مُحمّد علي سريره مسترخياً، يستعرض كفاحه واستشهاد أخيه، لكن قطع عليه تفكيره انفجار محدود أسقط باب البيت مع جزء من الجدران، ليمتلئ البيت بالغبار والدخان، اللذان شكلاً جواً خانقًا، لم يستطع فيه مُحمّد أن يرى حتي يديه، .. ولم يشعر بشئ أو يسمع أحدًا، وفجأة ووسط تلك الأحداث شعر بشيء قوي يصطدم برأسه، ليفقد الوعي تماماً.

فتح مُحمّد عينيه، ليجد نفسه فيما يشبه غرفة عمليات مقيد اليدين والقدمين، وهناك طبيب تنقصه كلمه كافر بين عينيه، ليصبح المسيح الدجال، كان الرجل غاية في القبح والفظاظة، وهو يحقن ذراع مُحمّد الذي وجد نفسه يردد الشهادة، بينما كان الطبيب يقول بعبرية تقطر حقدًا وقسوة: "سنأخذ عينيك لنُعطيهم لضبّاط، تسببت متفجراتك في إفقادهم البصر"

بداية جديدة

تحقق النصر العظيم يوم السادس من أكتوبر، في اليوم التالي لعملية مُحمّد، تلك العملية التي حكم عليه بها الصهاينة ليحرموه من بصره إلي الأبد، لكن خبر عبور القوّات المصريه للقناة جعل مُحمّد يشعر أنّ عينيه كانت هديته لمصر، لتُبصر طريق العبور، وفي المستشفي سمع مُحمّد عن الانجازات العظيمة التي حققتها الضربة الجوية، والتناغم الرهيب في عزف المدفعية والبحرية، وعزف المشاة سيمفونية رائعة، انتهت برفع العلم المصري فوق أرض سيناء بعد أقل من 6 ساعات.

لقد ظنّ اليهود أنّهم لا يُقهرون، وأصابهم الذهول يوم الرابع من أكتوبر حينما ذهب أحد الطيارين إلي صديقه ليطمئن عليه، حيث أخبره الأمن أنّه غادر لأنّه يشعر بقيء وغثيان، وكانت المفاجأة أنّ الطيار أخبرهم أنّه لم يغادر غرفته في هذا اليوم، لأنّه بالفعل مريض فما كان من صديقه إلا أنّ أخبر قائده بالأمر، وتوالت التحقيقات، وشملت الصور التي التقطتهتا كاميرات المراقبة، ليجن جنون الاسرائليين، وكاد الجميع أن يفقد عقله بسبب هذا الزائر الشبح، لكن أحد الجنود بالمبني أخبرهم أنّه يعرف هذا الشاب، حيث كان يعمل كحارس في القاعدة التي كان مُحمّد معتقلاً بها منذ شهور، وقصّ أمر الصفقة التي بمُوجبها أُفرج عنه، وهنا صدر أمر باعتقال مُحمّد، ومعه حُكم علي عينيه بالإعدام.

لم يحزن مُحمّد لحظة علي عينيه، فلقد أكسبه النصر بصيرة يرى بها، وحمد الله أنّه عاش ليحكي لمن يأتون بعده قصة النصر، وما بذله الأبطال في سبيل الله