الجزء الثاني
انتهي خالد والمعروف بين الناس باسم نزار عبد الحميد من خطبة الجمعة وكعادته التي لم تنتهي ظل يقرأ الأذكار بعد انتهاء الصلاة
ثم قام ليسلم ويطمئن على أخبار أحبائه ومعارفه
وعاد الى منزله ليتناول وجبة الغداء في موعدها ولينال قسطه الدائم من الراحة في هذا الموعد
وبعدها خرج الى متجره
جلس فيه لحظة وعينيه تراقبان الصبية الذين يعملون لديه ..
كانت أعمارهم لا تتعدي الخامسة عشرة
يذكر حين حاور أحدهم قائلا له .. (( لماذا لا تذهب الى المدرسة لتتعلم يا على ؟ ))
هز على يده بغير عناية وهو يقول له .. (( ولماذا أتعلم يا شيخ ؟! .. سأضيع عمري ومال أهلي إن كان لديهم مال .. وفي النهاية سأكون مثل أخي محمود نعمل وكأننا لم نتعلم شيئا في نفس المهنة التي أعمل فيها الآن ))
وقتها تعجب خالد بقوة من قول هذا الصبي الذي لا يتناسب أبدا مع عمره ولكنه قال له ..
.. (( وما المانع من أن تتعلم وتكون ذو مهنة تدر ربحا كبيرا كأن تكون مهندسا أو طبيبا ؟؟ ))
قال الصبي بحسرة .. (( يا شيخ أبي مات منذ عامين ولا توجد عندنا أرض زراعية ولا أي شيء وما أحصل عليه أنا وأخي هو ما نستطيع العيش به .. فمن أين نحصل على مصاريف هذا التعليم الغالي ؟؟ ))
رق قلب خالد وشعر بالألم يمزقه .. فحال هذا الصبي ما هو الا نسخة مكررة من ملايين الأسر تعاني الأمرين بسبب ضيق ذات اليد
ولذا لم يجد ما يقوله له إلا أن يربت على كتفه وقوله له .. (( نعم الرجل أنت يا علي يكفي أنك لم تجعل الفقر والحاجة مبررا للحصول على المال من الحرام .. ))
قال الصبي في صرامة .. (( نعوذ بالله من الحرام يا شيخ ..))
وبينما خالد منغمس في أفكاره اذا بفهيم أحد خفراء القرية يدخل اليه وهو يجر قدما ويؤخر الأخرى وينظر الى الأرض ويتمتم بكلمات غير مفهومة ...
نادي عليه خالد مرحبا به وهو يقول له .. (( يا مرحبا بك يا عم فهيم في متجري .. لقد استنار بك .. ))
ارتبك فهيم بأكثر مما كان وهو ينظر حوله في حيرة ولا يستطيع توجيه بصره الى عيني خالد ولم يرد حتى على ترحيبه به
فقال له خالد .. (( ترى ماذا تريد شراؤه مني اليوم .. هيا فأنا أريد أن يتم مباركة مبيعاتي بك .. فأنت رجل طيب ..))
كانت الدموع على وشك الخروج من مقلتي فهيم وهو يقول له في صوت خافت للغاية ..
.. (( في الحقيقة لم آت للشراء .. ))
ضحك خالد وقال .. (( وبالطبع لم تأت للبيع حتما تريد قليلا من الحوار معي .. يا مرحبا بك )) وأفسح له خالد المجلس بجواره
ولكن فهيم قال في ارتباك شديد .. (( أرجوك يا شيخ نزار لا تحرجني ووقع في هذا الدفتر على استلام هذا الإعلام ولا تقرأه الا بعد خروجي .. ))
انعقد حاجبا خالد بقوة
ماذا يعني قوله ؟؟
وما هذا الإعلام ؟؟
ومن أين يأتيه ؟؟
ولكن لأنه بعينيه النافذتيين علم بسبب توتر الرجل الشديد واحراجه منه بأنه حتما شيء غير مقبول
ولكي يخرج الرجل من حرجه وافقه على مطلبه
وقام بالتوقيع
وبعد أن خرج الرجل ..
اذا بعينيه تتسعان في دهشة شديدة
فما كان بالإعلام شيء لا يصدقه عقل
قلب خالد ورقة الإعلام التي بيديه وهو يتعجب هل حقا هو المقصود بهذا الإعلام ؟!!
ولكن الاسم واضح وسليم ولا يوجد بالقرية كلها من يسمى نزار غيره
فقد كان الاعلام موجه اليه من وزارة الداخلية من مركز الشرطة الذي تتبعه القرية .. يطلبونه للتحقيق معه بشأن بلاغ مقدم بشأنه لأنه يسرق سجادات المسجد
للمرة الألف أخذ خالد يفحص هذا الإعلام آملا أن يكون مزحة من أي فرد
ولكنها ستكون مزحة ثقيلة وغير مقبولة
ولكن خاتم الشعار الرسمي للدولة واسم العقيد مأمور المركز يؤكدان بأنها حقيقة
من هو هذا مقدم البلاغ ؟
فالقرية كلها تهيم فيه حبا
وهو لم يؤذ مخلوقا فيها قط
وأيضا لم ير منهم جميعا إلا كل خير
ماجت رأسه بكثير من الأسئلة التي لا جواب لها وعصفت به الكثير من الأفكار
ولم يجد حلا إلا أن يتوجه الى ا. محمد حماد المحامي بالقرية
ذهب اليه ورحب به الرجل أيما ترحيب
وعندما علم ما الأمر ضحك بقوة وقال له .. (( حتما هناك خطأ ما وجاء هذا الإعلام اليك بدلا من قرية أخرى يتبعها المركز .. ))
قال خالد في دهشة .. (( ولكن اسمي مميز وأعتقد من الصعب تكراره ))
قال له ا. محمد .. (( لا تقلق سآتي معك في الغد الى المركز وهناك سنعلم ما الأمر .. ))
قال له خالد .. (( لا داع لتعبك وتعطيلك فحتما الأمر خطأ أو شيء لا قيمة له .. وحينما أحتاجك سأتصل بك باذن الله ))
قال ا. محمد .. (( كما تشاء ولا تقلق حتى لو كان سليما وموجه اليك فعلا فالقرية كلها ستشهد بأنه بلاغ كاذب ))
ابتسم له خالد بامتنان وشكره على مساندته وخرج
وهو يتسائل .. (( ترى من وما الذي ينتظره خلف هذا البلاغ ؟؟ .. ))
ولم يكن يعلم بأن هذا البلاغ ما هو إلا خطوة هينة في رحلة أخرى أشد عجبا وأهوالا أشد خطرا من كل ما لاقاه من قبل
*****
لأول مرة منذ أمد بعيد تخطوا قدمي خالد إلى أحد أقسام الشرطة المصرية ..
والفارق بين هذه المرة والسابقة هو الفارق بين الغروب والشروق بين الماء والنار
في المرات السابقة كان يتم احتجازه حال وقوعه بيد البلدية ومحاضرها .. وبعض المرات بسبب الاشتباه إذا حدث أي حادث بذلك الميدان الشهير بالعريش ..
كان يدخل القسم وهو عالم بأنه مذنب وأنه لا قيمة له وأنه من حق الشرطة أن تفعل به ما تشاء ..
وعلى هذا الأساس كان يجد معاملة تأنف الحيوانات على تقبلها أو تحملها
عدد غير محدود في زنزانة الاحتجاز التي لا تتسع لهم حال وقوفهم
لا يوجد ما يسمي الذهاب للحمامات ولهذا كانت الرائحة بتلك الزانزانة هي إحدى مخلفات الحروب الكيماوية بغاز الأعصاب أو أي نوع آخر من الغازات السامة والخانقة
ولهذا لم يكن يخلو جيبه من علبة من أفخر أنواع السجائر لكي يهديها للجندي أو من يقوم على أمر هذه الزنزانة فيسمح له بالخروج للجلوس على مرأى منه أمامها بدلا من الموت بداخلها ..
وما كان يحدث له كان يعمق بداخله الإحساس بالهوان وفقدان الكرامة وأنه حقا لا وزن له
اذا مات في فراشه سيصبح الميدان بلا أي تغير وسيسير الكون كما هو دون أي إختلال
هذه المرة وبعد تعرضه للزلزال السابق
وبعد التغيرات النفسية والثقافية التي اكتنفته
أصبح يسير بروح غير التي كان يحملها وبنفسية تختلف تمام الاختلاف عما كان عليه في السابق
لم تعد تكتنفه مشاعر الرعب الغير محدود لما قد يتعرض له بالداخل .. وإنما فقط ما كان يعتمل به هي الدهشة من هذا البلاغ العجيب والتساؤل عما ورائه ..
ذهب بالإعلام الذي معه الى أول مكتب وجده وسألهم الى أين يتوجه ؟
وصفوا له المكتب المراد
وهناك كان الضابط غير متواجد
فطلبوا منه الانتظار بالخارج حتى يتم النداء عليه
ظل ساعتين كاملتين يتسائل عما سيلقاه بعد قليل .. ورغما عنه عاد اليه التوتر الذي كان عليه ..
وكأنما هي حالة نفسية تربت بداخلة وأصبحت رد فعل منعكس يعتريه اذا تعرض لنفس الجو المحيط به كما هو الحال في تجربة بافلوف الشهيرة
وأخيرا تم النداء عليه
ذهب وهو يبغي لقاء الضابط ولكن جنديين أمسكا به بقوة وبطريقة يعلمها جيدا واقتاداه الى مكان ما .. كان من الواضح أنهما يعتقلانه ..
حاول خالد أن يستفهم منهما قائلا .. (( ما الأمر ؟!! .. أنا قادم لمعرفة من مقدم هذا البلاغ والتحقيق معي بشأنه .. ))
ولم يلاقي الا الصمت التام ودفعه بقوة الى السير عبر هذا الممر الطويل
قال لهم ..(( حسنا أخبروني ما هي الأوامر والى أين تأخذونني لا أريد أن يتم اقتيادي هكذا كالماشية .. ))
وأيضا لم يجد الا تماثيل مبرمجة على أمر واحد دون التفوه بحرف ..
وأخيرا تم قذفه الى داخل أحد زنازين الاحتجاز وأغلقت عليه باحكام ..
ودهشة خالد تتصاعد الى الذروة .. في كل مرة كان يتم القبض عليه كان يعلم مسبقا ما الأمر وما هي التهمة الموجهة له ..
أما هذه المرة فلا يعرف شيئا .. ندم أشد الندم لرفضه مصاحبة ا. محمد حماد المحامي له ..
ولكنه تذكر أن معه جواله فأخرجه واتصل به ليخبره بما حدث له وأنه حتى لم يلقى الضابط المسئول عنه ..
طمأنه الرجل وأخبره أنه في إحدى المرافعات الآن سينهيها ويأتي اليه مباشرة وأنهما سيعودان سويا للقرية ..
ارتاح خالد لكلامه واطمأن بأنه لم يعد وحده ..
واستدار ليرى مرافقيه في تلك الزانزانة ..
هي نفس الوجوه البائسة التي كان يراها بقسم شرطة العريش
نفس الملامح المنهكة التي تجاهد أن يظهر عليها أمارات الإجرام حتى تليق بمهامهم التي يقومون بها
وكالعادة تقدم اليه كبيرهم طالبا التعرف وهو يسأله في تعجب قائلا له .. (( ماذا الذي أتي بك يا شيخ يبدوا عليك الاحترام ؟!! .. ))
ولأن خالد محترف قديم في أمور زنازين الاحتجاز ويعلم أن الهدف الأول من التعارف بالجدد هو معرفة مدى إمكانية الاستفادة مما معهم .. ابتسم له ابتسامه وضاءة وقال له ..
.. (( كما رأيت جوالي معي ونسوا أخذه مني بسبب التعجل .. سأقوم بتوزيع الرصيد على الجميع بالتساوي وليكن هذا بسرعة قبل انتزاعه مني .. ))
دون حرف واحد التف حوله الجميع
فقال لهم بصوت صارم
.. (( أريد الوقوف في صف واحد حتى لا يضيع الوقت في التنظيم ولا تنالون شيئا ))
وفي أقل من لمح البصر اصطفو
قام خالد بمعاينة رصيد المكالمات لديه وقسمها على عددهم
وأخبرهم أن لكل فرد ثلاث دقائق فقط
تكلموا جميعا الى ذويهم ومعارفهم ليطمئنوهم على حالهم وفي بعض الأحيان ليخبروا أهليهم أين هم وهناك من كان يطلب منهم الطعام أو بعض العلاج أو بطانية
وكما توقع خالد تم انتزاع الهاتف منه بعد ملاحظة التغير داخل الزنزانة والهدوء الشديد المفاجيء ومعرفة السبب
شكره الجميع وشعروا بالإمتنان نحوه فقد كان مقدمه عليهم ذو فارق هائل
وبدأ خالد في التعرف عليهم وكانت هي نفسها التهم وهم نفس المذنبون في كل مكان
وبينما خالد يستمع اليهم ارتفع آذان الظهر
نظر خالد نحوهم وقال لهم .. (( قدمت اليكم خدمة وأطلب منكم مقابلا هل سترفضون ؟ ))
جميعهم أجابوا بالموافقة
طلب منهم صلاة الظهر في جماعة
منهم من صمت ومنهم من هز يديه وتركه وذهب لموضعه وتجرأ أكبرهم وقال له
.. (( عن أي صلاة تتحدث يا شيخ ؟!! .. نحن لسنا في الحرم المكي هنا .. ))
ابتسم خالد بسمته الوضاءة التي أصبحت لا تفارقه وقال لهم ..
.. (( من منكم يعلم قصة سيدنا يوسف ؟؟ ))
لم يرد عليه أيا منهم ..
.. قال لهم (( سأقص عليكم قصة جميلة وشيقة فاستمعو لها )) .. وبأسلوب جذاب ومشوق بدأ يقص عليهم القصص .. وانتهي بقوله .. (( هل رأيتم .. حينما ظن أن أمر نجاته من السجن بيد خادم الملك ظل في السجن بضع سنين .. وحينما لجأ الى الله عز وجل أصبح أحد مساعدي الملك .. ونحن هنا مثله تماما لا معين لنا سوى الله .. هل تثقون بأنه الجبار القوي المتين القادر على كل شيء أم لا ؟؟ .. ))
كانت العيون مشدوهة والآذان مرهفة لأنها تسمع كلاما جديدا عليها ووقعت في نفوسهم موقعا جديدا ..
كلا منهم كان يستعين بقوته أو قوة من يعمل عنده كي يجني ما يريد
وهنا تم تذكيرهم بأمر تناسوه أو احتجب عنهم .. ألا وهو أن الكون بيد اله جبار يجب الثقة في قوته
وعلى الفور ودون تعليقات .. قال له كبيرهم .. (( يا رجال سنصلي الظهر اكراما لهذا الشيخ الجميل ))
حاولو الحصول على ماء للوضوء
والجندي تكاد أن تقتله الدهشة من هذا المطلب ولكنه رفض بالطبع فما كان منهم إلا أن تيمموا واصطفو خلف خالد
ولأول مرة ارتفع التكبير في هذه الزنزانة
*****
انتهي خالد من درسه الذي يلقيه على مرافقيه في زنزانة الاحتجاز في اليوم الثالث له بعد صلاة العصر وجلس يتلقي أسألتهم عن بعض ما قال ..
وهو يجيبهم بكل هدوء وروية وبما يتناسب مع عقليتهم وخلفيتهم الثقافية وهم لا يشبعون ولا يكلون من حديثه
وقد تغير بهم الكثير
كان أغلبهم يعتقد بأن التدين ما هو الا أن تمكث بالمسجد تصلي وتقرأ القرآن
وهو أعلمهم بأن التدين ما هو إلا أن تجعل حياتك محركها في كل أمورها هي تعاليم الله ورسوله
حدثهم عن أن الأجل والرزق بيد الله
ولو طلبوه من غير الله سيسعون في الأرض سعي الوحوش ولن ينالوا الا ما قسمه لهم
أخبرهم بأن باب التوبة مفتوح مهما اقترفوا من الذنوب والآثام ومهما ظنوا بأنه لا رجعة
وبينما هو منهمك معهم في الحوار
أخيرا تم مناداة اسمه
سلم عليهم خالد فردا فردا واحتضنهم
وأشار اليهم مودعا
وانطلق مع الجندي المرافق له
وفي حجرة الضابط النوبتجي كان يجلس محاميه ا. محمد حماد
قال له خالد مازحا .. (( أخيرا انتهت مرافعتك يا ا. محمد في اليوم الثالث .. ))
قال له ا. محمد بحذر وديبلوماسية
.. (( القانون يبيح لهم احتجازك بدون توجيه تهمة لمدة ثلاثة أيام .. والآن التهمة الموجهة لك هي سرقة سجاجيد المسجد ما قولك ؟ ))
قال خالد ببساطة .. (( البينة على من ادعي واليمين على من انكر )) هذه قاعدة فقهية شهيرة
فأين البينة على قولهم هذا ؟
قال الضابط في صرامة (( هذا بلاغ موجه ضدك ))
قال خالد ببساطة .. (( وما هي أدلته على ذلك ؟ ))
قال الضابط له بفراغ صبر (( أخبرني مرة واحدة هل تقر بما فيه أم تنكره ؟ ))
ضحك خالد وقال .. (( بالطبع أنكره وبقوة وأقول لك وأنت تبحث في هذا البلاغ اجمع شهادات أهل القرية كلها عن هذا الأمر .. ))
قال الضابط بكل بساطة ..
.. (( انتهي الأمر .. وسيتم اطلاق سراحك ما لم تكن مطلوبا في قضايا أخري .. ))
قال له محمد حماد باعتراض ..
.. (( إما أن توجه له تهمة الآن وتحتجزه بسببها أو تطلق سراحه .. ))
نظر له الضابط بقوة وقال .. (( يمكنني بقانون الطواريء احتجازه العمر كله للاشتباه فيه .. ماذا تقول في ذلك ؟ .. ))
ارتبك محمد حماد وقال .. (( ولكن حالة موكلي لا علاقة لها بالارهاب وجميع معارفه يشهدون بذلك .. ))
قال له الضابط في عناد وصرامه .. (( أنا أشتبه أن له علاقه بالإرهاب .. ولا يهمني كلام المحافظة كلها عنه .. ما رأيك .. ))
ابتسم محمد حماد في ديبلوماسية وقال ..
.. (( حسنا أقر لك بسلطتك المطلقة .. ولكن رجاء مراعاة أنه العائل الوحيد لأم كبيرة ومريضة وأنا أثق في انسانيتك .. ))
نظر اليه الضابط بصمت ولم يرد عليه
وانما جلس باسترخاء في مكتبة وأمارات الصرامة لا تفارقه
وأجري مكالمة سريعة في خفوت تام حتى لا يتبينون ما يقول ..
ثم أغلق الخط وقال ..
.. (( سأكتب لك أمر اطلاق السراح .. وبهذا لم يعد أمره بيدي .. ولكن هناك أمر اعتقال رسمي من مباحث أمن الدولة فهم يريدونه في قضية كبرى وبالطبع لا يعلم تفاصيلها الا هم .. ))
ونادي الضابط على الجندي ليصحب خالد الى زنزانة خاصة وحده الى أن يتم تسليمه لمباحث أمن الدولة
ووافق الضابط على أن يمكث معه محاميه لنصف ساعة أخيرة ..
كانت الدهشة تكتنف خالد وهو يقول .. (( مباحث أمن الدولة ؟!! .. ماذا يريدون مني .. ولما هذه الطرق الملتوية الكبيرة ؟ .. ))
قال له حماد في وهو يتنهد ..
.. (( في إحدى القرى المجاورة حاولت قوة من مباحث امن الدولة القبض على أحد أئمة المساجد وكان بالمسجد وقتها فاستنجد بأهل القرية عبر مكبرات صوت المسجد
والتف أهل القرية حول تلك القوة ونكلو بهم .. وفي المرة الثانية حاولو اعتقاله فجرا ارتفعت صرخات زوجته وتكرر نفس المشهد .. ولهذا بدء التجديد في وسائل الاعتقال لديهم
بلاغ من مجهول بشأي أي أمر تافه
تتوجه الى قسم الشرطة فيتم تسليمك عبره الى مباحث أمن الدولة
وبهذا تكون قد ذهبت أنت بقدميك اليهم .. ))
قال خالد في دهشة .. (( ولكن تساؤلي هو لماذ يريدونني ؟؟ !! .. ))
ضحك حماد وقال .. (( اذا كانو لا يريدونك أنت مع أنشطتك هذه فمن سيريدون يا شيخ نزار ؟؟ ))
ارتكن خالد الى الحائط وهو يقول (( حسبنا الله ونعم الوكيل .. ))
******
بالرغم من أن ا. محمد حماد غادر خالد وقت المغرب .. إلا أن عملية نقله الى مباحث أمن الدولة لم تتم الا في منتصف الليل ..
وأيضا لم يتم عرضه مباشرة على الضابط المختص
وإنما ظل جالسا على أريكة خشبية بأحد الطرقات ينتظر استدعائه وهو يتمايل مقاوما النعاس بقوة والذي كان يغلبه رغما عنه في أحيان كثيرة وينتفض فور صدور أي صوت بجواره ..
وأخيرا تم استدعائه لأحد المكاتب ..
كان خالد زائغ النظرات يجر قدميه بارهاق شديد وفاقد لأي تركيز وربما كان هذا متعمدا قبل التحقيق معه ..
أشار له الضابط بالجلوس على المقعد المقابل له وأشار للجندي المرافق بالانصراف ..
وما إن أغلق الباب حتى انهمك الضابط في تقليب الكثير من الأوراق أمامه وبين الفينة والأخرى يلقي نظرة سريعة على خالد ليرى رد فعله أو ما هو الانفعال البادي عليه ..
والذي كان ليس سوى التوتر الشديد وهو يفرك كفيه بقوة ..
فهذه هي التجربة الأولي له مع أمن الدولة بمصر .. لقد علم وخبر جيدا كيفية التعامل مع القسم الجنائي .. أما هنا فلا دراية له بما سيتعرض له أو ما ينتظره ..
وأخيرا ألقي الضابط أوراقه جانبا وعاد بظهر الى الخلف وتنهد وقال ..
.. (( مرحبا يا شيخ نزار .. ))
قال خالد في ارتباك .. (( أهلا بك يا افندم .. ))
حدق الضابط فيه بقوة وقال .. (( أعلم بانك عانيت الأمرين في الأيام الثلاثة السابقة وربما لم تتناول فيهم طعاما .. والآن أنت مخير بالذهاب لإكمال مبيتك بمنزلك على فراشك الوثير أو أن تبقى هنا إلى أمد لا يعلمه إلا الله وعلى نفس حالتك السابقة ))
ثم غمز بعينيه وقال .. (( هذا غير الوسائل التي تسمع عنها طبعا لمعرفة ما نريد .. ))
قال خالد في حيرة .. (( سل ما بدا لك وأنا طوع أمرك .. لا يوجد عندي ما اخفيه .. ))
.. (( أنت يا شيخ نزار شخصية عجيبة جدا لم أجد لها مثيلا من قبل .. كل تحقيقاتنا فشلت في تحديد هويتك .. هل أنت إخوان أم سلفي أم جهادي أم أي تيار تتبع من التيارات الدينية على الساحة .. والعجيب أن الجميع يأتي اليك ويتآلف معك من جميع هذه التيارات .. ولست أنكرك بأن هذا أخطر ما يكون .. فنحن نعتمد سياسة ضرب التيارات ببعضها البعض
حتى أن أحد تلك التيارات نجح في تشويه الأخرى في خلال عامين بشكل كبير وفشل الإعلام الرسمي في ذلك عبر عشرات الأعوام .. وحينما تأتي أنت لتوحدهم .. فيجب التوقف عندك .. لذا السؤال الأهم .. من أنت ؟؟ ))
قال خالد ببساطة .. (( أنا نزار عبد الحميد .. رجل مسلم وفقط .. ))
تنهد الضابط بعمق وقال .. (( لا أحب الصدام المبكر هكذا .. لذا سأغير الاتجاه .. أنت برزت فجأة من العدم وجئت الى هذه القرية من مكان مجهول .. وأيضا فشلت تحقيقاتنا عن الوصول الى جذورك .. لذا أريد معرفة تفاصيل هذه الجذور الآن .. ))
ارتبك خالد بقوة .. فقد كان من قبل يخبر الناس بأنه مهاجر في سبيل الله ولم يكن هناك من يبحث عن التفاصيل .. والآن وفي مواجهة رسمية ومع أخطر جهاز أمني داخلي يجب عليه أن يحبك قصته بلا ثغرة وإلا لو تم اكتشاف حقيقته ستكون مصيبة .. وسُيعلن في الآفاق قضية كشف تنظيم سري يهرب الأسلحة الى غزة ويتخابر مع حماس وما إلى ذلك مما تضج به الصحف يوميا .. وعلى أبسط الفروض سيتم محاكمته للدخول والخروج الى غزة عبر طريق غير شرعي كما حدث مع أمين حزب العمل المصري مجدي أحمد حسين الشخصية السياسية البارزة الذي سجن لثلاث سنوات بمحاكمة عسكرية لمجرد أنه ذهب الى غزة وعاد عبر أحد الأنفاق .. لذا لا يمكن أبدا أن يكشف هويته الحقيقة ..
فقال .. (( أنا هارب من ثأر بإحدى مدن الصعيد .. ولأن الغالب هو الهروب الى الوجه البحري فضلت أن أختبيء في مكان قريب وغير متوقع .. بدلا من الدخول في دوامة القتل هذه .. ووهبت حياتي لله .. ))
هز الضابط رأسه بعنف وأصدر صوتا بفمه دلالة أنه يرفض هذا وقال ..
.. (( عيب عليك أن تكذب يا شيخ .. أنت وهبت حياتك لله .. فاجعلها حياة صدق .. لهجتك هذه لا تمت إلى أي لهجة صعيدية أو جنوبية بأي حال من الأحوال .. سأعتبر نفسي لم أستمع لشيء وأنتظر أن تعيد على مسامعي مرة أخرى .. ))
ارتبك خالد بقوة وظهر هذا الارتباك جليا على صوته وهو يقول ..
.. (( هذا لأني ولدت بالاسكندرية وتربيت هناك وبعد وفاة أبي عدت لأجد هذا الثأر فهربت كما أخبرتك .. ))
رفع الضابط حاجبيه في قوة وقال .. (( قصة منطقية .. الآن أعطني عنوانك بالاسكندرية بالتفصيل .. وسوف أتأكد من صدق قولك هذا في الغد .. ولكن تأكد بأنه لو ثبت عكس ذلك عاقبتك ستكون وخيمة .. أم تريد أن تعيد على مسامعي شيئا آخر ؟؟ .. ))
صمت خالد وهو لا يدري ماذا يقول وأخيرا لاحت له محاورته مع ا. محمد حماد حول القانون وجهل الناس به وأن الشرطة في بلدنا تتعمد استغلال جهل الناس به لسلبهم جميع حقوقهم .. فقال في صرامة تناقض التوتر الذي كان عليه سابقا ..
.. (( اعلم جيدا بأن المحامي الخاص بي معه كل الأوراق الرسمية التي تثبت نقلي الى هنا وأني متواجد لديكم .. ويجب توجيه تهمة الى بسبب هذا الاحتجاز .. وأنا اعلم بأن مدة الحبس على ذمة التحقيق هي خمسة عشر يوما ولا يمكن تجديدها الا بأمر من القاضي ولمدتين فقط .. أي انه مهما فعلت لن أمكث معكم أكثر من خمس وأربعين يوما .. ))
ضحك الضابط بقوة وقال ..
.. (( منذ أن صدر كتاب عمر عفيفي المسمى علشان متنضربش على قفاك وتجرأ الناس علينا كثيرا وأصبح الكل يفهم القانون أكثر منا .. ))
ثم مال الى الامام وضرب بكفه على المكتب وقال .. (( ولكن نحن يمكننا في خلال يومين فقط أن نعتصرك ونخرج من داخلك كل الأسرار التي لا تعرفها عن نفسك .. ))
قال خالد في عناد ..
.. (( لو قطعتني إربا لن تحصل مني على حرف إلا برغبتي وإرادتي .. ))
استشعر الضابط في خالد أنه فعلا يعني ما يقول وبأن الوسائل التقليدية لا يمكن أبدا أن تنجح معه .. فعاد الى الخلف وقال ..
.. (( عموما انقلابك هذا قام بتوفير التحقيقات علينا .. وقصتك هذه كاذبة .. وأثق بأن خلفك قضية كبري ستهز الرأي العام .. وأنا لها .. وأعلم كيف سأصل لها .. وسوف ترى ))
ظل الضابط يحقق مع خالد حتى الفجر عسى أن يخرج منه بمعلومة واحدة .. ولكن خالد ظل يراوغه ولم يعطه أي طرف خيط .. وهو يصر على قصته التي فبركها على مسامعه
وأخيرا تم اقتياد خالد الى حجرة منفردة وتم القائه بها .. فما كان منه إلا أن صلى الفجر ومن شدة الإرهاق ذهب في نوم عميق ..
*****
في اليوم التالي استيقظ خالد على استدعائه لمقابلة محاميه ..
وجد خالد ا. محمد حماد الذي قال له (( هل يوجد عليك أي آثار تعذيب ظاهرة .. يمكنني بها قلب القضية على رؤوسهم .. ))
ضحك خالد وقال .. (( العجيب أنه لم يتم تعذيبي فعلا وكان التحقيق راقيا جدا .. ))
قال حماد في تعجب هو الآخر .. (( اذا ما الذي يريدونه منك ؟ .. ))
قال خالد .. (( يريدون معرفة قصة حياتي ومن أين أتيت .. ))
قال حماد ببساطة .. (( وهل لديك ما لا تريد إظهاره ؟ .. أخبرهم بها .. ))
.. (( لقد فعلت ولكنه لا يصدق .. ))
وبينما هما يتحاوران اذا بمفاجئة غير متوقعة ..
كان حماد يتوقع رفض طلبه بمقابلة خالد أو أن يجد آمارات التعذيب عليه أو أي مشهد من مشاهد التعنت المعروفة في أقسام الشرطة وخاصة بمباحث أمن الدولة الغامضة والتي يخشى الجميع مجرد ترديد اسمها ..
ولكنه لم يجد أي شيء مما يتوقع .. وأخيرا كان ينتظر المقابلة الرسمية له ليطلب توجيه التهمة كي يسير في اجراءته القانونية لإطلاق سراح خالد ..
ولكن أتته المفاجأة راغبة بين يديه
فقد دخل عليه الجندي بأمر اطلاق سراح خالد وأنه يمكنه اصطحابه ..
كان خالد في أشد الدهشة باكثر من حماد
ولكن بمجرد سماع الكلام انطلقا فارين من المبني قبل أن يكتشف القائمون على الأمر خطئا وقعو فيه أو أنه حصل تبديل وهذا الأمر كان مقصودا به شخصا آخر ..
ولكن خالد لم يتراءى لذهنه سوى بسمة الضابط في آخر التحقيق وهو يقول له ..
.. (( لقد أعطتيني الثغرة التي كنت أبحث عنها .. ))
فعن أي ثغرة يتحدث ..
هو لم يذكر العريش من بعيد أو قريب
ولم يذكر أبدا أنه سافر خارج مصر
ولكن خالد لم يتمالك الا الابتسام لهذا الموقف العجيب
وأخيرا عاد الى منزله مشتاقا إلى أمه
ولكن ..
عاد ليجد مصيبة عجيبة لم يتوقعها حطت على رأسه
مصيبة لم تخطر له على بال أو لم يستعد لها ..
*****
فوجيء خالد بأمه طريحة الفراش وبجوارها زوجته وأختيه وقد تركتا بيتهما وأزواجهما لرعايتها ..
ارتمي خالد في أحضانها وهو يبكي ويقول ..
.. (( شفاك الله وعافاك أمي الحبيبة .. وسلمك الله من كل سوء ))
ردت عليه أمه بوهن مبتسمة وقالت ..
.. (( الآن ذهبت كل أسقامي برؤيتك يا خالد .. ولا تجزع هكذا إنها بعض التقلصات بمعدتي فقط .. ))
ردت عليه أخته الكبرى بصرامة قائلة .. (( إنها تعاني من التهاب الزائدة الدودية والطبيب وصف لها إجراء عملية استئصالها .. ولكنها رفضت وفضلت تعاطي العقاقير حتى عودتك
.. تقول أنها قد تذهب في غيبوبة التخدير ولا تخرج منها .. وتريد أن تكون أنت آخر وجه تراه قبل لقاء الله .. ))
ربت خالد على رأسها بحنان وهو يقول .. (( أمد الله في عمرك وبارك فيه يا أمي .. الزائدة الدودية يجب اجراء عملية استئصالها بلا إبطاء لماذا تنتظرين والله أعلم بموعد عودتي ؟؟ .. أنت هكذا تنتحرين .. ))
.. قالت له أمه في صوت متهدج .. (( أشعر أنها النهاية يا ولدي .. أنا لم أجر أي عمليات جراحية من قبل .. وأردت أن ألقي عليك السلام قبل ذهابي .. ))
سالت دموع خالد مرة أخرى وهو يقول ..
(( لكل أجل كتاب يا أمي .. وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت .. أرجوك لا تتلفظي بهذه الأقاويل مرة ثانية .. ))
ابتسمت أمه وقالت ..
.. (( ما دمت قد جئت إلي فانا أترك لك المقود لتفعل ما تشاء .. ))
انتصب خالد واقفا وقال .. (( من هو الطبيب المعالج لها ؟؟ ))
قالت أخته .. (( طبيب الوحدة الصحية وهل يوجد غيره ؟! .. ))
قال خالد في اهتمام .. (( سأذهب اليه أولا لأعلم ما هي خطورة حالتها وما المتوجب نحوها .. وبعد ذلك نقرر ما الآتي .. ))
ولم يعارضه أحد في كلامه فاندفع خالد خارجا ..
وهناك التقاه .. رحب به الطبيب وأجلسه وهدأ من روعه وحينما سأله خالد عن الأمر
وكيف يؤجل إجراء هذه العملية ومن المعروف أنها لا تأجيل لها ..
ابتسم الطبيب وقال .. (( هي لم تكن تعاني من الالتهاب المفاجيء لها .. لقد كان التهابا مزمنا .. بمعني أن هذه ليست المرة الأولي التي تهاجمها فيها الآلام بسببها .. ولكن كان يتم تشخيصها خطئا من قبل وتتعاطي المسكنات التي تخفي الآلام وتظنون بأن المشكلة قد انتهت .. وهذا الالتهاب المزمن قد تطول معه المدة ولا تعجل في إجراء الجراحة وإن كان المفضل أن يتم اجرائها للانتهاء من هذه المشكلة .. وحالة أمك مشجعة فهي لا تعاني من أمراض أخرى مزمنة كارتفاع ضغط الدم أو السكري أو أي أمراض قلبية تمنع إجراء الجراحات .. ))
تنهد خالد في راحة وقال .. (( هل تعني بأن حالتها ليست حرجة ؟؟ ))
هز الطبيب رأسه نفيا وهو يقول .. (( على الإطلاق .. ))
سلم عليه خالد ممتنا وتركه وانطلق والأفكار تعصف به ..
ما حدث ليلة أمس غير هين ولا يمكن أن يمر بسلام ..
هذا الضابط لن يسكت وسينقب الأرض خلفه حتى يصل الى الحقيقة
ولو توصل اليها ستكون وبالا عليه
وغير مستبعد أبدا أن يتم استدعائه أو القبض عليه مرة أخري خلال أيام
وقد يحدث هذا في وقت حرج .. أمه حقا في حاجة اليه
الطبيب أخبره بأن الجراحة هي أفضل قرار للانتهاء من هذه المشكلة ..
ماذا لو حدثت مضاعفات أثناء الجراحة ووقتها تم القاء القبض عليه وسط المعمعة ؟!!
لهذا ..
توقر في ذهنه القرار الذي اتخذه ..
عاد الى أمه وأخواته وطمأنهم بأن حالتها ليست حرجة ولكن يجب إجراء الجراحة لها
وأنه لا يأمن إجراء هذه الجراحة لها هنا في الصعيد المفتقر الى الكثير من الإمكانات الطبية التي قد يكون لها حاجة اذا حدثت مضاعفات .. ولهذا سيسافر بها الى القاهرة لإجراء هذه الجراحة هناك ..
اعترضوا جميعا بان السفر مرهق ومتعب لها في حالتها هذه ..
فأخبرهم بأنهما سيسافران بالطيران من مطار الأقصر
وبسبب هذه التكلفة قطع عليهم فكرة أن يشاركه أحد السفر أو مرافقته
وتم الإعداد للسفر
وفي خلال يومين كانت الطائرة تحلق في سماء مصر
وليس إلى القاهرة كما أخبرهم خالد
وإنما الى الإسكندرية
فهذا أفضل في التمويه حتى لا يتبعه أحد أو يعرف مكانه
وكي يتفرغ تماما لأمه ولا يشغله سواها
ذهب مباشرة لإحدى المستشفيات الخاصة
وبعرض الحالة عليهم وعمل الفحوص والتحاليل والآشعات قرروا لها الجراحة
كان هذا بعد أيام ثلاثة قضوها سويا بالمستشفى الفاخر
وأخيرا وقف خالد بجوار أمه وهي راقدة على سريرها المتحرك قبل دفعها الى حجرة العمليات
نظرت اليه وقالت له .. (( لا تهمل نفسك يا خالد وارع أختيك جيدا فلا أحد لهما بالدنيا سواك .. ))
نزلت دمعات خالد على وجنتيه ومال عليها وقبلها وقال لها .. (( أطال الله في عمرك يا أمي .. إنها عملية بسيطة لا تقلقي .. وادعي لي قبل غيبوبة التخدير .. ))
وظل خالد ممسكا بكفيها حتى انطلق السرير مندفعا الى الحجرة
وعينيه لا تفارقان أمه
وهو يشعر بوجل شديد
ظل يردد آيات القرآن الكريم
ويدعوا لها بالسلامة
كان جالسا في صالة الانتظار بين كثير من الناس ولكنه لم يكن يشعر بهم جميعا
فلم تفارق عينيه صورة وجه أمه
وأخيرا برز له أحد فريق التمريض
نادي عليه
اندفع خالد اليه مسرعا ليسأله ما الخطب ..
نظر الممرض الى الأرض وهو يقول .. (( البقاء لله .. ))
كصاعقة هبطت من السماء لتطيح برأس خالد
أو كجبل انهار عليه وحده ليدكه تحته
انسحق خالد وشُل لسانه ولم يستطع أن يفه بحرف
وعينيه متسعتان في تحجر عجيب
فجأة انفصل عن الكون وانفصل الكون عنه
صمتت كل الأصوات
سكنت كل الأشياء
برغم تجربته السابقة مع وفاة شيخه نزار ريان وحمله لجثمانه بين يديه من بين الأنقاض
برغم أنه تلقى درسا بأرض غزة للإستهانة بالموت
إلا أنها أمه
انفصل حبله السري عنها في ألم جعله يبكي ويصرخ وقت ولادته لأنهم انتزعوه منها ومن جنتها التي كان ينعم فيها
وها هو الموت ينتزعها من دنياه الى حيث لا رجعة الا في الآخرة
من الآن لن يسمع دعائها له
ولن يطمئن بسكينته الى صدرها الحنون
لن يجد فيض حبها وحنانها وجزعها لكل نسمه هواء تمسه
لن يسمع صوتها الشجي الطيب الهاديء
سيفتقد كلمة أمي التي لو وزنها بكل كنوز الدنيا لرجحت كفتها
ظل متجمدا متخشبا في موضعه دقائق كأنما هو في مشهد تليفيزيوني وتم توقيفه
وأخيرا قال بصوت مبحوح .. (( ماذا قلت ؟!! ))
وقبل أن يرد عليه الممرض للمرة الثانية اذا بالجو يكفهر مرة واحدة
فقد وقف على جانبيه اثنين مفتولي العضلات وأمسكا بذراعية بقوة وثبتاه في موضعه
وبرز له ضابط أمن الدولة الذي حقق معه مبتسما وهو يقول ..
.. (( كيف حالك يا شيخ خالد علوان .. ما هي أخبار تجارة الحشيش وتهريب البضائع عبر الحدود ؟؟ ))
كان الجو عجيبا لأبعد حد
تجربة نفسية غريبة لم يمر بها مخلوق من قبل
أن يصيبك الحد الأقصى من المشاعر بشكل متتال
فقد كان في قمة الحزن والألم
تلاه قمة الدهشة والذهول واقترنا بقمة الحيرة والخوف والجزع
أمه توفاها الله وهي بالداخل وفي مكان لا يعلم عنه أخوته وزوجته شيئا
وتتمثل له كل مخاوفه حقيقة في أسوأ توقيت ممكن
رغما عنه قال للضابط بصوت مبحوح مغلف بالرجاء ودموعه تندفع من مقلتيه
.. (( أمي ماتت بالداخل .. ))
قال له الضابط .. (( كثرت أكاذيبك كثيرا في الفترة الأخيرة مما يجعلني لا أصدق أي حرف لك .. )) ثم قال في صرامة للرجلين .. (( هيا فلتأخذاه للسيارة بالخارج .. ))
حاول خالد أن يصرخ ولكن تم اقتياده وجره رغما عنه عبر ممر المستشفى
والعجيب أنه رغم لباس الرجال المدني مما لا يظهر أنهم قوة بوليسية
إلا أن أحدا من رواد المستشفى لم يفكر أو يحاول التدخل فيما يرى
وكأن ما يحدث ليس في عالمهم ولا شأن لهم به
وأخيرا ماجت بخالد كل مشاعر الغضب والألم لتدفع بعروقة طاقة لم يعلمها أو يجربها من قبل ..
فدفع ساعدية بقوة لم يكن يعلم بأنها لديه قي صدري الرجلين فخفت قوة قبضتهما عليه بسبب الألم فسحب ذراعية منهما بقوة أكبر واندفع مسرعا عبر طرقات المستشفى وهما خلفه .. ولكن فوجيء بالضابط يقف في آخر الممر مصوبا مسدسه اليه
لم يتوقف خالد عن الجري .. فقد كان الغضب يعمي عينيه ويفقده احاسيسه الأخرى ولم يكن يشعر سوى برغبة قوية في التحرر وتمزيق كل من يعترض طريقه
هدده الضابط صائحا بأنه سيطلق النار إن لم يتوقف
ولكن لم يتوقف خالد ووصل الى الضابط الذي اعترض طريقه بجسده
واذا بخالد يمسك برأسه بين يديه
ويخبطها في حائط الممر بقوة سقط الضابط على اثرها لا يحري نطقا
والعجيب أن الرجلين بدلا من ملاحقته توقفا أمام الضابط يفحصانه
وانطلق خالد بسرعة البرق خارجا من المستشفى
وهو لا يدري ما الذي تركه خلفه
وبعدها بخمس دقائق كانت مباحث أمن الدولة تطوق المستشفى برجالها
وأحاطتها بقوات من الأمن المركزى
واعلنوا مصرع ضابطهم ..
وبعد قليل كانت صورة خالد تذاع عبر وسائل الإعلام المختلفة باسمه الحقيقي خالد علوان
تطلب القبض عليه أو أي معلومات تدل على موضع اختبائه
*****
كليث جريح كان ينطلق خالد وهو لا يدري إلى أين تقوداه قدماه ..
كان مشوش الذهن خالي الوفاض منفصل تماما عن كل ما يحيط به
لم تتوقف دموعه عن الذرف والسيلان على وجنتيه
كان يحوطه الألم والحزن والخوف
أغلى البشر فقدها والأبشع من ذلك لا يستطع إلقاء نظرة الوداع على جثمانها ..
بل وبسبب حذره الزائد وقع في معضلة جديدة ..
لا أحد من أهله يعلم موضعها وأين هي ..
أي أنها قد تدفن في مكان مجهول لا يصل اليه أبدا بعد ذلك ..
في مكان ناء لا بشر فيه جلس خالد متهالكا ووضع رأسه بين يديه ويكاد الصداع أن يعصف به ..
ماذا يفعل الآن ؟ .. وما هو التصرف الصحيح ؟؟ ..
أهم شيء الآن أن يعود جثمان أمه الى أخواته ..
وكيف يفعلها ؟ .. لا يوجد الا الإتصال بهم وإخبارهم بذلك ..
ولأنه يعلم جيدا أنه من السهل التوصل لموقعه عبر جواله ورقمه المسجل به ..
قام بنزع شريحة شركة الاتصالات وألقاها بعيدا بعد أن حصل منها على الأرقام التي يريدها ..
وذهب لأحد محلات الاتصالات الصغيرة
وطلب زوج أخته الأول ..
ولشدة عجبه قبل أن يسمع صوت رنين الهاتف صدر صوت صفير غريب وبعدها سمع صوتا يحدثه في حماسة قائلا ..
.. (( اسمع يا خالد نحن نراقب جميع الاتصالات قم بتسليم ... ))
أغلق خالد الخط بسرعة وانطلق مسرعا من موضعه ولم يلتفت الى نداءات الرجل صاحب المحل الذي كان يناديه في سخط طالبا ثمن إجراء المكالمة ..
كبل العجز جميع مشاعر خالد ..
ماذا يفعل الآن ؟
لن يمكنه الاتصال بهم ..
ظل يعتصر ذهنه بقوة بحثا عن حل ..
ولم يكن أمامه سبيل إلا العودة الى المستشفى ..
رغم المخاطر الجمة التي سيتعرض لها ..
ورغم ما يعلم جيدا أن هناك سيلا من التهم منها التجسس والتخابر مع دولا خارجية وما شابه
فهو حتى هذه اللحظة لم يكن يعلم بأن ضربته قد قتلت الضابط
لهذا
قرر أنه سيعود لوداع أمه ولإعلام أهله حتى ولو كان الثمن أن يتم إلقاء القبض عليه ..
عاد خالد أدراجه وكله عزم على رؤية أمه مهما كان الثمن ..
ما إن اقترب من المستشفى حتى وجدها مطوقة بقوات الأمن المركزي
معنى هذا بأنها تحت سيطرة الأمن التامة وبهذا سيتم القاء القبض عليه قبل أن يصل إلى جثمان أمه
وقف خالد بجوار بائع الصحف المتاخم للمستشفى مظهرا أنه يطالع عناوين الصحف وهو يختلس النظر نحو المستشفى ..
ولكن ما شد انتباهه شيئا آخر
فقد كانت صورته واسمه الحقيقي العنوان البارز لكل الطبعات المسائية من الصحف ..
وما أذهله هو خبر مقتل ضابط أمن الدولة على يديه ..
ارتج خالد بعنف شديد
فلم يكن يتخيل بأن ضربته هذه قد تقتل رجلا
ولكنه فعلها ..
تهدلت كتفا خالد وظهرت كل آمارات الأسى والألم على وجهة
لقد أصبح قاتلا
هذا الضابط مهما فعل إلا أنه رجل مسلم له ماله وعليه ما عليه وأعماله يحاسبه عليها الله
قتله بشكل خطأ
وحكم الشرع فيها الدية
ولكن لو ذهب وسلم نفسه الآن سيكون الحكم المخفف عنه هو الإعدام
ضاقت الحلقة بشكل عجيب حول رقبة خالد
وضاقت به الدنيا
ولم يعد يعلم ماذا يفعل
نظر اليه بائع الصحف وقال له ..
.. (( ماذا بك يا شيخ ؟؟ .. ))
نظر خالد نحوه وهو يتسائل كيف لم يتعرفه الرجل وصورته أمامه عشر مرات على الأقل في مختلف الصحف
ولكنه تذكر حينما كان يأتيه بعض المخبرين في ميدان العريش ويعرضون عليه صورة لأحد المشتبيهن بهم ويسألونه هل ظهر في هذا الميدان قريبا
وكانت الاجابة بالنفي طبعا وأنه حتى لو كان قد رآهم فلن يتعرفه من صورته
فذهننا لا يحتفظ بصورة كل من نراهم يوميا أو يمرون علينا مرورا عابرا
قد أتعرفه لو كان هناك سابق معرفة
أما أن أعرف أنه هو بمجرد أني رأيت وجهه مرة في الصحف
فحتما سيكون أمرا مستصعبا إلا اذا كان به شيء مميز جدا
نظر له خالد بارتباك وقال له .. (( لا شيء .. ))
واندفع خالد عائدا أدراجه وهو لا يدري الى أين يسير أو ينطلق
وفي أول محل للحلاقة دخل خالد وطلب حلاقة جميع شعر رأسه ولحيته ..
فبهذا يستصعب التوصل اليه بأكثر مما كان
وكعادة الحلاقين ظل الحلاق يحاول فتح مواضيع شتى للحوار مع خالد
وخالد ذاهل لا يحرى نطقا
وأخيرا خطر لخالد خاطر جديد
وأخيرا سأل الحلاق باهتمام وقال له ..
.. (( قل لي يا رجل .. إذا مات شخص بمستشفى هنا ولم يستدل على أهله .. ماذا يفعلون به ؟ ))
تنحنح الرجل باهتمام وقال بصيغة العليم بكل الخبايا ..
.. (( لو كان مستشفى جامعيا ستصل الجثة الى مشارط طلبة الطب للتعلم عليها
ولو كان مستشفى حكوميا لن يختلف الأمر .. أما لو كان مستشفى خاصا غالبا سيتم دفنها بمدافن الصدقة .. وهذا يتم بسرعة كلما كان المستشفى له اسم كبير حتى يتخلصوا من كل شبهات بيع الأعضاء والجثث وما شابه .. وقد يقوموا بعملية دفن وهمية ويقومون ببيعها فعلا .. المهم أن أوراقهم سليمة للجهات التي تفتش ورائهم .. ))
ارتاع خالد لفكرة أن يتم بيع أعضاء أو جثة أمه بهذا الشكل ..
فقال للرجل .. (( لو كانت توجد قضية كبري وأمن مركزي كثيف يحيط المستشفى .. هل يمكن التلاعب بها ؟ ))
ضحك الرجل وقال .. (( بالعكس فهذا أكبر ضمان أنه سيتم دفنها فعلا .. ))
نظر خالد إلى الرجل باهتمام شديد .. و أخبره باسم المستشفى الذي يرقد بها جثمان أمه وقال له .. (( أخبرني أين تتم عملية الدفن اذا كان الميت بها ؟ .. ))
.. أخبره الرجل على الفور ثم نظر له باهتمام وقال .. (( ولكن هذا المستشفى هرب منه أحد الإرهابيين بعد أن قتل ضابطا كبيرا .. ))
قام خالد واقفا وخلع ساعته وأعطاها للرجل مقابل حلاقته وقال له .. (( أشكرك بقوة والله أعلم بما حدث في المستشفى .. ))
تغيرت خطط خالد الآن ..
بدلا من الذهاب الى المستشفى وما بها .. سيذهب الى المدافن ويمكث هناك حتى تتم عملية الدفن
وبهذا يعلم أين استقرت أمه .. ويلقي عليها وداعا أبديا
وأيقن خالد يقينا تاما بأنه لم يعد له ملجأ أو مصير في أي مكان
فمصر كلها تنقب عنه
وإن آجلا أو عاجلا سيتم التوصل اليه
ووقتها سيكون هذا ميعاد انفصال رقبته عن جسده ..
وسار خالد مسافة لا بأس بها حتى توصل الى المدافن وكان يسير بثقة بأنه من المستحيل التعرف عليه
دخل الى المدافن وظل يبحث عن أحد الحراس بها حتى وجده
كان اليوم على مشارف الغروب
وما حدث كان صباحا ..
فترى هل تخلصوا فعلا من الجثة ؟
أم ينتظرون عودته هناك وأبقوها كمصيدة له ؟
سأل الرجل وقال له .. (( هل حدثت أي عملية دفن اليوم ؟؟ ))
قال له الرجل بتعجب .. (( على الأقل ثلاثة أموات يدفنون هنا يوميا .. ))
سأله خالد في لهفة .. (( هل تم دفن إحداها بمقابر الصدقة ؟ .. ))
أوما الرجل برأسه وقال .. (( نعم إنها أم ذلك الإرهابي الذي قتل الضابط بالمستشفى .. ))
دق قلب بعنف وقال في صرامة ..
.. (( دلني على قبرها .. ))
نظر اليه الرجل بتردد وقال ... (( هل أنت أحدهم ؟؟ ))
تردد خالد قليلا وقال له .. (( ماذا تقصد بأحدهم ؟؟ ))
قال الرجل في خوف .. (( أحد رجال الأمن الذين عجت بهم المقابر اليوم ؟ .. ))
بالرغم من أن جملة الرجل كانت تكشف له بوضوح بالخطر الذي قد يكون محيطا به إلا أنه قال في صرامة
.. (( بالطبع .. ))
اقتاده الرجل بين المقابر
وهناك في طرف قصي أشار إلى أحد المقابر التي لم يجف مواد بناء الساتر الذي تم حجب الجثة خلفه إلى الأبد
أشار خالد للرجل بالإنصراف
وما إن اختفى وقع خطوات الرجل
حتى مسح خالد على الحائط بيده وتفجرت دموعه من جديد
وهو يقول بتهدج .. (( سامحيني يا أمي ..))
وبعدها بسويعات
كان خالد يخطوا بقدمية إلى أغرب و آخر مكان بالعالم كان يتخيل أن يلجأ له يوما ما
*****
.. (( يالك من متبجح .. ))
ظهرت صورة حسين رجل الموساد المحنك عبر شاشة محادثة الفيديو تحمل كل آمارات الدهشة والذهول ونطق عبارته السالفة ..
فقال له خالد الجالس في حجرة مخصصة لهذا الاتصال بالسفارة الاسرائيلية بمصر ..
.. (( ولماذا تعدني متبجحا ؟ .. قدمت لكم خدمة جليلة .. أعترف بأني قبضت الثمن وأعترف بأني أمنت نفسي بالإختباء جيدا منكم وهذا كي لا يتم استغلالي في أي عمل قادم فلا أحب أن تسيطروا علي .. والآن أنا في حاجة اليكم وخدمة لن تكلفكم شيئا .. ))
صمت حسين طويلا وهو يتمعن في وجه خالد وبساطته في الحوار ويحاول أن يستشف منها فقط أنه ممثل بارع وقال له ..
.. (( أتريد إقناعي بانك لا تتابع الأخبار التي يعلمها القاصي والداني بأن جلعاد ما زال مخطوفا وتتم المفاوضات بشأنه ؟ .. وأن خدعتك الحقيرة قد انكشفت .. وأنك قد جئت لحتفك بقدميك .. ))
ظهر التردد والخوف جليا على خالد وهو يقول ..
.. (( لماذا كل هذا ؟؟ أنا دوري أديته كما رسمتموه تماما وأعطيتكم العلبة بشفرتها .. عجزكم عن كشفه أو المجيء به ليست مسئوليتي .. وكما قلت لك خدعتي بالاختفاء عنكم كانت لأني لا أقبل السيطرة على ولأني كما قلت لك قد هداني الله ولا أقبل أي تعاون معكم يضر أمتي وديني .. ))
ظهرت آمارات الحيرة جلية على وجه حسين وهو لا يدري فعلا هل خالد صادق أم يتلاعب به ..
لو كان خالد صادقا فمعني هذا أن حماس هي التي تلاعبت بالجميع من البداية بما فيهم خالد
وأنه يلجأ اليه حقا طلبا لهذه الخدمة
وإن لم يكن صادقا .. فترى أي خدعة جديدة ورائه ؟؟
فقال له .. (( اذا كنت قد هداك الله ونعلم جيدا بان كل مسلم متدين يعد اليهود ألد أعدائه .. فلم تلجأ لأعدائك .. فلتلجأ الى الله أولا وأخيرا بدلا من مد يدك الى من تعادي .. ))
قال خالد جادا ..
.. (( أولا نحن لا نعادي اليهود كأصحاب دين أو كبشر لهم معتقد خاص بهم .. إنما نحارب المعتدين والمغتصبين منهم وأعتقد بان أكبر اعتداء لهم هو اغتصاب دولة كاملة والبطش الذي لا ينتهي بأهلها بل وجعل كل هذا باسم الدين اليهودي .. أما لماذا لجأت لكم .. فذلك لأني قد ضاقت بي الأرض بما رحبت .. دولتي الأن تنقب الأرض عني من أقصاها لأدناها وتنتظرني عقوبة الإعدام منهم .. وكما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستعانة بغير المسلمين في هجرته .. فضلت الاستعانة بكم في هجرتي .. وأنتم الباب الوحيد المتاح لي .. ))
قال حسين .. (( ترى هل الخدمة التي تطلبها أن نقيم حربا مع دولتك لأجلك ؟؟ ))
ضحك خالد وقال .. (( لا هو طلب بسيط جدا .. أريد مساعدتي أن أهرب الى القدس لأعيش بقية عمري في رحاب المسجد الأقصى وبعدها لن تسمعوا عني أبدا .. هل هذا كثير ؟؟ .. ))
ظهرت آمارات الحيرة بأكثر مما كانت على ملامح حسين ولم يحر نطقا ..
وأخيرا قال ..
.. (( عموما أنت في موضع شك كبير واعتبر نفسك رهن الاعتقال لدينا بالسفارة وسأعرض حالتك هذه على الخبراء وبعدها سنقرر ماذا نفعل .. انتهى .. ))
*****
على مائدة تضم الكثير من الخبراء بالموساد في اجتماع عاجل ومفاجيء لمناقشة حالة خالد
العجيبة والمتفردة التي لم يمرو بها من قبل .. بدأ النقاش ..
استعرض حسين تفاصيل العملية من البداية ..
وكيف ان احد عملاء الموساد بغزة وبسبب يقظته التقط جملة واحدة كانت بداية العملية
وتم التدبير والتخطيط لها في وقت وجيز جدا
وكانت تسير تبعا لما هو مخطط لها بنجاح كبير
ولكن كانت النتيجة كارثة .. فقد كانوا ضحية لخدعة لم يتذوقوا مثيلا لها من قبل ..
كان اليقين بداخلهم أن خالد حتما أحد المدبرين والمنفذين لهذه الخدعة
وبالطبع كرد فعل انتقامي نقبوا الأرض عنه بمصر ولم يجدوه لينتقموا منه
وكان هذا تأكيد لا حاجة اليه بأن خالد طبعا من المدبرين
وفجأة وبعد نسيان الأمر .. تظهر صورة خالد عبر جميع الصحف بمطالبة القبض عليه
وفي نهاية نفس اليوم يجدون خالد بين أيديهم .. ويطلب الهرب لديهم
وعرض حسين عليهم التسجيل المصور لمحادثته الاخيرة مع خالد ..
وأختتم حسين كلامه قائلا .. (( الآن هل تجدون هذا الأمر طبيعي أو منطقي ؟؟ .. ))
قال الخبيرالنفسي الذي كان أحد متابعي العملية الأولى
.. (( من المتابعة النفسية لخالد نجد بأنه شخص تلقائي وردود أفعاله بسيطة .. من السهل استفزازه لتخرج كل ما لديه .. وأجد هذه المحادثة تلقائية وتتناسب تماما مع حالته وشخصيته ولا مبالغة فيها .. ))
وقال أحد الخبراء المتابعين للشأن الداخلي المصري ..
أنا نفسي كنت أثق بأن من سيوصلنا الى خالد هو الجهاز الأمني الداخلي .. فحتما سيكشفونه ويعلمون حقيقته يوما وبمجرد كشفهم له ستكون قضية كبرى واعلام لنا بموضعه وكنت أنتظر هذه اللحظة للوصول اليه وتنفيذ العملية الانتقامية منه .. وهذا ما حدث فعلا .. وكل تحرياتنا حول هذا الأمر اليوم تثبت أن قصته حقيقية مائة بالمائة
كل العاملين ورواد المستشفى قالو بأنه جاء اليهم باسم نزار عبد الحميد منذ ثلاثة ايام برفقة أمه المريضة والتي ماتت صباح اليوم وتزامن هذا بمحاولة القبض عليه والتي قتل فيها ضابطا أثناء هروبه ..
وكل شهود العيان قصوا علينا واقعة لا يمكن أن تكون تمثيلا أبدا
وبهذا فحادثة هروبه ولجوئه الينا سليمة تماما ولا ثغرة فيها وما زلنا في طور البحث عن أختيه لأنه رفض البوح بمكانهما
قال أحد الخبراء الآخرين ..
أخشى ما أخشاه ان تكون هذه خدعة جديدة من المخابرات المصرية نفسها .. فهذا الجهاز بقيادة ذلك الثعلب الماكر عمر سليمان دولة داخل الدولة ولا يمكنك معرفة أبدا كل جديد فيه
قال آخر ..
(( ولكن مطلبه بسيط فعلا ويتناسب مع حالته وحالة التدين التي تعتريه .. فأي خدعة وأي عملية قد تكون ورائه ؟؟ ))
-(( ربما هذه هي الخطوة المبدأية لمجرد أن يدخل بيننا فقط .. وبعد ذلك يتحرك .. ما المانع من ان يكون مجرد خطوة لتوصيل رسالة أو أي شيء لأحد عملائهم بالداخل وبطريق آمن . ))
-(( لو كانت هذه خدعة من المخابرات المصرية ستكون أغباها على الاطلاق .. لأن فيها الكثير من الأمور غير المنطقية والتي تجعلنا نكشفها ونكشف رجلهم مبكرا .. ))
وأخيرا قال حسين ..
.. (( عندي اقتراح .. ))
اشرأبت جميع الأعناق نحوه .. فقال ..
.. (( سنضع في حسباننا الاحتمالين أنه صادق .. أو مخادع .. ونوافق على مطلبه
اذا كان صادقا سأظل على متابعتي له وأخبره أن هذا ضمان لعدم خرقه لاتفاقنا بعدم المس بشيء من أمن دولتنا وبقربي منه وبأسلوب الاستفزاز غير المباشر نحصل منه على كثير من المعلومات عن حماس بغزة بما أنه قد استطاع الوصول الى عمقها المباشر حتى انه رأي الجندي جلعاد .. وإن كان مخادعا فنحن نتابعة أيضا بعين لا تنام وبحذر شديد لكشف هذه الخدعة وقتلها في مهدها أو عكسها لترتد في صدر مخططيها .. ما رأيكم ؟؟ .. ))
وافقوا جميعا ..
وكان هناك احد الجالسين الذي لم يتفوه بحرف واحد منذ بدأ الجلسة والذي بعد أن انتهى التصويت قال بهدوء شديد ..
.. (( أشكرك لاقتراحك هذا وأوافقك عليه مع تعديل بسيط جدا .. فبدلا من التوصل لمعلومات عن حماس .. سنضرب به ضربة قوية جديدة وبشكل غير مباشر في مدينة القدس .. وأخرج من جيبه صورة وعرضها أمامهم وقال لهم .. سنضرب به هذا اللعين الذي يضج مضجعنا هناك .. ))
وما إن رأي الجميع صورة الشيخ بيده حتى صمتوا جميعا وكأن على رؤسهم الطير
وكان هذا الصمت هو أبلغ رد بالموافقة على اقتراحه ودراسة خطته الجديدة والمبتكرة
*****
كثرت الأحايث مؤخرا عن السيادة والريادة لبلدنا الحبيب مصر .. وبغض النظر عن اختلاف وجهات النظر في ذلك سنترك أمر السياسة للساسة .. فما زال هناك البعض يستنكر بأن دور مصر قد تراجع كثيرا بسبب مواقف قادتها المائعة ..
ولكن على أرض الواقع وما يلمس الشخص العادي جدا ..
ماذا يحدث إذا حدث شجار بين تاجر وسائح عربي ؟
معها كان خطأ السائح العربي سيكون التاجر هو المذنب لأنه يضر بالسياحة
فما بالك لو كان هذا الخلاف مع سائح أوروبي أو أمريكي أو حتى كوالالامبوري
سيتم حبسك أولا وتكريم هذا السائح وبعد ذلك قد يبحثون في الأمر وكل هذا تحججا بالحالة الاقتصادية وأن السياحة أحد أهم موارد الاقتصاد بالبلد
في ذات مرة قام أحد الشباب عند أحد كمائن المرور بإطلاق بوق سيارته تنبيها للسيارة التي أمامه كي تتحرك ..
ولأن الباشا الضابط كان واقفا أزعجه هذا البوق بقوة ..
فأشار إليه ليرتكن بسيارته على أحد الجوانب وذهب اليه طالبا منه أوراقه .. رخصة السيارة ورخصة القيادة ..
فقال الشاب بتعجب .. (( لماذا ؟؟ أنا لم أخطيء .. ))
قال الضابط بامتعاض .. (( ولديك الجرأة لترد علي أيضا ؟؟ ))
ازداد تعجب الشاب بأكثر مما كان وقال له .. (( إذا كنت قد أخطأت عاقبني .. ))
تلاعبت شياطين الغضب برأس الضابط
وصرخ فيه قائلا .. (( أمرتك بأن تعطيني أوراقك .. ))
ونما عملاق العناد بداخل الشاب وقال .. (( لن أعطيك أوراقي الا اذا قلت لي ما هو خطأي .. ))
وعلى الفور أمر الضابط باقتياد الشاب الى نقطة الكمين وهو يصب على رأسه أقذع الشتائم
وبمجرد أن دخل الشاب الى داخل نقطة الكمين .. أخرج له جواز سفره الكندي وقال له
.. (( قبل اتخاذك لأي إجراء قانوني رجاء الاتصال بالسفير الكندي فأنا مزدوج الجنسية وأحمل الجنسية الكندية ... ))
وعلى الفور تبدل المشهد بشكل عجيب ..
وأصبح الضابط هو من يتوسل اليه أن يمر الموقف بسلام وأن يتكرم الشاب بالخروج لإطلاق بوق سيارته طوال الليل أمام الكمين كي يزداد أفراد الكمين طربا بصوته الشجي
النقيض تماما يحدث خارج مصر ..
ماذا اذا حدث خلاف بين مصري وابن من أبناء البلد التي هو بها ..
أيضا سيهان المصري وسيكرم ابن هذا البلد حتى ولو كان مخطئا وذلك لإنعدام دور السفارةالمصرية الحقيقي في كل مكان تتواجد به
والسفارة المصرية لا تمثل سوي مكان يعمل به بعض الموظفين للحصول على الدخل الجيد وقضاء وقت رائع ببلاد العالم فقط وفي أوقات فراغهم يقومون فقط بانهاء بعض الأعمال الإدارية كتجديد جوزات السفر لمن تنتهي مدته وهو بتلك البلد أو عقد امتحانات للطلبة المصريين لدراسة المنهج الدراسي المصري بذلك البلد وماشابه ..
قالها أديب الشباب د. نبيل فاروق في رائعتة المسماة الرهينة .. حين تعجب الشاب من صديقه الذي شهد عملية اختطاف مصري آخر فور نزوله من الطائرة وذهب الى السفارة المصرية ليبلغهم بذلك .. فقال له صديقة بدهشة شديدة .. (( ما الذي دفعك للذهاب الى السفارة .. السفارة هذه آخر مكان تذهب اليه حين ترحيلك من البلد فقط .. ))
كل هذا في كفة .. والسائح الصهيوني في كفة وحدة
برغم البغض التلقائي داخل المصريين لهم
وبرغم أن مجرد معرفة أن هذا سائح صهيوني تثير الغثيان في نفس المصري المتعامل معه
ورغم كل المحاولات الصهيونية لمحو ذلك على المستوى الشعبي بكافة الطرق حتى نلحق بالركب الرسمي في هذا المجال
إلا أنهم فشلو فشلا ذريعا
وكل من يتعامل معهم يرى بأنه مجبر على ذلك طاعة للأمر الرسمي سواءا من القيادات العليا أو رب العمل الذي هو به سواءا كان مديرا للفندق أو صاحب أحد القرى السياحية
وبهذا بدءوا يقننوا لأنفسهم هذا العمل على أنه إجبار للحصول على لقمة العيش
وعلى المستوى البوليسي تكن الأعين منتبهة أكثر من العادة لأن أي حادث بسيط سيكون مدويا ويتم تضخيمه بشكل غير عادي من القيادات العليا التي ترتعب من رد الفعل الصهيوني ..
لهذا .. كان ذلك السائح الصهيوني يحمل حقيبة خفيفة .. ويستقل سيارة ليموزين تابعة لإدارة الفندق الذي كان مقيما به طوال فترة استجمامه بشاطيء ذهب
استوقفته كل نقاط التفتيش على الطريق قبل وصوله للحدود وبمجرد ظهور جواز سفره ذو النجمة السداسية كان يتم إنهاء الإجراءات بسرعة بعد التأكد من سلامة أوراقه
ولكن على الحدود تغير الأمر قليلا ..
ضابط شاب برتبة نقيب
تفحص جوزا سفره وكالعادة قارن الصورة التي به بوجه صاحبه
وفوجيء بأن وجهه محاط بالضمادات
فقال له بهدوء .. (( كيف أتأكد أنك صاحب هذا الجواز .. ))
قال الصهيوني الذي يجيد العربية بلهجة أبناء مصر العامية
.. (( فك هذا الرباط عن وجهي وقارنها به .. ولكن لتتحمل أنت العواقب عن ذلك .. فوجهي يعاني من حروق عدة به .. وفك الرباط عنه سيسبب أضرارا جسيمة لي ))
ولأن الريب هو اول من يتلاعب بصدر كل مصري تجاه أي شيء يتبع هؤلاء القوم
استأذنه الضابط الشاب بالنزول لفحص هذا الأمر
وترك أمر متابعة الخارجين عبر الحدود ودخل هو معه لمكتبه الداخلي الذي استقر عليه والرجل أمامه ..
جلس الصهيوني وقال له ببساطة .. (( هل أعد نفسي تحت الاعتقال أو الاشتباه ؟ .. ذلك كي أتصل بسفارتي ))
هز الضابط رأسه نفيا وقال .. (( مطلقا نحن ننهي إجراءات عبورك فقط وليس كل من يعبر من هنا مخفي الوجه مثلك .. ومن حقي التأكد انك صاحب هذا الجواز .. أليس كذلك .. ))
قال الصهيوني بسخرية .. (( حسنا أخبرني أنت كيف ستتأكد ؟؟ .. ))
.. (( قل لي أولا كيف كانت اصابتك هذه .. ))
.. (( أنا أهوي أعمال المطبخ .. ولكن فقاعات الزيت أصابت وجهي أثناء عملي لوجبة خاصة ولهذا ولكي لا يتضرر وجهي بتلك التشوهات كان لابد من الضمادات .. وإزالتها قد تسبب تشوهات لا تزول أبدا ووقتها لن أتردد في مقاضاة من تسبب فيها .. ))
تجاهل الشاب لهجة التهديد هذه وهو يقلب صفحات جواز سفره وأخيرا لمح ما جعل الريب يزداد بصدره وقال ..
.. (( تأشيرة دخولك كانت عبر مطار شرم الشيخ أي انك معك تذكرة طيران والمفترض أنها ذهاب وعودة فلماذا لم تعد بها ولماذا أردت العودة برا ؟؟ .. ))
تردد الرجل وارتبك قليلا وقال .. (( أنا أتبع فوجا سياحيا .. وفاتني موعد سفره فجرا بسبب تأخري في نومي وتذكرة سفري كانت معهم .. ولهذا عدت وحيدا برا .. ))
ارتفع حاجبا الضابط دهشة وقال .. (( وهل بكل بساطة تناساك الجميع ولم يبحثوا عنك ليكتمل العدد أثناء سفرهم ؟ .. ))
قال الرجل في سخط .. (( أنا أتعجب لهذا مثلك وسوف أقاضي مكتب السياحة حين عودتي لهذا .. ))
.. (( أعطني اسم الفندق الذي كنت مقيما به .. ))
حصل الضابط منه على اسم الفندق وبيانات اقامته به
وتأكد من كل ما فات وبأنه كان مقيما به فعلا وأنه مصاب بوجهه وأن فوجه قد سافر فجرا
ولكن المفاجاة
حيت اتصل الضابط بالمطار وتأكد من الرحلة التي كان من المفترض أن يكون عليها الرجل
واذا به يجد أن الفوج كان مكتمل العدد ولم يتخلف عنه فرد واحد
وهنا تأكد الضابط بأنه على حق وأن هناك ما يريب
فقال للرجل في صرامة تنافي كل ما فات من حوار مهذب
(( أنت الآن مشتبه في تزويرك لأوراق رسمية ولابد من مطالعة وجهك والتاكد من صحة جواز سفرك هذا .. ))
صرخ الرجل فيه قائلا .. (( أقسم أن أتخذ معك كل الإجراءات القانونية الصارمة ولن أتهاون في مطالبتي بتعويض بملايين الدولارات عن أي ضرر يمسني .. ))
ضحك الضابط وقال ..
.. (( اطمئن سينتفي الضرر تماما .. سيتم استدعاء طبيب متخصص لنزع هذه الضمادات عن وجهك .. ))
وقد كان
وكانت المفاجاة الكبري ..
*****
.. (( تفضل هذا جواز سفر مصري باسمك الحقيقي عليه تأشيرة دخول رسمية لاسرائيل وتصريح بالإقامة يتم تجديده كل عام ..))
تناول خالد جواز السفر وهو مندهش كيف أعدوا له هذا الجواز وبصورة حديثة له بشعره حديث النمو .. وأخذ يقلب فيه بعناية ولكنه وجد بأنه لا فارق على الإطلاق بينه وبين جواز السفر الحقيقي الذي كان معه والذي هو حتما مستقر الآن ببيته
وقال له .. (( أنا في الحقيقة أتعجب كيف خرجت هكذا بسهولة من مطار العريش ودون سؤال واحد من رجال الأمن .. والآن أتعجب كيف جئتم بجواز مصري يشابه تماما الذي كنت أحمله ؟ .. ))
ضحك حسين وقال .. (( قلت لك من قبل أنك تتعامل مع جهاز عبقري .. ))
قال خالد بمكر .. (( سمعت هذه الجملة من قبل في غزة .. وفوجئت بأنه تم ركلكم على مؤخراتكم من رجال حماس .. ))
ضغط حسين على أسنانه بقوة وقال له ..
.. (( الوضع في غزة غامض وجميع أعمالنا مع حماس تكون مثل رجل يتخبط في الظلام
قد تصيب يده أحيانا ولكن يكون هذا بالصدفة .. أما في مصر الوضع يختلف فصراعنا معها قديم وعندنا دراسات لكل شبر وركن فيها .. مجرد أنك عضو في فوج سياحي لن يلفت لك الانتباه .. بل إن المشرف على الرحلة هو من يجمع الجوازات ويذهب ليحصل على تأشيرات الخروج عليها للجميع دفعة واحدة .. ولأنك من المفترض اسرائيلي .. فلك هيبة وكرامة خاصة تجعلهم يرتعدون لمجرد أن يعلوا صوتك قليلا مع أي ضابط بهم ..
ولهذا عند سؤال جميع أفراد الفوج هل فعلا أنت مصاب بوجهك وتأكيدهم عن هذه الاصابة تجاهلوا خطوة كشف الضمادات عن وجهك لمقارنة الصورة بالمتواجدة بالجواز ..
أما صاحب الجواز الحقيقي فقد تم تخديره بالفندق بحيث يفوته الفوج .. وذهب الى الحدود البرية ليعبرها .. وأتوقع أن يحدث معه المثل ولن يحاول أي ضابط مهما علت رتبته محاولة توقيفه .. ولو حدث سيكون يوما أسودا على من فعلها لأنه ولسوء حظه سيكون رجلا حقيقيا وليس مزورا بعد أن مررت أنت تحت أنوفهم فجرا .. ولن يكتشفوا الحقيقة الا بعد فوات الأوان .. وحتما لن يدركوا أبدا من هو الذي تم تمريره ))
ابتلع خالد ريقه بصعوبة فالتخطيط فعلا بارع للغاية .. والأوضاع السياسية في بلدنا ترجح نجاحها بقوة وهذا ما حدث على أرض الواقع ..
ولم يطق خالد صبرا أن تظهر بلده مهزومة مخدوعة بسهولة من هذه العصبة فقال له بتحد ..
.. (( وبالرغم من كل دراساتكم عنا تم تلقينكم درسا قاسيا في حرب العاشر من رمضان وكنا على أبواب تل أبيب لولا تدخل أمريكا واستغاثتكم بها .. ))
قال له حسين .. (( نحن نترككم تتغنون بهذا النصر والعيش على ذكراه فقط ولو شئنا أن نعكر عليكم صفوكم هذا لفعلنا .. فالوضع قد تغير كثيرا ويكفي أن الحكومة المصرية التي كانت تعتبر أقوي حائظ صد في مواجهة مشاريعنا أصبحت الداعم الرئيسي لنا وأصبحت تنطق بما لا نجرؤ على التفوه به .. اقرأ الصحف ستجد أحد قادتنا يقول بأن طهران لها مشاريع بالمنطقة .. في اليوم التالي مباشرة ستجد وزير خارجيتكم يعلن بأنه يجب التصدي بقوة للمشروع والأطماع الايرانية بالمنطقة العربية .. ولو قلنا بأن السعودية تدعم الإرهاب ستجد السياسة المصرية قد تغيرت في اليوم التالي تجاهها .. ))
شعر خالد بمرارة في حلقه وقال له .. (( هذا لأن ساستها الآن ليسوا سوى طلاب دنيا ويريدون رضا أمريكا عنهم برضاكم ظنا منهم أن بقائهم في كراسيهم مرهون بالرضى الأمريكي .. ولكن الشعب المصري قد لفظهم منذ أمد وحتما سيخرج منه جيل يعيد كفة الميزان إلى نصابها الصحيح .. ))
ضحك حسين وقال .. (( ووقتها ستقرر أن تعود إلى مصر .. أليس كذلك ؟ ))
ظهرت آمارات مشاعر الأسى والألم على ملامح خالد وهو يقول .. (( أتمنى لو أعود إلى بلدي الآن ولكن ما باليد حيلة فعقوبة الإعدام تنتظرني .. ))
واعتدل خالد في جلسته وقال له .. (( والآن أخبرني أين وكيف سأعيش هنا .. ))
اعتدل حسين في اهتمام وقال له .. (( جئت للأهم فعلا .. مدينة أم الفحم مدينة بالنسبة لنا مقلقة لأن كل سكانها عرب ومسلمين ولهذا يصعب السيطرة عليها .. ولكن بالنسبة لك أنت فهي مثالية .. لأنك لو عشت في أي مكان يتواجد به السكان الأصليين للبلد أقصد اليهود .. سيتسبب لك في مشاكل عدة .. فهم يريدون تنقية الأرض من العرب المتواجدين بها .. فكيف سيقبلون بوافد جديد عليهم من الخارج ؟؟ .. ))
قال خالد في تساؤل .. (( وكيف سأعيش بها أو كيف أتواصل مع أهلها ؟؟ .. ))
قلب حسين شفته السفلي للخارج وقلب يديه وقال له .. (( من هنا أقول لك هذا شأنك الخاص افعل ما تشاء .. لقد أدينا أكثر مما تستحق منا .. ولكن هذا لكي نظهر لك أننا لا نتخلي عن رجالنا يوما ما .. )) وغمز بعينه وقال له .. (( هذا لكي تقتنع بسرعة لو طلبنا منك خدمة مستقبلية .. ))
قال خالد في صرامة .. (( قلت لك مسبقا تنتظرني عقوبة الإعدام والموت وهي عندي أهون من أن اخون أمتي أو أن أفعل ما يضرها فأموت شهيدا خيرا لي من أن أكون خائنا .. والأمور تبدلت كثيرا عن لقائنا الأول .. ))
ضحك حسين وقال .. (( تعجبني عفويتك هذه .. وثق أيضا أننا لو طلبنا منك خدمة لن تكون خيانة ولا بها ضرر لأمتك .. وأنت بنفسك رأيت لو كان تم تسليمنا جلعاد ما شهدت غزة أقسى هزيمة لها في التاريخ الحديث .. كنت ستوفر عليهم كل ما حدث .. ))
رفع خالد حاجبيه في دهشة وقال .. (( أقسى هزيمة ؟!! كيف هذا ؟ . . هدفكم كان الحصول على جلعاد او اسقاط حماس والقضاء عليها .. ولم تنالو شيئا .. إذن من المنتصر ؟؟ .. ))
تجاهل حسين جملته وقال له .. (( دعك من هذا الآن .. المهم ستخرج من هنا ومنذ هذه اللحظة ولكي يتم تجديد الإقامة لك يجب عليك الالتزام بالتالي .. عدم المشاركة في أي نشاط عدائي ضد اسرائيل .. سيتم لقاء شهري دوري بيني وبينك لأي مستجد طاريء فأنت مدين لنا .. وأخيرا يوجد شيخ بأم الفحم احذرك تحذيرا شديدا على عدم الاقتراب منه أو التعامل معه .. وإذا علمنا يوما أنك فقط نظرت الى وجهه اعتبر بأن اتفاقنا مفسوخا .. ))
نظر اليه خالد باهتمام وقال له .. (( من هو هذا الرجل ؟؟ ))
أخرج حسين صورة الرجل وسيم الملامح بلحيته الخفيفة المشوبة بالشيب وطاقيته البيضاء المميزة وقال له .. هذا الرجل .. رائد صلاح .. ))
******
كان خالد يسير بطرقات مدينة أم الفحم يداخله إحساس عجيب وجديد .. نسمات الهواء العليل المحملة بعبق الأشجار والغابات المحيطة بها تجعله يشعر بانتشاء وأن هذا الهواء بنقائه وصفائه إنما هو شفاء في حد ذاته لكل الأمراض الصدرية .. وتذكر أمه حينما كانت تداهمها الأزمة الصدرية وتظل تعاني من السعال وضيق التنفس .. وشعر بالأسى والألم لتذكرها وهو يقول .. (( ليتك تستنشقين هذا الهواء العليل يا أمي ما كانت لتنتابك تلك الأزمات يوما .. ))
كان خالد يسير بغير هدى وهو لا يعرف أحد ولا يعرف إلى أين أو لمن يتوجه ..
كان يسير متثاقلا وهو يشاهد التلال من حوله والتي إما غنية بالأشجار أو تعلوها بعض المنازل التي تذكره بمرتفعات بيروت التي كان يشاهدها على التلفاز ..
ورغم أن حسين أكد ونبه عليه بأنه يحظر تماما التعامل مع الشيخ رائد صلاح .. إلا أن خالد أدرك من هذا أن خير من يتعامل معه ويتفهمه هو هذا الشيخ ..
لهذا .. استوقف أحدهم وقال له .. (( لو سمحت أنا مصري تائه هنا وأريد منك خدمة ))
نظر اليه الرجل باهتمام ورأي في وجهه الصدق فعلا فقال له .. (( ماذا تريد ؟؟ .. ))
قال خالد .. (( أريد الوصول الى منزل الشيخ رائد صلاح .. ))
ارتفع حاجبا الرجل في دهشة وقال له .. (( تائه مصري وغالبا من يدخل هنا سيحمل تأشيرة دخول اسرائيلية ويريد الشيخ رائد .. ألا ترى فيها عملية مكشوفة أكثر من اللازم .. ))
ارتاع خالد لفهم الرجل الذي ظن بأن خالد إنما يريد ضررا بالشيخ .. فقال له .. (( حسنا فلتؤيني بأي مكان تريد ولتخبر الشيخ أني أريده في أمر هام وافعل ما يقرره بعد ذلك .. ))
كان كلام خالد منطقي .. لهذا اقتاده الرجل الى إحدى الصيدليات وأجلسه بها برفقة العاملين فيها .. وأخذ منه جواز سفره وانطلق .. ))
أكرمه العاملون بالصيدلية بالترحاب واحضار مشروب بارد وعرضوا عليه وجبة غداء وشكرهم لكرمهم هذا وأخيرا عاد الرجل وقال له .. (( معذرة سيتم تفتيشك أولا .. ))
قال له خالد ببساطة .. (( لك هذا .. ))
وبعد تفتيشه والتأكد من أنه لا شيء معه .. ولا حتى جوال خاص .. صحبه الرجل في سيارة الى منزل الشيخ ..
وعندما استقبله الشيخ .. لمح خالد على محياه ملامح الشيخ الشهيد نزار ريان شيخه وأستاذه رحمه الله
نفس الملامح الوضاءة .. نفس بريق العينين اللذين يحملان كل اصرار وتصميم الدنيا
نفس الحزن المهموم الذي يثقل كاهله بهموم أرضه ومقدساتها ..
فقط الاختلاف في رسم الملامح ..
ورغما عنه اندفع خالد اليه واحتصنه وهو يشعر بأنه يحتضن شيخه ووالده
كان الشيخ متعجبا بقوة لردة فعل خالد هذه وتأهب كل الرجال حوله والشك يملؤهم نحو ما يدور ..
وبعد أن استقر بهم المقام قال له الشيخ .. (( هات ما عندك سمعت أنك تريدني لأمر هام .. ))
نظر خالد الى الرجال المصاحبين له وقال له .. (( ألا يصلح أن نكون وحدنا ؟؟ .. ))
هم الشيخ أن يجيبه ولكن أحد الرجال قال له في صرامة .. (( لا يصلح طبعا .. لن نترك الشيخ وحده برفقة غريب لا نعرفه ولا نعرف مراده .. ))
تردد خالد قليلا وقال له .. (( ما أحمله لا يمكن فعلا البوح به أمام الجميع .. ))
هم الرجل الصارم أن يجيبه ولكن الشيخ رفع يده له مهدئا وقال لخالد .. سنجلس في آخر الحجرة وتحدثني بهمس في وجودهم .. هل يرضيك هذا ؟؟ ))
قال خالد في رضا .. (( نعم يكفيني هذا وبقوة .. ))
وعلى الفور اتجهوا لطرف الحجرة والرجال عيونهم مصوبة نحوه تفحص كل حركة وشاردة وواردة يقوم بها
.. ما إن جلس خالد بجوار الشيخ حتى قال له الشيخ .. (( لا تحرك يديك أثناء الحديث على الاطلاق حتى لا يظنوا بأنك تنتوي ضررا وابدأ على بركة الله .. ))
.. تنحنح خالد وأخيرا قال .. سأقص عليك قصة خيالية حتما لن تصدقها .. ولكن كلي أمل في أنك ببصيرتك ستعلم أني صادق فعلا .. وبدء خالد يقص عليه كل ما مر به .. وحادثة وفاة أمه وأن عقوبة الإعدام التي تنتظره هي التي دفعته للهرب وأن يحي ما بقي له في رحاب الأقصى .. وأنه خدع الصهاينة للمرة الثانية ووصل اليه ولكن هذه آخر مرة يراه فيها حتى لا يتم رصده والحاق الضرر به من الموساد .. ))
بعد ساعة كاملة من الانصات التام قال له الشيخ بهدوء ..
.. (( ولنفترض أن قصتك حقيقية هل تصدق فعلا أن الصهاينة دخلت عليهم الخدعة الثانية هكذا بسهولة ؟؟ .. إنهم لا يدفعون شيكلا الا بعد التيقن من أنه سيعود اليهم بمائة .. فكيف يساعدونك إلا إذا رأو نفعا من ورائك ؟؟ .. وبهذا فاقامتك هنا هي خطر محدق بنا والعجيب أننا لا نعلمه .. ))
اعتدل خالد وهم أن يلوح بيده ولكن نظرة صارمة من عيني الشيخ أعادت يده الى موضعها وقال له .. (( أنا حينما ذهبت اليهم قلت أنهم سيظنون أن ورائي خطة ما وأن خير ما يفعلون هو تركي لإكتشاف هذه الخطة .. أو أنهم سيصدقون فعلا ويعتبرون أن هذه خطوة تشجع غيري على الخيانة بدعوى أنهم لا يتنازلون عن رجالهم .. ولهذا أقول لك يا شيخي الجليل أن لا ألوى على شيء .. فقط أريد العيش الهاديء .. خطط لي وما تراه صوابا سأنفذه حتى لو قلت لي عد وأخبرهم أنك تريد العيش بتل أبيب .. ))
ظل الشيخ يفكر كثيرا وأخيرا قال ..
.. (( سأرسلك لتقضي يومين عند رجل لا يتبعنا وبعدها أبلغك بقراري الذي لن أتدارسه وحدي .. ))
قال له خالد في فرحة .. (( وأنا أثق بأي قرار تتخده ولن أتهاون في تنفيذه .. ))
وبعدها بقليل كان خالد يستقل السيارة برفقة رجلين الى حيث لا يدري
في حين كانت هناك سيارة مرتكنة على جانب الشارع وصاحبها يقوم بتغيير اطارها
وبعدها استقل سيارته وفتح جواله ليقول جملة واحدة
.. (( الخطة تسير على خير ما يرام .. ))
*****
تناول خالد وجبة غداء شهية برفقة ياسر مضيفه وبعد الانتهاء قال له ياسر
الآن فلتنم وتنال قسطا من الراحة كي ترافقني الى درس الثلاثاء
نظر اليه خالد وقال متسائلا .. (( وما هو درس الثلاثاء هذا ))
ابتسم ياسر وقال
.. (( هو أحد المشاريع التي نهض بها الشيخ رائد صلاح ليعيد للمسجد الأقصى رونقه وجاذبيته .. فهو يتبع مشروع مصاطب العلم لمؤسسة الأقصى وبه دروس دينية مكثفة الهدف منها شد الناس وجذبهم الى المسجد الأقصى واعتيادهم ارتياده في كل الأوقات وليس الزحام وقت صلاة الجمعة وفقط .. ولقد نجح الشيخ بارك الله فيه في هذا واستطاع ببلاغته هو ومجموعة من شيوخنا الكرام أن يجعل ساحة الأقصى مزدحمة بالبشر طوال الأسبوع لأجل هذه الدروس .. وهذا من أهم خطوات إعمار المسجد .. أن يكون عامرا بالمصلين ))
كان خالد منبهرا وهو يرى شيخه الجليل نزار ريان يتمثل أمامه مرة ثانية فقال (( ياله من رجل .. أريدك أن تقص علي الكثير عنه ))
ربت ياسر على كتفه وقال له .. (( هيا الآن لتنم ولن أتوقف عن الحكي عنه ))
قام خالد لينال قيلولته لليوم الثالث له في هذا المنزل وبعدها قام ليرافق ياسر الى الرحلة التي يتوق اليها منذ أن وطأت قدماه أرض فلسطين هذه المرة
إنها الدخول الى رحاب الأقصى ..
كان ينطلق معه والفرحة تهز جوانبه
كان يشعر بأنه سيرقى في السماء لمجرد أن تطأ قدمه أرض المسجد المبارك
لقد كان حلما يراه صعب المنال
وسبحان الله تبدل الحال سريعا وبشكل عجيب حتى بات قاب قوسين أو أدني من تحقيقه
وكان يشهد الاستحكامات العسكرية اليهودية التي تشتد وتتكثف كلما اقترب من مدينة القدس
وأخيرا دخل القدس
شعر برعشة رغما عنه
هذه المدينة المقدسة والتي لها مكانة عجيبة في قلوب أصحاب الأديان الثلاث
النصاري يسمونها بيت المقدس وبها كنيسة القيامة التي بنيت فوق الجلجلة أو الجلجثة وهي مكان الصخرة التي صلب عليها المسيح على حسب اعتقادهم . وتحتوي الكنيسة على المكان الذي دفن فيه المسيح واسمه القبر المقدس. سميت كنيسة القيامة بهذا الأسم نسبة إلى قيامة المسيح من بين الأموات في اليوم الثالث من موتة على الصليب، بحسب العقيدة المسيحية.وكانوا يحجون اليها من شتى بقاع الأرض
وحينما تم الفتح الإسلامي لها في مشهد عجيب تذكره كتب التاريخ بشكل أسطوري
مشهد الفاروق عمر بن الخطاب وهو داخل المدينة
فبعد هزيمة الفرس والروم بقيادة القائد الإسلامي أبو عبيدة الجراح آثر قساوسة بيت المقدس على تسليمها بلا دماء وحروب وطالبوا الخليفة العادل عمر بن الخطاب المجيء لتسلم المفاتيح بنفسه .. لم يستكبر الخليفة وهو المنتصر هذا الطلب إنما وافق حقنا للدماء
وذهب في موكب خليفة المسلمين الذي يحكم أركان الأرض في ذلك الوقت
ليس موكب محافظ تسبقه الدراجات البخارية وسيارات الشرطة بأصواتها المرعبة والحراسات الخاصة
ولا موكب أحد الوزراء من يتوقف له الطريق لمدة ساعات لكي يمرق بسرعة البرق قبل أن يلحظه أحد
ولن نقول موكب رئيس الجمهورية
ذهب في موكب العظماء
بدابة واحدة وخادم واحد
كان الخادم يقود له الدابة
ولأن العدل لا يتجزأ والرحمة هي شعار من يتصف به
قسم الوقت بينه وبين خادمة
كل منهما يركب ساعة
وشاءت الأقدار أن تمر الدابة في منطقة طينية وموحلة أثناء قيادة الفاروق الدابة لخادمة حاول الخادم أن يهبط ليقوم بعمله وتجنيب أمير المسلمين الانغماس في الوحل أثناء المرور
ولكن العدل هو العدل أبى الفاروق إلا أن يكمل مدته وتوحلت قدماه حتى ركبتيه
وشاءت الأقداء أيضا أن يظهر أمام أسوار بيت المقدس في دور قيادته للدابة أيضا
لتذهل العيون وتشرأب الأعناق من هذا المشهد العجيب
ملك المسلمين الذي قهرتهم جيوشه يقود الدابة لخادمة
ولأن الرومان مولعون بالفنون
انطلق رساموهم وفنانوهم على الفور لرسم لوحة لم ولن يرى التاريخ لها مثيلا أبدا
فرسم أحدهم صورة له تحدث عنها بعض الكتب العربية فجاء فيها: (( كتاب يوناني مخطوط في دير المصابة، يذكر حادثة مجيء الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتسلم بيت المقدس، ومع النص رسم يمثل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حين دخوله القدس، وقد رسموه في ثياب أهل الجزيرة العربية، ملتحياً داخلاً من باب دمشق، باب العمود، ذا مهابة ووقار، ماشياً على قدميه في تواضع المخلصين الأبرار، آخذاً مقود الراحلة بيسراه، وإلى أعلى الرسم غلام أجرد أسود، مستقراً فوق رحلها، رافعاً في وجه القوم عصاه، مستنكراً سجودهم لمولاه_يعني عمر بن الخطاب_، صائحاً فيهم: ويحكم! ارفعوا رؤوسكم، فانه لا ينبغي السجود إلا لله. ))
حتى إذا استقر الركب عند الباب، نزل إليه رئيس الاساقفة ( صفر يانوس) البطريرك، وبيده مفاتيح القدس، وبعد أن سلّم عليه، قال له: إن صفات من يتسلم مفاتيح إيلياء( بيت المقدس) ثلاثة، وهي مكتوبة في كتابنا _ يقصد شروح الانجيل _:
أولها: يأتي ماشياً وخادمه راكب.
ثانيها: يأتي ورجلاه ممرغتان في الوحل.
وثالثها: لو سمحت أن أعدّ الرقع التي في ثوبك.
فعدّها، فإذا هي سبع عشرة رقعة! فقال: وهذه هي الصفة الثالثة
وتجلت أكبر آيات السماحة وحسن معاملة أهل الكتاب حينما أزفت الصلاة والفاروق عمر بداخل كنيسة القيامة
فأعلن لمن معه ان الكنيسة مكان عبادة الله، ومسموح له أن يصلي فيها، ولكن يخاف أن يأتي يوم يقول فيه المسلمون: أن عمر الفاروق صلى هنا، فيقتطعون من الكنيسة مسجداً لهم، فخرج وصلّى على بعد 500متر منها، حيث اشيد مكان صلاته مسجد سمّي بمسجد عمر، وهو يبعد كذلك بنفس المسافة عن الأقصى الذي كان منه معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماء
وتم توقيع الوثيقة العمرية لاستلام بيت المقدس
تلك الوثيقة التي قال عنها أحد كبار رجال الفاتيكان لأحد الدعاة المصريين
.. (( والله لولا أني رأيت توقيع عمر بن الخطاب بنفسي على وثيقة تسلم بيت المقدس لظننت أنه شخصية خرافية ابتكرها المسلمون لصنع مجد زائف لهم .. ))
كان هذا عام 636 ميلادية
ولم يُحدث الفتح الاسلامي تغييرات ديموغرافية او استعمارية في البلاد
كما انحصر اهتمام الفاتحين بنشر الدين الجديد وكان سكان فلسطين جميعهم تقريبا مسيحيين اعتنق العديد منهم الدين الجديد وبقي الاخرين على دينهم حتى اليوم
وبعد أمد طويل من الحكم الاسلامي العادل المتصل بدأت القدس في التعرض لحرب الفرنجة, التي دعا اليها اوريان الثاني منذ 1095 حين احتلت بيت المقدس عام 1099 وتتالت الحملات الصليبية الشرسة على بلاد الشام ومصر وتونس. حتى حرر صلاح الدين الايوبي القدس عام 1187 .ثم اتم بيبرس وحلفاؤه مابدأه صلاح الدين, حين تمكن من هزيمة الفرنجة عام 1291 .
ثمان وثمانون عاما وقعت القدس في يد الصليبين تئن من المذابح وأنهار الدماء التي سالت
ولكنها عادت بعدها .. بعد ظهور قائد مسلم شعاره أن الخيمة التي تصلي الفجر يأتي منها النصر
ووقعت للمرة الأخيرة في يد اليهود عام 1967 منذ أقل من خمسين عاما
ومن يومها وما زالت تئن وتنتظر القائد الذي ينهج عدل الفاروق عمر ويرفع شعار صلاح الدين الأيوبي
كان خالد يسير وهو يشعر بعبق التاريخ يطوقه
كل ركن بالمدينة ينطق وينادي عليه
ولاحت له القبة الذهبية اللامعة تحت الآشعة المنسحبة برفق قبل مغيب الشمس
قبة مسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عامي 691 – 692 ميلادية فوق صخرة المعراج التي عرج منها الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الى السماء ليلة الإسراء والمعراج
مسجد قبة الصخرة وبسبب قبته الذهبية الرائعة وألوانه وتصميمه المذهلين تم تسويقه لفترة كبيرة على أنه المسجد الأقصى نفسه .. وقد كان هذا أحد المخاطر التي هددت المسجد الأقصى حيث أبعدت العيون وما يجرى في الخفاء على يد اليهود نحو المسجد الأقصى
وأخيرا
خطت قدما خالد داخل المسجد الأقصى
ولشدة رهبته ورعشته التي اكتنفته تهاوت قدمية
وخر ساجدا يقبل أرض المسجد الأسير
وبعد أن صلي المغرب وهو يشعر بأنه لا يصلي بكوكب الأرض
اجتمع الناس لسماع درس الشيخ رائد
درسه الجميل الذي يربط فيه الدين بالدنيا برباط جميل لا انفصام فيه
ذكرهم بأنهم في رباط إلى أن تقوم الساعة
وأن الله اصطفاهم لكي يجعل في أعناقهم أمانة مقدساته في الأرض
وأنه طوبي لمن يدفع روحه ثمنا لآداء هذه الأمانة
خرج خالد من الدرس وهو يشعر بأنه يتم ميلاده من جديد وسط هذه الأجواء المعبقة بالتاريخ والوحي والرجال الذين باعوا الدنيا ووهبوا حياتهم وأرواحهم للآخرة
أخذ ياسر يحدثه قائلا ..
.. (( مدينة القدس رغم المآسي والمذابح التي رأتها عبر تاريخها الطويل إلا أنها الآن تتعرض لأخطر المؤامرات وأقساها .. فالصهاينة رغم أنك لو بحثت عن الدور التاريخي لليهود في القدس لن تجد له ذكرا إلا أنهم يعملون على تهويد المدينة بشكل بطيء وخطير
.. حفر الأنفاق أسفل منازل المقدسيين ومن يسقط منزله أو يُنكس لا يحصل أبدا على ترخيص للبناء
ويتم محاولة تهجير وشراء المنازل وزرع مستوطنات ومجمعات سكانية يهودية سرطانية تغير من شكل وتركيبة المدينة بشكل كبير .. أما عن المسجد الأقصى فحدث ولا حرج عن المؤامرات اليومية التي تحاك له في الظلام .. الأنفاق التي وصلت الى أخطر المناطق أسفل المسجد
المعبد الذي تم بناؤه وتم نقل نسخ من الكتب والمخطوطات اليهودية به ولإضفاء الشرعية على ذلك قام كتساف الرئيس السابق لدولة الصهاينة بزيارة هذا المعبد أسفل المسجد الأقصى والتعبد فيه أثناء رئاسته
حائط البراق الذي يدعون كذبا أنه حائط المبكي والذي يأتي اليه الزوار من كافة أنحاء العالم للتباكي أمامه ويحرص الرؤساء الأمريكان على زيارته .. هو اقتطاع لجزء مهم من حرم المسجد الأقصى
وأخيرا يريدون تقسيم المسجد الأقصى بخريطة طريق مزعومة يتم على اساسها اعطاء اليهود جزءا كبيرا منه
وكل يوم تتجدد الوسائل وطرق الاعتداء
ابتداء من عرقلة المصلين وعدم السماح لهم بالدخول أحيانا كثيرة
ووصولا الى منع دخول مواد البناء والصيانة للمسجد اليه
وأخيرا باغلاق مؤسسة الأقصى والاستيلاء على ميزانيتها بلصوصية تامة ونهب كل الوثائق التاريخية النادرة التي كانت بها
وعلى شاشات التلفاز وأمام كل المسلمين في العالم
تم سرقة حجرين أثريين من العصر الأموي ووضعهما أمام الكنيست الاسرائيلي ))
كان خالد مذهولا وهو يستمع لكل هذا وقال في دهشة ..
.. (( هل هذا والمسلمون في غفلة عن أولى القبلتين وثالث الحرمين وأنه على شفا الخطر ))
قال ياسر بحماسة
.. (( والله يا خالد هي خطوات بسيطة لو فعلوها لارتعب اليهود وتوقفوا فهم شعب جبان إلى أقصى حد .. ويكفيك تدليلا على ذلك حينما أعلن العرب اختيار القدس عاصمة الثقافة العربية اذا بهذا الاعلان فقط يهز أركانهم ويفقدهم وعيهم .. فقد اعتادوا على الصمت التام إزاء كل أفعالهم .. وغير هذا .. المؤسسات والجماعات الصهيونية المتطرفة تحصل على دعم مالي هائل من منظمات تجمع لها ملايين الدولارت كتبرعات لإعانتهم في هدم وتهجير منازل المقدسيين .. وفي المقابل المنظمات الاسلامية العالمية تقدم أقل القليل لدعم من يسعون لحماية القدس ومقدساتها وعلى رأسها المسجد الأقصى .. نريد فقط أن يقوم المسلمون بنشر وفضح المؤامرات الصهيونية في جميع وسائل إعلامهم وأن يحشدو الدعم المادي والمعنوي للمؤسسات الاسلامية بالقدس .. ))
كان خالد يشعر بالحسرة والألم لكل ما يرى ويسمع ولكن عزائه أنه هنا الآن ومستعد أن يدفع روحه فعلا ثمنا لتحرير الأقصى وطوبى له كما قال الشيخ رائد
لذا قال لياسر
.. (( أحمد الله عز وجل أن يسر لي المجيء هنا كي أقدم ما أستطيعه فداءا للأقصى .. ))
ربت ياسر على كتفه وقال له (( بارك الله فيك يا خالد .. ))
وعادا سويا الى منزل ياسر وبينما آوى خالد في حجرته
انطلق ياسر الى منزل الشيخ رائد
ليبلغه بجمله واحدة
ألا وهي .. (( أنت ثاقب النظر جدا يا شيخ رائد .. فهو يصلح تماما لخطتك الرائعة .. ))
*****
.. (( معذرة أخي ياسر .. أسبوعين وأنا مقيم لديك على كفوف الراحة ولكن بلا عمل أو وظيفة ولم أعتد أبدا أن أكون عالة .. ولست أدري هل كل هذه الفترة ما زال الشيخ رائد يتدارس أمري ؟؟ .. ))
نطق خالد بهذه العبارة وهو يحدث ياسر مضيفه
فابتسم الأخير وربت على كتفه وقال له .. (( يا أخي الحبيب أنت صاحب البيت ولست ضيفا ولا تشكل أي عبء .. ))
ثم غمز له بعينه وقال له .. (( واصطبر فقد يكون هناك عملا لا يستطيعه غيرك ويتم الإعداد له .. ))
اعتدل خالد في حماسة شديدة وبرقت عيناه بقوة وقال له .. (( أنا مستعد لأي شيء ولو حتى عملية استشهادية أبشرني .. ))
ضحك ياسر وقال له .. (( الوضع هنا يختلف كثيرا عن الضفة وغزة .. فللأسف نحن من يُطلق علينا عرب 48 وهي الأرض الفلسطينية التي وقعت بأيدي الصهاينة في حرب عام 1948 وبعدها صدر قرار التقسيم واعترفت الأمم المتحدة بما يسمى دولة اسرائيل على هذه الأرض .. حاول اليهود بعدها تهجير وطرد العرب من هذه الأرض بشتي الطرق .. مرة بالترهيب والقتل والتدمير .. ومرة بالترغيب وشراء المنازل والأرض بأسعار خيالية
وبعد مرور أكثر من ستين عاما ظن اليهود بأنه حتما سيحدث الاندماج بيننا وبينهم اقرارا بالواقع والرضا بما صار وأصبحت هويتنا في أوراقنا الرسمية أننا مواطنون اسرائيليون
ولكن هيهات .. ففلسطين هي أرضنا من النهر الى البحر ونثق في وعد الله عز وجل بالنصر لعباده المؤمنين .. ولكن للأسف حتى بعض المناضلين أصبح ندائهم الآن هو العودة الى حدود عام 1967 وكأن كل الأرض التي تم اغتصابها قبل هذا التاريخ ليست أرضا فلسطينية ..
المهم أخي الحبيب نحن هنا وهبنا حياتنا في مدينة أم الفحم أن تكون قضيتنا الأولى في هذه المرحلة هي الجهاد لأجل القدس والأقصى وفي انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام ألفين حينما حاول الخنزير المسمى شارون إقتحام المسجد الأقصى بصحبة ثلاثة آلاف جندي
كانت شرارة هذه الأنتفاضة من هنا من أم الفحم
وكان أول شهيد بها من شهدائها الأربعة آلاف ونصف الألف شهيد فلسطيني كان أول شهيد من هنا من أم الفحم
وأخيرا مؤسسة الأقصى التي تعد أكبر خط دفاعي عن الأقصى والتي نجحت في كشف والعثور على كثير من الوثائق الهامة والخطيرة التي عطلت كثير من خطط تهويد القدس
وكان أخطرها محاولة بناء كنس يهودي بحي المغاربة المحاذي لحائط البراق والذي يسمونه حائط المبكي ..
ولهذا
وفي أغسطس 2008 وبأمر مباشر من وزير الدفاع الصهيوني ايهود باراك تم إغلاق مؤسسة الأقصى ونهب محتوياتها بما فيها من وثائق خطيرة
ولكن
كانت هناك وثيقة خطيرة جدا كفيلة بقلب كل الموازيين
نبش عنها الصهاينة كل ركن وفتشوا منازل كل مسئولي المؤسسة بما فيهم الشيخ رائد صلاح ..
والتهمة الجاهزة لديهم والتي بررو بها هجمتهم الإرهابية هو أن هناك صلة بيننا وبين منظمة حماس الإرهابية حسب زعمهم
هذه الوثيقة لم تنم أعينهم عنها حتى الآن .. وجل أملهم في العثور عليها
ونحن جل أملنا الآن هو نقلها خارج فلسطين الى يد بعض المناضلين الذين يسعون ليلا ونهارا لأجلنا في المحافل الدولية
فوصول هذه الوثيقة اليهم سيمثل فارقا كبيرا في الحفاظ على مقدساتنا في القدس
وبالطبع لا يوجد مخرج لها الا من معابر غزة التي نعدها الأرض الوحيدة التي تم تحريرها فعلا بفلسطين ..
ولكن من الصعب جدا تحقيق ذلك .. فاليهود يحلمون بوجود خيط رفيع بيننا وبين حماس للقضاء علينا ويترقبون لنا كل خلجة كي يوقعون بنا في أي تعامل مع حماس لتحقيق هدفهم
وها أنت قد جئت الينا لتخرجنا من هذه الأزمة
فما رأيك ؟ .. ))
قام خالد منتصبا بقوة وقال .. (( أخبرتك أخي ياسر أن روحي فداءً للقدس والأقصى .. وأنا لها باذن الله .. ))
اتسعت ابتسامة ياسر وقال .. (( أعلم أخي الحبيب بأنك لها وكلنا يقين بهذا .. ولكن اصطبر قليلا حتى يتم الإعداد الجيد لخطة انطلاقك بها .. ))
قال خالد باهتمام .. (( ولكن رجاء التعجيل بهذا قبل مرور الشهر على تواجدي هنا .. لأنه من المفترض أن يتم لقاء بيني وبين أحد ضباط الموساد .. وأنا أريد أن يحدث هذا قبل لقائي به .. ))
ضحك ياسر وقال .. (( بالعكس فخطتنا ستعتمد على لقائك به .. لذا ستكون باذن الله بداية العملية في نفس اليوم واستعد لهذا من الآن .. ))
*****
.. (( معذرة أخي ياسر .. أسبوعين وأنا مقيم لديك على كفوف الراحة ولكن بلا عمل أو وظيفة ولم أعتد أبدا أن أكون عالة .. ولست أدري هل كل هذه الفترة ما زال الشيخ رائد يتدارس أمري ؟؟ .. ))
نطق خالد بهذه العبارة وهو يحدث ياسر مضيفه
فابتسم الأخير وربت على كتفه وقال له .. (( يا أخي الحبيب أنت صاحب البيت ولست ضيفا ولا تشكل أي عبء .. ))
ثم غمز له بعينه وقال له .. (( واصطبر فقد يكون هناك عملا لا يستطيعه غيرك ويتم الإعداد له .. ))
اعتدل خالد في حماسة شديدة وبرقت عيناه بقوة وقال له .. (( أنا مستعد لأي شيء ولو حتى عملية استشهادية أبشرني .. ))
ضحك ياسر وقال له .. (( الوضع هنا يختلف كثيرا عن الضفة وغزة .. فللأسف نحن من يُطلق علينا عرب 48 وهي الأرض الفلسطينية التي وقعت بأيدي الصهاينة في حرب عام 1948 وبعدها صدر قرار التقسيم واعترفت الأمم المتحدة بما يسمى دولة اسرائيل على هذه الأرض .. حاول اليهود بعدها تهجير وطرد العرب من هذه الأرض بشتي الطرق .. مرة بالترهيب والقتل والتدمير .. ومرة بالترغيب وشراء المنازل والأرض بأسعار خيالية
وبعد مرور أكثر من ستين عاما ظن اليهود بأنه حتما سيحدث الاندماج بيننا وبينهم اقرارا بالواقع والرضا بما صار وأصبحت هويتنا في أوراقنا الرسمية أننا مواطنون اسرائيليون
ولكن هيهات .. ففلسطين هي أرضنا من النهر الى البحر ونثق في وعد الله عز وجل بالنصر لعباده المؤمنين .. ولكن للأسف حتى بعض المناضلين أصبح ندائهم الآن هو العودة الى حدود عام 1967 وكأن كل الأرض التي تم اغتصابها قبل هذا التاريخ ليست أرضا فلسطينية ..
المهم أخي الحبيب نحن هنا وهبنا حياتنا في مدينة أم الفحم أن تكون قضيتنا الأولى في هذه المرحلة هي الجهاد لأجل القدس والأقصى وفي انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام ألفين حينما حاول الخنزير المسمى شارون إقتحام المسجد الأقصى بصحبة ثلاثة آلاف جندي
كانت شرارة هذه الأنتفاضة من هنا من أم الفحم
وكان أول شهيد بها من شهدائها الأربعة آلاف ونصف الألف شهيد فلسطيني كان أول شهيد من هنا من أم الفحم
وأخيرا مؤسسة الأقصى التي تعد أكبر خط دفاعي عن الأقصى والتي نجحت في كشف والعثور على كثير من الوثائق الهامة والخطيرة التي عطلت كثير من خطط تهويد القدس
وكان أخطرها محاولة بناء كنس يهودي بحي المغاربة المحاذي لحائط البراق والذي يسمونه حائط المبكي ..
ولهذا
وفي أغسطس 2008 وبأمر مباشر من وزير الدفاع الصهيوني ايهود باراك تم إغلاق مؤسسة الأقصى ونهب محتوياتها بما فيها من وثائق خطيرة
ولكن
كانت هناك وثيقة خطيرة جدا كفيلة بقلب كل الموازيين
نبش عنها الصهاينة كل ركن وفتشوا منازل كل مسئولي المؤسسة بما فيهم الشيخ رائد صلاح ..
والتهمة الجاهزة لديهم والتي بررو بها هجمتهم الإرهابية هو أن هناك صلة بيننا وبين منظمة حماس الإرهابية حسب زعمهم
هذه الوثيقة لم تنم أعينهم عنها حتى الآن .. وجل أملهم في العثور عليها
ونحن جل أملنا الآن هو نقلها خارج فلسطين الى يد بعض المناضلين الذين يسعون ليلا ونهارا لأجلنا في المحافل الدولية
فوصول هذه الوثيقة اليهم سيمثل فارقا كبيرا في الحفاظ على مقدساتنا في القدس
وبالطبع لا يوجد مخرج لها الا من معابر غزة التي نعدها الأرض الوحيدة التي تم تحريرها فعلا بفلسطين ..
ولكن من الصعب جدا تحقيق ذلك .. فاليهود يحلمون بوجود خيط رفيع بيننا وبين حماس للقضاء علينا ويترقبون لنا كل خلجة كي يوقعون بنا في أي تعامل مع حماس لتحقيق هدفهم
وها أنت قد جئت الينا لتخرجنا من هذه الأزمة
فما رأيك ؟ .. ))
قام خالد منتصبا بقوة وقال .. (( أخبرتك أخي ياسر أن روحي فداءً للقدس والأقصى .. وأنا لها باذن الله .. ))
اتسعت ابتسامة ياسر وقال .. (( أعلم أخي الحبيب بأنك لها وكلنا يقين بهذا .. ولكن اصطبر قليلا حتى يتم الإعداد الجيد لخطة انطلاقك بها .. ))
قال خالد باهتمام .. (( ولكن رجاء التعجيل بهذا قبل مرور الشهر على تواجدي هنا .. لأنه من المفترض أن يتم لقاء بيني وبين أحد ضباط الموساد .. وأنا أريد أن يحدث هذا قبل لقائي به .. ))
ضحك ياسر وقال .. (( بالعكس فخطتنا ستعتمد على لقائك به .. لذا ستكون باذن الله بداية العملية في نفس اليوم واستعد لهذا من الآن .. ))
*****
كانت عناصر الأمن الصهيوني السري منتشرة بكثافة في كل مناطق الضفة الغربية إضافة لكافة عناصر السلطة العباسية المخابراتي منها والبوليسي في بحث محموم عن أي طرف خيط يكشف هذا الغموض ..
فبعد المعركة الأخيرة والتي قتل فيها القيادي الحمساوي محمد السمان مع مساعده
وكان الشخص الثالث المرافق لهم هو صاحب المنزل نفسه .. والذي توقع حسين أن يكون هو خالد
وبعد اكتشاف الحقيقية ..
انقلبت الدنيا رأسا على عقب ..
فحماس صعدت الأمر إعلاميا لأقصى درجة وتوقف الحوار الدائر بينها وبين فتح بالقاهرة
وأعلنوا بأنها ستكون معركة شرسة بعد ذلك بينهم وبين فتح كلما حاولت السلطة اعتقال عناصرها فلن يستسلموا بسهولة ..
ولكن هذا لم يهن من عزيمة السلطة التي انطلقت تعتقل وتسحل عناصر حماس حتى بلغ عدد المعتقلين في خلال عشرة أيام أكثر من ثمانمائة معتقل ما بين عضو أو مؤيد لحماس
كل هذا ولم تفلح ولم ينجحوا في الوصول الى شيء
وتزامن هذا مع وصول لجنة دولية تبحث عن توثيق الاعتداءات الصهيونية في الحرب الأخيرة لكشف من المسئول عن جرائم الحرب
ورغم وصولهم عن طريق تل أبيب ومحاولة مقابلة الحكومة الصهيونية للتحاور معهم إلا انهم رفضوا التعاون معهم .. فبالطبع لن يتعاون المجرم لكشف شيء من جرائمة
ولو اكتشف شيئا لن يعترف بها ..
وأعلنت حماس أنها تريد من اللجنة كشف الجرائم التي تتم في حق عناصرها بالضفة ..
فذهبت اللجنة للضفة .. وكان الموقف من السلطة العباسية موحدا مع المسلك الصهيوني بالرفض عن إجراء أي تحقيق بالضفة ..
فما كان من اللجنة إلا التوجه الى غزة للبحث في آثار الحرب الأخيرة وما استعمل فيها من أسلحة محرمة وأسلحة دمار شامل وما قيل عن الأسلحة الأمريكية الجديدة التي كانوا يبحثون عن أي فرصة لتجربتها وكانت غزة أفضل مكان لتجربتها بالأيدي الصهيونية
وخرجت السيارة التي تقل البعثة الدولية من رام الله في رحلة طويلة وقاسية عانوا فيها الأمرين من التعنت الصهيوني والتعطيل والتأخير
وأخيرا دخلت أرض غزة
في نفس اللحظة التي اكتشف فيها الصهاينة فشلهم التام ونجاح خالد المظفر في الهروب منهم وأمام أعينهم في كل خطوة من خطواته ..
*****
كانت التعليمات التي تلقاها خالد واضحة ومحددة وصريحة ..
إياك ثم إياك ثم إياك محاولة التعامل مع عناصر حماس أو حتى الظهور معهم بالضفة ..
نحن حددنا لك كل الأماكن التي ستطرقها وكل الأشخاص الذين ستتعامل معهم
يجب عليك الالتزام بالخطة بكامل حذافيرها وعدم الارتجال مهما حدث
ومهما ظهر لك أن هذا هو الافضل من وجهة نظرك
فهذه الخطة تم دراستها على أيدي خبراء على أعلى مستوى يعلمون كل الظروف المحيطة بالعملية السياسية والاقتصادية والاعلامية والعسكرية
وتوقعوا كل الخطوات والمخاطر التي قد تتعرض لها وأعدوا أكثر من خطوة بديلة لكل مشكلة قد تتعرض لها ..
لذا فالأمان كل الأمان لك هو الالتزام بما أُعد لك ..
وثبت صحة هذا الكلام بشكل غير عادي لخالد
ابتداءا من المجموعة التي قامت بتشكيل ساتر بشري اختفي من خلاله بسرعة من أمام ناظري حسين
ثم السيارة التي أقلته مسرعة خارج المنطقة
ثم سيارة الإسعاف التي كان مجهزة ومعدة لإستقباله بشكل يوحي بأنه مريض على وشك أن تفيض روحه وجسده عار لا يغطيه إلا سرواله فقط
ثم هذا البيت الذي تم إيوائه فيه والذي ياللعجب كان يتبع أحد رجال فتح
أحد الرجال المخلصين بالمنظمة والذي يعيش على مبادئها القديمة قبل اتفاقات أوسلوا
والذي يري أن الحل الوحيد للقضية الفلسطينية لن يكون إلا بالبندقية
فكل طاولات المفاوضات التي نصبت لم يكن الرابح منها سوى الجالسين عليها بما يتناولون من أطايب الطعام فوقها وفقط
وحانت لحظة الخطر
السيارة التي أعدت لتقل الوفد الأجنبي الذي جاء للتحقيق في جرائم الحرب
المفترض لها سائق ومساعد ينهى الأوراق وتصاريح المرور من المعابر والمستوطنات
وتم تعديل ملامح خالد بشارب كث وشعر مجعد قصير ودهان خفيف جعل بشرته تزداد اسمرارا
وكان معه جوزا سفر فلسطيني بصورة على هيئته الجديدة
وكان هو هذا المساعد
وانطلقت السيارة
وكما توقعوا كان يتم التدقيق في الأوراق بشكل غير عادي
ولكن
مرت الخدعة عليهم
وفي أكثر من نقطة تفتيش
وفي أكثر من معبر
وأمام أكثر من ثكنة عسكرية صهيونية
أخيرا أفلح خالد في دخول غزة
وأقلت البعثة سيارات الأمم المتحدة بغزة في حين انطلق خالد إلى تاجر الزيوت الذي كان بداية معرفته بغزة وأهلها ثم نقلته الروحية والإيمانية والثقافية على يد شيخه الشهيد نزار ريان عليه رحمة الله ..
ذهب اليه ليعانقه عناق الأحباب المشتاق كل منهما للآخر
وأخيرا أخرج خالد الوثيقة التي استودعها الشيخ رائد لخروجها الى غزة ليسلمها له
وكانت المفاجاة ..
حينما فتحها الرجل ليجدها فارغة وبها جملة واحدة
كان المكتوب عليها
.. (( معذرة أخانا .. معنى أن تقرأ هذه الجملة أن الوثيقة ولله الحمد قد خرجت بأمان .. فأنت لم تكن سوى غطاء للعملية الحقيقية .. جزاك الله خيرا .. ))
دُهش خالد مما يقرأ ..
ولم يفهم ما المقصود ..
وعندما قص كل ما دار بينه وبين الشيخ رائد وعن حديث ياسر اليه بأمر هذه الوثيقة ومحاولة إخراجها ..
ضحك الرجل وقال ..
.. (( التمس لهم ألف عذر .. أولا أنت شخص غريب عنهم والله أعلم بهويتك .. فقد تكون مدسوسا عليهم من الموساد وتم ترتيب كل شيء .. لهذا يجب عليهم الحذر الشديد ولكن مع الاستفادة التامة من الموقف .. وكانت هذه الاستفادة متمثلة في ايهامك بتنفيذ العملية التي ستتحمس لها سواءا كنت صادقا أم مندسا عليهم
في الأولى ستبذل كل ما لديك بصدق وانت عليك جميع الأنظار ولو وقعت لن يكون معك شيء يستفيد به الصهاينة ..
وفي الثانية حتما ستكون معك مساعدة تسمح لك بالنفاذ بما معك ولكن بالطبع ستذهب لتسلمه لمن تعمل لحسابهم .. ووقتها أيضا لن ينالوا شيئا ..
وبهذا قد استفادو بوجودك بان جعلوك فقط غطاء للعملية الحقيقية التي تمت وبالكيفية التي حددوها هم .. والحمد لله فها هم يقولون أنه بمجرد قرائتك أن العملية قد نجحت وهذا خير لنا جميعا .. ))
قال خالد في دهشة .. (( وما الرابط بين قرائتي للوثيقة ونجاح العملية ؟؟ .. ))
ضحك الشيخ وقال .. (( بما أن العملية قد نجحت سأخبرك .. هل كان هناك شخصا مرافقا لك من هناك ؟؟ .. ))
قال خالد باهتمام .. (( نعم .. وهو نفسه سائق السيارة التي أقلتنا من هناك .. )) ثم توقف قليلا وضحك وقال .. (( هل تقصد أن الوثيقة كانت برفقته ؟؟ .. ))
هز الرجل رأسه أن نعم ..
قال خالد بإعجاب .. ياللذكاء ..
قال له الشيخ .. (( والآن .. هل ستقيم معنا كالسابق ؟؟ .. ))
ضحك خالد بغموض وقال .. (( لو أتيحت لي الفرصة فلن أفارقكم أبدا .. ))
ولم يفهم الشيخ أبدا ما هو مقصد خالد ..
*****
كان خالد يجول بأحياء غزة ليرى بأم عينيه كم الدمار الذي لحق بها على إثر الحرب الأخيرة
تلك الحرب التي تخلى فيها الأخ عن نصرة أخيه
بل وتمادي للمرة الأولى ليبرر للعدو سبب اعتدائه
بل وكان التمادي الأعظم هو بخنق أخيه والمساعدة في حصاره بغلق كل متنفس ومهرب له
كان الدمار قد لحق بمعظم المباني والمزارع والمصانع في مشهد مأساوي
ورغم كل الدعاوي الدولية عن وجوب إعادة إعمار غزة .. لم يحرك أحد ساكنا
فقد إتفق الجميع على التعاون لإعمارها
ولكن توقفوا عند نقطة لمن تُعطي المساعدات التي سيتم بها الإعمار
سلطة عباس ترى بأنها الأحق لأنها تمثل السلطة الوطنية والممثل الحقيقي للشعب الفلسطيني
وحكومة هنية تصرخ بأن هذه المساعدات فلتكن بيد لجنة دولية محايدة أو أي شخص موثوق به
المهم أن يبدأ هذا الإعمار
وتوقف كل شيء على شرط المصالحة بين فتح وحماس
ولهذا كان حوار القاهرة بينهما للمصالحة ولتوحيد الصف
وكان أحد أهم شروط هذا الحوار إطلاق سراح المعتقلين من كل طرف لدى الآخر
والتزمت حماس به
وعلى النقيض زادت فتح من اعتقالاتها في صفوف حماس في مشهد يوحي بأنهم لا يريدون هذه المصالحة ولا يسعون لها
جلس خالد برفقة الشيخ في متجره يستمع لكلام الرجل وهو يقول ..
.. (( ومن العجيب أن تجد هيئات دولية منها الأميريكي والأوروبي تهب لنجدتنا بقوافل مساعدات
وتصل هذه المساعدات الى معبر رفح وتتوقف ويتم تخزينها بالعريش حتى تفسد .. وشرطهم لعبورها إتمام المصالحة بين فتح وحماس في نفس الوقت الذي ترسل فيه الحكومة المصرية مساعدات انسانيه لسيريلانكا على بعد ملايين الأميال منهم ولا يربطهم بها لا عرق ولا دين ولا لغة .. بالطبع الدافع الإنساني يُحمدون عليه .. ولكن أليس من يشاركهم الدين واللغة والتاريخ أحق بتعاطفهم الإنساني هذا ؟؟ .. لماذا لم يطلبوا المصالحة بين نمور التاميل والحكومة السيريلانكية قبل ارسال المساعدات لهم ؟؟ .. ))
مال خالد للإمام ليضع كوبه بعد أن انتهي من ارتشاف الشاي الذي كان به واعتدل ليكمل حواره مع الشيخ واذا بمشهد رهيب أمامه بعد أن اعتدل في جلسته
فقد كان الشيخ مضرجا في دمائه
ووقف شابين من العاملين بالمتجر يطلقون النار باتجاه خارج المتجر
ارتمى خالد أرضا ليكون بعيدا عن مرمى النيران
واندفع الشابان للخارج لملاحقة من أصاب الشيخ بنيرانه
وقام خالد بسرعة ليوقف نزيف الشيخ
كانت الطلقة أسفل الكتف مباشرة والحمد لله ليست قاتلة
كان خالد يضغط بقوة على الجرح ليوقف النزيف والرجل يحاول أن ينطق بصعوبة ولكن كان الألم يخنقه
وأخيرا بعد خمس دقائق أتت سيارة الإسعاف لتحمله الى مستشفى الشفاء وخالد مرافق له
وهناك تم تطبيبه بسرعة ومهارة من اعتاد على اصابات الحروب
وأخيرا نطق الرجل وقال له ..
.. (( فلتحذر يا خالد فأنت المقصود بهذا الطلق الناري .. لقد كانت مصوبة الى رأسك ولكن عند انحنائك أفلتتك لتصيب كتفي .. ))
اتسعت عينا خالد في دهشة ..
معنى هذا أنه من المفترض أن يكون في عالم الموتى لولا هذه الصدفة القدرية التي قالت بقوة أن أجله لم يحن بعد ..
أكمل الرجل كلامه قائلا .. (( من الواضح أن عناصر الموساد قد توصلوا اليك ويجب إخفائك عن أعينهم .. ))
كان خالد مشوش الذهن لذا قال له .. (( المهم أن نطمئن عليك أنت أولا .. ))
وبعد ساعات كان الرجل قد أخذ تصريح بالخروج ومتابعة العلاج ..
وعندما خرجوا من المستشفى تزامن هذا بوصول إياد ولد الشيخ بسيارته وهو في منتهي الفزع والقلق على أبيه .. فقد كان في أحد المهام التي كلفه بها أبوه وعند عودته فوجيء بخبر إصابته
فانطلق مسرعا الى المستشفى ..
وعندما رآه خارجا من المستشفى اطمئن قلبه وبالطبع أصر على أن يصحب أباه للركوب بسيارته
وأصر خالد على مرافقته ..
وانطلقت السيارة الأخرى التي كانت معدة له وبها شابين من العاملين بالمتجر عنده
وانطلقت السيارتان خلف بعضهما البعض ..
وما إن سارا كيلو مترا واحدا
اذا بصوت انفجار هز المنطقة كلها
وتناثرت الشظايا المتبقية من السيارة التي تقل الشابين
والتي من المفترض أنها تقل الشيخ وخالد لولا وصول ابن الرجل في اللحظة الأخيرة ليقله معه هو وخالد ..
******
كان خالد دامع العينين وهو يقول للشيخ .. (( أنا مُصر على العودة إلى مصر .. فالأفضل أن أموت انا ولا أتسبب في موت الآخرين .. كفي ما حدث فقد كدت أن أتسبب في مقتلك وتسببت فعلا في استشهاد شابين رائعين .. والموساد لن يتوقف عن محاولاته لإصطيادي وكل يوم سيسقط الكثير من الضحايا بسببي حتى ينالوا مني .. لذا فالأفضل أن أعود لبلدي ومهما كان ما ينتظرني هناك فسوف أتحمله وحدي ولن يدفع الآخرون ثمن أفعالي .. ))
قال له الشيخ بوهن .. (( ولكن كل الطرق والمخارج مسدودة كما تعلم من تجربتك السابقة .. فما زال المعبر مغلقا ولا يتم فتحه الا في أيام نادرة وغير محددة ولا متوقعة .. والله أعلم متى سيكون موعد افتتاحه .. ))
قال له خالد باهتمام .. (( ما هي أخبار الأنفاق التي على الحدود الآن ؟؟ .. ))
قال له الشيخ بتحسر .. (( للأسف الحكومة المصرية تتنفنن في اكتشافها وتدميرها وقد تسبب هذا في استشهاد الكثير من شبابنا .. ))
اعتدل خالد في جلسته وهو يقول له .. (( ولكن بالطبع ما زال بعضها لم يتم اكتشافه .. ))
ابتسم الرجل ابتسامة شاحبة وهو يقول .. (( الحمد لله ما زال بعضها يعمل .. ولكن هل تضمن ألا يتم تفجير النفق أثناء عبورك كما حدث في المرة السابقة ؟ .. والله أعلم هذه المرة ماذا سيكون المصير .. ))
شرد خالد ببصره وقال له .. (( الموت يطاردني في كل مكان .. وما على سوى الأخذ بالأسباب وبعد ذلك ما يقدره الله سيكون .. ))
وافقه الشيخ بايمائته وقال له .. (( حسنا بعد غد باذن الله ستكون الليلة غير مقمرة وسيكون هناك حركة بالأنفاق .. فاستعد للمرور باذن الله .. وكان الله في عونك ويرعاك .. ولكن يجب أن تختفي في مكان غير متوقع ولا معروف لهم حتى هذا الموعد .. ولهذا سيكون أمرك بيد إياد ولدي .. ))
سلم خالد على الشيخ بعين باكية وهو يستشعر حقا أنها المرة الأخيرة التي سيراه فيها .. والله أعلم من فيهما سيعلم بموت الآخر أولا .. والعجيب أن خالد لم يكن متهيبا الموت ولا خائفا منه وكأنما قد تشرب من الأرض التي هو عليها كل مشاعرها التي تربي أهلها عليها
ولكن ما كان يؤلمه ويمزقه أن يموت الآخرون بسببه وأمام عينينه كما حدث
وذهب مع إياد ..
واتفقا على التفاصيل ..
وانطلق خالد متخفيا الى أحد المخابيء ..
وبعد يومين وفي منتصف الليل خرج بسيارة إياد وتذكر خالد الليلة التي حاول فيها المرور عبر الأنفاق في المرة الأولي
كانت نفس التفاصيل
الليلة غير المقمرة
السيارة ذات الكشافات المغلقة والمنطلقة ببطء في طرق غير معتادة
ابتسم خالد بمرارة وهو يتذكر الفارق
في المرة الأولى كان يظن بأن الرجل قد اكتشف خيانته وأنه ذاهب لإعدامه
وفي هذه المرة يفارق الرجل بكل الود وهو يشعر بأنه أقرب أهل الأرض اليه
وصل خالد الى الحدود وقد تغيرت كل المعالم
فبدلا من الخيام التي كانت منتشرة أصبحت صور الدمار ومخلفات الأبنية المتهدمة هي الأثر الوحيد المتواجد
توقفت السيارة على مبعدة وتحت إحدى المظلات
وصحبه إياد الى أحد الأبنية المتهدمة
وأزال قطعة خشبية كبيرة كأنها بقايا أحد الأبواب ليكتشف خالد خلفها أحد الأنفاق
سار خالد خلفه في طريق أفقى
حتى توقفوا بمكان متسع كانما كان غرفة ولم تتأثر بالدمار
وفي وسطها كانت فتحة النفق للأسفل كالسابق وعلى رأسها الرافعة
والرجال يعملون بهمة
وأخيرا حانت لحظة الفراق
عانق خالد إياد وطلب منه أن يبلغ أبيه أسمى آيات حبه وعرفانه بكل ما فعله له
وانطلق خالد
ومن الناحية الأخرى برز خالد برأسه للمرة الأولى
من العجيب وبالرغم من أن الفارق بين الفتحتين هي أمتار قليلة
ما إن استنشق خالد هواء الحدود المصرية حتى شعر براحة عجيبة
وانطلق مع الرجل في سيارتهم
وما إن تحركت السيارة قليلا
حتى ظهرت مروحية بكشافاتها وسلطت ضوئها على السيارة
وارتفع بوقها باللهجة المصرية الخالصة تطالب السيارة بالتوقف وعدم الحركة
فما كان من السائق إلا أن انطلق بأقصى سرعته
وتناثرت حوله طلقات الرصاص المنطلقة من المروحية
ولكن هذا لم يهن من عزيمة السائق الذي انطلق بأقصى سرعته
حتى دخل في منطقة نباتية متشابكة وأطفأ أنوار سيارته وانطلق فيها بنفس سرعته العالية وكأنما يحفظ تفاصيل الطريق عن ظهر قلب
والمروحية تدور بالأعلي
وأخيرا خفت صوت المروحية مما يدل على ابتعادها مما يبشر بالنجاح في الإفلات منها
سأل خالد السائق إن كان هكذا قد نجح فعلا
فأجابه قائلا .. (( نعم أفلتنا من المروحية .. ولكن حرس الحدود سيمشطون المنطقة بأكملها ولن يستكينوا قبل الوصول لشيء لذا يجب التفرق والإختباء كل فرد في مكان وحده .. ))
وكان نصيب خالد أن هبط في بيت بدائي خاص بأحد البدو
خصص له الرجل صاحب البيت حجرة منفصلة في أحد أطراف المنزل حتى لا يختلط بأهل بيته
كان قلب خالد يدق بانفعال وهو لا يتخيل أنه قد يمر بهذا الكم من الإثارة في يوم واحد
تدثر بغطائه وحاول أن يغمض عينيه
ولكن فشل تماما
وحينما بدأت عيناه تغفلان
شعر بفوهة باردة تلتصق بمؤخرة عنقه وسمع تكة ضعيفة
و صوت حسين وهو يقول ..
.. (( هل كنت تظن حقا بأنك قادر على خداعنا والإفلات منا ؟؟ .. ))
*****
قد يظن البعض بأن بداية هذه الأحداث حينما تم الاستدعاء لخالد من الشرطة بتهمة سرقة سجاجيد المسجد ثم تطورات الأحداث بسفره بأمه ومقتل ضابط أمن الدوله وهروبة من عقوبة الإعدام خارج مصر ..
وقد يظن البعض أن البداية الحقيقية كانت حينما دخل خالد غزة للمرة الأولى بنية التجارة والمكسب المادي ..
ولكن العجيب أن البداية الحقيقة كانت قبل ذلك بسنين عدة ..
وبالتحديد يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ..
ذلك اليوم الذي يعد فاصلا في التاريخ الحديث ..
اختلف الكثير فيمن يقف وراء هذه الأحداث .. ولكن بعد مرور خمس سنوات عليها وبعد معاينة التغيرات السياسية والعسكرية التي حدثت بعده على مستوى العالم .. اتفقوا على أن الحكومة الأمريكية نفسها كانت خلف هذه الأحداث ..
وفي أحد برامج قناة الجزيرة وعلى حلقات تم إذاعة آراء الخبراء العسكريين الأميريكين أنفسهم
وكان أقوى دليل تم ذكره وقتها .. شهادة أحد الخبراء المخضرميين حين قال ..
بأن هناك خطة معدة وتم تنفيذها أكثر من مرة بأن أي طائرة تخرج عن مسارها المخطط له في أجواء الولايات المتحدة يتم محاصرتها بالمقاتلات الحربية في أقل من خمس دقائق
والعجيب أن الطائرات التي تم الضرب بها خرجت عن مسارها أكثر من خمس وأربعين دقيقة ولم تخرج أي مقاتلة لتنفيذ الخطة المعدة سلفا
فمن الواضح أن تسهيل تنفيذ هذه العلمية وتيسيرها كان أمرا معدا سلفا لأن النتيجة استراتيجية وعالمية
فالمرجو بعد هذه الضربة السيطرة التامة على العالم
وخرج الرئيس الأمريكي بعدها يعلن مرة بأن من ليس معه فهو ضده
وأخرى يقول فيها أعلنها حربا صليبية
واصطف الجميع خلفه في صمت تام
فذهب بقواته الى منطقة القوقاز ليحتل أفغانستان ويسيطر على هذه المنطقة سيطرة تامة
ثم اتجه ببصره الى الطرف الآخر من العالم .. منطقة الشرق الأوسط
وفي تجاهل تام لكل النداءات الدولية بعدم شن حرب على العراق
وبعد حصار دام لاثني عشر عام
وبعد معرفة موضع كل إبره بالعراق
وبعد حرب إعلامية موجهة عبر جميع الوسائل الإعلامية المختلفة وقناة راديو سوا ومجلة هاي المخصصتين لهذا الغرض بالمنطقة ..
وفي ظن منهم بأن الشعب العراقي سيقابل جنودهم بالزهور
دخلو العراق في حرب وحشية
وصدموا من أن الشعب العراقي قابلهم بالقنابل بدل الورود
وسقط العراق في مارس 2003
وقام الحاكم المدني بأغبي قرار على الإطلاق ..
فقد حل الجيش والشرطة وشرد كل العاملين بهما
وكانت هذه أكبر وأعظم هدية للمقاومة العراقية
فقد منحهم ووهبهم أعدادا مهولة من الرجال المدربين والمسلحين بكامل عتادهم
واكتشف الأمريكان أنهم قد سقطوا في مستنقع أبشع ألف مرة من مستنقع فيتنام وتجربتها التي لم يستطيعوا التخلص من مرارتها بعد
وقد كانت العمليات العسكرية للمقاومة كل يوم تزداد شراسة وقوة وتنوعا
حتى أنهم في مرة أسقطوا مروحية حاملة للجنود العائدين في إجازة لهم الى الولايات المتحدة
وسقط فيها أكثر من بضع وثلاثون قتيلا أمريكيا
ومرة أخرى تم تفجير داخل إحدى كتائب الجيش الأمريكي في عملية أخرى هزت أركانهم
وأدرك الأمريكان أخيرا باستحالة البقاء على هذا الوضع
حتى تفتق ذهن شياطينهم عن خطة ابليسية
العراق مكون من طوائف وعروق شتى
أبرزها السنة والشيعة
لذا فبدلا من توحد سلاح المقاومة نحوهم
ليوجهوا سلاح كل منهم نحو الآخر
وبتخطيط وتنفيذ صهيوني بعد أن انتشرت أفراد مخابرتهم بالعراق في احتلال آخر خفي يذكرهم بأرض الميعاد الى نهر الفرات
تم الوقيعة بين السنة والشيعة بالعراق
ومن الشواهد القوية على ذلك
تلك الحادثة الشهيرة
عندما كان أحد التجار يسير بسيارته نصف النقل ببضاعته وبرفقته ولده الصبي الصغير
وفي إحدى نقاط التفتيش وأمام الحاجز تم إنزاله من سيارته واصطحابه لداخل نقطة التفتيش والقائه على الأرضة ووجهه يكاد يلامس الرمال والجندي الأمريكي يضغط على رقبته بحذائه
وبعد مهلة وتفتيشه ومعرفة إلى أين يتوجه ببضاعته
وكان بالطبع توجهه الى سوق كبير
سمحوا له بالعودة الى سيارته وإكمال رحلته
وبعد ان انطلق وهو غير مصدق لنفسه
أخبره طفله بأن بعض الجنود وضعوا أشياء في مؤخرة السيارة وسط بضاعته
أوقف الرجل سيارته وهبط ليفحص ذلك
فإذا بسيارته قد تم دس كمية كبيرة من المتفجرات المؤقتة بها
لتنفجر وسط السوق في محاولة لإشعال الفتنة بين السنة والشيعة
وهكذا غيرها الكثير من الحوادث
و أفلحت الخطة وتوجهت القنابل لتحصد الطرفين وتخفف الضغط عن العدو
واشتعل الصراع الإعلامي والعسكري بين أطراف المقاومة
وظهرت موضة إعدام الأسرى لدى المقاومة وذبحهم على شاشات الفضائيات
وحينما أرسلت مصر وفدا ديبلوماسيا الى العراق
تم اختطاف القائم بأعمال السفير إيهاب الشريف
وأعلنوا ذبحه
ولكن دون تصوير كالمعتاد وقتها
ولم يتم العثور على جثته حتى الآن
والآن ..
ما علاقة كل هذا بقصتنا الزلزال
*****
هل تذكرون خالد حينما ذهب الى المقابر ليودع أمه
حينما استعان بحارس المقابر للوصول الي مقبرتها
سنبدأ من هنا ..
حينما قلنا ..
اقتاده الرجل بين المقابر
وهناك في طرف قصي أشار إلى أحد المقابر التي لم يجف مواد بناء الساتر الذي تم حجب الجثة خلفه إلى الأبد
أشار خالد للرجل بالإنصراف
وما إن اختفى وقع خطوات الرجل
حتى مسح خالد على الحائط بيده وتفجرت دموعه من جديد
وهو يقول بتهدج .. (( سامحيني يا أمي ..))
واذا به ينتفض بقوة على إثر اليد التي وضعت على كتفه بحنان ورقة ..
وسمع صوتا مألوفا يقول له ..
.. (( يمكنك طلب السماح من أمك مباشرة عبر هذا الجوال .. ))
التفت بسرعة ليرى محدثه ..
فإذا به رجل أمن الدولة الذي يطارده .. والذي أُعلن مقتله عبر كل الصحف على يد خالد
كان واقفا بابتسامة ودود للغاية ويمد يده اليه بجواله .. ويقول له ..
.. (( هيا بسرعة فجرس الجوال يرن وسترد أمك عليك .. ))
كان خالد مذهولا ومأخوذا بشكل غير عادي ..
ما هذه المفاجئات المتوالية والمذهلة التي تهزه بعنف حتى أنه يشعر بأن هذه اللحظات هي لمحة من حلم يراوده فيه كل ما يأمله من حياة أمه وانتفاء التهم التي تلاحقه
هز رأسه بقوة ليتأكد من أنه بعالم الأحياء ..
واذا بصوت خافت يتصاعد من سماعة الجوال ..
فقال له الضابط .. (( هل ستتركها تحدث نفسها هكذا ؟! .. ))
مد خالد يده وتناول الجوال ووضعه على أذنه .. ليسمع أحب الأصوات .. وأحن الأصوات .. وأرق الأصوات .. صوت أعاد الدم ليجري مرة أخرى بشرايينه ..
صوت أعاد له الحياة .. صوت أمه الحبيبة وهي تقول في وهن .. (( أين أنت يا خالد يا ولدي ؟ ))
سالت دموع خالد رغما عنه وهو غير مصدق وقال لها وهو ينتحب ..
.. (( كيف حالك أنت يا أمي ؟ .. هل أنت بخير ؟ .. ))
.. (( الحمد لله يا ولدي لقد أتممت جراحتي على خير .. وتم نقلي بسيارة اسعاف لمكان آخر لا أدري عنه شيئا .. ولكن الرعاية فيه فائقة وأناس يتعاملون معي بكل الود .. ))
.. (( الحمد لله يا أمي على سلامتك .. وحفظك الله من كل سوء .. ))
.. (( متى سأراك يا ولدي ؟ .. ))
ارتبك خالد وهو لا يدري كيف سيجيب عن هذا السؤال ونظر للضابط وقال له .. (( تسألني متى ستراني .. هل لديك إجابة .. ))
ابتسم الضابط وقال له أخبرها .. (( بعد خمس دقائق ستكون عندها .. ))
هز خالد رأسه للمرة الثانية ليتأكد من أنه لا يحلم
ما الذي يدور وكيف انقلب الكون بسرعة هكذا
ولكنه أخبر أمه أنه سيكون عندها بعد دقائق
وبعدها نظر نحو الضابط بعد أن أعطاه جواله نظرة تساؤل حائرة جدا
وقال له ..
.. (( هل يمكنني أن أتفهم أي شيء مما يدور حولي ؟ .. ))
وضع الضابط ساعده على كتف خالد وهو يدعوه للسير كأنما هو برفقة صديق حميم قديم
وقال له ..
.. (( ستعلم كل شيء حالا ولكن يجب التحرك بسرعة لكي نحافظ على رتم الأحداث الحالي السريع والساخن .. ))
بدأ خالد السير معه .. وهو يتمنى كشف كل هذا الغموض ..
وتنهد الضابط واستنشق نفسه بعمق وبدأ يسرد على خالد ما خفي عنه .. قال له ..
.. (( أولا انا لست ضابطا بمباحث أمن الدولة .. فأنا أتبع المخابرات العامة المصرية
ثانيا .. قصتك معنا لم تبدأ منذ لقائي الأول بك .. بل قبل عودتك من غزة .. واليك التفاصيل .. ))
*****
منطقة سيناء والعريش وخاصة المناطق السياحية المرتبطة بالحدود الشرقية مع عدونا اللدود .. من أنشط وأخطر مناطق عمل المخابرات المصرية ..
وذلك بسبب الحدود شبه المفتوحة بيننا وبين العدو ..
ولهذا توضع الخطط وتتجدد كل يوم على حسب التطور السريع لملاحظة كل شاردة وواردة تدور في هذه المناطق ..
وفي أحد المكاتب الخاصة والمتستر خلف مكتب لشركة مصرية سياحية شهيرة
ارتفع رنين الهاتف ليرد عليه المختص .. وما إن علم بمحتوى المخابرة حتى اندفع مسرعا للضابط المختص بهذا الأمر وليخبره بمحتواها قائلا ..
.. (( أحد البنوك الأجنبية قام بصرف شيك بقيمة عشرة ملايين دولار من حساب شركة سياحة أمريكية بمصر .. والموظف اتبع التعليمات ويقوم بتأخير صرف المبلغ حتى يصل رجلنا .. وكما هي التعليمات النقود ستكون مسلسلة بأرقام معروفة .. ))
نظر اليه الضابط بعمق وقال له .. (( أرسل لهم عبد الله ولا يعود الينا إلا بعد معرفة مصير هذا المبلغ .. وليكن معه مكتب متابعة من رجلين لأي تطور سريع .. ))
وقد كان ..
وتتبع عبد الله الرجل الذي قام بالصرف .. والذي حاول التمويه والتهرب بطرق أكثر من بارعة مما يدل على أنه رجل غير عادي .. وأن هذا المبلغ سيكشف أمرا مريبا حتما ..
ولكن كانت مراقبة عبد الله أكثر براعة منه ولم يفلت منه أبدا
واذا بالسيارة تنطلق الى العريش ..
وركب معه ثلاثة آخرون ليذهبوا مباشرة لأحد الأحياء القريبة من ذلك الميدان الشهير
وتتوقف السيارة أسفل المنزل ..
ويهبط الرجل بحقيبته الثقيلة ويتبقى الثلاثة الآخرون بالسيارة
وعلى الفور أبلغ عبد الله مكتب المتابعة بما حدث .. فكانت التعليمات أن يستمر في المراقبة وأن هناك دعما في الطريق اليه ..
وغاب الرجل بالأعلى وعبد الله لا يعلم بأي طابق هو ..
وبعدها بقليل خرج الرجال الثلاثة ليصعدوا الى البناية وليتركوا السيارة خاوية ..
أخرج عبد الله منظاره ليتابع البناية محاولا أن يستشف أي تفاصيل أكثر تكشف ما الذي يدور بها .. ولم يستطع ..
وصل اليه فريق الدعم في نفس التوقيت الذي هبطت فيه سيدة مسنة برفقة ابنتيها وهما يحملان حقائب عادية وبعض الأكياس ..
وتمعن عبد الله في هذه الحقائب بحثا عن حقيبة الرجل المليئة بالنقود .. ولم تكن بها ..
وعلى الفور خطط مع فريق الدعم معه .. بأنه فور هبوط الرجال سيتبعهم .. ويصعدوا هم للبناية لتمشيطها .. هذا لو سارت الأمور على هذا المنوال .. مالم يحدث جديد في الأمر أو عند عدم الاضطرار للاشتباك ..
والغريب أن غيبة الرجال قد طالت كثيرا بالأعلى ..
حتى أن عبد الله اتصل بالمسئول المباشر عنه وأخبره أنه يخشى أن يكون هناك ما يدور بالأعلى ويكن تحركهم بعد فوات الأوان .. وأنه يطلب الإذن بالتدخل ..
أخبره المسئول بأنه سيرد عليه بعد خمس دقائق فقط لتدارس الأمر مع آخرين
ولكن قبل نفاذ الدقائق الخمس هبط الرجال وعلى محياهم آمارات عجيبة .. وهو يلوحون بأيديهم في ضيق ونفاذ صبر ..
وكما هو مخطط ..
تبعهم عبد الله وصعد فرق الدعم لتمشيط المبني ..
وفى إحدى الشقق وجدوا حقيبة النقود فارغة ..
وبعد التحري السريع عن أصحاب الشقة .. اكتشفوا بأن الطير قد فر أمام أعينهم
فالسيدة المسنة والدة خالد والشابتين أختيه خرجوا أمامهم منذ أمد
وأصبح من الصعب تتبعهم ..
وعلى الفور تم القاء القبض على الرجال الأربعة ..
ولكن لم يكن ضدهم أي شيء ..
وعند مواجهتهم بالمبلغ المسحوب وعن مصيره
أنكروا تماما أنهم سحبوا أي مبالغ ..
وعند العودة للبنك وشركة السياحة التي تم صرف المبلغ من حسابها
كان كل شيء معد بعناية
فالمبلغ مسحوب باسم أحد الموظفين بالشركة فعلا
وتم توريده لخزينة الشركة .. بالفعل على الورق .. وذلك لدخول الشركة في مشروع سياحي كبير يعوزه هذا المبلغ ..
وتبخر كل شيء فجأة ..
ولكن تبقي فقط خيط واحد ..
الأرقام المسلسلة للنقود ..
وهي التي كشفت الأمر فعلا ..
فبعد انتهاء الحرب على غزة ..
كانت هناك رقابة محكمة عند معبر رفح من جهاز المخابرات العامة المصرية ..
وذلك لأن مخابرات الكثير من الدول جاءت مسرعة تبغي الدخول تحت مسميات كثيرة من منظمات الحقوق الانسانية .. وذلك بحثا ودراسة حول المعجزة التي حدثت بغزة
عن الصمود الأسطوري لشعب ضعيف أعزل في منطقة صغيرة محاصرة أمام أعتي آلات الحرب الحديثة ..
وكانت المفاجأة .. عندما اكتشفوا المبلغ برفقة أحد قادة حماس ..
وكان هذا مثار دهشة شديدة ..
ربما يكون منطقيا أن يجدوه برفة أيا من رجال فتح ..
أما مع حماس فهذا يفتح قضية شائكة ورهيبة من التعاون بين حماس والصهاينة
وربما يقلب الموازين كلها رأسا على عقب
ولهذا تم الاهتمام بالأمر على أعلى مستوى
وقف عبد الله أمام رئيسه وهو يعطيه آخر التطورات قائلا بتردد ..
.. (( الأمر خطير جدا للغاية يا سيدي ..ويجب كشف التفاصيل بعناية وغموض هذا الأمر .. والآن السؤال هو هل نبلغ القيادة السياسة بهذا الأمر ؟ .. ))
نظر اليه رئيسه بعناية قائلا .. (( وما المانع من ابلاغهم ؟؟ .. ))
قال عبد الله بتردد .. (( أنت تعرف ميول القيادة السياسة الآن وأمر كهذا سيتم استغلاله اعلاميا للانتقام والضرب في حماس وبهذا ستضيع علينا الفرصة الحقيقية لكشف هذا الغموض .. لأن الأمر سيكون اعلاميا وسيتطور الى أبعاد لا قبل لنا بها وستفسد عملنا ))
فكر رئيسه بعمق كعادته وقال له ..
.. (( أولا نحن جنود في الميدان اعتدنا على طاعة القادة وليس من حقنا مخالفة القواعد والقوانين التي تربينا عليها مهما كان الحال .. فلو كل جهاز بالبلد فكر ورأي أن قراره هو الصحيح وأنه يجب أن يكون الأمر بيده وحده لتمزقت أوصال هذا البلد ..
تخيل أن ذراعك قرر التمرد لأن رأسك به ورم والعياذ بالله وبهذا فهو يرى بأن المخ لم يعد يصلح للسيطرة على الجسد .. هل هذا مقبول أو منطقي ؟ .. ولهذا نحن موكلون بفعل الواجب الذي يرضى ضمائرنا ونراه الصالح .. وبعد ذلك القيادة هي التي تتحمل وزر أو عبء أخطائها .. ))
قال عبد الله بتردد .. (( حسنا فلنبلغ مع وضع تقرير مفصل عن ضرورة عدم استخدام هذا الأمر سياسيا أو اعلاميا قبل التوصل لتفاصيله .. ))
ابتسم رئيسه وقال .. (( لك هذا .. ))
وقد كان وإن كان قد تسرب الخبر أيضا الى الصحافة بأنه تم القبض على أحد قادة حماس وبرفقته عشرة ملايين دولار .. ولكن تم التعتيم والحظر بسرعة حول هذا الخبر
حتى يتم الكشف الحقيقي ..
فلربما هناك مصيبة كبري تكون بداية النهاية لحماس ..
ومع أبشع وسائل التعذيب لإجبار الرجل على الاعتراف .. لم يتفوه بحرف
فما كان منهم الا اللجوء للعقل ..
أخبروه بأن الأمر خطير
وأن المبلغ تم تصوير عملاء الموساد وهم يسحبونه من البنك
وأرقامه مسلسلة ومعهم أوراق رسمية بذلك
وتم تتبعه لمعرفة لمن سيصل ..
وبهذا فهي قضية سليمة وخطيرة ولا تلفيق فيها ..
تخيل ما الذي سيحدث اعلاميا وسياسيا عند كشف هذه القضية ..
وبعد أمد طلب الرجل اتصالا مؤمنا بقادته للتشاور معهم ..
فسمحوا له .. وجائته التعليمات بكشف الحقيقة فعلا .. وأعطوه التفاصيل التي لا يعلمها
وأخبرهم الرجل بعملية خالد بالكامل وما تم بها ..
وعند معرفة العملية المذهلة التي قام بها شاب مصري في قلب غزة ..
شعر عبد الله بالحبور والفخر ..
فرجال مصر ما زال بهم الخير وقادرون على فعل المعجزات في كل مكان ..
ولكن كانت هناك معلومة خطيرة جدا ..
جعلتهم يتناسون كل أمر
ويتركون كل شيء ويركزون عليها ..
معلومة كانت هي البداية الحقيقة لقصة الجزء الثاني من الزلزال ..
بعد اطلاق سراح رجل حماس
ومع التأكيد على القيادة السياسة بأهمية العملية الخطيرة القادمة
وأن أي نشر حول هذا الأمر سيفسدها
وبعد شهور عدة لتدارس العملية المرتقبة والتخطيط الجيد لها
والبحث في نفس الوقت عن خالد وأسرته
وبعد التوصل اليه ..
تم البدء فيها مباشرة ..
*****
قاله خالد لعبد الله في ذهول .. (( كنت أظن بأن ما فعلته في طي الكتمان ولا يعلم به مخلوق بأرض مصر .. ))
ضحك عبد الله وقال .. (( في عصر المعلومات لا يخفي علينا شيء .. فبعد التوصل اليك كان يجب عمل اختبار شخصي ومباشر لمعرفة مدى تحملك واستعدادك للعملية ..
ومع الليلة الطويلة التي قضيناها سويا وأنا أتلاعب بك يمينا ويسارا آملا في ايقاعك في خطأ واحد .. ولكنك كنت بارعا بشكل غير عادي .. وقادر فعلا على التلاعب بمن أمامك
واكتشفت أنك سريع البديهة .. حاضر الحجة ولديك ذهن متوقد .. مما يؤكد على قدرتك الفعلية على نجاح العملية ..
وتم قرار البدء فيها ..
ولكن يبدوا أن صفاتك السابقة كانت سبب المتاعب لنا ..
فأنت تتحرك بسرعة وذكاء ..
ولولا متابعتنا الخفية والمباشرة لك لفقدناك .. ))
قال له خالد مقاطعا .. (( حسنا وما هي المعلومة الخطيرة التي دفعتكم للاستعانة بي وما هي تلك العملية المطلوب مني تنفيذها ؟؟ .. ))
ضحك عبد الله وقال له ..
.. (( هل تسمع عن السفير إيهاب الشريف الذي قُتل بالعراق ؟؟ .. ))
قال له خالد في حيرة ..
.. (( قبل أحداث غزة لم أكن أعلم أي شيء عن الأحداث الجارية .. ))
تنهد عبد الله بأسى وقال ..
.. (( رجلنا ايهاب الشريف كان على رأس بعثة ديبلوماسية .. كان هدفها الحقيقي بالعراق هو كشف المؤمرات الفعلية التي تحاك للوقيعة بين السنة والشيعة وتحويل صراع المقاومة الي صراع داخلي فيما بينهم مما يخفف الضغط عن معاناة قوات الاحتلال الأمريكي والتي كادت أن تتسبب في فشل المشروع بأكلمه .. لأن نجاح المشروع الأمريكي يعني احتلال فعلي لكل دول المنطقة وليس للعراق وحده ..
ولكن قامت المخابرات الصهيونية بكشف عمليته ولقاءاته السرية مع قادة المقاومة ..
واعتقلته فجرا .. ولطعننا طعنة مرة تجبرنا على عدم التدخل فيما بعد بالعراق ..
وفي اتفاق وصفقة سرية .. طلبوا من رجال القاعدة الاعلان فقط عن ذبحه مقابل تسهيل بعض عمليات التفجير لهم عبر حدودهم في الغردقة ودهب ..
كانت صفقة رائعة لرجال القاعدة .. مجرد اعلان يسهل لهم عمليات جهادية على حسب اعتقادهم ..
وهكذا تم الأمر وللأسف نجحوا في تفجيراتهم بدهب والغردقة فعلا في حوادث شهيرة غطاها الإعلام وقتها .. ))
قاطعه خالد قائلا .. .. (( ونجح الصهاينة والأمريكان فعلا في إخراجكم من العراق وعدم تدخلهم فيه أبدا بعد ذلك .. ))
أشاح عبد الله بوجهه في ضيق واستطرد متجاهلا تعليق خالد ..
.. (( المهم أن رجلنا تم نقله الى تل أبيب ولا نعرف مصيره حتى الآن وهل هو حي يرزق أم أنهم تخلصوا منه بعد استنفاذ الغرض منه ؟ ..
والآن عمليتك هي معرفة معلومة واحدة فقط عنه .. ))
سكت عبد الله فنظر خالد اليه بلهفة لمعرفة ما هي تلك المعلومة المطلوبة ..
فاستطرد الرجل قائلا .. (( نريد فقط معرفة هل هو حي أم ميت .. ))
اتسعت عينا خالد في دهشة كبيرة وقال له ..
(( وكيف لي بمعرفة هذه المعلومة العجيبة التي فشلتم في معرفتها كل هذه السنون ؟ ))
ابتسم عبد الله بغموض وقال ..
.. (( ضابط الموساد الذي نفذ عملية العراق واختطف سفيرنا .. من أخطر وأشرس وأبرع ضباط الموساد على الإطلاق .. يجيد جميع اللهجات العربية كأبناء بلادها .. ولديه جميع الامكانات التي أهلته للنجاح في جميع عملياته عبر تاريخه الطويل .. حتى ظهرت أنت في طريقة ومنيته بأول فشل .. ))
وأخرج صورة ليعرضها على خالد لتتسع عينا خالد أكثر مما كانت ..
فالذي كان بالصورة .. هو حسين نفسه ..
فاستطرد عبد الله قائلا ..
.. (( هذه هي المعلومة التي استطعنا التوصل لها عند معرفة عمليتك السابقة بغزة والتي كانت بداية الخيط للعملية الحالية .. وبهذا ستصل الى المعلومة عبر الرجل الذي قام باختطاف رجلنا نفسه وعبر خطة محكمة ومرنة قابلة للتعديل وجميع التطورات .. ))
قال خالد في دهشة ..
.. (( أعتقد لو ظهرت أمامه بعد أن منيته بأول فشل كما تقول سيكون أبسط رد فعل له هو تمزيقي إربا .. فكيف بك تطلب مني انتزاع هذه المعلومة منه وكيف ذلك ؟؟ !! ))
ضحك عبدا الله وقال ..
.. (( أولا كما قلت لك الخطة محكمة وأنت نفسك تسببت في شدة إحكامها بشكل غير عادي .. فردود فعلك القوية التي جعلتنا نتمكن من حبك الأمر بما هو معلن الآن .. ستجعل من المنطقي جدا لجوئك اليه فارا من البلد .. بالطبع لن يصدقوك .. ولكن من دراسة ردود أفعالهم السابقة سيكن المنطقي قبولك لمعرفة الهدف أو الخطة التي ورائك .. وبعد ذلك .. سيكون الأمر كالتالي ..
لو نجحت الخطوة الأولى وقبلوا دخولك كلاجيء من نير البقاء بمصر .. ولأجل المتابعة الجيدة سيكون من المنطقي عقد لقاء دوري معك .. ولأن هذا الرجل هو ضابط الحالة كما نسميه فهو الموكل بك وقتها .. ومع أول لقاء لك .. ستتطور الأمور عبر أحداث مصطنعة مما يجعله يطاردك وينقب الأرض عنك ويقسم ألا يدعك إلا جثة هامدة ..
ومن هنا ستبدأ عملية هروبك المعقدة .. والتي تم التخطيط لها بحيث تنجح في الهروب
ولكن ينجحوا في كشف خطواتك بعدها ..
سيارة الاسعاف التي سيتم التبليغ عن فقدها بعد اختفائك الفعلي سيكن الهدف من الإبلاغ اخبارهم بموضعك ..
ستذهب الى رجلنا والمنتمي لحركة فتح
مع التنبيه التالي
إياك ثم إياك ثم إياك محاولة التعامل مع عناصر حماس أو حتى الظهور معهم بالضفة ..
نحن حددنا لك كل الأماكن التي ستطرقها وكل الأشخاص الذين ستتعامل معهم
يجب عليك الالتزام بالخطة بكامل حذافيرها وعدم الارتجال مهما حدث
ومهما ظهر لك أن هذا هو الافضل من وجهة نظرك
فهذه الخطة تم دراستها على أيدي خبراء على أعلى مستوى يعلمون كل الظروف المحيطة بالعملية السياسية والاقتصادية والاعلامية والعسكرية
وتوقعوا كل الخطوات والمخاطر التي قد تتعرض لها وأعدوا أكثر من خطوة بديلة لكل مشكلة قد تتعرض لها ..
لذا فالأمان كل الأمان لك هو الالتزام بما أُعد لك ..
وستظل مختفيا مهما طالت المدة حتى تنطلق تلك اللجنة المزعم انطلاقها للتحقيق في جرائم الحرب .. وتم اعداد أوراقك وتنكرك للهروب كمرافق لهم وبعد وصولك لغزة ستكن إحدي كاميرات الاعلام المتابعة للأمر مسلطة على وجهك بعناية بما يكشف تنكرك
وبالطبع سيكون هذا الحدث من ضمن اهتمامات الموساد
ويكتشفون طريقة هروبك ..
وتستكمل المطاردة حتى تفلح في الهروب عبر الأنفاق الى حدودنا ..
وبالطبع مع كل الأجهزة الحديثة التي يتابعون بها الحدود الآن
سنكشف لهم عملية هروبك في مطاردة مفتعلة
وحين دخول هذا الرجل الينا
تكن عمليتك قد نجحت نجاحا مبهرا
لأنك سلمتنا أخطر رجل وبعدها نحن موكلون باستخراج كل المعلومات منه ))
****
دارت كل هذه الذكريات برأس خالد .. بعد سماع جملة تهديد حسين واكتشافه له
وهو يتذكر بأنه تم التنبيه عليه بأن المخاطر في هذه العملية غير محدودة وقد يموت في أولى خطواتها .. فهل يقبل بالمخاطرة في سبيل الايقاع بهذا الرجل الذي تسبب في قتل مئات الفلسطينين منهم الكثير من قادة حماس ؟؟
وما إن سمع خالد بكلمة تسببه في مقتل قادة حماس
حتى تذكر شيخه الشيخ نزار ريان
وشعر كأنما حسين هو من قتل شيخه برصاصة في رأسه مباشرة
ووجد أن هذه العملية لو تمت فهي خير ثأر لمقتل شيخه ..
وقبل التنفيذ والمخاطرة ..
وعندما علم أثناء العملية بأمر نقل وثيقة الأقصى
ولأنه يعلم بأن خلفه دعم غير عادي من جهاز المخابرات المصرية
قرر أن يقوم بالعمليتين سويا دون علم أي طرف بخطة الآخر
ونجحت الأولى
وها هي الثانية على وشك النجاح
وعبر الفوهة الباردة التي تلامس مؤخرة رأسه
أغمض خالد عينيه انتظارا للشهادة
وهو يشعر بأن رجال المخابرات المصرية ربما لم يتوقعوا تحرك الرجل السريع هذا
ولكن فجأة
أغشي بصره بقوة عند يزوغ هذا الضوء القوي بكل مكان
مما أغشي بصر حسين نفسه أيضا
وكانت فرصة لم يضيعها خالد
فرغم انعدام الرؤية أمامه
تحرك بسرعة من أمامه وهو يضرب المسدس من يد حسين مما أفقده اياه
وفي خلال ثوان
كان قد تم تطويق الرجل وتكبيله
وخالد منتصب أمامه كالليث وهو يقول له بتشف ..
.. (( سمعت بأنك تتبع جهازا عبقريا .. وبالرغم من ذلك انطلت عليك نفس الخدعة مرتين ))
ضغط حسين على أسنانه بقوة وقال له .. (( سأمزقك إربا ولو كان هذا آخر ما أفعله بحياتي .. ))
*****
كان خالد يسير الهويني برفقة أمه وهو يحيط كتفها بذراعة في حنان وعناية ..
وما إن أدخلها الى المنزل .. حتى تلقفها أخواته معه في لهفة وشوق ..
وحمل خالد ولده ريان ووضعه على قدمه ليؤرجحه كما اعتاد دوما
وما إن استقر بهم المقام ..
حتى بدءوا الاستفسار منهم عن كل ما فات ..
والعجيب ان أمر ملاحقة خالد بالصحف لم يلحظه أيا من أبناء القرية التي يعيشون بها بصعيد مصر
فقد كان متعمدا نشر اسم خالد الفعلي لهدفين
الأول كشف شخصيته للموساد
والثاني التمويه على من يعرفه بتلك القرية
وتحقق الهدفين بقوة ..
وأخبرهم خالد بمضاعفات العملية التي تمت لأمه وتأخر العلاج
وأن أمن الدولة كان يلاحقه لهذا ذهب للاسكندرية بدلا من القاهرة
وهناك كانت الملاحقة بعد اكتشاف مكانه
فما كان منه الا الاختفاء بأمه للعناية بها ولهذا لم يتصل بهم حتى لا يتم كشف موقعه عبر هذا الاتصال ..
وكعادة الشعب المصري الطيب البسيط
تم تجاهل الكثير من التفاصيل غير المنطقية
المهم أنهم قد عادوا اليهم بسلام
وأن أمهم وخالد بخير
وعادت الضحكة لتعبق بيتهم مرة أخرى
تمت بحمد الله
د. أحمد مراد
17-7- 2009
الصحراء الغربية