2

7 0 00

2

(جلابي ود عربي) , الآن ليست هي "الحّلة" التي أنشأها الأسلاف النازحين ..

"جلابي" اصبحت الىن من أحياء الدرجة الأولى , التي تتمتع بكافة الخدمات . فمنذ الحريق الكبير الذي قضى على كل شيء في جلابي ودعربي , حدثت تحولات مدهشة

: اذ أعيد انشاء المدينة من جديد , وبدلا عن أولئك الفقراء البؤساء , الذين كانت تعج بهم جلابي ودعربي , حل شعب كامل من المتأنقين في "جلاليبهم" البيضاء

الناصعة , وبذلاتهم الزاهية ..

أصبحت جلابي ودعربي رسميا " مدينة الفردوس الفاضلة" ..

وهذه المدنة رفيعة المستوى , أصبحت هي الحلم عسير المنال, لرجال الأعمال والسياسة والفنون والرياضيين والمهنيين الكبار, وصفوة المجتمع بصورة عامة ..

جميعهم يحلمون بالسكنى فيها .. السكنى في الفردوس الذي كان أسمه ذات يوم (جلابي ود عربي) ..

ثمة علامات فاصلة يؤرخ بها لجلابي ود عربي مثل : النزوح الآخير , اغاثة الأب رونالد ريغان وزوجته المصونة اميركا ( التي أنقذت أهالي جلابي ودعربي من الانقراض

) .. وحريق بيت أم التيمان , الى آخره من الأحداث الكبرى , التي مثلت فواصل أو مراحل انتقالية في حياة جلابي ود عربي ..

" شخصيات حميمة تخطر على ذاكرتي الآن " قال صديقي حسن .. فأجبت :

- ماذا تعني , ومن تقصد؟!..

-سأجيب على أحد السؤالين .. أقصد أم التيمان , التي توهمت منذ مراهقتها الباكرة , عاشقا كقبض الريح . فظلت تستدعيه من نبض الحروف , في رسائله العاطفية

القديمة اليها ..

أم التيمان أختفت في ظروف غامضة , أورثتني الندم , اذ لم أستجب لرفضها اقامة علاقة معي (في ذلك اليوم العجيب ) قرنت خروجها من حياتي , بمصير رغبتي في

التحقق أو التراجع .. لكن لم أتراجع , فقبلت بشرطها .. فخرجت من حياتي ,كما خرجت سلمى خير الله التي لم أنجح في هزيمة تسلطها , ونجحت بعد فشل لازمني لوقت

طويل.. قبل أن أتمكن من قمعها داخلي .

أطياف عديدة لأناس عرفتهم ذات يوم في لحظات انسانية مختلفة , تتراوح بين الضعف والقوّة , يمرون على الخاطر الآن , خارجين من قلب الذاكرة : تمضي ست البنات

العشمانة .. تمضي ثريا .. يمضي أدروب .. حسان جداد حسان جد .. جداد : هذا رجل عجيب وغريب , كادت أن تفتك أفكاره المتطرفة بجلابي ود عربي . فبعد مجيئه

من الأراضي المقدسة (يبدو أن العرافين الذين طردوه ذات يوم أعادوه مرة أخرى ) وتعبيرا عن ولاءه وتقديره لهذه العودة أخذ يقيم الندوات في مسجد جلابي ,

ولا يكتفي بخطبة الجمعة .. كان يتحدث عن فرقته الناجية , ويعمم أحكام التحريم , منكلا بتاركي الصلاة :

" نكاحهم باطل , ذبيحتهم ومؤاكلتهم حرام , لا يدخلون مكة, لا ميراث لهم أحياء أم أموات , لا يغسلون ويكفنون , ولا يصلى عليهم , ولا يدفنون مع المسلمين

..(يتنحنح)عباد الله , اتقوا الله .. أستغفروا الله ان كنتم مؤمنين .. أستووا يرحمكم اللّه" ..

هذا التصعيد العاطفي شديد التركيز لمنظومة الترغيب والترهيب , التي شهدها خطاب حسان جداد , أصاب أهالي جلابي ود عربي البسطاء بالزعر والقلق والتوتر ,

فأصبح مزاجهم عكرا وأخلاقهم ضيقة ! ينفجرون لأي سبب , وبدون سبب .. فالرجل أعتمد في تدمير معنوياتهم ,على الكلمات ذات الوقع الرمزي الثقيل في اللا وعي

الجماعي ..

وهكذا بين ليلة وضحاها , وعلى نحو مباغت ,نصّب حسان جداد نفسه خليفة لله على الأرض , ووسيطا بين النّص المقدس وأهالي جلابي ودعربي المرّوعين ..

لم يترك جداد شاردو أو واردة, تمس حياة أهالي جلابي ود عربي ,الا وألتمس لها حكما تحريميا صارما , فتدخل بصورة مباشرة في حياتهم .. تفاصيلهم الدقيقة ,

التي يصعب التماس ربط لها في النّص الديني العمومي جدا !!.. قائلا بأهمية أغلاق باب الفتنة , معتمدا على لغة الخطر الدائم , المحدق بأهالي جلابي ود عربي

المغلوبين على أمرهم , وبمبالغاته الهزيانية أعتقد بعض البسطاء : أن جداد هو الناطق الرسمي باسم الله , و أنما النصوص التي يستشهد بها ,قد نزلت في حقهم

وحدهم , وأختصت بها جلابي ود عربي, دونا عن سائر مخلوقات اللّه واراضي كونه الواسع !!..

ولولا أن ثلاثة من أهالي جلابي ود عربي , ربضوا له ذات ليلة غاب فيها البدر , وأبرحوه ضربا , لأصاب الرجل أهالي جلابي ود عربي بالجنون

خرجت الشائعات بأن الثلاثة الذين أبرحوا حسان جداد ضربا هم : كسبان الضّاوي وجمال الحلّة و عبد الرحمن العوير .. لكن لم يكن ثمّة ما يؤكد هذه الشائعات

, رغم التحريات الواسعة, التي قامت بها الشرطة ..

الا أن" العلقة " الساخنة التي تلقاها جداد في ذلك "الكمين" من قبل المجهولين الثلاثة (أقام أهالي جلابي ود عربي فيما بعد, نصبا تذكاريا لهؤلاء الثلاثة,

اسموه بنصب: الجندي المجهول) جعلته شيئا فشيئا يخفف من ترويعاته للناس , وتدخلاته في حياتهم , خاصة أن الأهالي للثأر منه حاصروه بشائعات مذهلة , جنحت

بعضها للزعم, بأن جداد أغتصب ثريا بنت السّرّة في اول مراهقتها . وكادت هذه الشائعة بالتحديد تصيب جداد بالجنون !!.. فقد أسودّ وجهه وتهدل جفناه , وكان

واضحا أن الرجل لم يغمض له جفن, منذ وقت أطول من الوقت, الذي قضّاه أهل الكهف وهم نيام !..

ويبدو أن هذه الشائعة المتقنة بالتحديد , هي التي نجحت في تحجيم نفوذ جداد, الى أقصى درجة ممكنة . فقد تقلص خطاب ارعابه للأهالي البسطاء في جلابي ود عربي

, وأوقف حملاته الى أن تهدأ الاحوال .. لكن يبدو ان خطابه الأرهابي تمكن من بعض النفوس ( فحتى صديقي حسن كما علمت لاحقا انضم لفترة محدودة الى العرافين

جماعة جداد) التي أستطاع توليف قلوبها بسخاء مريب !!..

أخبرتني سارة بعد مضي وقت طويل, من انضمام شقيقها حسن الى العرافين , أن حسن في ذلك الوقت تحول الى كائن مزعج , اذ أخذ يحلّل ويحرم كما يعن له , فحطم

التلفزيون الملّوّن الذي أقتنوه بعد جهد جهيد وأحرق الملاءات الجديدة لأنها ملوّنة , وألحق بها الصّور الفوتغرافية , بدعوى أن كل ذلك حرام . الأمر الذي

دفع والدته (حاجة بخيتة) الى طرده من البيت . وبعد مضي بعض الوقت أدرك حسن خطأه , فوّسط سارة لدى أمه, وأخوانه فسمحوا له بالاقامة الجبرية , ريثما يتأكدون

أن اللّه رد له صوابه .. تذلل حسن وطلب السماح فسامحته أمه " قلب الوالد شفوق!".. عاد حسن لكن لم يعد لديهم تلفزيون او ملاءات ملونّة !!..

في ذلك اليوم الذي جاء فيه حسن طالبا السماح , فرح أشقاؤه وأحتفوا به باقامة بارتي partyصغير, دعوا له الجيران والأحباب الذين كانوا يتسآلون :

- ما المناسبة ؟!..

-لقد عاد حسن ..

كانت فرحة الحي بعودة حسن لا تقابلها فرحة , احتفى به الجميع حتى أن خلاّنه من شلّة عبده الخال ,عزموه على كأس من عرقي الجوافة البكر , فشرب حسن في ذلك

اليوم, كما لم يشرب من قبل , وغني " سامحني" حتى الصّباح ..

كان عبده الخال أكثر افراد الشلّة سعادة , فهو صديق طفولة حسن وصباه وزميل دراسته , وشريك مغامراته العجيبة .. كما أنه من أكثر الذين تضرروا من تلك التحولات

" الجدادية" التي أعترت حياة حسن (قال له مازحا وهو يمد له كأس عرق الجوافة الثالث:

-البيباري الجداد بيوديهو الكوشة,

فضحك حسن دون أن يعلق ) اذ لم يعد يأكل معه في صحن واحد , بدعوى أن مؤاكلته حرام !!.. الأمر الذي أضطر عبدة الخال الى طرده في نهاية الامر, وتحذيره من

زيارته مرة أخرى ..

الحاشية الثانية :

المجتزأ الثاني من المخطوطة السرية :

بسم اللّه الرحمن الرحيم – ربنا آتنا في الدنيا حسنة , تباركت ربنا خالق النّور ومبدأ الوجود أرزقنا سوق لقياك والصعود الى جناب كبرياك , وأجعل ذواتنا

من الطاهرات الكاملات , فالفارقات العابدات . اليك أنك ولي الأبد وصاحب الطول العظيم . أما بعد هذا هو خبر ما جرى في جلابي ود نوبة , منذ نشأتها الاولى

, الى أن أخذها السيل , ورّوعت أهاليها القرنتية . أعلم أن ...(ممزق) ..

ما قالته الميرم كلتوم لسلمى خير اللّه , عندما جاءتها لتفتح لها الكتاب , لم يختلف كثيرا عما قاله لها أبكر المعراقي بعد ذلك بوقت طويل . قالت لها الميرم

:" : (ستخرجين من عتمتك الى اشراق , يملؤك بالنور . فلا ترين سوى دربا اخضر , وجدر تسلقتها نباتات الخريف, وبين بين نهرين من اللبن والخمر , على ضفافيهما

تنهض أشجار المانجو , التى تغرد بين تلافيفها الطيور الملونه , وتجلس تحتها الطواويس والغزلان ..

ستخرجين من عتمتك الى بوح ندى , يخاطبك الناس بالشعر , فتتكلمين بلغة العصافير , وتدركين أول الانبياء(دالي)وتخرجين من كتابه كما خرج علي .. تحكى له عن

طيّ الزمن , والمسافات , والوجوه المغبرة , وعكرة خلفتها وراءك . فيبادلك الحكمة , ويبتسم ثم يسجد وتنتظرينه وتنتظرينه , لكنه لا يرفع عن السجود, اذ يغادر

الي الاشراق..)

خرجت سلمى خير الله من الغرفة المعتمة , دون ان تعيرالصّبي الصغير , المتكىء على مواربة الباب , التفاته . مضت فى الدرب الملتوى , تتجنب المستنقعات والبرك

الصغيرة , فى الزقاق المظلم . وتخشى ان تهاجمها كلاب الحي على حين غرة ..

وهى تخلع ثيابها حائلة اللون , لترتدى قميص نومها الداكن الخشن (وقتها كانت سلمى تخطط للأغتراب بعد أن خلفّت وفاة والدها المبكرة أوضاع بالغة السؤ)

.. عندما دخلت سألتها أمها بلامبالاة :

- أين تأخرت كل هذا الوقت ؟!..

فأجابت باقتضاب وهى تستلقى على سريرها :

- أخذتنى سارّة الى العرّافة ..

كانت صديقتها الوحيدة سارّة , قد ألحت عليها , بالذهاب معها الى الميرم كلتوم العرّافة , ذات المهارات المتعددة __ ( فهى تخط الودع , تقرا الكّف , تضرب

الرّمل وتفتح الكتاب .. بعد أن تضع أعواد البخور , على المباخر العديدة المنتشرة فى الغرفة الضيقة , الصغيرة , بضؤها الكابى , الموّحى .. ليتصاعد الدّخان

السحرى , محيلا الرؤية الى ضبابية , متقشعة . مسربا الخدّر , والاحساس بالوجع اللذيذ . الخفى . فى كل شىء ..حتى قطع الأثاث العتيقّة ..

كانت سارّة دهشة للسؤال الذى يطرحه حال سلمى , فهجسّت بالاجابة عن هذا السؤال . باحضارها الى الميرم كلتوم , ولية الله الصالحة , التى ولدت مختونه(كما

أشاع عنها عبد الرّحمن العوير عند رحيله الى جلابي) , وعزفت عن طلب الرّجال( كما يحكي التاريخ القرّيب لجلابي ود عرّبي والمدينة الريفية ).. , ماء شبابها

يتجدد كل يوم(كأنه لا يغيض ) فهي نضرّة لا يغشاها غضّن ,أو يخطّ عليها شيب .. وعندما حدثت سارّة الميرم كلتّوم عن سلمى خير الله . تبسمت الميرم عن

اسنانها النّاصعة , المكتملة , ولم تنبث ببنت شفة ...)__ فى البدء رفضت سلمى الذهاب , ثم لانّت . كأن قوة خفية نهضت فجأة , لتدفعها دفعا .. وعندما خرجت

من غرفة الميرّم , كانت سارّة قد أختفت من الصالة , حيث تركتها قبل أن تدخل على الميرّم , التى مضت بها فى دروب ذلك العالم البرزخى , تدفعها دفعا لقطع

وهاده وسباسبه , الى أن توقفت عند شجرة ( اللأ لوب) فى المنتهى .. فتركت سلمى تسير وحدها , كطيف سابح فى بحر من النور الكّلي ..

لم تبحث خديجة عن مريم , وغادرت بيت الميرّم فى عجلة , وهى تتعثر فى قطع الأثاث بطريقها . دون أن تشعر بها . الى أن لفحها تيار هواء بارد , فادركت أنها

بمنتصف الزّقاق المفضّي الى الشارع الرئيسي ..

كانت سلمى منذ طفولتها كغزالة نافرّة . فعندما تبدأ الفتيات فى لعبة ( الحجلّة أو عريس وعروسة , الخ ..) تقصى نفسها ك ( وزينه ) على ضفاف بحيرة شاسعة

. لا تريد التوغل .. تتركهم يمرحون وحدهم . وتراقبهم وهى تنشد :

( الزّارعينا فى كبد البوصة .. نّي , نّي .. مونجيض +

الطير كلّي البرسوسه...

الزّارعينا فى كبد الغابة .. نّي , نّي .. مونجيض +

الطير كلّي الورّتابه .. )

وظلت هذه الأنشودة , تعزّية وحدتها . منذ ذلك الوقت . وكانت حين ترغب فى فصل نفسها عن العالم الذي أخذ يتهشم حولها بعد أن فضحهم حسّان شقيقها الكبير في

الحي ونكّس رؤوسهم , تتوغل متسحبه الى داخلها وتدخل فى حالة لا شعورية , وتبدأ فى ترديد أنشودتها المحببة , بصوت عميق , ملؤه الأسى واللّوعه . كأن طقسا

بكامله , تؤديه جوقه من الرّهبان .. الى أن يخترق صوت سارّة كالمعتاد , فى كل مرّة عالمها الطقسي :

( الناس عرسو .. انا فى النميم يا يابّا ... )

هكذا تشرخ سارّة عالمها فى كل مرة , فلا تملك سوّى أن تنظر اليها بمحبة , وتمسح حبات العرّق من وجهها , وتبتسم دون تعليق ..

تقول لها سارّة :

-جاني عريس.

-مبروك ..

-وأنت ؟..

-مالي أنا ؟!..

-يجب أن تتزوجي ..

-الا ترين كيف هو الحال في أسرتي , سأغترب ..

سنوات غربتها تمضى بخطى وئيدة , كتسحب الشمس شيئا فشيئا , قبل أن تغيب . وطفل سارة الذى أرسلت لها صورته - فى السنة الأولى لولادته - يكبر . يصير صبيا

, وسيما . تطل شقاوة أمه من عينيه . تبتسم سلمى عند هذا الخاطر , وتدخل آخر الصّور -التى أرسلتها لها سارّة قبل شهر , للصّبي أليف الملامح , صّبوح الوجه

- فى اطار مذّهب حذاء التسريحة ..

فى غربتها المترّفه تنفتح حياتها على بوح قديم , ظنّت أنها خلّفته وراءها .. بوح يطل برأسه من رّحم الماضي , بين آونة وأخرى .. يخزّ رغباتها الغامضة (التى

ليست لديها فكرة واضحة عنها , فقط محض رغبة فى التلظى والتشظى ).. تخرج منها, الى صلوات سرّية طويلة , تختمها بتلك الأنشودة التى تحبها , دون أن يخترق

صّوت سارّة عالمها الطقوسى ويشرّخه ...

تتفجر كوامن شجنها لوجه غامض , تعرفه ولا تعرفه . يجيء بملامحه المبهمة , من خلف ضبّاب المغيب , لحظة ما قبل الفجر الغامضة ...

يصبح كيانها كله مشدودا كوتر كمان , عميق الجرّح والآهة , أسيان كنّدى فجر شاحب .. يخرج ابن سارّة من الصّورة , يعزف حتى تكّل يداه من العزف المنفرد ,

فيتوقف عن العزف , وتخرج سارّة , من سطور الخطاب .. تشد الوتر ( وجدان سلمى ) وتعزف نغما مألوفا , عن الشجن والترقب , فتهتف فيها بكل التحفز العميق :

-( انه هو ) !..

فتتوقف عن العزف .. تستند الى ساق النّخل , كالمنهارة . تدخل فيه .. تتلاشى !!.. وعبثا يطول انتظارها لخروج سارّة .. (التي كانت قد أحتضنت ابنها , وغابت

فى سطور الخطاب ...

تعيد سلمى الصّورة الى التسريحة , تلوكها الهواجس والظنون , فتحترّق بنيران الاسئلة , الى ان يأخذها النّوم , وتمضي بها الأحلام الى عالم مضيء .. تتلّفت

حولها لترى مصدر الضؤ , وعبثا تبحث .. فاضاته من اللا مكان : لا شرق . لا غرب , لا شمال أو جنوب ..تتسلق حائطا أخضر . يبدو لها ناعما . وتسبح بعده فى

نهر الخمر . تتشرب مسامها بالخدّر . وتتسع رؤاها ورؤيتها . , فتدرك الضّفة الاخرى منهكة .. وهى بين الصّحو والنّوم , تحط على كتفها يمامة , وتقترب غزالة

, لتجلس اليها فى حنو . تحكي لها عن الذى وجدته ملقى على شاطىء البحر , وحيدا , ينضّح بالعذاب . فسقته من ثديها..

-كان ينضّح بالعذاب ! ..

تؤكد , فتقول اليمامة :

-العذاب غسول الصالحين ..

وتحلّق , تحلّق .. لتجد سلمى نفسها بين منزلتين ...

لطالما حلمت فى تلك النهارات البعيدة , بوجهه غجري الملامح . يأخذها من قلب حلقة ( الذّكر ) , ويمضى بها فى مسارات غائظة بالتوجس , مشحونّه بالمغامرة

, بين احتمال موت جدير بحياتيهما , وحياة لا تدركها تلك الهواجس والظنّون , التى عانتها فى أسى والتياع , بانتظاره المضن !!!...

كطاقة بعث - كانت حياتها - تخرج من قلب دهاليز التاريخ وازقته وحواريه , فى مدنه المدفونه . وعندما ألتقت (علي) تصورته في البداية هو .. لكنها ما أن توغلّت

في عالمه وأكتشفت علاقاته المعقّدة بأم التيمان وست البنات العشمانة وثريا وكل الحكّايا التي عرفتها عنه (ولم تلمّح له ابدا بأنها عرفتها ) .. أصيبت بانقباض

خفّي.

لطالما حاولت التخلّص من علاقتها غير المسماة به, وكثيرا ما كانت تعزّي نفسها بمحاولة ايجاد المزيد من الاجابات لرفضها له . فتقول " على كل حال علي يصغرني

كثيرا " .. ظلّت تقاوّم سطوته عليها, حتى اختفى من حياتها تماما, بعد أداءه الخدمة الوطنية ..

طاقة تتفجر هكذا , كبركان . تجتاح حممه كل شىء . لتدفعها دفعا لارتياد عوالم لا تدركها . فقط تحسها . وتكاد تتلمسها . بانأملها التى ترى ما لا يرى !!!..

..

حاولت أن تغلق قلبها دونه , لكنه ينفتح على شبح وجهه , غامض الملامح . وجهه المحزون , بخزلان حوارييه , وخيانة حسن الصديق القريب(مع ثريا) .

وجهه المندفع من عالم سرمدي , بعيد , بعيد . لا تدركه الأبصار . .. فتهتز سلمى كنخلة , فى مهب الرّيح , يحاصرها "التساب" .فى غمرة الادراك لوجودها غير

المدرك .. وتمضي فى رحاب عالم تصّله ولا تصّله . واذ تصّلّه لا تجده . وهو فيها . وهى فيه . يتماهيان . فلا يصبحان واحدا . بل صفرا . مركزا للواحد . .

وواحدا على هامش الصفر .. ( تتوحد ) فيه , ليتلاشيا , معا . ولا يعود لهما وجود : ( صفر ) .. وخز شفيف وشقّي , يجبرها على طرد هذا الخاطر , وخز يتكون

كدمل . يتحفز للانفتاح على نافذة مترّبة . بتعاقب الفصول . ..

لثمة خفية تنزعها من مكانها , تتلّفت حولها , وتستكين . خدّر , بلسم يهديء صّبوتها .. عذّابها الجرّح .. فتترقب وجهه أكثر , وجهه الغامض يلوّح من "شفق"

المغيب , فجأة , كما صعد فجأة , تاركا صالبيه : حيارى , وهم مروعين مما شبه لهم , فى ذلك الفجر الذى ينذر بالمخاوف - .. يمضي بها , يقلق أحلامها , ويعزف

على الكمان , أغنية الانتظار - للتى طال انتظارها.. الجرّح العذّاب - لمخّلصها من عذّابات الوصول (العذّاب .. العذّاب , غسول الصّالحين ..) .. تضج بأنين

الشجن , وتأوهاته , ألم الغربه , القاحلة وأحتراقاتها .. هذا الموت الذي يدّنو منها , ليقودها الى ( الفناء ) , مبددا تصّوراتها ..

ذاك الوّجه الغامض , الذى يتبدى عن أوتار الكمان , وتلافيف الشجن عصي البّوح .. يقلق وحدتها .. تتشظى به , فيمضي أكثر لوعه وألتياع , ويمضي ولا يجيء ..

يغيب فى سرمديته ...

وتحت وطء الانتظار تغوص , فى أرخبيل شائك . يدفعها الشوق . تعبره ملأى بالجرّوح المتقيحة , تتمدد تحت نبات( اليقطين ) .. تتشكّل معهما ( هوّية واحدة )

: - محض نّور .. فيطّل وجه المدينة الريفية, وجلابي ود عربي خارجة لتوها من قلب التاريخ .. تطّل الوجوه التي عرفتها ولم تعرفها أبدا , يطّل وجه أم التيمان

ذلك اليوم, وقد قررت أن تغادر جلابي ود عربي الى الأبد .. دون أن تفصح عن السبب "كرهت هذا المكان" .. يطل وجه (علي – آري – سورنق – دالي) وذلك الشعور

بالذنب في عينيه, كلما جاءت سيرة أم التيمان(أو لنقي , أو سابا سليلة الجنيات ) بينهما عرضا ..

اطل وجه الميرم , كانت منتصبة . تتقدم تجاه سلمى ببطء , تعبر اليها من مكان بلا ملامح , حيث تقف فى الغياب .. تبدل وجه العرافة , حل محله وجه ابن سارّة

شابا فتيا , متلفعا ببردة الكتّان , الناصعة ذاتها .. تقدم منها فاتحا ذراعيه .. لحظتها كانت احلامها ( هى سارة) قد غلب عليها الغموض و الألق ..

كان قد أقترب منها .. أستحالا الى لا شيء . تبددا فى الضؤ , الذي يغمر أسقف البيوت الواطئة , الشجر , أوكار الطّيور , جحور القوارض , حظائر الحيوانات

الأليفة , ووجوه المارّة .. عابري السبيل ...

تتلاشى ذكرياتها القديمة , لتتشكّل اللاذكريات . يتلاشى الحنين الى الحنين . ذكريات الطفولة , شارع البيت , اشجار الحوش الكبير , قهوة منتصف النهار ,

الطرّيق الى محطة المواصلات وعاصمة بلادها الملبدة بالحذّر .. حنينها لأسرتها , لعالمها ذاك .. النّاس والأشياء .. يتلاشى كل شيء .. يتشكّل فقط وجه الحبيب

, فى بردته الكتّان , الناصعه . يقترب شيئا فشيئا الى سطح عالم الحنين المنهار .. ليحل مركزا لوجودها وكيانها وحسّها .. يلعبان اللعبة ذاتها : يكر فتفر

. تفر فيكر .. ويدهمها ليلا ليخطف منامها , ويقطف ورّدة جرّحها , ليغذي الحنين من بوح تلك اللحظات الغامضة , التى ربما عاشاها أو لم يعيشاها معا أو عاشتها

سلمى لوحدها !.. فقط تشعر سلمى بسارة , تتقمصها , وابنها يحتضنها حتى تئن ضلوع سلمى .ويغلبها التمزّق والارهاق , فتغرّق فى النّوم ...

أحلامهما ( هى وسارّة ) غلّب عليها الغموض والتوجع , المستمد من أعماق غربتهما , ركاميهما , البلى الذي حاصرهما , وكل التخثر الذي حاولتا تمزيق أغشيته

, للافلات من تبدد الزّمن والمكان , والشروع فى الحلّم ...

تكلم معها (علي) كثيرا عن سارة :

-يجب أن تتكلمي معها , فقد أصبحت سيرتها على كل لسان .. الشباب يستغلون كونها مطلقة..

-لا أستطيع ...

-لماذا.. أنت صديقتها ؟!..

-وأنت كذلك ..

-غير ممكن. وأنت تعلمين ذلك جيدا ..

-هل تشتهيها مثلهم ؟.

-انها بالنسبة لي : أخت .. أخت صديقي حسن .

فتهز رأسها وتزّم شفتيها , تنهي الحوار دون أن يلوح في عينيها أنها اقتنعت بشيء من كلامه ..

عندما عاد شقيقها حسّان من الأراضي المقدسة ,عمل على تغيير موقع الجامع في جلابي ود عربي وبناه بتصميم مختلف دون مئذنة أو قبة . في هذا الوقت كانت ثمة

ظاهرة لم تألفها جلابي ود عربي من قبل قد بدأت بالبروز , هي ظاهرة " الرباطيّة" (الذين يقطعون الطريق على النّاس) ليلا في الخلاء الواسع الذي يفصل بين

جلابي ود عرّبي والمدينة الريفية , فيجردون هؤلاء (المارّة من والى جلابي) تحت تهديد السلاح الأبيض أو النّاري من نقودهم القليلة !!..وهكذا أصبح الخروج

او الدخول الى جلابي ليلا من الأمور التي تحتاج للتسلّح بالشجاعة والهراوات الغليظة, أو الاسلحة البيضاء أو النارية ..

ولأن جلابي ود عربي لم تدخلها شبكة المواسير بعد (لأنها خارج التخطيط) كان الناس يلجأون لشراء المياه من عربات الكارو البرّميل , وبعد أن تمكن حسّان جداد

من حفر بئر داخل صّحن المسجد , حدث انفراج في أزمة المياه الى حد معقول .. فاحيانا لا تزور عربات الكارو البرميل "حلّة" جلابي ود عربي , لأعطال تصيب البوابير

التي تعمل بالجاز عند الشاطيء لضّخ مياه النيل في براميل الكارو , فيلجأ أهالي جلابي ود عربي في مثل هذه الحالات الى بئر المسجد , محتملين التوترات التي

يصيبهم بها جداد ,في سبيل " باغة" أو "جردل" من مياه البئر (وتعبيرا عن رفض ست البنات العشمانّة لابتزازات حسّان جداد لهم في مثل هذه الحالات, كانت قدأوقفت

هي وجاراتها, ثلاث عربات من الكارّو البرّميل وقالت لأصحابها, أن امام المسجد يقول لهم أن يفرغوا المياه في بيوت زوجاته (ست البنات وجاراتها) وعندما

ذهب أصحاب الكارو الى جداد,يتقاضونه ثمن المياه كان الرجل دهشا . فنفى لهم أنه أمر بشيء من هذا القبيل , وأنكرت ست البنات وجاراتها:

-نحن لم نفعل ذلك .. ربما تكون تعني نساء آخريات ..

وفي الحقيقة أن أصحاب عربات الكارّو, لم يركزوا في الوّجوه ,ولم يستطيعوا لذلك الاصّرار على مطالبة ست البنات وجاراتها(فأهالي جلابي كلهم يتشابهون) وربما

يكونون قد أفرغوا مياههم في بيوت أخرى .. ولادراك جداد أن ثمة اشاعات قادمة ينذّر بها الجو ( فقد تكوّنت للرّجل خبرة كافية بأهل جلابي )أضطر أن يدفع

ثمن المياه لأصحاب الكارّو البرّميل , قاطعا الطّريق على أي محاولة لنسج حكايات وروايات من هذا الحدث العرضي . الذي أدرك منذ البداية أنه " من عمايل ست

البنات") ..

حاول أهالي جلاّبي ود عرّبي عن طريق العون الذاتي , أن يحفروا لأنفسهم بئرا أو بئرين , وبعد اختبارهم لعدة مواقع, اكتشفوا أن الموقع الوحيد, الذي يحتوي

على أحتياطي جوفي , هو ذلك الذي نقل اليه حسّان جداد الجامع , فأنطلقت الشائعات أن : جداد كان يعرف سلفا أن المكان الوحيد, الذي به احتياطي جوفي هو هذا

الموقع , الذّي شيّد عليه المسجد ..ولذلك نقل المسجد الى هذا الموقع عن عمد دون استشارة أحد !..

في هذه الفترة كانت حكومة ابو لكيلك الجنجويدي , قد أصدرت فرمانا بأن تدفع المساجد فواتير المياه والكهرباء وعوائد الأرض الى آخره من نظام المكوّس و الجبايات

والرّيع (الذي أشتهرت به حكومة الجنجويدي) أسوة بكل العقارات في البلاد الكبيرة . .

أصاب هذا الفرمان عددا مقدرا من مواطني البلاد الكبيرة( وجداد شخصيا) بصدمة كبيرة .ولكن جلابي لم تأبه للأمر كثيرا , فجلابي ود عربي لم تدخلها المياه

او الكهرباء الحكومية , لحظة صدور هذا الفرمان , كما أنها خارج التخطيط, بالتالي ليست عليها عوائد على الأرض .. كما ان أعمال مواطنيها خارج دائرة المظلة

الاقتصادية . زبدة القول أن جلابي كأنها ليست جزء من جغرافيا وتاريخ البلاد الكبيرة .

ومع ذلك العلمانيون( بالتحديد) في جلاّبي ودعرّبي (كنوع من التضامن الانساني) مع أحياء المدينة الريفية داخل التخطيط تصدوا لما حمله هذا الفرمان , بالكتابة

على الصّحف الحائطية, التي كانو يعلقونها في دكاكين وكناتين جلابي ود عربي , وأكدوا أن المساجد التي يرتادها عامة الشعب (ما أطلقوا عليه السواد الأعظم

) , يجب على الحكومة رعايتها .. لكن تلك التي تتبع للعرّافين أو أي من الجماعات الدينية , يجب أن تدفع الفواتير والضرائب (ينبغي أن تتحمل الفئات الناجية

تبعاتها المالية كاملة ) ولا ينبغي أن يتحمل السوّاد الأعظم (الذي لن ينجو وسيمضي الى الجحيم قدما ) من عرقه عبء دفع الفواتير عنها .. فيخسر ماله بعد

أن خسر آخرته (كما يزعم العرافين= من ليس معنا في حزّب الله فهو مع حزّب الشيطان) ..

أعتبر عدد من المراقبين المتنّورين أن خطاب العلمانيين في جلابي ,يعتبر فتحا مميزا في مجال الفتاوى التي تعني بالتراث وقضايا العصر . وعندما علم علمانيي

جلابي بهذا التقرّيظ أعجبهم كثيرا رغم انه كان غامضا بالنسبة اليهم وغير مفهوم ..

وجد خطاب العلمانيين في جلابي قبولا منقطع النظير, في المدينة الريفية والأحياء المجاورّة . بل تطور الأمر الى أن نقلته" رويترز" وعنها نقلته وكالة الانباء

الفرنسية و" صوت كولونيا " والاذاعة السويسرية , وعدد من وكالات الانباء الدولية الأخرى .. وتعاطفت معه ردود فعل عالمية مقدرة , فقد تحركت على اثر ما

أذاعته رويترز, منظمة الدفاع عن حقوق الحيوان الصحراوي, وجمعية الجاحظية الاقليمية , ورابطة ابن المقفع الدولية , واصدقاء الجراد , والعفو الدولية , والأزمات

الدولية وحقوق الانسان وكهرباء بلا حدود , والرابطة العالمية للسكن العشوائي .. وقد أوردت اذاعة" سوا سوا" الموجهة في سياق نشرتها حديثا مفخما ومفخخا

, يعبر عن وجهات نظر لم تسمع بها جلابي, التي ليس لديها ناطق رسمي لديه كل هذه القدرة على التحليل , وكانت سوا سوا تستهل تحليلاتها الاخبارية عن ردود

الفعل, حول وجهة نظر علماني جلابي ود عربي ب :" وقد قال العلمانيون في جلابي ود عربي .." وفي واقع الامر ان علمانيي جلابي ود عربي (ان وجدوا) فهم ليسوا

علمانيين بالمعنى الذي تحدثت عنه هذه الاذاعات , فهم أناس بسطاء من الممكن ان يقض مضجعهم أي خطاب عاطفي , والحكمة تأتيهم" طيف طايف" مع تهاوّيم "البنقو

والحشيش" , أو تجليات "عرقي البلح البكر" .. هذا هو كل ما في الأمر ببساطة ..

وقتها كان أبكر المعراقي (الذي كان أسمه ذات يوم آدمو ) قد وفد حديثا الى جلابي ود عرّبي من مكان ما (كان حريصا على التخلص من شخصيته الحقيقية مستكينا

للعزلة) ..

حياة أبكر المعراقي في شخصيته التي تخلص منها (شخصية آدمو القائد الثوري) قبل أن يلجأ الى جلابي ود عربي منتحلا شخصية أبكر المعراقي .. كانت غريبة لغير

المقربين منه , وغامضة , في آن !. تنهض في قدرته على تسريب تلك المشاعر المتناقضة للاخرين : التوبة , القدر , الثورة, التراجيديا , القلق , الشغف و الموت

.

وكلما أقتربت منه اكثر , أكتشفت أن هذه المشاعر المتناقضة , هي الاختصار لمعنى الحب والقضية ( الوطن ) عند آدمو !..

لطالما حاول ادمو السيطّرة على أبو لكيلك الجنجويدى , مدفوعا بهذه المشاعر المتناقضة . ولم يجن سوى المقاومة , التى كادت ان تودي بحياته , لأكثر من مرة

. لولا نفوذه وتراجعه عن الاستمرار , فى محاولة التاثير على أبو لكيلك ...

كان آدمو رجلا استثنائيا , لا تنقصه الشجاعه ويدرك أن أصعب شيء لمن كان مثله , الابتعاد عن الشّر , وظل أبو لكيلك هو التجسيد الحي لما يطلق عليه , آدمو

( شرا ) ..

حبيبته حليمة" الوّرتابة " تكرر مرارا , بخفوت :

-نظراتك تخيفني لكأنها تثقبني , من اين جئت بهذه العيون ؟ !..

وكعادته عند تلقف يدها , لا يعلم ما هو أفضل شيء ممكن قوله لها الآن !..

لا يزال آدمو رغم مرور سنوات طويلة , يتذكر فى قيلولته المتكاسلة , كل ما مر بحياته . من مرارات واسى , والتياع . كأن كل شىء حدث البارحة فقط ... وبين

كل ذكرى وذكرى , يتوقف ليحاسب نفسه ( لو كنت صمت واغلقت فمي لما جرى الذى جرى , ولما تورطت في شخصية أبكر المعراقي . هذه الشخصية الكريهة الى نفسي..)

يتأوه آدمو فى وحدته , متكئا على بقايا من ذكريات, تشظت فى هجير السنوات العجاف ..

كثيرا ما يرى الحيرّة , تأكل عيني حليمة الواسعتين .. حيرّتها منذ أول لقاء لهما فى سني حياتهما الباكرة . حين أخترقا عالميهما , غائبين فى غلالة برزّخية

تقاطع فيها الألم مع القسوّة والنيران التلظي , معلنان مواجدهما الوليدة للوادي . وأشجار القمبيل . وشجر القنا , و ...

منذها بقدر ما اقتربا من بعضهما اذدادت المسافة بينهما اتساعا ..فقد أدرك آدمو أنها لا تنتمى الى عالمه .. ذلك الحس الاسطورى , الذى يهيمن عليه ويتغلغل

فى روحه وجسده ! ..

ولكن ظل مخلصا لها .. وظلت وفية له .. كانت سعيدة بسيطرته عليها , وكان يفهم دخيلتها ..

ظل آدمو لسنوات طويلة يشعر بالحاجة للحب , فى كل ما هو حوله .لا يحتمل كلّس الحياة . يعانى آلامه وحده , دون ان تصدر عنه آهة واحدة ..

منذ ميلاده , ولدى دخوله الخلوى أخذ يفكر فى كوّن اللّغة .. اللّغة التى يحفظ بها سوّر الكتاب المقدس , ولغة قبيلته المختلفة عنها .. وفى هذين الكوّنين

أخذ يتحرك, لاستكناه هذا السّر الذي يبدأ من هنا وهناك بين تلافيف الآيات , ومتوّن الأحاديث . وحواشي سيرّة النّبي العربي .. كان سؤالا جارحا يتغلغل داخله,

لينفتق عن ضباب يفضي الى ضباب آخر !..

قدر خفى ذلك الذى قاد آدمو الى المدرسة الابتدائية , دونا عن أقرانه , فى القرية الصغيرة الرابضة على ضفّة الوادي . حذاء دغل القمبيل ..

وبين مرحلة واخرى كانت هويته تتمزّق لتلتئم وتلتئم لتتمزّق . هويته التى صاغها أبواه . وأهل قريته . بأسحارهم , وطقوسهم وطبيعة الوادى الناهض أسفل الجبّل

.. كانت لغته الأم تبتعد , لتحل العربية , التى ألتهمها ذكاءه الحاد محيطا أسرارها , وأطماعها وهيمنتها على لغته الأم ..

تعرف آدمو على التاريخ الانسانى وهو يودع اخر مراحله الدراسية ..أدرك صراع الانسان فى محاولاته الدائمة للسيطرة على قوى الطبيعة .. ولم يستطع تفادي رؤية

تاريخ قريته يتحول الى اشلاء بين معان تاريخ اوروبا , والعالم وبلاده الكبيرة , التى يشقها النيل كفلقتين لنّواة نصّفها متغضّن , كالعرجوّن القديم ..

المعارف المتناقضة والمتصادمة فتحت وعي آدمو , على أسئلته الحارقة .. تناهشته الأسئلة ففتح كيانه على مصراعيه , متوغلا فى عزلة عميقة , لم يخرّج منها

الا وهو حاملا السلاح ضد أبو لكيلك الجنجويدى ..

قبل سنوات طويلة من اتخاذ آدمو لقرار الثورة المسلحة , دهمت حليمة غربته ووحدته القاسية ..

على شفة الوادى جلست , دون أن تستاذنه .. التفت اليها ووجهها يلتف بوجهه .. كان صفير الرّيح يتخلل الوادي الوادع , فغابت فى مسام الريح .. تبعها آدمو

, مكتفيا بأن يجذبها الى مركز الريح , غارقين فى أنينها ولوعتها وهى تحتك "بقش القطاطى وصريف الحيشان" , المزروبة بعيدان الدّخن ..

كان آدمو يدرك أن حليمة تعلقت به منذ الصغر , لأنه المحسوس أمامها . تنظر لقصتهما معا , كقصة حب حالمة , وهما يتسللان خلسة من (خلوة الفكى ابراهيم شطة)

, الى الدّغل فى ضفة الوادى , أو الغابة حيث( صندل الردوم , والدروت , اعلا قوز السمسم) ..

كان هدوء حليمة , يضفي على جنوحه , طابع المغامرة التى يحب , وبشعائرهما المقدسة , عند لقاءاتهما تنفتح بوابات السحر , ونوافذ الشجن الريفي, كأنشودات

أثرية لم تكتشف ..غموض آدمو هو ما يدفع بقلق حليمه الى أقصى الحدود : عندما يغيب دون رسائل , عندما يعود دون ترقب .. تتمنى ألايسافر مرة اخرى أبدا ..

هكذا ظلت حليمة تعاني توجداتها منذ سنوات دراسته الأولى فى المدينه, حتى لحظة دخوله في تلك العزلة البديعة التي خرج منها ثائرا يحمل السلاح , معلنا تمرده

على أبو لكيلك الجنجويدي .. كثيرا ما كان حرص حليمة على لفت أنظار الآخرين يقلقه , ويفجر داخله كل كوامن التوتر الأزلي , لروحه الملتفة فى "دمور" أبيض

يحاصره فى أحلامه النادرة !.. جمال حليمة , جاذبيتها وسحرها الذى يشبه تلك الاحساسات المتسرّبة من بوح آلهة المعابد الغابرة .. كل شيء يخص حليمة يدفعه

اليها دفعا , وتتسع المسافة بينهما أيضا فى الآن نفسه ؟!..

بعد محاورات عديده,ووعد ومواعيد فاشلة ,في اطار من السّرية المتسربلة بسلسلة معقدة من الاتصالات والوسطاء. بعد كل هذه المحاولات نجح آدمو في لقاء مندوب

(اليانكي)..

تحدّث آدمو عن آلام شعبه وأمجاد أسلافه وجهودهم الدبلوماسية ,قبل هيمنة (الجنجويد)علي البلاد الكبيره .. تحدّث عن البعد الانساني لقضيته وواجب الأسره

الدولية . وكان مندوب (اليانكي) يبتسم في خبث ودهاء والكلمات الآخيرة لرئيسه لا تزال ترن في فضاء أذنه :

-تذكر أنك يانكي..

في تلك الظهيرة الغائظة التي ألتقي فيها آدمو اليانكي,كان مشحونا بانفعالات الأرض حليمه.. ومشاهد الرّفاق الذين سقطوا في غارات الجنجويد ,علي القرى والحلاّل...جاءت

صورة أمه العجوز(خاطرّة) وهي تحترّق داخل قطيتها ,المحاصرة بالجنجويد,جاءته صورة أبيه (لأول مرة يراه يبكي ).. كان مقطّب الجبين,يتكلم بصمت,وفي عينيه

تمتزج مشاعر شتى..

أدرك آدمو أن الجنجويدي أبو لكيلك أختطف حليمة للضغط عليه...التاع ,هاجّت دواخله .. كانت ذكريات الذين لطالما أحبهم بعمق, وترسخ وفاؤه لهم في وجدانه,تداهمه

كألف عقرب تتصارع في زجاجة مغلقة؟!...

أنفض اجتماع آدمو باليانكي ,فتوجه الي أتباعه وحواريه.. ضغط علي مشاعره الذاتيه. تغلب علي ألمه والتياعه .. خطب فيهم عن حالهم ومآلهم,حتي سالت من عيونهم

دموع الدّم,تبلل أرض المعسكر,المخفي بعناية,في قلب الجبال .ومضي آدمو ينظم صفوفه معلنا حربه الضاريه على الجنجويد وجيش ابو لكيلك الجنجويدي...ومع أشتداد

المعارك,والهزائم المتوالية لجيش أبو لكيلك,انتشر الفزع ,في أوساط العالمين ببواطن الأمور,من صفوة سنار الجديدة

بينما كانت العامة,تمضي بايقاعها ذاته ,لا تعرف شيئا عما يجري في الحدود البعيدة ,فأجهزة اعلام أبو لكيلك ,عتمّت علي غارات الجنجويد, وهزائم جيش أبو لكبلك

,وأكثرت من بث تلك الأغنيات ,التي تكرر(الجرّيف واللوبيا,التومات,زولي هوي,شقيش قولي مرّوح وأنت يا الابيض ضميرك) ولم تنس بث أغنيات( الجبجبه؟!).. دون

أن تشير بين فواصلها للقتل الجماعي والأغتصاب وحرّق القرى,حيث غارات الجنجويد لم تبق ولم تزر..

كان الجميع يتساءلون كيف لآدمو الذي طالما شدا,بثوابت أبو لكيلك العجيبة,وتغنى بأمجاده,كآخر خلفاء النبي العراف ,ذو البدلة البيجية ,عالم القانون واللّغات

,وفتاوى النّكّاح الشرعي ,وحيض النساء النفساوات ..

كيف لآدمو هذا ,أن يشق عصا الطاعه علي سيده المهيب الركن,ويعلن الثورة علي سعادته,بكل هذا الجنون؟!..

وبالطبع سقط هذا السؤال في قصف الأنتينوف والهيليكوبترات والمدفعية الثقيلة,على الفلاحين والبسطاء ,الذين كانوا ينظرون لآدمو(المنقذ ,المخلص الذي سيملأ

أرضهم عدلا ,بعد ان ملئت جورا ) بعيون ملؤها الأسى والالتياع ..

قال عباس ود الخزين:

-لا بد من القضاء علي قطاع الطرق,وزعيمهم آدمو ,المارق المرتد..

كان ود الخزّين لحظتها يؤكد.علي صدق النزّوع النفسي لأبولكيلك في شهوة القتل,وعشق الدّم والاستباحه.. ففي اليوم الذي سبق اليوم الذي أستولي فيه أبولكيلك

علي السلطة ,في سنار الجديدة. كان قد أفتتح انقلابه علي الأمراء العنّج,بقتل عشرة من الفلاحين,وثلاث غنمايات وحمارّين ليتأكد من كفاءة بندقيته , فشدّ

كبير العرّافين على كتفه بوّد , مستحسنا فعلته ...

من دون كل المقربين منه , كانت علاقة أبو لكيلك بآدمو , مميزة ( من دون كل علاقاته بالعرافين الذين يملأون قصره ) على الرغم من احساسه الدائم , بأن التفاهم

مع آدمو , من الأمور التي تصعب عليه , الا أنه وجد نفسه منجذبا اليه على الدوام .. ربما لأن آدمو لم يكن , يكترث للتفسيرات العقلانية , لسلوك أبو لكيلك

, هذه التفسيرات التي , لوطرحها لوجد أبو لكيلك , حرجا شديدا فى تبرير وجوده واستمراريته ...

أشد ما كان يزعج أبو لكيلك . هو خوفه الدائم , من شيء غامض لا يدري كنهه بالضبط . هذا الخوف الذي يطارده منذ الطفولة الباكرة , جعله لا يستطيع , احتمال

العلاقات المستقرة بالآخرين , ووقف خلف تعذيبه فى الصّغر , للزواحف والعصافير , والتسلّي (عندما بلغ مرحلة الشباب) بقتل الكلاب والفئران والقطط ..

سبب أبو لكيلك , بسلوكه العدواني مع اقرانه لأسرته , توترا وقلقا عظيمين , وازعاجا لا حد له .

كان أبو لكيلك , على الرّغم من الخوف العظيم الذي يسكنه , يشعر بانه عظيم ونبيل , ولا احد يدري كيف تكوّن فى دخيلته مثل هذا الشعور الزائف .

ظلت علاقة أبو لكيلك بكل من حوله عاصفة , لا تفتأ بين كل آن وآخر , تقتلع أمامها كل ما هو جميل , يربط بينه والآخرين ..أخضع أبو لكيلك كل من حوله (الوحيد

الذي لم يتمكن من اخضاعه , هو آدمو ) كثيرا ما كان يشعر , أن علاقته بآدمو أشبه باختبار القوة .. كان الهتاف باسم أبو لكيلك , والتصفيق له من أحب الأغنيات

التي يشتهي سماعها فى كل لحظة .. لا يذكر أبو لكيلك فى حياته العامرة بالمعارك , أنه أحب فتاة قط .

كل الفتيات اللائي ربطته بهن علاقة عابرة , أسقطهن من حياته , بمجرد انتهاء رغبته فى الاستمرار , جميعهن كنّ جميلات , خاضعات . يتباهى بهنّ أمام أصدقائه

, بفخر واعزّاز .. ولطالما حلم بنوع من الحب الاسطوري , كذاك الذي في ألف ليلة وليلة .ولا زال ينتظر مثل هذا الحب الكبير, على الرّغم من أنه يملأ وقت

فراغه بالزّواج من الأرامل (زوجات قادته الذين أسقط طائراتهم في أحراش البلاد الكبيرة ) الغرّيب أن أبو لكيلك ليس هو رئيس البلاد فهو( مجرد) القائم بأعمال

القصر , لكنّه من هذا الموقع أصبح عمليا الرّجل الأول في البلاد الكبيرة , فكل الأموال والأجهزة الحساسة مفاتيحها في يدّه .. ويبدو أنه عندما تآمر مع

العرّافين ضد جداد كان ذلك لخشيتهم أن يمضي جداد في الأتجاه ذاته الذي سبقه اليه آدمو.

العلاقة بين أبو لكيلك وكبير العرّافين ظلّت غامضة حتى لحظة دخول اليانكي, فى مؤخرة طلائع مليشيات آدمو , فكبير العرّافين شخص من ذلك النّوع الذي تنسج

حوله الحكايات التى يصعب تصديقها , فالى جانب أنه كائن فطر على التكاثر اللا جنسي( كما يطيب لوّد الخزّين التعبير ) كان مولعا بالابتسامات الشبقة التى

يمنحها لأتباعه وحواريه بسخاء ..

فكبير العرّافين ظل طوال عمره فى حالة حب دائم , كعاشق ولهان , ومغرم بفتيات سنار . وما يشعنّه من عالم بهيج ..

عاشق لتلك الترّانيم التى يسمعها فى اللّيل فتملؤه حبورا , وتجعله يسير آلآف الفراسخ في طريق لم يمض فيه أحد من قبل . يتبع تلك الهواتف المضيئة (كما يزعم)التي

تقوده من ظلمات الى اضاءة خافتة , فشعور بالخدر اللّذيذ .. حيث يشعر بالتحرر الكامل , كان يدرك أنه حصل على الحرّية بعد أن دفع ثمنها من عزلته لعشرات

السنوات ..

على الرّغم من النجاح الباهر الذي حققته ثورة آدمو المسلحة , الا أن أبو لكيلك أستطاع تطويقها فيما بعد بطريقة ما (بتنفيذ مؤامرة داخلية ضد آدمو – اذ

انقلب عليه بعض قادة ثورته , فوجد نفسه مضطرا للهرب ) أصبح آدمو بين مطرقة الثورة التي صنعها وسندان أبو لكيلك الجنجويدي , فلم يعد يثق بأحد أبدا , الى

أن أنتقل الى الحياة الآخرة بطريقة غامضة ..

قالت التّاية زوجة أبو لكيلك لجارتها محاسن زوجة وزير الدفاع خلف الله الجنجويدي :

-أبو لكيلك مسكين وغلبّان , ما قادر يتفكك من سيطرة الزّول ده عليهو .. يقولو شمال يمشى شمال يقولو يمين يمشي يمين !؟.

سالت محاسن بتردد:

-دحين يعني ما عندو شخصية ؟!.

فرمقتها التاية بنظرة غاضبة , جعلتها تتراجع وتضيف :

-برّي يا أختى راجلك منّو الزّيو ..هيبة وسلطان ..

وعندما أبتسمت التاية , هدأت اضطرابات محاسن وانفعالاتها التي كادت تشرخ الجدار . ووجدتها فرصة مناسبة , لتسر للتايه :

-كل ما يشاع عن انقسام العرّافين , ومناوأة أحد القسمين لأبو لكيلك محض اختراع لزّر الرّماد فى العيون , فكّل ما حدّث ويحدّث , هو من بنات أفكار كبير

العرّافين , لغرّض لا يعلمه الا هو , بسرّه الباتع وأبو لكيلك شخصيا !..

فابتسمت التاية فى رضا , وهمست محاسن فى سرها : ( سجّم خشّم أمو ) !!...

وقتها كانت سنار , قد أفاقت من بوّح غفوتها الغامضة على تأوهات أبو لكيلك الجنجويدي التى أهتز لها القصر المتآكل , وفى الوّقت نفسه كان آدمو لا يزال يستعيد

فى خاطره ذكريّات الصّبا والطفولة .

أفاق أبو لكيلك من الكابوس , الذي رأى فيه نفسه مخنوقا , ينظر الى رأسه وهو يتدلى من السقف . تحيط به أنشوطة طرّفها ثابت فى السقف . فتأوه تلك الآهات

العميقة التى سمعها كل من في القصر من حاشية وأتباع .

من أعمق أعماق بوتقة سنار , تلفت أبو لكيلك في فرّاغ الغرّفة ذاتها . التي خرجت منها أخطر القرارات , لأكثر من عقد من الزمان, تلك القرارات التي قذفت

بشعبه الى حالة من اليأس والبؤس الفرّيد , والقلّق والتّوتر العظيمين , وغيرّت من مصيره , باتجاه آخرأكثر غموضا , من آهاته الملتاعه .

عندما تولى أبو لكيلك زمام الأمور فى سنار الجديدة , كان مدفوعا من العرّافين , الذين أوهموه بأنه رجل ذو شأن عظيم فقدّر ثم قدّر , ورأى أن من الحكمة

أن يفعل بشعبه كل ما يشير به العرّافين . وعندما حدّثه عبد الجوّاد ود الباهي, نقلا عن أحد العارفين بأسرار العرّافين , الذين أحكموا الحصّار حول أبو

لكيلك , لم يصدّق عبد الجوّاد بل وأنتهره , فخرج الآخير غاضبا , ومضى أبو لكيلك الى كبير العرّافين يسرّب اليه شكوك ود الباهي ولم تمض سوى أيام قليلة

, حتى مات ود الباهي او( قتل) وتكرًّرت حالات الموت فى ظرّوف غامضة , لكل من تشكّك فى عرّافين أبو لكيلك . وأصبحت منذَّها مقولات العرّافين من ثوابت أبو

لكيلك التي يصرَّ عليها فى خطاباته الجماهيرية أكثر من العرَّافين أنفسهم , حتى شاع فى سنار الجديدة القوَّل فى سخرّية ( التركي ولا المتورّك ) كناية

عن المأزق الوجودي لأبو لكيلك فى تبني أمور غريبة نيابة عن أصحاب هذه الأمور .

ظهر ذلك اليوّم ,الذي أفاق فيه أبولكيلك محاصرا بكوابيس اليقظة التي أخترقت أحلام سنار ,استعاد في ذاكرته عمليات السحق والتنكيل التي قام بها ضد الجمعيات

السرّيه (التي كانت علنيه قبل توليه الحكم ,انقلابا علبها) حتي لم يبق لهم صدي.

كانت تقارير مخبريه مؤخرا,تؤكد أن زعماء الجمعيات السرية الهاربون ,شمتانون في أبو لكيلك وليس لديهم استعداد في اقاله عثرته ,وتطييب خاطره في محنته الكبري

..

ظهر ذلك اليوم هتف أبولكيلك (بعد اطلاعه علي آخر التقارير) بحاشيته التي كانت تتساءل باحساس ملؤه الزّعر والخوف والترقب....

سميّ ابولكيلك وصليّ ,وأستهل بثوابته المعتادة ,التي طالما حوّلت حنين أهل سنار الي أسي,وذكرّيات أسلافهم بكل الحكايّا القديمة الي حرب ضارية ,انتزعها

أبولكيلك من قلب التأريخ ليزرعها في حاضر حاضرّة البلاد الكبيرة. فأستحالت تلك الثوابت الي كوابيس ,أقلقت مضاجع عمال "القصّب- الكتكو,والفحامّة" والفلاحين

البسطاء في أقاصي البلاد ودوانيها, وأؤلئك الذين يعيشون على جنّي الثمار, ومطارده الأرانب ب "السفاريك"...

كان كل من في القصر, يتصبب عرّقا ,عندما ختّم أبولكيلك خطابه :

-من أراد العودة فليغتسل ,بماء البحر ومن أراد السلطة, فليحمل السلاح لقتالنا ..

عباس السنجك همس لود القرّاي :

-أبولكيلك ما ناوي يجيبها الّبر!!..

فهز الاخير رأسه

وصمت مطرقا بعيداً عن وجه آدمو ,الذي غضّنته الأوجاع التي صنّعها أبولكبلك وجنجويده في قومه ...

كان آدمو قد أضمّر لحظتها في نفسه شيئا ,لم تكشّف عنه سوى وقائع الأحداث فيما بعد .اذ هرب في سرّيه تامه ,وبعد هروبه انتشرت البيانات والمنشورات السوداء,

التي تحكي عن فساد عقل أبولكيلك, وجنونه و الفساد في حاشيته وأتباعه .

ورغم أن هذه المنشورات لم تحمل توقيعاً محدداً ,الا أن أصابع الاتهام في أجهزة أبولكيلك الاستخباريه أشارت كلّها لآدمو ..

وتناقلت حاضرّة البلاد الكبيرة, في سرّيه تامّه أحد البيانات ,التي لم يكتب عليها ولا حرف واحد ,فاماطة اللثّام عن علاقة كبير العرّافين الحميّمه باليانكي,

وربائبهم من جوار البلاد الكبيرة ,الطامعين فيها ,لم تكن بالأمر الذي يحتاج الي بيان !...

لحظتها كان مفكري الدولة الجنجويدية, ومثقفوها ومبدعوها, قد أكملوا كتابة ملحمتهم الغامضّة, التي لم تحمل سوي عبارة واحدة, علي مدي عشرة ألف صفحة هي:(يالمصيرك

تنجرح بالسلاح..) ولم يتبرّع أيّ من النقّاد المزعومين ,لشرح المحتوي المعرفي والدلالي للفظ(السلاح) التي وردت في الملحمة العظيمة لأهل الحاضرة ,رغم تساؤلاتهم

المريرة..

ولأن أبولكيلك لا يهجسّه سؤال,اكتفي باستحسان الملحمّه, مداريا جهله بعيون الشّعر الحاضري العنيف ,لكنّه لم يتوانى في أن يعرض بعصاه, ويرقص.ما دفع أحد

الخبثاء في الصفوف الأماميه أن يهمس:

-جّب,جّب..جّب...

وقال آخر:

-حتودينا في ستين داهية ..

وتصدى جبر الدار ود تور شين للمسأله فلاّك لسانه وهمهّم ودمدّم ,ولم يفهم أحد الحاضرين شيء سوي كلمه (جنجويد)!!...

لحظتها كانت قبيلة الجنجويد( التي ينتمي اليهاأبو لكيلك) قد غادرت مضارّبها الي مكان غير معلوم ,وأرسلت زعمائها الى قصر أبو لكيلك ,ذي القبة الحمراء ,عند

مقرن النيلين في قلب الحاضرة..

كانوا يناقشون خططهم لحمايه القبيلة, وحمايه أبولكيلك من أيّ هجوم محتمل,ويخطّطون لاستكمال خطّط العرّافين بحرق مزيد من القري و" الحلالات والفرقان" واغتصاب

أكبر عدد من الفتيات دون سنّ العشرّين وقتل كل الرّجال والأطفال والشيوخ دون استثناء....

وعندما جلس أبولكيلك اليهم أكد علي خططّهم ....

كان أبولكيلك منذ طفولته الباكرة, كائنا متوحداً يعشق العزلة,ويجنح الى العنف, ولديه نزوع فطري قوي للاقتياد, وذاكره ذات قدرة فذّه علي حفظ تعليمات العرّافين

وتنفيذها(فى صالوناته الخاصة )اثر نجاح آدمو , فى تصعيد وقائع السّحل الذي تمّ لقومه وتحرّيك هذه الوقائع المأساوية للضمير العالمي , أفاد أبو لكيلك أنه

فعل ما فعل ليس استجابة فقط لأوامر العرّافين , بل لحبه للبيئة , فهو الذي دفعه لاعمال الابادة الجماعية , واستجابة لاجهزة اعلامه , أن هؤلاء السود البدائيون

, يهددّون الحياة البرّية بالصّيد , وينّهكّون الأرض بزراعة "التمبّاك والبنقّو" . كما أن الاغتصاب من وسائل تحسّين النّوع الفعالة لدمجهم فى بوتقة الحاضرّة

.

ظلّ الهدّف الحقيقي لأبو لكيلك غامضاً . حتى عن أفكاره الشخصَية المضمرَة , وفي لحظات تجلّيه الخاص , عندما تتسرَب اليه حكايات الاغتصّاب ,والقتل الجماعي

وحرّق القرى . كان دائما يتسائل فى سريرّته ( لماذا فعل ما فعل , باطلاق جنجويده لاشاعة كل هذا البؤس الذي يهدّد الحاضرة ذاتها الآن )...

كان أبو لكيلك ينتج أفكاره بطريقة عجيبة . ينفّث ذلك النّوع من الدّخان الذي يتصاعد فى قاع دماغه , متموجاً في دوائر حلزونية. ومن قلب هذه الدوائر, تتشكل

أفكار التي سرعان ما يتلقفها الجنجويد فيزرّعون الرّعب فى تلك القرّى النائية للفلاحين والصيادين البسطاء فى أقصى التاريخ المنسي للبلاد الكبيرة ..

قال ود عطّا الله الذى حارب جدّه الكبير مع الامام المهدى ,ومات من الجوع والعطّش في سجن الخليفة :

-أبو لكيلك يعانى من من ضغوط عظيمة من اليانكى, الذين هدّدوه بالويل والثبور وعظائم الأمور , وجعلوه يرتجف فزعا ويهتف بالتاية : "دثرينى .. زملينى ..

" ..

حاولت اذاعة أبو لكيلك أن تلّطف من الشقاء والضجر, الذي أعترى حياة أبو لكيلك فأعلنت عن بيان هام , استمعوا اليه في اهتمام , فشملهم زعر وخوف مقيمين ..

كان اليانكى يتدفقون من كل فج .. فكر محمد احمد ود السّرة :

-لابد ان ابو لكيلك الان فى محنه عظيمة ..

ولحظة تلى وزير دفاع أبو لكيلك خلف الله الجنجويدى (الذى ينحدر والده من صّلب أحد الأتراك فى جيش الدفتردار) بيان التصدى لليانكي. كان أبو لكيلك شخصياً

, يجتمع بسفير اليانكي . مؤكداً على فروض الولاء والطاعة (منذ استيلاؤه على السلطة من قبضة الامراء الجنجويد الذين سبقوه الى حكم البلاد الكبيرة )..

كان ود السرّة مثل أبو لكيلك لا يعلم أن الآخير بتنفيذه لما يشير به كبير العرّافين , انما ينفذ خطّة اليانكي المزدّوجة لاحتلال البلاد الكبيرة , وعندما

أحتج أبو لكيلك فى ذلك الاجتماع بخنوع , قمعه سفير اليانكي بقسوة :

-نحن لم نقل لك أرتكّب الفظائع..

كان أبو لكيلك قد أسقط فى يده , وتلّفت حوله في غرفة الاجتماع مسيطرا عليه , احساس بالهروب الآن قبل أيّ وقت آخر ...

الحاشية الثالثة :(مجتزأ رقم 3):

....(ممزق) أعلموا أخواني أن كثرة أقتراحكم في تحرّير بوتقة جلابي ود عربي أوهنت عزّمي في الامتناع وأزالت حيلي الا الاضراب عن الاسعاف , ولولا حق لزم

وكلمة سبقت , وأمر ورد من محل يفضي عصيانه الى تنازع النّاس وخروجها على السلطة , لما كان لي داعية الاقدام على اظهاره , فان فيه من الصعوبة ما تعلمون

وما زلتم معشر صحبي تلثّمون مني أن أكتب لكم كتابا أذكر فيه ما حصل في جلابي ود فونقرو (فور) منذ دهمتها موجة النزوح الثالثة , الى عهد جلابي ود الدينكا

..(ممزق)..(*)

images/clip_image

لا وطن في الحنين...