3
كانت سارّة شقيقة حسن منذ وجدتني مع سعدية في مكتبها ب(لجنة الاختيار العامة للخدمة المدنية) وعلمت أنني متواجد بالمدينة منذ مدّة لقضاء خدمتي الوطنية
, التي كنت قد أجلتها خلال السنوات الماضية ,وأنني أسكن وحدي في منزل الأسرة , التي كانت قد أنتقلت الى حاضرة البلاد الكبيرة .. بعد أن قمنا بتأجير المنزل
(الذي أخليته الآن من المؤجرين للصيانة بعد أن قاموا بتخريبه تماماً).. منذ أن علمت سارة ذلك حتى أخذت تزورني في المساءات , لتحكي لي عن وقائع السنوات
التي غبتها عن جلابي ود عربي والمدينة الريفية ..
في البداية تصوّرت أنه ليس لديها معلومات ذات قيمة , ولكن ذلك لم يكن صحيحاً , فأخذت ما أن تحضر لزيارتي حتى أقرب منها جهاز التسجيل , وأتركها تتداعى
حول أمور أعرفها (لكن أفاجأ بأن لهذه الأمور من زاوية نظرها علاقات غير مرئية, لم أكن لأدركها لولا سارّة بالزاوية التي ترى منها الأمور..) .. جمع بيني
وبين سارّة نوع من الوّد الغامض , فرغم أنها كانت تكبرني بعدّة سنوات , الا أنني كنت أشعر بها أكثر قربا مني ,مقارنة بشقيقها صديقي حسن , الذي كان بعمري
ويصغرها قليلا ..
لذلك لم أكن أخبيء عنها بعض الأمور, التي ربما تثير بعض الأسئلة .. فمنذ ألتقينا للمرة الأولى عند صديقتها سعدّية (أخبرتها بأنني أميل لسعدّية) .. شعرت
بها ترعى علاقتي بها , وأخبرتني سعدّية بعد ذلك بوقت طويل (بعد أن اصبحت سعدية ترتاد منزلي دون خوف,وليس كما في الأيام الاوائل لعلاقتنا , ما كان يضطرّها
لرفقة سارة الى منزلي , وأصبح ارتيادها بعد ذلك لوحدها اعتياداَ وادماناَ) أخبرتني أن سارّة هي من أقنعتها باقامة علاقة معي ...
كانت تلك أحدى أكثر الفترات مشقة, في حياتي المليئة بالوقائع والأحداث , فقد كنت وقتها مهموماً بشئوون الأسرة (اذ لم تترتب أمورها بصورة جيدة منذ أنتقلت
الى حاضرّة البلاد الكبيرة ) , اذ أضطررنا للأنتقال مثل آلآف الأسرمن الطبقة الوسطى , في أنحاء البلاد الكبيرة , بسبب الأنهيارات المتتالية للحياة بعيدا
عن الحاضرّة (التي تركزت فيها كل الخدمات) وفي ذات هذا الوقت, الذي كنت أعالج فيه هموم الأسرة , كنت منشغلاَ بالعمل السري ضد نظام أبو لكيلك الجنجويدي
كناشط حقوقي .
بعد مضي كل هذه السنوات ها أنا أجلس الآن وحدي في هذه البلاد البعيدة الغريبة ,أسائل نفسي في كثير من الأحيان (متى تعود الى البلاد الكبيرة يا علي ؟!)
يدّوي سؤالي في فراغ المكان دون أن يعود الصّدى راجعاً , فأتيقن بالصّبر على الغربة ..هاجرت رغما عني , حيث كانت كل الخيارات سيئة وأفضل الأسوأ هو مغادرة
البلاد الكبيرة ..
لا يزال خاطري يستعيد حلّة جلابي ود عربي بناسها وحياتها , فتقفز الميرّم كلتوم التي وجدتها بهذه البلاد , فحفزّت في داخلي كل ذلك العالم المنسي للمدينة
الرّيفية وجلابي ود عربي ..
كنت واقفاً أمعن فيهما النظر , الى أن تلاشيا في الشارع الخالي الا منهما . فردّدت بصري ,وأنا أشعر بميدان التحرير يمتليء فجأة بالنّاس , ويهيمّن الضجيج
على شارع القصّر العينّي . والزّحام يعيق حركة المرور , في الشارع المفضي إلى طلّعت حرب .
كانت الحياة قد عادت إلى طبيعتها , في اللحظة التي تهشمت فيها طبيعتي , بعد أن دهستني عربة النقل الكبيرة وساوتني مع الأسفلت .. و حتى الآن لا أدري ,
هل ما حدث أمامي حقيقي , ام هو وهم تخيلته .. هل الميرّم كلتّوم , التي عرفتها في طفولتي , هي ذاتها الشيخّة كلتّوم التي أختفت أمام عيني قبل قليل ؟؟
هل هي ذاتها , التي غيرّت حياتي , عندما دخلتها فجأة في ذلك المساء , عند مدخل ضرّيح السيدة زينب ؟!.. هل هي ذاتها هذه التي غيرت حياتي مرة أخرى , لحظة
رأت عبد الرّحمن(العوير) ود التوم , فاقتربت منه , ومدت أناملها تخاصر أصابعه ,ومضيا معاً , ليتلاشيا في شارع القصّر العينّي ؟!..
كانت الشيخّة كلتّوم منذ عرفتها , تكتفي عن سؤالي بالنظر إلى بؤبؤ عينّي , تعبره إلى جوفي , فتدرك حقائقي وتلوّح لي بها ..
فكنت أرى نفسي في رقائقها , التي تعبر بي تلك المسافة الكامنة, في عجزّ اللغة وقصورها , عن ترجمة نفسي بهذه الدّقة المتناهية, التي تلوح في ايماءات الشيخّة
واشاراتها , التي تفكّك ما أستغلق داخلي , وتبوح برموز باطني , المفعم بالتلويحات , فأرى نفسي كالشمس : ساطعة (وحياتي تنساب فيها من الميلاد إلى المنتهى
, عند شجرة اللألوب , التي خيمّت عندها الميرّم , تناجي ود التّوم و غرابها الأشهب , وأنا اقترب منهما حاملا قلبي على كفي .. تنساب حياتي هكذا بايجاز
ورحابة , محاطة بمكاشفات الوصول , المنزّهة عن مزالق اللغة , و سباسبها ووهادها ومضايقها الوعرة !! ) اذن هكذا , كان ما بيننا من أمرمن المبتدأ إلى المنتهى
!!..
أول مرّة جلست فيها اليها , غابت عني كأنها ترتحل في عالم لا نهائي . لا يمت إلى هذه الدّار بصلة .. كانت هائمة . مغترّبة في الزّمن والمكان . لاشيء منها
سوى ثوبها الصّوف المطرّز بالريش وألياف الشجّر .. لا أدري ان كان هذا الثوب يخفي داخله الشيخّة كلتّوم , أم يخفي شخصاً آخر !!..
كنت قد ألتقيت الشيخّة قبل أيام عند ضرّيح السيدّة زينب , وأستقبلتني قبل قليل في دارها , وبعد لا تزال التساؤلات تتفاعل داخلي . ترى هل هي الميرّم ذاتها
: تلك الدّرويشة , التي كنا نجلس اليها , في الطفولة , بعد أن نعبث مع الغرّاب الأشهب في شجرّتها" اللألوب", والذي كانت ترعاه .. كنا نسألها ما يعنّ لنا
من أسئلة , فتبتسم وتحكي لنا عن طّي المكان والزّمان , و"المسيد" و"حيرّان" (الشيخ كوكّاب العنقّرة) .. هل هي الميرّم كلتّوم ذاتها , أم يخفي هذا الثّوب
, الذي أجلس اليه الآن شخصاً آخر , لم تسبق لي معرفته ..
كنت مرتبكا , وخائفا .. وحائراً , ربما .. وربما مذهولاً ومسحوراً . وذاكرتي تحاول أن تستعيد , تلك الحكّايات المتناقضّة عنها , في تلك الطفولة البعيدة
..
حلّت الميرّم كلتّوم على حينا فجأة (قالت سارّة) , وأتخذت من تقاطع الشوارع, في قلب الحي مكاناً لكوخ صغير , استحال بمرور الوقت الي بيت كبير . غامض بسوره
الطينّي , الذي تنبعث منه رائحة الزّعفران .لا ندري متى شيدّته .. فجأة رأينا الكوخ الناهض في قلب ميدان التقاطع!!! .. ولم تمض فترة وجيزّة حتى أختفى
الكوخ بين سلسلة من الغرّف المسوّرّة بجدران الزّعفران ..
كانت الميرّم ذات جمال ملائكي, وعينين اجتماعيتين , ووداعة وسمت شبابها الذي تجاوز سن العشرين بقليل (وقتها ) وقد أضفى عليها ثوبها المزيج من اللّيف
والصّوف والّريش (وبشرتها القمحية المشربة بغبار السفر المستمر , الذي لم يستطع اخفاء يناعتها, كزّهرة بريّة مرّت عليها عاصفة دون أن تذروها أو تكسرها
).. كل ذلك أضفى عليها غموضاً وسحراً غريبين !!!..
هذا الغموض والسحر هو ما أثار الاسئلة, التي حملتها اليها لجنّة الحي , فردّت عليها بهدؤ ولطف :
-أنا الميرّم كلتّوم بنت دورشيت السلطان – ولكنني أيضا لبنى وليلى وبثينة , فلم يكنّ سواي يوما ..
أستهجن اعضاء لجنة الحي اجابتها لكنهم عملوا (مع ذلك )على أن يتقبّل الحي وجودها .. تذمر الناس في البدء . ثم خفتت أصواتهم شيئا فشيئا , ثم تقبلوا الأمر
على مضض, فصّار وجود الميرّم امراً واقعاً في الحي . خاصة أن أحد أعضاء اللجنّة من (أهل الحل والعقد) قد عرض عليها الزواج (على نحو غير معلن ) فرفضت
وعرض عليها آخر أن يفرد لها غرفة في داره ( سراً ) فرفضت ذلك أيضاً .. وآخيراً تعاطف معها كل أعضاء اللجنّة, بدفع من الرجلين اللذّين قدما عروضهما السّرّية
للزّواج والمساكنّة (هذه العروض التي لم تخرج إلى العلن الا بعد اختفاء الميرّم ) على نحو غامض !!..
تعاطف أعضاء اللجنة معها وعملوا على دعمها , فأدخلوا بعض التحسينات على كوخها , وأشتروا لها ثيابا لم تلبسها مطلقاً , واتاحوا لها حمامات بيوتهم ..
وهكذا أصبحت الميرّم كلتّوم جزءً من النسيج الاجتماعي للحي , ومعلماً بارزاً فيه بشجرّتها "اللألوب" وغرابها الأشهب, الذي لا يفارق الشجرة أبداً (كانت
شجرّة "اللألوب" هذه قبل أن تنصّب "الميرّم" كوخها تحتها: يابسة وجافة منذ وقت طويل , وبمجيء الميرّم أخضرت الشجرّة وجاء هذا الغرّاب بلونه الأشهب , فأعتبر
بعض عقلاء الحي المتبحرّين في العلم , أن تلك كرّامة ولية صالحة ) صارّت الميرّم اذن جزء من الذّاكرة العامة للحي , الذي بدّت كأنها ولدت فيه ..
أخذت الميرّم" تخّط الودع" للصّبيان والصّبايا, الذّين يزورون كوّخها . وتبيع "النّبق" و"القنّقليس" و "الدّوم" للأطفال الذّين يتجمعون في العصّارى حولها
, خارج الكوّخ , فتحكي لهم كل الحكايّا التي حكّتها لهم من قبل , مراراً وتكراراً دون أن تكّل أو تمل ..
فجأة بدأت الحكايّات حول الميرّم تنطلق , لا أدري : هل تزامن انطلاق هذه الحكايّات بعد حلوّلها المفاجيء بقليل , أم بعد ذلك بوقت ليس بالقصّير , اذ رّوج
الرّجال (خاصة أولئك الذّين في لجنّة الحي )أن الميرّم نزحت من أرض بلادها ,بعد أن ضربها الجفاف والتصّحر (وبسبب الحرب الأهلية أيضاً) فعندما مات
أهلها بسؤ التغذّية لم تجد بداً من مغادرة ديارها الخطرّة , فضربت في الأرض, حتى أستقر بها المقام في هذا الحي..
-لماذا لم تسكن في جلاّبي ود عرّبي , وفضّلت عليها المدينّة الرّيفية ؟!..
-الاجابة على هذا السؤال تحل عدداً كبيراً من الألغاز .. لكن للأسف لن يستطيع أحد سوى الميرم الأجابة على ذلك .
الى آخر الحكايّات من هذا القبيل والتي تم اعتمادها رسميا كحكايّا صادرة من السلطة العليا للحي ..
لكن كانت هناك حكايّات أخرى فاعلة ومؤثرة , رغم أنها لا تعبر عن وجهة النظر الرّسمية للحّي , هي حكايّات النّسوة اللائي أخذن يؤكدن أن الميرّم حلّت بالحي
كلعنّة , فهي هارّبة من القتل , بعد أن أحبت احد حيرّان الشيخ (كوكّاب العنّقرة) , في بلدتها التي في نواحي "كردفال" , وقرر أخوتها ثأراً لشرفهم قتلها
(لكنها هربت ) بعد أن قاموا بقتل "الحوّار" ..
وحكّت نساء آخريات , أن "الميرّم" ليست من نواحي كردفان , بل من الغرب الأقصى في دارفور .. حيث النساء متحررات , يمكنّهن السفر إلى أى مكان, وفي أى وقت
دون "محرّم" , وأنها جاءت إلى هنا لتخطف أحد "أولاد البحر" من زوجته , فقد رأته في أحدى رحلات عمله ,كسائق لعربة نقل بضائع , فأحبته وأحبها , وبعد سفره
قرّرت اللّحاق به , وبحثت عنه طويلاً , إلى أن حلّت بهذا الحي, لأعتقادها أنه يسكن فيه , وأن بصرّها سيقع عليه لا محالة , وهكذا نهضت قصص النّسوة في الحي,
عن الميرّم على أساس أنها , تبحث عن رجل ما , فأخضعن أزواجهن وأولادهن لتفتيش يومي ومراقبة صارمة ..
ولذلك عندما أقترب الشاب الغّض, والغامض المنكفيء على نفسه والمتوحد: عبد الرّحمن ود التوّم من حياة (الميرّم كلتّوم) , وأصبح لا يفارق مجلسها ,مع الصّبية
الذّين يصغرّونه كثيراً . ثارت حفيظة الصّبايا, وشاعت شائعة بين النّسوة في الحي :أن الميرّم وود التّوم قد وقعا في المحظّور !!..
ثم بدأت النّسوة يحاصرّن الميرّم بأطفالهن , فيوعزنّ للأطفال, بأن يهشموا قيلولاتها, برمي شجرة "اللألوب" والغرّاب بالحجارة , وألا يجلسوا اليها , ورّميها
هي ذاتها بالحصى الصغيرّة .. وكنت أراقب كل ذلك بصمت , دون أن أقوى على فعل شيء . كنت مشدوداً اليها , لكنني لم أقوى على فعل شيء !!..إلى ان أختفت الميرّم
فجأة كما ظهرت فجأة , وتعددت الحكايّات والرّوايات حول اختفائها المفاجيء ..
لكن كل الرّوايات أجمعت بين متناقضاتها, أنها فجر أختفائها كانت تحمل "صّرّة" كبيرة , منسوجة من الرّيش الأشهب على ظهرها .. وظلّلت بعد ذلك لوقت طويل
أتسآل عن مصيرها , إلى أن غادرت البلاد وألتقيتها فجأة في هذه البلاد ,عند مدخل ضرّيح السيدة زينب الذي كنت أتردد عليه بانتظام , كل جمعة لأكثر من عامين
ونصف , وأخذت أتساءل: (هل هي الميرم كلتوم ذاتها , أم شبهت لي فاستمرأت هي الأمر ؟!).. وكأنها أدركت تساؤلي , فخرج من الثّوب الذّي كنت أجلس اليه صوت(الامام
عبد القادر الجيلاني) رقيقاً مفعماً بعذّوبة الموسيقى :
سـقاني حبيبي من شراب ذوي المجد
وأجـلسني قربه في قاب قوسين سيدي
حـضرت مع الاقطاب في حضرة اللقا فـأسـكـرني حقا فغبت على وجدي
على منبر التخصيص في حضرة المجد
فـغـبت به عنهم وشاهدته وحدي
ثم تنهدت بعمق وزفرت ثم ألتفتت اليّ :
- عذراً يا علي ..
-لا داع للاعتذار يا شيختي .
لم أتوقف من زيارّة الضرّيح, الا منذ تلك الأمسية, التي ألتقيتها فيها عند المدخل , وأنا في طريقي إلى الخروج .. تعرفنا إلى بعضنا واستعدنا بعض الذّكريات
البعيدة , وركبنا معا الاتوبيس ذاته إلى "العتبة" حيث أفترقنا, على وعد أن أزورها في شقتها , التي ما أن أستقبلتني فيها , حتى دخلت في تلك الحالة من الغياب
..
ومنذ ذلك اللقاء الأول عند الضرّيح , أصبحت الشيخّة كلتّوم صديقتي الوحيدة , في هذه البلاد الغريبة ..
كنا قد تقاربنا, كأننا أصدقاء منذ وقت بعيد , جمعتنا ذّكريات منصرمة , وبقايا أطياف حميمة ..
ارتدنا سوح شاسعة , تعرّفنا خلالها على أدقّ حقائق أنفسنا .. تلك الحقائق التي لا تبين ,الا في الارتحال والغوص بعيداً في منابع النّور ..
هكذا سرنا معاً بأقدام الصدق , والتجرّد عن الاكوّان الظاهرّة, وتلك الذّكريّات المحزّنة : وهي تنسحب إلى داخل كوخها, لتنجو من الحصىّ, التي يرميها عليها
الصّبية , أو تسّد أذنيها, حتى لا تسمع الضجيج في شجرّة "اللألوب", عندما تضرب الحجارة فروعها ..
طارّت بي الشيخّة كلتّوم, بأجنحة المحبة ,مخترقة سماوات الأحوال والمقامات , ولم تحطّ رحالها أبدا , حتى هتف بها الجيلاني :
وتـظـهـر لـلعشاق في كل مظهر
فـفـي مـرة لـبنى وأخرى بثينة
ولـسـن سـواها لا ولا كن غيرها مـن الـلبس في أشكال حسن بديعة
وآونـة تـدعـى بـعـزة عـزت
وما أن لها في حسنها من شريكة
ما وطد علاقتي بالشيخّة كلتّوم هو تلك العفّة, والرّقة .التي تسّم حياتها.. وكلامها في الجد والمزاح , وتلك الأحوال التي ترتادها , فتغيب عني , لكني أراها
في خاطري : أين تمضي فتدهشني تلك المشاهدات, وذاك الحضور الذي تغيب فيه . كنت أدرك أن رّوحها وقلبها ,يتوقان إلى تلبية نداء الشوق , والتنعم بالوصال
, وما أن تنتفض وتسترد ذاتها الغائبة, متصبّبة بالعرّق والغبّار والّطين, وتجدني لا ازال قربّها ,حتى تفترّ شفتيها عن ابتسامة هادئة وتقول :
-أوصيك يا علي بالسخاء والرضا – الصبر والاشارة – الغربة ولبس الصوف – السياحة والفقر ..
فأضحك وانا ارد عليها :
-يا شيختي , لا أملك سوى قلبي , وهذه الثياب , ولا أظنني أرضى . فقد تركت بلدي لأمر , وأصبحت في شأن آخر , وأظنني صبور على هذا الابتلاء . ولا أظن ثمّة
غربة أكثر من البعد عن الأهل والأوطان , ولا من هو أكثر غربة منّي, في الذّات والأرض . وما عاد الصّوف يصلّح لحياة هذا الزمان , الذي زهد فينا .. ومع
ذلك , تطبع أكلي ومشرّبي وكسوتي خشونة الفقر .. يا شيختي , الوصايا لمن يستطيع انفاذها , اذا أنطبق الحال والمقال ..
فتضحك :
-يا علي القلب اذا صفا , تجلّت عليه سطعات الأنوار الشهودّية , حتى يصبح مجالاً للوسع النّوراني , فكيف تقول أن الزّمان زهد فينا ؟!.. والزّمان لا يزهد
!!..
فأبتسم وأشعر أن عروّق قلبي تنتفض , وتمضي بعيداً , تخترق الطبقات والحجّب لتنزرّع في اللانهاية , فتستردني :
- يا له من قلب !!..
سألتها عن الحوّار الذي أحبت, وتلك الحكّايّا التي تناقلها الحي عنها , فتنهدت :
- كان ذا وجه صبوح وابتسامة , كلما ضاقت اتسع نورها !.. الوحيد الذي لم يكن يخشانّي , ويحضّر الّطعام اليّ , تحت شجرة اللألوب , ولا ينهض الا بعد وقت
طويل .. كان فتىًّ صالحاً مليئاً بالاشراق ولا يعرّف ذلك , لكن القوّة التي شدّته اليّ ,هي ذّاتها القوّة التي شدّتني اليه , كطرّفين يلتقيان , ليخلفان
وراءهما عذّوبة الماء السلسبيل .. تلك كانت أول الحكّايّات وآخرها , فليس في حياتي حكاية سوّاها .. حكّايّتي وعبد الرّحمن ود التّوم , وكل ما عدّاها
من حكّايّا باطل و محض أكاذيب من نسج خيال الحيّ .
كنت أتآنس به ويتآنس بي تلويحاً وتلميحاً , فالصّبي (ود التوم ) تغلّب على مراهقته بصلاحه ونقاء قلبه , وذاك هو الاشرّاق .. لكن أهل حيّك ضربوا علينا
الحصّار , دونما سبب يبرر ذلك ..طردني سكان حيك , بعد أن قتلوا غرّابي الذي أعتنيت به وجاورته , طردوني بعد أن أحرقوا شجرّة "اللألوب" .. فافترقنا ولم
نلتق بعد ذلك ابداً . لكنّني كنت أعلم أنه سيموت كمداً كما ستموت أنت , وكما سأمضي واياه, إلى شجرّة اللألوب في المنتهى , لنقيم في كوخنا تحتها , نلّهو
مع غرّابنا الأشهب الوديع .. تركت الحي دون ضغينة حتى لا أقتل كاللألوبة والغرّاب , ولم يتبق لي سوى ذكرّيات الأيام الخوالي . يا علي أنبل الذكريات ,
تلك التي تخلو من الضغينّة ...
الحاشية الرابعة :(مجتزأ رقم 7) ..
..(ممزق) .. رأينا ونحن بدار قلا في شهر الطير ..(ممزق) السلطان الغالب على ذلك الزمان (ممزق).. يحاصر جلابي .. كا .. فرأيت كأنه نصب عليها المنجنيق
ورماها بالأحجار فقتل زعيم القوم ,فأولت الحجارة آراءه السديدة , وعزائمه التي يرميهم بها , وأنه مقيما سلطنة عليها , وقد تحقق له ذلك في عيد القط , وكان
بين الرؤيا وال... (ممزق) .. فكتب له الحق .. من المدينة الريفية ... أذكرن ذلك ..(ممزق) ...
(*)
الآن, في بوح الاحتضار .. في الخطّ الواهن الذي يفصل الحياة من الموت .. من أعلا برهات هذه اللّحظة البلّورية ,أطل وحدي ,على احدى شرّفات خاطري المتسع
,لأراقب أحوال العالم المنسي ل"جلابي ود عربي" وأتساءل : هل هذا الذي أراه حقيقيّ أم محض وهم , يستغل ثقوب ذاكرتي ليعبئها بعجينة عفنة يتشكل منها تاريخ
حلة جلابي ود عربي : ناسها .. كلابها .. دروبها .. حبيبتي ثريا , التي لم أحب كما أحببتها (حمل الىّ حسن أخبار ثريّا : أصيبت بالسّل وماتت من جراءَه ,
قبل أن يهرَُب خميس الى مكان غير معلوّم , فبقيت السًُّرّة والدتهما تلوك حسرّتها , على فقد البنت والولد في آن واحد !) ..
لا زلت أرى معالم جلابي ود عربي , حيث ينهض الدُّكان الصّغير لأبي في قلبها , محاصرا برائحتها المزّيج من أبخرة الخمر البلدي ورائحة الجنس والعرّق ..
منذ بدايات القرن التاسع عشر ومجتمع جلابي ود عربي يشهد حركة انتماء تشد أطرافه المتباينة التي جمعت أشتاتا في بوتقة الكينونة الهلامية التي أقيمت بالنزوح
والغزو الأجنبي والأستعمار المحلي في الحاضرة .. ومع ذلك التباين كانت تبرز قوى , تجذب تلك الأطراف بعيداَ عن بعضها دون أسباب واضحة , الأمر الذي شغل
بال المؤرخين طويلا , للبحث عن جذور هذه الظاهرة في حلة (جلابي ود عربي) , التي تشكّلت على غرارها كل "حلالات وفرقان " وبلدات البلاد الكبيرة , بحاضرتها
ومدنها الرّيفية .. أثمرت جهود هؤلاء المؤرخين "المخطوطة السرية " التي توصلوا من خلالها لتفسير مبدئي , لأول مرة حول هذه الظاهرة .
يقول محمد سعيد القدال , كما أشار سابقا في الأنتماء والاغتراب : ( أن أدونيس كتب مقتبسا كانط :" أن العصفور الذي يضرّب الهواء بجناحيه لكي يطّير , يتصور
أنه لو لم يكن هناك هواء , لكان طيرانه أسهل , والحقيقة أنه لو لم يكن هناك هواء , لما أستطاع أن يطير – وعلق محمود أمين العالم , على هذا قائلا : لأ
سبيل للتقدّم والقطيعة الجدّلية الحقيقية , الا من خلال الذّاكرة التراثية , فلكي نطير أبعد من الهواء , ولكي نتجاوزه , لا نستطيع ذلك الا من خلال الهواء
وبفضل الهواء وعلى الرغم من هذا الهواء ..) ..
قبل قليل (ثوان فحسب )أتصلت عبر هاتفي المحمول , بصديقي القدّيم حسن في الدّيار البعيدة . سألته عن "حلة جلابي ود عرّبي" ,فأكد لي أنها لم تعد كما تركتها
. ففي السنوات "القادمات" التي لم تأت بعد شهدت جلاّبي ود عرّبي , نهضة عمرانية مدّهشة , اذ أعيد بناءها على نحو عصرّي حديث ومنسجم , فتراصّت الأبراج
والعمارات باتساق , ونهضت الجسور والطرق والكباري والمستشفيات والمدارس والجامعات , والساحات الخضراء والملوّنة بالورود والحدائق , التي كما في ألف ليلة
وليلة وبدائع الزّهور ..
وصار كل الّناس ناعمين كأبن حزّم في ألفتهم وايلافهم .. فقد تحقق آخيرا في جلابي ود عربي ما حلمت به وما لم تحلم به يوما ! ..
تمّ تشييده في السنوات القادمات , بعد أن زارها موظفي تنظيم القرّى ومعالجة السكن الاضطرّاري , وأجروا البحوث تلو البحوث بعيد زوال حكومة الجنجويد بقليل..
قطعت الأتصال بحسن دون تمهيد ,لتستعيدني بعض الوقائع التي عشتها في جلابي ود عربي , عندما كنت أمضي اليها بعد الدوام المدرسي , بصحبة حسن وخميس لأبقى
في دُّكان أبي حتى يتمكن من قضاء مشاويره . وكالعادة لا يلبث حسن أن يمّل , فيمضي الى منزله في مدينتنا الرّيفية , فأظل وحدي في الدُّكان أبيع للناس الى
أن يحضُر أبي بعد أنقضاء النهار .
كنتُ مغرماً بأكتشاف هذا العالم الغريب عنّي . عالم جلابي ود عرّبي النّاهض في العلاقات الثنائية المتوالدة والمتشابكة بصورّة معقدّة .. لا تبين فيه الثنائية
التي طبعته بوضوح لتداخلها في شبكّة من العلاقات الوّهمية , التي ظلّت غامضة بالنسبة لي , ومستغلقة على فهمي لوقت طويل, قبل أن أبدأ في الاهتمام بحواشي
المخطّوطة السرّية , محاوّلاً استقراء ما خلفها من عالم مخفّي بعناية دون متن .. فقط فقط حواسي توحي (كلما حللت رموزها ) بمزيد من التفاصيل الغامضة !!..
فعلاقة مثل علاقة السّرّة بكرتون , أو علاقته هو بها : كانت من العلاقات التي وقفتُ عندّها حائراَ لوقت طويل . لم يستطع أحد أن يفك طلاّسم هذه العلاّقة
, التي لا تخلو من حميمّية ووّد , أو يعرّف كيف ومتى ولماذا , نشأت مثل هذه العلاّقة الملتبسّة !.. كما لم يجرؤ أحد على سؤالهما عن طبيعة هذه العلاّقة
غير المسماة !.. لكن ما أستقر في نفوس أهالي جلاّبي ود عربّي , أنها علاقة مساكنّة فحسب , دون أيّ تأويل جارح , وليس لأي أحد منهم علمٌ بالكيفية التي
توصلوا بها لهذه القناعة . ومع ذلك كانوا يلمحوّن في جلساتهم الخاصة لأشياء مريبة !.. وكنت كثيرا ما أتساءل : كيف رضى خميس وثريّا بتقبل مساكنّة كرتون
لهم ؟ وهو الغرّيب عنهم !..
اللحظة الوحيدة التي أدرك فيها أهالي جلابي ود عربي حاجتهم الماسة لمقابر , بذات قدر حاجتهم لمعرفة الطّقوس التي تجرى للموتى , كانت هي تلك اللحظة التي
ماتت فيها ثريّا .. ولذلك عندما أكتشفوا موت حسّان جدّاد وأدروب حرّقا , بسبب الحرّيق الذي لم يبق منهما سوى العظام المشويّة , التي ألتصقت عليها بقايا
اللحم المتفسّخ , ولم يستطع أيٌّ من المتحرّين , الذين ظلوا يتوافدون لأيام عديدّة على حلّة جلاّبي ود عرّبي التوصل للأسباب الحقيقية التي أدت الى الحرّيق
, الذي شبّ في كل أطراف الحلّة وقلبها في وقت واحد! ولم يترُك شيئا دون أن يلتهمه. لذلك عندما أكتشفوا موت جدّاد وأدروب حرّقا , كانت لديه فكرة واضحة
عن "إكرام الميت"!...
بسبب ذلك الحريق تحولت حلّّة جلاّبي ود عرّبي بكاملها الى رّماد تذروه الرّياح !...
قبل هذه اللحظة بوقت طويل , كان الفشل مصّير كل من حاول أن يفّك طلاّسم علاقة السُرّة بكرتون , و"السُرّة بنت عرجّون " وقتها كانت إمرأة أربعينية , لا
تخلو من ذلك النّوع من الجمال السّائد , الذّي لا يلفت الإنتباه , لا يَعرّف لها أحد أهلاً أو أقارب , وكانت هي ذاتها ,تصّر دائما على أنها "مقطوعة من
شجرة " .. ولا أحد يَعرّف لأبنيها أبٌ من بين رجال جلابي العديدين ..
بدا للجميع منذ أول يوم حلّت به بينهم , كالهاربة من شيء يطاردها , فهي زائغة العينين على الدّوام , وتنتفض باستمرار , ومع ذلك أتسمت حياتها بطابع الكتمان
والتحفظ , حتى أن حسّان جدّاد لم يستطع أن يحصل منها على إجابة واضحة , على عرض الزواج الذي تقدم به اليها , ُقبيل هجرّته الى اللّه (كما ذكر) زاعماً
أن عرضه لصّونها وصّون أبنتها ورّعاية ابنها .. فهما يحتاجان لأب في هذه السّن الخطرّة , وهي تحتاج لزّوج "على سنة اللّه ورسوله" !!..
يئس "جدّاد"بعد محاورات ومداورات , فصرّف النظر وهو يشعر بالهزيمة تضعضع كيانه ..
لم تكن للسُّرّة أىُّ صديقات في حلّة جلابي ود عربي أو خارجها , بإستثناء تلك العلاقة اليتيمّة ,التي ربطتها بسّت البنّات العشمانّة ,التي رغم تجاوزها
سن الأربعين , إلا أن أول ما َلفت النظر فيها , هو بشرّتها الصّافية , التي تشبه مزيجا مصفىَّ من لَوّن القمح والبُّن نصف المحترّق !..
كانت ذات جمال "جنّي" , دفع حسّان جداد للإنزّهال التّام , فأخذ يطارّدها لأكثر من عامين , وعندما أمتنعت عليه تقدّم من السُرّة صديقتها ..
كنتُ بعد نهاية كل يوم دراسي أركب دراجتي الفليبس رادفاً حسن وخميس . نعرّج علىّ حلة جلابي ود عربي , وبعد أن يتركني والدي في الدُّكان ويمضي . يتجرّد
خاطري منّي وينهض جوارّي , فأتكيءُ عليه وأتأمل أحوال العالم المنسي لحلّة جلابي ود عربي .. وحسن ينظرُ الىّ صامتاً , دون أن تنفرج شفتيه عن كلمة واحدة
..
كنتُ أشعر بهذا العالم غريباً , يحاصرني بظلاله محاولاً توليفي كجرّو صغير . وأذكُرُ وقتها فيما اذكُرُ : الحزن العميق في عينّي السُّرّة وهي تجاهد (
دائما ) إخفاء جُرّح غامض يتمظهر في هذا الحُزن .. ربما لأنني فاجأتُها مع والدي في الغرّفة الخلفية التي يقع مدخلها من جهة الباب السّرّي للدّكان . كانت
رجليها مرفوعتان لأعلا . أعلا من أقصى ُشُرفات خواطري . وكان أبي يربضُ عليها كأبي الهول , وكنتُ لا أدري في أيُّ نقطة من المسافة التي بدَت شاسعة وقريبة
في آن !..
لكن ما أُدرّكه تماما أن ذلك المشهد أصبح السّر الصّغير لثلاثتنا !..
في ذلك اليوم الذي أحترّق فيه بيتُ أُم التيمّان, التي كانت قد أستيقظت في الفجر , فاشعلت نار" الدُّوكة" تمهيداً للبدء في صناعة المرّيسة , وهي ُتمنّي
نفسها بأن تتمكّن اليوم من تطبيق وصفة مزّيد الحلبيّ , التي أشار لها بها .. كانت تحادث نفسها وكلُها أمل في أن تمكنها هذه الوصفة من تحسين سمعتها في
سوق" المرايس" , الأمر الذي سيجعل دربها سالكاً لسرقة زبائن السُّرّة , الذين كانت تطلقُ عليهم "الزباين الهايلايف"..
عندما أستيقظت أُم التيمان كانت الدّيكة لا تزال بعد تعزّف سيمفونية الفجر , تشاركها كلاب الحلةالضّفادع التي تنقُّ في خيران جلابي , كجوقة استثنائية
, فمن مفارقات هذه الحّلة (في نظر سكان المدينة الرّيفية )أن كلابها هي التي تقوم بالإعلان عن الفجر . فالدّيكة تصحو متأخرة بسبب تناولها مخلفات صناعة
الخمر البلدي "المشك والبلح" . وصحو الكلاب باكراً كثيراً ما ُيثير حفيظة الدّيكة التي تتأخر في النّوم فتعبرُ عن احتجاجاتها بعد ذلك بالصياح , بعد أن
تكونُ الشمس (عمليا ) قد أشرقت !..
هذا التفسير العلمي البارع , تبرّع به حسّان جداد , بإعتباره المثقف الجهبوز في حلّة جلابي ود عربي ..اذ كان هذا الرّجل كثيراً ما يتحدث عن معرّفته العميقة
والواسعة بعلوم الأولين والآخرين , ويذكر أسماء لكتب (يقول عبدُّه الخَال على لسان حسن أنه بحث عن العناوين التي ذكرها له نقلاً عن جداد , كثيراً ولم
يجد كتاباً واحداً يحملُ هذه الاسماء !!)..
أشعلت السُّرّة النّار , والسماء بعد لا تزال تنتثر على صفحاتها , حُبيبات الأُرز المضيئة , الآخذة في التلاشي , مفسحةً لضؤ الفجر المتسلل على استحياء
. لحظتها كان نباحُ الكلاب في الشوارع , يقطعُ ما تبقى من الصّمت , كسكين صدئة تقطعّ قماش عتيق , وما أن حاولت الشّمسُ أن تطلُ , حتى سمعت أُم التيمّان
خطواً خارج دارها وهُتاف :
- أم التيمّان ..أم التيمّان أنا عبد الرّحمن ود التوّم ..
فركضت نحوه في غضب , تنفضُ فيه ما تبقىّ من ُنعاسها المخمور , حتى صحىّ نصف سُكان الحلّة على سماع شتائمها المقذّعة وصراخها المسعوّر .. ونشيج عبد الرّحمن
العوير الذي كان يتلقى على ظهره في إنكفاء الضربات القاسية من "مفراكتها " الغليظة, التي تستعملها لتحرّيك" المرّيسة" في " بُرمة " الفخار الكبيرة ..
ولم تتوقف عن ضرب عبد الرّحمن الذي أضطر في النهاية أن يخر كجمل منحور ...
عند هذا الحد تجمع أهل الحي بينه وبينها , وأخذ عبد الرّحمن شيئا فشيئا يتمالك نفسه , فنظر إليها بغيظ مكتّوم , ودون أن ينبث ببنت شفة , رَفع يديه الى
السماء ومضى ..
كانت عادةُ التجوال في شوارع الحلّة واحدة من العادات المزعجة لعبد الرّحمن العوير . فهو ما أن يبدأ الفجر في البزوغ , حتى يمضي هاتفاً بأسماء أصحاب البيوت
التي يمرُ بها . هكذا أعتادَ عليه النّاس وألفوه منذ ترك المدينة الرّيفية وحلّ بينهم ..
كنتُ بعد أن أُسلّم والدي الدُّكان , أعرج خفيةً منه الى دار أُم التيمّان . تدخلني غرفتها التي لم تسمح لأحد سواي بدخولها , وُتخرجُ كالعادة" شنطتها"
السوداء العتيقة من أحد أرفف دولابها حائلُ اللوّن . فتفرغ أحشاء الشنطة وتمد لي الرسائل القديمة(التي تحرصُ عليها) لأقرأها لها :
-حبيبتي تيمة ..
.. وعندما أُنهي الرسالة ,التي بالكاد تكشفُ تعابيرها المرتبكة ,عن أحاسيس ومشاعر كاتبها , وأصل الى توقيعه "سوكا" .. تمسح أُم التيمان دمعةً يتيمةً ,
تنحدر من عينها اليسرى ,فأقرأُ لها رسالة أخرى , فتنحدر دمعة أخرى من عينها اليمنى .. هكذا تنحدرُ الدّمعات من عيون أُم التيمان بالتناوب .. كل رسالة
بدمعة . فأسألها عن (سوكا) كاتب هذه الرسائل , فتهزُ رأسها, وتمضي لتحضر لي كورة "الكانجي مورو أو العسلية" .. أشربُ على عجل وأمضي متخفياً خشية أن يلمحنّي
أحد , فيخبر أبي الذي لن يتورّع من إحالة حياتي الى شقاء وضجر !..
من الشخصيات المنسية التي كانت تسقط باستمرار عن الذاكرة الرسمية للحلة : شخصية أبكر وأدروب وريّاك , ورغم أن جميع الأهالي يتذّكرون أنهم عندما سكنوا
جلابي ود عربي وأستقر بهم المقام فيها , وجدوا أدروب وأبكر وريّاك ,جزء من المعالم الرئيسية لحلة جلابي ود عربي , يتذّكرون كل شيء وينسون هذه المعالم
الثلاثة البارزة والمنسية في آن !!..
كل سكان الحلّة لا أحد منهم يتذكر أنه سكن قبلهم أو سبقهم الى السكنّى ... ربما أن نسيانهم جاء من سكنهم على مبعدّة من بيوت الحلّة المتلاصقة , اذ يحيط
ببيوت أبكر وريّاك وأدروب الفضاء من كل جانب .
حلّة جلابي ود عربي ليست كبقية الحلالات والفرقان التي في أطراف البلدات والمدن . فهي حلّة نهضت فجأة على مبعدة من النيل , أثر موجات النزوح الكبيرة ,
التي تسبب فيها الجفاف والتصحر الذي ضرب أنحاء واسعة , من الأطرّاف الغربية للبلاد الكبيرة ..
وعلى الرغم من أن الحلة أسمها جلابي ود عربي , إلا أن الأصول الأثنية لسُّكانها كانت أما أفريقية خالصة أو هجينّة , ومع ذلك كان سُكانها يصرّون على هذا
الاسم :"جلابي ود عربي"..
ولم يقف هذا الإسم دون تقسيم جلابي ود عربي الى حلالات صغيرّة داخلها , مثل" فرّيق الشايقية" ," الجلابّة المساليت "," حلة العرب" , "حي الدينكا الجلابة
","حلة الفور" ," فرّيق النّوبّة" ...
هذا المكان الذي نهضت فيه جلابي , كان أهالي المدينة الرّيفية , التي تعتبر حلة جلابي ود عربي واحدة من ضواحيها (يزرّعون الذّرة الرفيعة والدُّخن كنشاط
ثانوي بعد دوام عملهم , وما أن نهضت هذه الحلة ,حتى لم يعد لديهم خيار سوى التوغل بعيدا عنها لأنشاء حواشات جديدة من الأراضي البور , التي لم تمتد اليها
أيادي سكان حلّة جلابي . يزرّعون فيها ما يعينهم على حياتهم القاسية . فقد كانوا يمارسون الزراعة بعد دوام اعمالهم . خاصة أن الأراضي التي أحتلها النازحين
وأقاموا فيها حلتهم , لم تكن مملوكة لأحد ,فهي مملوكة للحكومة منذ العهد الاستعماري الأول , وبتعاقب حكومات الإستعمار المحلي , وصولاً لحكومة أبو لكيلك
الجنجويدي .
لذلك لم يكن ثمة جدوى من محاولة سكان المدينة الريفية إجلاء أهالي جلابي ود عربي , فاكتفوا بوضع اليد على الأراضي البور , وبدأوا يعملون عليها كحواشات
زراعية بديلة لحواشاتهم , التي استولى عليها النازحون فجأة , وأقاموا عليها حلتهم "جلابي ود عربي" .
كانت الدهشة تهيمن عليهم , اذ ظلو يتساءلون لوقت طويل عن التوقيت الذي بدأت تنشأ فيه هذه الحلّة بالضبط دون أن يلحظها أحد !!..
كما ظلوا يعبرون عن مخاوفهم باستمرار , عن خطورة هذا الوضع الذي لا يملكون شيئا لتغييره .
العجيب في الامر أن موظفي السكن العشوائي , الذين أرسلتهم المحلية , عندما جاءوا وسألوا عن " جلابي ودعربي" لم يستطع أحد أن يدلهم عليه , وأتضح أن ذاكرة
السكان لا تحتوي على هذا الاسم إطلاقا ضمن قوائمها , التي تؤرخ بها لأشجار نسب أهالي الحلة , التي ينتهي بعضها عند الفضل ابن العباس .
على الرغم من أن عددا من المؤرخين أكدوا أن الفضل كان عاقرا !!..الأمر الذي استغله بعض الخبثاء , الذين أخذوا يتساءلون : اذن كيف ينتسب اليه أهالي جلابي
؟!..وهذا السؤال الذي لم يتبرع أحد بالاجابة عليه , أزعج "لا" أحفاد الفضل بن العباس وحدهم , بل ازعج كثيرون من مثقفي الدولة الجنجويدية , فسارعوا لإقامة
الندوات السجالية التي استمرت لسنوات تحت نفس الشعار :"دليل الناس في معرفة نسب أحفاد الفضل بن العباس" , وهذا الشعار انبثقت عنه عدة شعارات جانبية للتأكيد
على أهمية الموضوع , مثل " الرقص والطرب في سيرة جلابي ود عرب " و" مسك الختام في معرفة حكام جلابي ود عربي من خليفة و أمير وإمام " الي آخره من هذه
الشعارات ,التي شغلت بال الكثيرين في جلابي نفسها بعد أن رّوعت الآمنين خارجها وأدهشتهم أيما دهشة , فجلابي كانت تتصور ذاتها على نحو مختلف تماما, عندما
حاصرها مثقفو الدولة الجنجويدية بهذه الندوات, وكتموا على أنفاس وعيها الجنينّي !!..
ويبدو أن الموضوع كان جادا أكثر مما قدر الجوار الاقليمي لجلابي , فقد أستمرت هذه الندوات لسنين عددا , ولم تتمكن بعد كل ذلك من دحض ذلك السؤال المريب
الذي كان قد ألقى به أحد الحشاشين في جلابي , في واحدة من لحظات التجلي النادرة , بعد أن خدره "البنقو" ونقله الى البرزخ فأخذ ينظر من هذه المنطقة السامية
الى جلابي, التي بدت كنقطة صغيرة , رمى فوقها بهذا السؤال فتلاشت في فراغ الكون .. لم يعد الحشاش يرى جلابي فقد أختفت في تلك اللحظة من تجلياته النادرة
من الجغرافيا والتاريخ ..ولم تطفوّ على السطح مرة اخرى الا بعد أن تدخل أبولكيلك مدليا بدلوه كآخر العبابسة , في تصرّيح رسمي تناقلته لندن والجزيرة بأن
اسرائيل عبر عملائها في جلابي و المنطقة , تتدخل في الشئون الداخلية للبلاد الكبيرة عبر جلابي , بهدف خلق أزمة وطنية تمكنها من السيطرة على منابع النيل
, وإقحام أنفها في موضوع النفط, الذي ظلت عقود البلاد الكبيرة مع الشركات الاجنبية لأستخراجه وتكريره وتصديره غامضة . لا يعرف عنها أحد شيئا كأكثر الاسرار
قدسية في أروقة قصر أبو لكيلك !..)..
عندما اكتشف موظفو السكن العشوائي ,أن أهالي جلابي , ليست لديهم إجابة على ما طرحوه من أسئلة مباشرة , بادروا بطرح سؤال آخر أكثر بديهية :
- اذن لماذا أطلقتم على بلدتكم هذا لاسم ؟!..
وهنا انبرى كل الأهالي للرد بصوت واحد , جهوري , أرتجت له أطراف المدينة الريفية :
- لم نطلقه , ولا نعرف من الذي أطلقه !!..
فازدادت حيرة الموظفين الذين كانوا يعلمون مما درسوه في وثائق وعلاقات الارض في البلاد الكبيرة أن جلابي ود عربي مرت بتحولات عديدة عبر التاريخ , فقد
سكنتها القبائل الغربية في مرحلة من مراحل تاريخها , وعمدت وقتها الى تكوين مؤسسسة منظمة للرّق و الاسترقاق , فقد كانت جلابي في ذلك العهد مركزا لجلب
الرقيق , وأنطلاقا منها كقاعدة كانت حملات جلب الرقيق تنطلق في مجاهيل البلاد الكبيرة ..
وعندما تلاشى نفوذ المجموعات الغربية , وأصبحت السلطة في جلابي بيد المجموعات الجنوبية تغير أسم جلابي من جلابي ود غربي الى جلابي ود جنوبي .. اذ استمرت
ثلاث من المجموعات الجنوبية في تأكيد وترسيخ مؤسسة الرّق , وقامت بحملات مبدعة اذ أدخلت تحسينات كبيرة على نظام المؤسسة الموروث .. لكن لتناقضاتها الذاتية
كمجموعات تسترق بعضها ( ذات التناقضات التي أودت بسلطان المجموعات الغربية ) سرعان ماتهشّم نفوذها تحت ضربات معاول المجموعات الشرقية , التي لم تستفد
من دروس الماضي ( بعد أن غيرت الاسم الى جلابي الشرقاوي) ومضت في ذات الطريق الذي أسقط نفوذ سابقيها . ما أتاح الفرصة لأن تكون هذه المجموعة, لقمة سائغة
تحت ضغط المجموعات ,التي هزمت في المراحل السابقة التي مرّت بها جلابي , ومن ثم كان الطريق ممهدا لاستيلاء الجلابة العرب على جلابي , ومنذ هذه اللحظة
أصبح أسمها جلابي ود عربي .
وأستمر هذا الاسم على الرغم من زوال ثقافة الجلابة, وأنهيار مؤسسة الرق تحت ضغوطات العالم , والصحوة المفاجئة لضمير الآباء المؤسسين, لمرحلة ما بعد الاسترقاق
وجلب الرقيق في جلابي , كما أن المساحة الجغرافية لجلابي الحقيقية ,التي كانت تشمل المدينة الريفية. تقلصت وتقلصت الى أن تحولت لاراض بور قام سكان المدينة
الريفية باحيائها بالزراعة , الى أن برزت بشكل مفاجيء جلابي مرة أخرى للوجود ..
التاريخ الأقدم لجلابي ( وفقا لبعض الاجتهادات الأثرية والتاريخية ) يفيد بأن جلابي مقر لممالك جلابية عريقة منذ عصر ما قبل الديانات التوحيدية الثلاث
, لكن هذا التاريخ ظل مجهولا فالكشوفات الاثرية, التي أفادت بأن جلابي والمدينة الريفية هما موقعا مملكة ساورا التي ظلت أسباب نشؤها في هذا المكان وعوامل
انهيارها غامضة الى حد كبير , لم تقنع أهالي جلابي بأنهم أحفاد لأسلاف ضربوا بجذورهم في هذا المكان ..
اذ كان أهالي جلابي بصورة عامة, يشعرون أن حياتهم هشة. وأنهم يقيمون على قشرة بيضة, سرعان ما تتهشم ويتهشمون معها, ولا يدري أحد: كيف تكون هذا الشعور
داخلهم !!..
هزّ الموظفين رؤوسهم , واقترحوا على أهالي جلابي ود عربي اسم (الفردوس) كبديل . فهزّ الأهالي رؤوسهم دون تعليق.. وهكذا أصبح لحلّة النازحين أسمان : اسم
رسمي مدّون في السجلات "الفردوس" واسم أشتهرت به الحلّة "جلابي ود عربي" .. وهذا الاسم الآخير كانت التنظيمات السياسية الطائفية تستغله أيما أستغلال في
الانتخابات , اذ يسرح السياسيون "المساطيل" والمخمورين بخيالهم , فيتحدثون عن أمجاد مزعومة "للجد" المؤسس جلابي , الأمر الذي يجعل أشجان عدد كبير من الأهالي
ومشاعرهم "الوطنية" تهتاج , فيصوتون للمرشحين الأماجد , وهم يهتفون "لا نصادق غير .." " لا نبايع الا .."- "الجلابي ود عربي تقف من خلفكم وتشد من أزركم
" – " الجلابي ودعربي ُتحي الثّورَة " – " الجلابي ود عربي جاهزة لحماية العقيدة والوطن " – " الجلابي ود عربي تدعم ضرب السد العالي بصواريخ كروز "- "
الجلابي ود عربي تتحدى اميركا وتحذرها للمرة الآخيرة " – الجلابي ود عربي تتبنى مذبحة أم الحمام وعملية أغتيال امبراطور وادي النيل الفاشلة " .. هذه
الهتافات هي في الأصل عبارة عن الشعارات المكتوبة "بالتفتة" على القماش المخرّم , والتي علقها السياسيون في أنحاء جلابي على جدارات البيوت وأبواب الدكاكين
والكناتين والبقالات الصغيرة .. وهتاف أهالي جلابي بها في لحظات "الإهتياج الوطنّي" هو إستثناء ينقضي بانقضاء حالة الإهتياج العابرة , ففي واقع الأمر
أن هذه الشعارات كانت تستفز الكثيرين من أهالي جلابي ود عربي , الذين يعتقدون أن الجد المؤسس "جلابي" ما هو الا جد وهمي خرج من بنات الأفكار الجنجويدية
!..
واذا كان موجود فعلا ًجد بهذا الاسم ,فهو غير جدير بأن تفتخر به بلدة جلابي ود عربي العظيمة .. وأن أي قول خلاف ذلك هو استفزاز مع سبق الاصرار والترصد
للذين لا تربطهم به صلة نسب أو شجرة قرابة , وأن توظيف السياسيون لحدوتة جلابي ود عربي ماهو إلا تكريس للتواطؤ ضد القيّم النبيلة التي أساء اليها الجد
جلابي المغضوب عليه ..آمين ..
وهكذا يثير السياسيون الذين يفدون أيام الانتخابات , المشاعر القمقمية الحبيسة- لأهالي جلابي ود عربي( وذكريات الغزو والسلب والنهب والفتوحات التي جادت
بها العبقرية البدوية الصحراوية .. وكأن ستين ألف شيطان في داخل كل شخص من الأهالي أنطلقوا لتعانق قبة السماء هتافاتهم التي يرتج لها السمّاك والثريا
(وكوكب المريخ أيضا) ..
كأن أهل جلابي ود عربي , لم تكن هذه الهبات الغضنفرية جزء من حياتهم العامرة بكل ما هو عجيب وغريب ! فما أن ينتهي موسم الانتخابات ومع نفاد المصارّيف
والسكر والزيت والذّرة , التي أشترى بها السياسيون أصوات الناس , ينسى أهالي جلابي كل شيء خاصة تهديداتهم لامريكا , التي دفعت وزارة خارجيتها لأن تضع
جلابي ود عربي ضمن المناطق الراعية للارهاب والتطرف !!..
لا يعتبر أهالي جلابي أن هذا أمر خطير , فلا أحد منهم مهموم بعلاقة جلابي باميركا .. أو علاقة أميركا بالعالم الذي جزء منه جلابي الموقرّة ..
وهكذا تعود الحياة في جلابي بعد الانتخابات لإيقاعها الراكد المألوف , محفوفة بالآمال العراض التي رسمها السياسيون في أذهان الناس قبل أن يرحلوا (فأهل
جلابي ود عربي كأسلافهم الغابرين لا يتعلمون من دروس الماضي – يصدقون السياسيين ويظلون حبيسين لهذه الاحلام التي تبدت عنها وعود الانتخابات التي بذلها
السياسييون في لحظات الحماسة المنبرية ,أمام مكبرات الصوت , حتى أن أحدهم وعد أنه لو فاز سيصطحب كل أهالي جلابي فوجا إثر فوج في رحلة سياحية للفضاء الخارجي
, حتى يطلعوا على إنجازات واحدة من سلالات أسلافهم الغابرين الذين هبطوا من السماء !.. وصدقه أهل جلابي رغم ادراك بعضهم أن السياسيين أصلا يبذلون الوعود
لأنهم لا يرغبون في انفاذها , فلو قاموا بانفاذها لن يجدوا أحدا يصوت لهم , فالناس وقتها سيعون أن هؤلاء السياسيين ليست لديهم برامج , وكل ما لديهم هو
أضغاث أوهام في السلطة والتسلط , والتي عندما تمنح لهم – السلطة – لا يعرفون ماذا يفعلون بها سوى ارسال الجرافات للبلدات والاحياء العشوائية خارج التخطيط
لهدمها دون تقديم معالجات لأصحاب هذه البيوت المهدومة أو بدائل ) ..
المفارقة أن جلابي لا تزال خارج التخطيط, كما أن السواد الأعظم من سكانها ليست لديهم شهادات ميلاد أو جنسية!!بالتالي قانونيا ليس لديهم الحق في التصويت
لعدم وجود أو اكتمال أوراقهم التي تثبت شخصياتهم , كما أنه والأمر كذلك ليس من حق المناطق خارج التخطيط, أن تتمتع بالخدمات الأساسية الا بعد تخطيطها ,
ومع كل ذلك يعتقد أهالي جلابي ود عربي – أصالة عن أنفسهم ونيابة عن كل شعوب البلاد الكبيرة التي تشبههم - أنهم مواطنون مواطنة كاملة (على الرغم من أن
جلابي ود عرّبي تنقصها الخدمات الأساسية !!) وهذا الأمر عندما ُيثار يلتبس على أذهانهم ويرّبك أفكارهم , اذ لا يستطيعون حل المعادلة الصعبة التي تقول
بنهوض المواطنة في الخدمات (كما قال أحد موظفي تنظيم القرّى ومعالجة السكن الاضطراري أثناء تدخينه البنّقو في بيت مزّيد الحلبي) .
حلة جلابي ود عرّبي رغم حداثة نشأتها, في هذه المرحلة من تاريخها المتقطع كجزر معزولة , ظلّت كالزئبق تتمدد كل يوم, حتى ألتهمت اجزاء واسعة من المدينة
الريفية ..
لم يكن أحد من سكانها من جيل المؤسسين , فالجميع كانوا يؤكدون ,أنهم جاءوا ووجدوها مليئة بالناس , كما أنها لم تشهد أى حالة وفاة تقتضي وجود مقابر لوقت
طويل من الزّمن.. والأغرّب من ذلك أن كل سكانها بين سنّ المراهقة والخمسين . ولاحظ موظفو السّكن العشوائي أيام حملات الهدّم (فأهالي جلابي محيرّين كلما
جاءت الجرافات وهدمت جلابي , ُيفاجأ المجلّس البلدي أن الأهالي شيدوا جلابي من جديد , فجلابي تجرّبة سكنية فريدة , لاتيأس مثل الأحياء العشوائية الأُخرى
, رغم فقدها لأرواح عديدة في أيام الهدّم المتكرّرة , كأن روح شجاعة هي التي تحرك كل الأهالي وتوحدهم , وكل الأرواح التي فقدتها جلابي , قتلت مقابلها
عدداً من عساكر الجيش والشرطة ,الذّين كانوا يأتون مع حملات الهدّم , الأمر الذي أفضى في النهاية الى يأس المجلس البلدي ,فبعد 15 محاولة هدم لجلابي صرف
نظره تماما فيما أسماه ب"مسألة جلابي ود عرّبي المعقدّة " وأقترح رئيس المجلس أن يطلق عليها اسم "الفردوس" وتترك وشأنها كأيّ منطقة حُكم ذّاتي) ..
ما لاحظه موظفو السكن العشوائي, أيام حملات الهدم التي كانوا يستعينون فيها بالجيش والشرطة (وخلّف ذلك بالطبع, ضحايا بعدّد شعر الرأس من الجانبين )هو
غياب الأطفال والمسنين , فهزّوا رؤوسهم ومضوا , ولم يعودوا بعد ذلك أبدا . لكنهم كتبوا تقارير صارمة , لم يتسرّب منها سوى عبارة واحدة " هذه البلدة ,يجب
ألا تشملها خدّمات الرّعاية الإجتماعية " ,مع أن برنامج الرّعاية المذكور ,لا وجود له سوى على المستوى النظري (ومع ذلك حتى نظرياً حُرمت منه جلابي ود
عربي)!!..
أدهشت هذه العبارّة ,التي سرّبها بعض الموظفين ,الذين يرتادون جلابي طلبا للمخدرات أو الخمر أو الجنس , ليدخنّوا أو يحتسوا أو يقيمو علاقات جنسية (كل
هذه الخدّمات مجانا ) , بعد أن يقدموا وعود عظيمّة , لأصحاب الشأن في هذه الأمور( بأنهم سيستخرجون لهم عقود ملكية للأرض " كل فرد منكم لازم يحصل على قطعة
أرض في جلابي .. دي منطقة عندها مستقبل , كما أنه هناك كلام تحت تحت أنها منطقة نفط .. ولو ما فيها ذاتو, قطعة الأرض بتنفعكم انشاء الله تبيعوها للأمم
المتحدة, تعيد فيها توطين اللاجئين البوسنيين , أو تعمل فيها مزارع دواجن ..حرّة.." )..
وهكذا يطلق الموظفون العنان لأحلام أهالي جلابي , الذين يبدأ الواحد منهم يتصّور شكلّه في العقال والقطرّة والجلباب الأبيض ,المصنوع خصيصا في الصّين
لأهالي جلابي الأثرياء .. وتمضي به الأحلام, فيتخيل نفسه وهو سائح في بلاد العالم الواسعة ,يحمل عملة جلابي التي ُتجندّل في طريقها كل أوراق النقد البترولية
والصناعية , ولا تتوقف أحلامه إلا بعد أن يرى نفسه قد أكتفى من ترحال السياحة, وملذات الدنيا وغادر الفندق عائدا الى جلابي الحبيبة ,حيث تحط به طائرته
الخاصة في مطارها الدولي " ..
عندما يطيب للموظفين تكرار (..أو تعمل فيها مزارع دواجن .." تضحك "فدّاديات " جلابي , اذ يخطر على بالهن لحظتها "حسّان جداد" ..
ظل سؤال الرّعاية الاجتماعية الذي سربه الموظفون , يشغّل بال جلابي , الى أن تمكن منها ذلك الحريق العجيب (فالمطافي لم تتدخل, إلا بعد أن أتى الحريق عملياً
على كل شيء ) المرّيب ,الذي أشارت بعض الشائعات الموثوقة, أنه تكنيك جديد من جماعة أبو لكيلك في المجلس البلدي, لمحاربة السكن العشوائي !..
لم تكن أُم التيمّان, هي القصة الوحيدة في حياتي بجلابي ود عربي . فهناك قصة أخرى مع ست البنات العشمّانّة , في تلك السنوات الباكرة من مراهقتي ..
كانت ست البنات العشمانّة, بين آن وآخر تصّطادني ,وأنا أترنح من ال"كانجي مورو" أو أل "عسلية " .. أتسلل خفيّة, منفلتاً بحذّر ,من بيت أم التيمان , فتحملُّني
العشمانّة حملاً على دخول بيتها .
في البدء كنتُ أمانع , ولا أوافق إلا بعد إلحاحها الشدّيد . بعد ذلك أصبح بيت ست البنّات محطتي التالية لبيت أُم التيمّان . ولم تكن تدع أحداً يراني ,
إذ ُتدخلّني الى دارها ,من باب خلفي مموّه , ألج عبرّه الى غرفتها الخصوصيّة ..
كانت تغسل لّي وجهي , وتمسح علىّ رأسي وُتقبلُّني بجنون , وقبل أن تدعني أنصرف تعطّيني أوراق اللّيمون أو التُوم لأضعها في فمي , وأمضغها كي ُتزيل رائحة
"الكانجي" أو " العسّلية" من أنفاسي .
عدد من صغار التُجار ,في المدينة الرّيفية, أغلقوا محلاتهم وأنتقلوا إلى جلابي .. كان أبي أحد هؤلاء التجار , الذين لا أدري سبب إنتقالهم , ولكن بالنسبة
لأبي, فربما كان الحنين لبيئته القرّوية , التي لم تعرّف الكُهرباء ومواسير المياه .. تلك البيئة الغامضّة بعوالمها السّحرية , في أقصى الغرب .. ربما
ذلك هو ما جعله ينتقل بدُّكانه الصّغير إلى جلابي ود عرّبي , فهي ُتمثل الّظل للقرية التي جاء منها ..
في البداية كانت الحرب بين أبكر والشيخ "جداد" غير معلنّة , ولكن ما أن سافر حسّان جداد, الى الأراضي المقدّسة وعاد , بعد أن بقى فيها لأكثر من عامين
, حتى أبرز أنيابه لأبكر ..
اذ أخذ يتحدث عن الدّجل والشعوذّة ,ولم يلبث أن أخذ في خطبة الجمعة , يخصص محاور, وفصول كاملة عن ذلك ضاربا بأبكر المثل .. ورغم ذلك كان أبكر صامتا صمتا
مريبا , لا ينبث ببنت شفة ..
أنطلقت بعض الشائعات تعليقاً على حملة حسان جداد ضد أبكر, زاعمة أنه يحسد أبكر على النساء الجميلات , اللواتي يأتين من المدينة الرّيفية خصيصاً ,كي يزيل
عنهن "العوارض" , أو يعالجهن من "الطب" أو العين , الخ ..
وذهب البعض الآخر الى أن واحدة من اللآئي يأتين, الى أبكر المعراقي ,هي في الواقع سلمى خير اللّه التي تسكن المدينة الرّيفية الأخت غير الشقيقة لجداد
, وانما تأتي لأبكر بغرض أن يكتب لها "للمحبة والزواج", أو يجدد لها ما كتبه سابقا , وجنح خيال البعض أن ثمة علاقة جنسية بينها وبين أبكر , وهى الدافع
الأساس لحملة جداد الشعواء ..
بينما اصر آخرون أن جداد رجل صالح ويرفض البدع , وهنا أضطر البعض إلى تذكيرهم بالعلاقة المريبة التي تربط جداد وأدروب , والتي لا يمكن أن تكون من علامات
الصّلاح ..
وهكذا تعددت الروايات والحكايّات حول المسألة, واضعة نصب عينيها (هذه الحكايّات والروايات) عوامل وعناصر وأسس وخيارات وأحتمالات عدة, تقف خلف الحملة الانتقامية
التي قادها جداد ضد أبكر, منذ مجيئه من الأراضي المقدسة, ولولا تهديدات البعض لجداد ,لتطورت الى بسوس أخرى !!..
ولكن , بعد أن داهمت قوات الشرطة العسكرية والأمن الايجابي وجهاز الأمن العام , في الساعات الاولى من فجر أحد الأيام منزل أبكر المعراقي وحاصرته , وأخرجته
مقيدا بالسلب الغليظ الذي لا تعقل به الا البعير , ونصبت له عمودا من خشب الصنوبر الذى كانت الحكومة الجنجويدية قد أستوردته من لبنان خصيصا للاعدامات
والشنق , ونصبت هذا العمود في قلب أكبر ميادين جلابي بعد نادى المنادي في الناس بالمايكروفونات , اصطف العساكر ورموه بالرصاص بعد هذه المداهمة السريعة
والمباغتة التي لم تدع لأبكر مجالا للهرب .
بالاعدام الفوري لابكر اصيبت جلابي ود عربي, برعب لم تستطع التخلص منه الا بعد شهور عديدة , حتى أنها في الشهور الأولى, لم تجرؤ على معرفة السبب , خلف
ما فعلته أجهزة الأمن بأبكر , بهذه الطريقة العلنية البشعة ..
رغم أن الحكاية كانت واضحة وضوح الشمس , كما أن الأجهزة الأمنية لم تحرص على إخفائها , اذ أعلنت في بيان رسمي أن أبكر ليس أبكر فأسمه الحقيقي هو آدمو
.. ذلك المتمرد المسلح المسئول عن التمرد الذي حدث قبل فترة, في الأطراف الغربية للبلاد الكبيرة (وبعد أحتواء الحكومة للتمرد, بتآمر عدد من قادة المجموعة
المتمردة, ومجموعات أثنية منافسة للمجموعة التي ينتمي اليها أبكر, وأنقسام مجموعة أبكر نفسها بسبب عدد من الاختراقات الناجزّة من قبل الحكومة الجنجويدية
لمجموعات الإنقسام ) لهذه الأسباب وأسباب أخرى أستطاعت حكومة أبو لكيلك القضاء على التمرد ..
وكان أبكر قد هرب منذ وقت مبكر ,عندما لم يعد يثق بأحد من المجموعات المنقسمة , ولم يتم العثور عليه رغم البحث المكثف الذي أجرته أجهزة أمن أبو لكيلك
.. فقد أختبأ أبكرمتنكرا في شخصية معرّاقي , في جلابي التي لا يمكن أن تخطر على بال الأجهزة الأمنية, كمكان يصلح لأختباء أىّ شخص , لطبيعة الحياة العلنية
لأهالي جلابي من جهة , ولكونهم بلا أسرار تذكر من جهة أخرى ..
ويبدو أن إختباء أبكر , وتنكره تغطية لشخصيته الحقيقية , كان مؤقتا ريثما يتمكن من(أعادة بناء تنظيمه المسلح وترتيب أوضاع رجاله, و ترتيب أوضاع ثورته
المجهضة لإشعال نيران تمرده من جديد ..
هذه الرواية الرّسمية أقنعت الاهالي . في البدء . لكن , بعد أن أطمأن الموظفين الذين يرتادون جلابي الى زوال الخطر عنها , وأن الأوضاع في جلابي قد عادت
الى طبيعتها (كما أكدت اذاعة لندن بذاتها وصفاتها ذلك ) , بعد أن تأكد الموظفون بما لايدع مجالا للشك لديهم(بعد أستماعهم لعدد من الفضائيات أيضا) عادوا
يرتادون جلابي مرة أخرى يمارسون المثاقفة التحليلية للحدث , أثناء علاقاتهم الجنسية او أثناء قعدات الخمر أو الحشيش ..
وهكذا خرجت الى العلن في فضاءات جلابي ود عربي, تحليلات تختلف تماما عما قالته الحكومة الجنجويدية رسميا في بيانها الشهير (وبدأ الحديث عن إنتهاك حقوق
الانسان والحق في محاكمة عادلة , الخ.. مما يسميه أبو لكيلك ب : خزعبلات العولّمة ) ..
عندما غادر الأثر المرّوع أهالي جلابي , علموا من بعض المتنورّين (علمانيين جلابي ود عربي) أن بعض القوى السياسية أصدرت بيانات ,ُتعضد من معنويات أهالي
جلابي (في هذه المحنة التاريخية التي يمرون بها – كما جاء في أحدى الصحف السرّية التي تطبع على أوراق الرونيو بآلة الخشب البدائية , المسماة "كرجاكة",
والتي هي احدى الانجازات العبقرية للنضال السرّي تحت الأرض ضد نظام أبو لكيلك )..
من أكثر التحليلات التي أستوقفت أهالي جلابي , ذلك التحليل الذي ألتقطه مزيد الحلبي من أحد الموظفين في السكة الحديد بأن : أبكر الذي أعدمته قوات الأمن
ليس هو آدمو ولا يحزنون , وانما هو كبش فداء لإحباط "جماهير شعبنا" , وقطع الطريق على أنتفاضتها الشاملة والمحمّية بالسلاح . فهذا الاعدام هو بمثابة القضاء
على أمل الحركة الجماهيرية, في هبتها الثورّية القومية والأممية(حتى هذه اللحظة لم ُيشاهد ذلك الموظف في جلابي ود عربي مرة أخرى على الاطلاق, كما أن أسرته
لا تعرف مكانه , وزملاؤه في العمل غيروا وظائفهم , فاغترب بعضهم الى الخليج ومصر , وقدّم بعضهم طلبا لاجازة طويلة الأمد بدون مرتب , وأستقال البعض الآخر
بدعوى أنه وجد فرصة عمل أفضل (مع أن شهود عيان يؤكدون أن هؤلاء بالذات, أغلقوا على أنفسهم أبواب بيوتهم, وليست هناك عروض أفضل قدمت لهم, أو أي شيء من
هذا القبيل ) .. هذا الموقف من الموظفين أسعد مسئولين سكة حديد أبو لكيلك , فهذه المؤسسة أصلا تم تدميرها بصورة منظمة , بسبب أن نقابتها شكلت مصدر إزعاج
لكل الحكومات الجنجويدية, منذ جعفر الجنجويدي الثاني مرورا بصديق الجنجويدي الرابع عشر وصولا لأبو لكيلك الخامس , وبتقديم الموظفين لإستقالات, حملوا
عبئا كبيراً عن المسئولين, الذين كانوا عملياً قد باعوا السكة الحديد لجمهورية "مالفي" في أقصى الجنوب الآسيوي , باعتبار هذه المؤسسة (السكة الحديد
مثلها مثل المشاريع الزراعية : خاسرة) !!.. وهكذا لم يعد – ببيع السكة الحديد – أى مؤسسة قطاع عام , فقد كانت هى آخر مؤسسات القطاع العام, التي تبقت من
حملات البيع المسعور ,لمؤسسات البلاد الكبيرة , وكان الموظفون يدركون قبل تقديم إستقالاتهم (التي يؤكد البعض أنهم أجبروا عليها) يدركون أن السماسرة الذين
أطلقهم أبو لكيلك في أصقاع الأرض الأربعة, لم يجدوا مستثمرا مغريا بعد , إلى أن لاح في الأفق ذلك المستثمر الآسيوي ..
لكن الشائعة الجديرة بالاهتمام الشعبي في جلابي ود عربي , تلك التي أنتجها الاهالي أنفسهم, والتي تفيد أن جداد وظف علاقاته النافذّة للقضاء على أبكر ,
الأمر الذي جعل أهالي جلابي ود عربي يخافون جداد كثيرا (وندم البعض بالفعل على كلام ربما يكون قاله لجداد في وجهه ذات مرة , وأنتابت بعض رّهاف القلوب,
ممن أساءوا لجداد الهلاوس في أحلامهم , اذ يأتيهم جداد في شكل ديناصور, أو تنين أو كائن فضائي غريب ليشتت أحلامهم, بعد أن يكتم على أنفاسهم أو يخنقهم
أو يبتلعهم, فيرون أنفسهم في أمعاءه الغليظة , التي تعتصرهم .. يموتون ببطء ببطء ببطء شديد ) .. وهكذا أمتنع هؤلاء عن الإساءة لجداد , والذين كانوا أكثر
شجاعة خففوا حملاتهم ضده!!..
التخوفات التي أبدتها المدينة الرّيفية عند نشأة جلابي ود عربي , أتضح أنها كانت تخوفات في محلها . فقد صدقت هواجسهم وظنونهم , فبعض نساء الموظفين والعمال
كنّ يتركنّ بيوتهنّ ما أن يغادر أزواجهن الى العمل, ويجئن الى جلابي ود عربي ليمارسن نزواتهن . ولا يعدن الى بيوتهن الا عندما تقترب مواعيد عودة الأزواج
المنهكين ..
كذلك أصبح الطلاب يتسللون من مدارسهم , ليقضوا بقية يومهم الدراسي في جلابي ..
كان من أبرز معالم جلابي ود عربي كرتون وأدروب وجداد وأبكر وجمال الحلة ورياك وعبد الرحمن ود التوم (العوير) وكسبان الضّاوي .. اذ يشتركون جميعهم في أحوالهم
الغريبة , كما دونتها الذاكرة الشعبية لجلابي ..
هذه الأحوال التي أصبحت مألوفة , اذ لم تعد بمرور الوقت تثير إهتمام أحد . على الرُّغم من أن ذاكرة جلابي نفسها , نهضت في هذه الأحوال .
لكن ما ظل ثابتا وراسخا , أنه ما أن ُينطق اسم جلابي ود عربي , حتى يتبادر الى الذهن كرتون وأبكر وجمال والعوير والضّاوي .. فكرتون (وكرتون هذه ليست جزء
من أسمه الحقيقي الذي لم يفصح عنه لأحد أبدا ) كان يأتي مهندما , ومتأنقا الى جلابي صبيحة كل جمعة . فيدخل بيت السّرّة ست المريسة , ويبقى ليشرب حتى تتلاشى
سحابة النهار , فيخرج مشعشعا ومترنحا , ليمضي باتجاه المدينة الريفية , متعثر الخطى , ومتمتما بكلمات لا يسمعها أحد سواه !.. ولا يبين مرة أخرى الا صبيحة
الجمعة التالية , وهكذا ).. أعتاد الناس عليه : يأتي ليشرب الخمر البلدي , وينصرف بهدؤ دون أن يسأل أحد أو يسأله أحد !!.. حتى أنه عندما سكن مع السّرّة
في بيتها , لم يبد هذا الأمر غريبا , أو مثيرا للتساؤل (بعض الشائعات أكدت أن جداد ذاته بشحمه ولحمه لم يهتم لهذا الأمر ليدرجه ضمن حملاته الوعظية في
ترويع الآمنين من آهالي جلابي) رغم تبجحاته السابقة, عن إهتمامه لأمر السّرّة وابنيها , ورغم غاراته الدينية الجهادية المنتظمة !!..
ما كان يثير التساؤل حقا هو : أين كان كرتون يسكن في المدينة الريفية , وكيف كانت حياته بالضبط , ولماذا ترك بيته ليساكن السرة ست المريسة ؟!..
.. الآن ومن أعلا بُرهات هذه اللحظة , البلّورية . وفي لحظة أحتضار , حيث جسدي مُلقى بين الحياة والموت , تجيء كل هذه العوالم , ماثلة أمامي . حيث يتكثّف
الزّمن حتى ليصبح دهرا ..
ها أنا أجلس على ُشرفة الخاطر , لأسمع صوت حسن ممتزجا في صوت شقيقته سارة . صوتا واحدا متوحدا قادماعبر الزّمان والمكان , مختزلا المسافات وقوانين الضؤ
والكيمياء والفراغ الواسع الذي يفصلنا , يحدثني عن جلابي ود عربي التي لم تعد كما هي ذاتها تلك البلدة التي ينتهكها زوار الفجر وجرارات المجلس البلدي
وحملات الانضباط والنظام العام , والمباحث الجنائية .
فقد تغير الحال في مدينة الفردوس (جلابي ود عربي سابقا) ..
أحاول تجميع الوقائع والاحداث, وترتيبها في ذاكرتي لانشائها من جديد ..(جلابي) كما عرفتها : بلدة كل شيء فيها يُنبيء دائما, أن ثمة كارثة ستحدث بعد قليل
!!..فكل شيء معد للأنفجار !!..
فجداد لم يكتف بإعلان الحرب على أبكر فحسب , اذ سرعان ما شملت حملته الأنتقامية رياك دون أن يدري أحد سببا مقنعا لذلك . فجداد دون سابق إنذار أخذ يُحرض
الأهالي على مقاطعة رياك (زاعما أنه "رياك"وثني مسيحي كافر ) آمرا عباد الله المؤمنين في جلابي بالابتعاد عنه وعزله , كالمرض المعد , مستهديا بالحديث
" انما المسلمين ------- تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " فكان البعض يهز رأسه موافقا , وربما تأخذه الحماسة فيهتف "وأقتلوهم أينما ثقفتموهم " فيرد
عليه آخر " وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة -------" , وبالطبع يتدخل علمانيوجلابي همسا ضد هؤلاء "الهتيفة " يريدون أن ينالوا حظوة عند جداد " ويتجرأ بعضهم
فيرفع صوته معارضا :" أنت تريد أشعال الفتنة الدينية – الدين لله والوطن للجميع " بينما لا يأبه آخرون اذ ينصرفون بهدؤ , ما أن يبدا جداد إستهلال حملته
.. وهؤلاء الذين لا يأبهون على وجه الخصوص , هم أول من لاحظ التبدلات التي أعترت شخصية كرتون التي أعتادوها .
اذ لم يعد كرتون يغادر جلابي الا مرّة أو مرتين في الشهر , حاملا كل الكراتين وباغات الزيت الفارغة التي يشتريها من الدكاكين والكناتين في جلابي , يربط
كل ذلك على حمّار السّرّة , ثم يمضي بها الى المدينة الريفية .. يغيب الى أن تنقضي سحابة النهار فيأتي بدونها .
كان الأهالي في جلابي يتساءلون :" اين يمضي بكل هذه الكراتين و"الباغات " الفارغة ؟!" ..
فكان جداد يرد عليهم :
- ربما تكون فيها مصلحة .
-قطع الرقاب ولا قطع الأرزاق .
ورد جداد عادة يكون متوقعا , خاصة في هذه الحالة , نظرا لمحاولاته الدؤوبة في تجنيد كرتون الى صفه , بعد أن نجح في تجنيد أدروب , الذي كان قد ارتبط به
في علاقة مريبة , أثارت الأسئلة حتى في الأوساط العليا للعرافين , وفقا للشائعات التي ملأت جلابي ود عربي ..
يعتقد البعض أعتقادا جازما أن جداد , أنضم الى العرافين , نظرا لدوره الكبير في إعتقال وإعدام أبكر المعرّاقي , وأن العرّافين ,هم الذين مولوا مشروعه
الخاص بالاتجار في الدجاج والبيض , وأنه يحاول تجنيد كرتون لهذه المجموعة العجيبة , التي تعرف كل شيء , فما أوتته من العلم ليس بقليل . كما أن جداد حاول
من قبل تجنيد رياك ففشل , الا أن نجاحه في تجنيد أدروب دفعه الى مواصلة الجهاد لتجنيد المزيد من العرافين ..
أحوال العالم المنسي لجلابي ود عربي مليئة بالثغرات والثقوب (طبيعة الذاكرة المنتهكة لجلابي ذاتها) إذ تسم ذاكرتي في هذه اللحظة الفاصلة بين عالمين بالانهاك
, فتسقط منها الذكريات عشوائية , متداخلة , غير مكتملة .. تتكوّم الأحوال : حالا فحال , أمامي ككتلة من القلق الكُلّي والأحاسيس والشجن . فيكون التساؤل
كالهلاك : هل كان لهذه البلدة وجود أصلا ؟ أم هي تشكلت من دوار خمر البارحة , التي لاتزال أبخرتها تفوح من أنفاسي !..
لم يطلق أهالي ود عربي على حسّان اسم جداد للسخرية منه . فالتسمية جاءت للرجل من تجارته في الدجاج والبيض . إذ لم يترك بيضة واحدة أو دجاجة "حايمة" في
شوارع جلابي أو المدينة الرّيفية , إلا وأستهدفها بالشراء من أصحابها , وشملّت إهتماماته بالطيور حتى فراخ الحمام , وعندما توسعت مداركه , ضم الى تجارته
الأرانب والبط وديك الرّوم ودجاج" الفولان" , لكن لم يسر عليه سوى اسم : جداد "دجاج" ..
في الأيام الأولى لتجارته , عندما وفد الى جلابي حديثا , كان يبذل مجهودا جبارا في سبيل جمع أكبر قدر ممكن من الفراخ والبيض والفراريج .. يمشي على قدميه
مسافات طويلة ويطرق كل الأبواب , في كل احياء جلابي والمدينة الريفية مترامية الأطراف ليسألهم ان كان لديهم شيء منها للبيع .
ويوما بعد آخر أصبح أشهر من المحافظ , كل المدينة تعرفه . فلم يعد بحاجة للبحث عن الطيور أو البيض . فكل شيء أصبح يأتيه في مكانه . فلا أحد لديه بيض أو
أيّ نوع من أنواع الطيور الجلابية أو العجمية يرغب في بيعه الا وأتى به الى جداد , قاطعا المسافات من المدينة الريفية الى جلابي(هذا اذا لم يكن من أهالي
جلابي ) . الذي ابتداء من هذه اللحظة أصبح أسمه حسّان جداد (بدلا عن حسان فقط – لوحظ أنه كان يفخر بلقبه الجديد"جداد" الى حد الإنتماء , فعندما تقول له
"جداد" يبتسم بسعادة غامرة كأنك تناديه ب"حضرتك" أو "جنابك " أو " سيادتك" ) ويبدو أن عمل الرجل في الطيور جعله من أصحاب الأحلام المحلقة في سماوات ليس
للآخرين الأجنحة الكافية ليطالوها ..
فالرجل طرح مشروع سلسلة من االمجمعات الاستهلاكية اطلق عليه :" الأمن الغذائي" . تزامن اطلاق هذا المشروع الأخطبوطي , الذي شمل ضواحي وبلدات المدينة
الريفية , تزامن مع تأجير جداد لمحل في قلب السوق الكبير للمدينة الريفية ..
وهكذا أتسعت تجارته وأصبح من أهم الموردين للبقالات الكبيرة , وأصبح محله في السوق الكبير للمدينة الريفية , مركزا لمجمعاته الاستهلاكية , التي شملت مشاريع
فرعية مثل "مطاعم جداد للوجبات السريعة" "جداد للعرديب والمرطبات التراثية""جداد للخضر والفاكهة " "جداد للخردوات " "جداد للترحيلات عبر المدن" , " جداد
للصناعات الدوائية – تخفيضات خاصة للكلوتات الطبية والكوتكس والكوندمس, ولفيترا للذين لديهم مآخذ على الفياجرا بسبب تحفظاتهم على الاعلان التلفزيوني
المبتذل للفياجرا الذي يعرض فيه أحد الأشخاص وهو يغرس مسمارا سميكا في جدار صلب دون أن ينثني هذا المسمار , الذي يبدو من الواضح أنه سقى بماء الفياجرا
, و تسهيلا لخدمة الزبائن ابتدر جداد بند خدمات توصيل مجانية" , "تاكسي جداد التعاوني" "جداد للتبغ والعماري الأصلي "..
وتأكيدا على جديته التجارية شنّ جداد على الجمهور حملة اعلانية تلفزيونية , عرضا لمنتجاته الطبية على وجه الخصوص , ولاحظ بعض المراقبين , مدى استفادة
جداد من اعلانات الفياجرا والليفيترا..
لم يترك جداد شيئا يتم استهلاكه يوميا, لم يضعه ضمن مشروع مجمعاته الاستهلاكية . ورغم هذا اليسر الذي جاءه من وسع , لم يرحل جداد من سكنه القديم , فالرجل
مشهود له بالوفاء للتراث !!..
شهد مسكن جداد الفارّه دونا عن كل مساكن جلابي ود عربي , توقف العربات الأمريكية واليابانية الفارهة أمامه بالساعات الطوال .. كان زواره يأتون في هذه
العربات من مختلف أنحاء المدينة الريفية والبلاد الكبيرة , خاصة حاضرتها .. كانوا رجالا أنثويي الملامح (بل حتى طبيعة الصوت عندما يتكلمون وطريقة المشي"
المتفدعة" عندما يترجلون عن عرباتهم الفاخرة) متأنقين في ثيابهم الزّاهية وأجسامهم اللامعة ," النديانة" , التي أزعجت أدروب فسأل أحدهم :
- وجهك مالو ناير كدي ؟!.
فرد عليه :
- من أثر الركوع ..
فقطع أدروب الحركة , كأن أحد الأمطار الغزيرة" صّبت" عليه لحظتها !!..
في هذا الوقت كان جداد قد نقل الجامع من موقعه القديم وأكمل بناء الجامع الجديد في موقع آخر, أثبتت الأحداث فيما بعد أنه أختاره بعناية منقطعة النظير,
ونصّب نفسه إماما عليه (ومأموما كذلك أغلب الأحيان !!) اذ لم يعد أحد يرتاد الجامع , الذي أصبح اسمه جامع جداد بدلا عن "مسجد جلابي ود عربي العتيق" .
في لحظة سابقة لهذه اللحظة (هي اللحظة التي سافر فيها جداد للأراضي المقدسة ) وفي غيبته انطلقت كثير من الشائعات حول أعماله المريبة . لكن الشائعة التي
أنطلقت من مجالس النساء كانت مختلفة عن الشائعات الأخرى ,عن علاقاته وأعماله . مفاد الشائعة أن جداد يرتبط بعلاقة مثلية مع أدروب .. بالطبع وصلت هذه الشائعة
الى مسامع الرجال , فأعادت الى أذهانهم شائعة سمعوها في الأيام الأولى التي جاء فيها جداد وأستقر في جلابي ..
مفاد تلك الشائعة أن جداد منذ نعومة أظفاره وهو جزء من كيان العرافين , متشرب بأفكارهم , ولذلك أرتقى داخل صفوفهم , وظل يرتقي الى أن اكتشفوا بالوثائق
والاثباتات ,أنه نهب مبالغا ضخمة دون أن يعثروا لها على أثر , فواجهوه وطردوه من كيان العرّافين , ولم يظهر جداد سوى الفقر والحاجة , ولم تبد عليه علامات
الثراء أبدا , وضرب في أنحاء البلاد المختلفة , الى أن طاب له المقام في جلابي وبدأ يظهر عليه الثراء تدريجيا .
بعض الأهالي وقتها كان لديهم رأي مختلف , وهو أن ما تم من قبل العرافين تجاه جداد هو مؤامرة لاقصائه بسبب مثلّيته , بينما مضى آخرون للزعم أنها مؤامرة
مثل كل المؤامرات( " فالسياسة مؤسسة أحقاد منظمة") من هذا النّوع التي تحدث في مثل هذه الجماعات بسبب الصراع على النفوذ والسلطة والثروة .
والبعض الآخر من "أهل التقية " في جلابي , هزّ رأسه ولم يعلق بسوى "أستغفر اللّه العظيم من كل ذنب عظيم – أحفظنا يا رّب " . ما دفع بعض الخبثاء للضحك
وهم يتحسسون مؤخراتهم في اطمئنان . وعندما تهامست النساء بالشائعة , أطلت الشائعة القديمة برأسها مرة أخرى في أذهان الأهالي , الذين سارعوا بابتلاعها
مثلما أبتلعوا ما سبقها من شائعات , دون أن يحاولوا الجهر , خشية أن يرسلهم الرّجل وراء الشمس .فالرجل أيّاً كان الأمر يبدو أن العرافين أعادوه الى صفوفهم
, وقاموا بتمويله وأصبح صاحب نفوذ كبير , فثروته لم يجنها من الدجاج فحسب , وما الدجاج الا ستار يحجب به مصدر ثروته الحقيقي . وُيخفي به أنشطته غير المرئية
(لوحظ أن جداد منذ اطلق مشروع مجمعاته لم يعد يتحدث عن ُحرمة السجاير أو عذاب تارّك الصّلاة على الإطلاق !!) .. كان إيمانهم لا حدود له, بأن لجداد علاقات
متشعبة, مع العرافين والطائفيين وما الى ذلك من شاكلة (وقتها كان العرافين قد انقسموا الى قسمين قسم ضد أبو لكيلك والآخر معه) ..
ولم يتنفس الأهالي عمليا , وأخذوا يضايقون جداد علنا في بعض الأحيان الا بعد انقسام العرافين , الذي أدركوا بعده بوقت ليس قصيرا , أن له تأثيراً كبيرًا
على نفوذ وسلطان جداد .
التغييرات المهنية التي حدثت في حياة جداد , جعلت تجار" الكناتين" في جلابي يحسدونه سرا , بينما يجهرون "ما شاء اللّه , اللّهم زد وبارك " .. هذا كان
في البداية , اذ لم يقووا على كتمان ما في صدورهم ,فأخذوا يجاهرون بهذا الحسد , الأمر الذي كان يستدعى دائما تدخل جمال الحلّة ليس لأنه من الذين أخذوا
يتقربون لجداد , بل لأنه عرف بالمباشرة اللاذعة والتلقائية المرّة , التي لا تتلفت للكلام ..
الأمر الذي جعل الناس يختلفون حوله , فمنهم من ينظر اليه كمجذوب و"بركة" حتى أن هؤلاء نسجوا حوله كثير من الأساطير . ومنهم من ينظرون اليه , كمحتال يصعب
الوثوق به .. ولولا علاقته الوطيدة بعبد الرحمن العوير وكسبان الضّاوي , اللذين يجمعان كلاهما بانه "راجل بركة" لما تركوه يضايقهم , ولردوا له الصّاع
صاعين . فهم يخافون لعنة عبد الرّحمن ود التّوم التي رأوها بينة في بيت أم التيمان , عندما تعاركت معه . ولم تمض سوى دقائق قليلة , حتى أشتعلت النار في
بيتها , فجاءت وركعت تحت قدميه تطلب السماح ولم تنهض الا بعد ان قال لها
أنا مسامح . قومي. اذهبي يا أمة اللّه.. -
كما أن كسبان الضّاوي على سخريته المرّيرة, التي توغر الصدّور , كان عملاقاً , ولذلك لا يجدون مناصاً من كظم غيظهم !!..
الحاشية الآخيرة ( مجتزأ صورة وثيقة غير مقرؤة الخط ):(*)
images/clip_image
لا وطن في الحنين...