4

9 0 00

4

هل تحزن ثريا لو كانت لا تزال على قيد الحياة ؟ .. هل تحزن في آخرتها الغامضة ,إذا عبر بها هذا الكلام ؟ ..أو حملته لها سحابات الغيوم الآن , بعد أن تعبر

بوجهي اليها ؟!..هل سيغضبها في آخرتها اذا نقله لها ملائكتها الكروبيين .. أو عبرت به , مرهقة من وعثاء التخاطر ؟؟!!..

ثريا المراهقة داكنّة البشرة , التي عبرت على حياتي, في لحظة فاترة فتور ماء الآبار . فبقيت مستمرة كأغرب لحظة حاسمة في حياة انتقالية بين الصّبا والمراهقة

! .. من أين جاءت بهذا السّحر الجبلي , الذي وسمها بحيويّة الطقوس البدائية ..

في ثريا كانت تلتقي جبال النوبة , بغابات الإستواء , في قلبي الناهض في النيل , ليشكل الملتقى شرياناً, يتخلل كل نواحي جلابي ود عربي .. فيسمع همس القّش

تحتك به الرّيح , ويتحسّس الدُّخان المتسلل البيوت المهتزّة .. كيف نفذت هذه الصّبية اليانعة الى قلبي فتوحدت به .. مبتعدة عن هذا الظمأ , مختبئة في أحد

كهوفه . كهف مثل كهوف أسلافها الذين أدركهم الحب , فطاردوا الغزالات في رحلات الصيد , ولم يعودوا أبدا .. تتركني الآن تتخاطفني الطّير ووحوش الفلاة ..

فلاة جلابي ود عربي ..

ما أدركه الآن تماما : أنني أعتلي هذه البُرّهة الشاهقة , لأنظر من فوقها , الى ذلك العالم التّحتي , السّرّي , أنقب فيه ببصري وأحاول أن أشُم تلك الروائح

الزنخة البعيدة , التي وسمت بعطنها أزقة وُجدُر جلابي ود عربي .. تتخلل البيوت القش والطين اللّبن والدّروب الضيقة المتسخة بالرّوث وبقايا أكياس الورق

والبلاستيك , والعُلب الفارغة ..

أحاول ملامسة هذه الروائح الآن . من هذا العلو الشاهق , لأكشف ما أختبأ خلفها , من أقنعة للناس والمكان وكلاب السكّك التي لا تهدأ..

كانت ثريا في مثل عمري ..أهتم أبي لأمر شقيقها خميس الذي يكبرها قليلا , فألحقه بالمدرسة . فكنا ثلاثتنا : أنا وهو وحسن – بعد إنقضاء اليوم الدراسي, "

نترادف" على دراجتي الفليبس الى أن نصل الى جلابي . وقتها كانت ثمة شائعة قد إنطلقت , مفادها : أن المجهود الجبار الذي بذله والدي , كيما يتم قبول خميس

في المدرسة الريفية , جاء من اهتمامه ( أبي ) (بالسرة والدت)ه(خميس) ,وليس حبا في عمل الخير ( كما ظل يزعم ) وهو يقوم بتسويق نفسه كرجل صالح !!..

لا أدري لماذا تم نبش هذا الأمر في هذا التوقيت بالذات , على الرُّغم من مضي عدة سنوات منذ أدخل أبي خميس المدرسة !!..

لم يكن أبي يمانع علاقتي بخميس (هو الذي يمانع أن تكون لي أيُّ علاقة بأي شخص من شخوص جلابي ) أكد لي صديقي حسن (وقتها ) :

-والدك على علاقة بأم خميس .. هذا مؤكد..

فضحكت ولم آبه للأمر . وربما لهذا السبب الذي زعمه حسن . تسامح معي والدي عندما جاء الى الدّكان على نحو مفاجيء وضبط ثريا تحاول اغرائي ..

رآها تحسر فستانها القصير البالي عن فخذيها , وتعري صدرّها , بعد أن أنصرفت مأخوذة . توقعته يضربني (كنت زائغ العينين ومرتبك .. لكنه لم يفعل ) اذ أكتفى

بتحذيري وتخويفي ..

كانت ثريا تقتنص الأوقات , التي يكون فيها أبي غائبا والدكان خال من الزبائن , فتقف في مدخله وتكشف لي عن فخذيها وصدرها الذي أكتمل نمو ثمرتيه للتو !!..

فتشعل في داخلي حمم وحرق , تجعلني خائر القوى , لا أقوى على الوقوف . كأن شياطين الجحيم تلهو في عروقي , وهي تطلق ضحكاتها الفاجرة , التي تتوحد مع ضحكة

ثريا , فيشكلان معا ضحكة واحدة, متحدة ومتوحدة مع الفراغ العريض لفضاءات جلابي ودعربي ..

في الأوقات التي يزدحم فيها الدكان بالزبائن , وتلامس أذني أحاديثهم عن ثريا . كنت أشرع أذني على وسعهما , حتى تكادان تتشربان بغيبة الزبائن لثريا ..

فأهالي جلابي : الغيبة والنميمة , لا تطيب لهم ,إلا عند ما يتصادفون أمام الدكان لشراء غرض من أغراضهم .

ومثلت هذه الغيبة والنميمة مصدرا أساسيا من مصادر معرفتي بأحوال جلابي , ومصدرا يكاد يكون معتمدا من قبلي حول ثريا والأمور والموحيّة , التي لا تخلو من

اغراء خفي .. أو الداعرة العاهرة "الفاجرة الصغيرة" كما عَرَفَتهَا نميمة الزبائن وأغتياباتهم . ربما شكّل الزبائن في داخلي ثريا كاغراء محض .. اغراء

فاتن ومفتون بالفجور .. ولذلك حاولت بدوري ,إغراءها على إقامة علاقة معي , لتطلعني على معارفها الواسعة , التي شدّتني اليها أحاديث الزيائن .. تلك المعارف

الغامضة عن ذلك العالم السّري , الذي لا أعرف عنه شيئا !!..

كنت أرغب في خوض التجربة لأفهم معنى الحرّقان الذي أحس به يتخللني مفصلا , مفصلا , فيجعل صلبي وسلسلتي الفقرية , راعشتين كالمصابتين دون سائر الجسد بالحمى

"الراجعة" !!..

لكن ثريا لم تتح لي هذه المعايشة أبدا , فظلت كمدينة مفتوحة لكل الغزاة دوني ..

كانت تكتفي بتعرية فخذيها أو صدرها, أو تعريتهما معا وتمضي ,مخلفة وراءها تلك الضحكة العجيبة , لتحاصرني بدوامات أصداءها , التي لا تزال ترّن في طبلة

أذني حتى الآن . رغم انقضاء كل هذه السنوات ..

لا أدري لماذا كانت ثريا تعاملني بهذه الطريقة . تصرفاتها كلها كانت تقول برغبتها فيّ!!.. لكنها في الواقع لم ُتقم معي أي علاقة , مثل تلك التي تقيمها

مع شباب ورجال المدينة الريفية .. كأنها تقصد استثنائي عن عمد , على الرغم من أن الشائعات, التي تم اطلاقها حولي في جلابي , أكدت أنها على علاقة بي !!...

وحرص الزباين على التلميح لي بذلك (أحيانا عندما يستاءون, من أسلوب تعاملي معهم في البيع ) أو التصريح مباشرة (عندما أرفض أن أسمح لأحدهم أن يستدين مني

, تنفيذا لقرارات أبي الصارمة "الدين ممنوع والزّعل مرفوع") .. كانوا يخاطبونني بوقاحة :

-لو كانت ثريا لكنت دينتها ..

.. أو يلمحون:

-ثريا ما شايفنها اليومين دي .. مشت المدينة تسترزق ولا شنو ؟!..

.. فأكظم غيظي ولا أنبث ببنت شفة .

كنت مشودا الى ثريا بقوة خفية , خارقة لا أملك ازاءها شيئا . فلم أكن أقوى على التحكم في نفسي كلما رأيتها , إذ تتهشم كل القرارات, التي أكون قد أصدرتها

سابقا , لتحكم تصرفي لحظة مجيئها .

لم أكن أمنع عنها شيئا تطلبه من الدكان , وكلما زاد امتناعها عني , كلما أصدرت مزيدا من الفرّمانات والصكوك بحق نفسي , وكلما زاد هشيم القرارات والصكوك

تحت قدمي ثريا !!..

اذ كانت رغبتي فيها تشتد . حتى أن السبب الأساسي لتسللي لبيت أم التيمان , كان بسبب هذه الرغبة القوية , في استجابة ثريا .كان قبولها لي يعني الكثير ,

ففكرت في الانتماء الى عالمها , علّه يكون مدخلا لهذا القبول .وتمهيدا لاستجابتها التي كنت أضع الكثير من الخطط في سبيلها. فبسبب ثريا أصبحت مغرما بالتاريخ(قرأت

سيرة ابو ليلي المهلهل,قيس ,كثير..الخ) اذ شعرت ان ما بيننا يشبه الحرب بجولاتها وصولاتها .. معاركها العديدة ,لذلك خرجت من دائرة التاريخ المدرسي وسّير

العشاق وأخذت اقرأ المذكرات التي كتبها قادة أو معارف لهؤلاء القادة فقرأت: نابليون ,صلاح نصر,جيفارا,هتلر,مذكرات بابكر بدري ,خواطر حسن عابدين وارائه,مذكرات

يوسف ميخائيل ,كفاح جيل احمد خير,ملامح مجتمع حسن نجيلة,مذكرات خضر حمد,مذكرات عبد الرحمن المهدي,ذكريات ومواقف أمين التوم, مذّكرات جوزيف لاقو ,من يجرؤ

علي كلام بول فندلي,لعبة أمم مايلز كوبلاند...الخ الخ.

رغم صغر سني كنت كالفأر أقرض المعلومات أفهم بعضها وبعضها لا أفهمه ,أحاول إعداد نفسي لأم المعارك(المعركة الحاسمة) أضع الخُطة تلو الاخري وفي كل مرة

أحذف منها تفصيلات وأضيف أخري ,فتسقط الخطة لحظة مجيء ثريا(واصبح مرة اخري بلا خطة ) حتي يئست وشعرت ان كل الذين قرأت لهم قد خدعوني ,خدعة لا يمكن اتسامح

معها .فكرهت التاريخ وقراءة التاريخ .وكان ان سمعت احدهم ينطق بكلمة تاريخ امامي, أشعر بنوع من الغثيان, والحاجة للإستفراغ .. لماذا كانت كل خططي تنهار

تحت قدمي ثريا ؟ ظل هذا السؤال يحدق بي ويستبد لوقت طويل .

أول مرة أدخل فيها بيت أم التيمان ,. كنت غاضبا , فقد رأيت ثريا قبلها بلحظات , تخرج وهي تجرجر ردفيها المثيرين, من بيت أدروب , بتعب لا تخطئه العين .

كانت تتلمس بين آن وآخر أسفل مؤخرتها .. كانها تتلمس جرحا , وكان الشارع خاليا . الا منا الأثنين , حيث لم تكن تراني , في نهايته عند أحدى الزوايا . مكثت

أراقبها الى أن غابت في الدرب المفضي الى بيتهم . شعرت لحظتها بنوع من الغضب . الذي لم آلفه من قبل , يجتاحني . فقصدت بيت أم التيمان , التي حاولت اخفاء

دهشتها فلم تفلح , فسألتني بعد صمت طويل :

-في شنو ؟!..

-عاوز أشرب ..

أمعنت النظر في وجهي طويلا وهي ترمي مزيد الحلبي (الذي كان يجلس وقتها وهو يخرج يده من "جردل" المريسة , الذي شارف على الانتهاء) بنظرة تحذير حاسمة ..

-ما الذي تريد أن تشربه ؟!

-عرقي ..

-أنا لا اعمل العرقي , وأنت صغير على العرقي .

-مريسة ..

فضحكت:

-المريسة لا تشرب الا في عز النهار .

فأشرت الى مزيد الحلبي, الذي كان قد أتى على كل ما تبقى في "جردل" المريسة الذي أمامه .. فقالت بسرعة :

-كانت هذه آخر مريسة , لكن لدي" كانجي مورو" مخصوصة وهي شراب الطلبة ..

أخذت أتلمظ طعم السمسم والسكر في "الكانجي" وشعرت بخدر لذيذ يسري في عروقي , وأخذت كل التغضنات التي أعترت وجهي تنبسط .. ملامحي تبدأ في الارتخاء .. كانت

حدة الألم الذي خلفته ثريا قد بدأت تخف .. ذلك الاحساس الذي دفعني لدخول بيت أم التيمان وشرب الكانجي . ربما ما يشابهه هو ما دفع رياك الى أن يدلي لي

بآخر أعترافاته , عندما التقيته في زيارته الآخيرة بهذا البلد , على رأس وفد رسمي رفيع المستوى من وفود حركة الجمهورية الثانية .. ألتقيته مصادفة في غاليري

الأوبرا , في جناح النحت والتشكيل الأفريقي . كان واقفا مع أحد التشكيليين التشاديين , الذي كان يحدثه عن احدى اللوحات التي وقفا أمامها .

وضعت يدي على كتفه ,أخبرته أنني أتابع التطورات التي تحدث في البلاد الكبيرة , وجلابي ود عربي .. على نحو خاص . وذكرته بنفسي . فأحتضنني وأخبرني ,أن حركتهم

ستشكل مع حكومة الجنجويدي حكومة وطنية للمرة الأولى في تاريخ البلاد الكبيرة منذ أعلان الجمهورية الأولى في 1956 .. اعتذر للفنان التشكيلي ومضى بصحبتي

, الى مقهى وادي النيل المطل على التحرير . ما أن جلسنا حتى جاء صديقي الشاعر المصري شعبان ناعوت المعتاد على المجيء الى هنا , في الأمسيات , عرفتهما

ببعضهما البعض . تبادلنا قليلا من حديث الذكريات , اعتذر شعبان ومضى .

جاءني صوت رياك عميقا لكنه حيوي ودافيء . كان ليس كمن يجلس في مقهى عام . مطل على أحد شوارع القاهرة الضاجة بالناس والفوضى . والزحام . كان كمن يجلس في

بيته عند أطراف حلة جلابي ود عربي . قال رياك :

- " لم أفد الى جلابي ود عربي وأضع عليها رحالي , في سياق التغيير لمكان كرهته . لم يكن الغرض تجديد المكان وحياتي المرهقة . فجلابي ود عربي البائسة

, لم تكن مكانا , أمثل لتجديد الحياة والناس , لكنها كانت مكانا مناسبا لي للاختباء , من عيون الأمن الايجابي والاستخبارات . وزوار الفجر الى آخره من

أجهزة الجمهورية الأولى المتربصة .( لذلك تخلصت مثلما فعل أبكر ) من شخصيتي الحقيقية ,كأحد القادة المكلفين بتوحيد الفصائل العسكرية, والقوى المدنية التي

أنقسمت عن حركة وجيش الجمهورية الثانية .. تخلصت من شخصية القائد لاكو لادو, وأنتحلت شخصية أخرى هي شخصية رياك .. الشخص النكرة , بوجهه النحيل وثيابه

المتسخة الرّثة , ووجهه الذي يبدو عليه الخمول . رياك الذي لا يشعر بوجوده أحد , ولا يخلّف عبوره أمام الناس أى أثر .. لا يشعرون به , ولا يتذكرونه الا

لماما .. وأخترت لنفسي مكانا قصيا في الاطراف النائية من جلابي ود عربي . بعيدا عن بيوتها المتلاصقة , كأنها تخشى جرافات المجلس البلدي . التي تهددها

بالزوال في أى لحظة . في هذا المكان شيدت بيتي الفقير . من القش والقنا والحطب وزربته بالشوك ,.. شيدت قطيتي (ضهر التور) وجعلت لها بابا متينا . فمن هذه

القطية كنت أنطلق في تحركاتي السرّية , تقمصت شخصية رياك , لوقت طويل دون أن يتمكن أحد من اكتشاف حقيقتي . أو ينتبه الى أنني لا زلت موجودا , بقطيتي أم

غادرتها الى مكان ما . حتى عندما كنت أغيب لأيام وأسابيع , لم يكن أحد يشعر بغيابي , الى أن حلّ حسّان جداد بالحلة , وتنامت سلطته على نحو غريب . فمنذ

اللحظة الاولى شعرت ان كان ثمة خطر يتهددني , فسيكون من هذا الرجل , الملتحي .

كان جداد يتعمد خلق علاقة معي بأي ثمن , ويحرص على إلقاء السلام علىّ وايقافي لتجاذب أطراف الحديث , كلما رآني .. وكنت أسمع صوته أحيانا يناديني من خارج

قطيتي , التي أحرص على اغلاقها عليّ . ولا أرد عليه فييأس الرجل ويمضي معتقدا ,أنني غير موجود , أو معتقدا أنني موجود ولا أرغب في ادخاله . ربما كان الرجل

, يرغب في توليف قلبي الى دينه . وربما يكون له هدف آخر . وفي كل الأحوال كنت , حذرا . تجاهه.

لم يكن يسكن جواري أحد . الى أن فوجئت ذات يوم بأدروب , ينقل قطيته من الطرف الآخر من جلابي ود عربي الى جواري . ولمعرفتي المسبقة بكل شبكة العلاقات داخل

جلابي , أدركت ان خلف هذا الأمر ما خلفه , فأدروب من القلائل المقربين الى جداد . وهكذا تصورت أن جداد دفعه الى تغيير مكان سكنه لمراقبتي , والا لما ترك

أدروب كل الفضاءات الواسعة في جلابي ,ليزاحمني بالجوار . لم يزعجني الأمر كثيرا , فقد علمتني تجربة الصراع المسلح , أن العدو الذي أمام عينيك وتعرفه ,خير

لك من عدو مجهول لا تعرفه .

فكرت كثيرا في التخطيط لأمر, يشعل غرابة أطوار هذه الحلة, الى أقصى مدياتها ضد حسّان جداد .

وكنت قادرا على ذلك . فقد كنت أعرف عنه الكثير . ابتداء من طرد والده له من البيت , بسبب مثليته مع المراهقين , ما دفعه لترك المدينة الريفية , وهو لا

يزال شابا بعد , الى الوسط حيث أنقطعت أخباره , ثم الأطراف الغربية للبلاد الكبيرة , التي أصبحت أخباره فيها مجهولة تماما . وعودته مرة أخرى للظهور على

نحو مفاجيء , في حلّة جلابي ودعربي . بعد سنوات طويلة من أزمته مع والده . الذي كان قد توفي مخلفا وراءه أسرة , مفككة مكوّنة من ست بنات , فالولد الوحيد

حسّان كان بصلة معفنّة , على الرغم من استئصالها , ما تبقى منها عفّن بقية البصل !! الأمرالذي حاولت ازاءه شقيقته سلمى أن تنجو بنفسها, فأغتربت . علمت

كل ذلك من مكتب معلوماتنا, الذي أضاف أن حسان جداد, كان أحد العناصر الثانوية في الحركة العسكرية بغرب البلاد . والتي تم تدميرها تدميرا تاما بسبب وشايته

.

فكرت كثيرا في مجابهة شيخ جداد (كنت أفلت من مراقبته لي بسهولة ) لكنني تراجعت لإدراكي , أن المواجهة ستتطور, وقد تصل الى حد تصعب السيطرة عليه , فتؤدي

الى الكشف عن حقيقة هوّيتي , خاصة أنني كنت مشغولا بأمور أكثر أهمية , فقد أنقسمت حركتنا الى ما يزيد عن الثلاثين فصيلا عسكريا ., وما يربو على الخمسة

فصائل مدنية , وأصبح طلابها في الجامعات متنازعين الولاء , ما جعل نشاطهم وفعاليتهم تتضائل .

كنت مشغولا بهذه الانقسامات التي سببتها أختراقات حكومة الجنجويدي ونزعات البعض المحدودة , بسبب ضيق الأفق والرغبة في الزعامة , والتي ترتب عليها أن

نجحت حكومة الجمهورية الأولى في التوقيع على أتفاقات مع عدد من الفصائل , بمعزل عن الحركة الأساسية وجيشها . أطلقت عليها أتفاقات "سلام من الداخل " وكوّنت

من هؤلاء وأولئك المنقسمين الذين وقعوا معها على اتفاق مجلسا تنسيقيا . ورمت اليهم بعض فتات السلطة التي ما لبثت أن انتزعتها منهم . وكان دورنا الذي كلفنا

به شاقا ومعقدا , فقد كنا نرغب في إعادة هؤلاء الى صفوفنا وتوحيد جهودنا , وفي ذات الوقت كنا نخشى أن يكرروا فعلتهم , على نحو ما اذا نجحنا وأعدناهم الى

الصفوف مرة أخرى . وكنت مهموما " بلملمة " ما تبقى من أطرافنا .

في هذا التوقيت بالذات (من الهموم الكبيرة) أعلن حسان جداد حملته الانتقامية ضدي , فقد تسرّبت اليه معلومات خاطئة (لا أدري من أين جاء بها – ربما تكون

من بنات تجلياته في لحظة من لحظات الارتعاش المثلي النادرة ).. مفاد ما جادت به بنات أفكاره أنني بصدد التمهيد لجماعات التبشير المسيحي , حتى يتمكنوا

من "تنصير" أهالي جلابي ود عربي !! وهو أمر بدا لي غريبا , ففي واقع الأمر لست من المهمومين بشئون العقائد والديانات , فبطبيعتي كعلماني , أتصوّر أن تلك

هموم رجال الدين .

كان بامكاني القيام بهجمة مرتدة , وفضح التاريخ السري لجداد , والذي بعضه موثق بالمكاتبات والصّور التي لا أدري كيف حصل عليها مكتب معلوماتنا . والتي

أستوقفني فيها , ما بدا واضحا من ارتباط لجداد بجماعات دينية وطائفية مختلفة ومتناقضة . واذا تم ترتيب هذه المعلومات في السياق الصحيح , نستطيع أن نستنتج

أن جداد عنصر اختراق للقوى الدينية المختلفة , التي لا اتفاق بينها حول الاسلام الا على أركانه الخمسة !! باستثناء ذلك يختلفون في كل شيء !!..

تأملت الصّور التي ألتقطت له في أوضاع حرجة , مع أمثاله وهم عراة , وأكتشفت في أوضاع الممارسة التي بدا واضحا أنه انتقاها بعناية , امتلاكه حسا فانتازويا

وميلا للتجديد والأبداع .. ورغم رغبتي في احراق هذه الصّور , الا أن هذا الحس الفانتازوي الجمالي , استوقفني وجعلني أدرك أكثر جوهر المشروع " الحضاري"

الذي طرحه العرافين !!..ركنت في نهاية الأمر الى اعادتها كلها (الصور والمكاتبات )الى مكتب المعلومات مع توصية للاحتفاظ بها , وارسال نسخ منها الى المعارض

الفنية الدولية, التي تهتم بهذا النوع من الخلق والابداع , في حملاتها الدعائية , المضادة لسياسات الجمهورية الاولى ..

بالطبع لم أستخدم أي معلومة مما اعرف ضد جداد . لادراكي بأن هذه انما معركة جانبية يمكن تأجيلها (كما تصورت وقتها أن أي معلومة من هذه المعلومات , قد

تقود الى مصدرها الأساسي - أنا) وآخر ما كنت أفكر فيه هو معركة تكشفني !!..فذاك ما لم أكن بحاجة اليه على الاطلاق .

تلاشى صوت رياك في الفراغ , وأنا أسترد ذاكرتي لأعبر بها الى حيث لا أدري , فقد تداخلت الحقائق مع الأوهام والأحلام والإنتقالات المتكررة من مكان الى

آخر بمجرد أن اسلم نفسي لسلطان النّوم , فبت لا أعرف بالضبط هؤلاء الذين يقفزون الى ذاكرتي ليلهون فيها ويمارسون حياتهم , ويدلون باعترافاتهم ويحكون

عن جرائرهم الصغيرة وجرائمهم الكبيرة . هكذا دون أن يطرقوا باب الذاكرة أو يستأذنوا ..

يقفز كرتون . تقفز السرة . وأقف أنا بينهما أحدق في هذا السقط من الأفكار المتراكمة على عتبات الذاكرة . وهي تتشكل لحما ودما , يصرخ ويبكي ويضحك ويأسى

ويلتاع .. وبين بين أحاول تفهم هذه الخواطر الجياشة , فأقول لكرتون :

-ما الذي رمى بك الى جلابي ود عربي؟! ..

فيحدق في قلب عيني , يقلب بصره داخل الجفن فأشعر بحرقان في المقل ,ألمسها , أنتزع رموشا دخلت خفية , أبعد الرموش المتساقطة , وأمسح العين المحمرّة , فيتنهد

كرتون ثم يأتي صوته عميقا كالليل البهيم :

-ربما تدهش , اذا أخبرتك أنني فعلا لم تربطني بالسرّة علاقة كالتي تصّورها البعض , حتى والدك ...

واقع الأمر كنت كعابر سبيل , أو ضيف (موجود ولست موجود) بمعنى لست جزء من حياتها الخاصة كما أشيع .. ربما لا تصدق أن كفي لم تلامس كفها سوى مرات معدودات

, وحتى في هذه المرات لم تكن ثمة رغبة أو شعور بالخصوصية .. كانت مرات خالية الا من الأحاسيس العامة التي يصافح بها أي شخص , شخص آخر يلتقيه في مكان عام

.." كل ما بيني وبين السرة , عادي تماما وعاما , بدأ لحظة جئتها ذات ظهيرة حارقة , وسألتها السكنى معها . فنظرت اليّ مليا , وهزّت رأسها دون تردد .. هكذا

تم ّ الأمر . وافقت في صمت فنشأ كل ما بيننا في الصمت , وافقت دون قيد أو شرط . كما أنني كنت سأسحب سؤالي لها اذا أشترطت على أي نوع من الشروط , أو أبدت

رغبة ما على سبيل الضغط عليّ..

ربما لا تصدق أن ما أقوله لك الآن هو بالضبط ما كان بيننا , لكن يجب أن تصدق , لأن تلك هي الحقيقة الوحيدة في الحياة الزائفة للسرة بنت عرجون , التي حتى

يوم غادرت جلابي ود عربي , لم أرى غرفة نومها ولم تنتابني أي من الرغبات الحميمة تجاهها ..

كان بامكاني بناء بيت لي في أي من الفضاءات الواسعة لجلابي , مثل الآخرين .. أسكن فيه وحدي دون قلق ثريا وخميس , دون الرغبات المدفونة والمعلنة للسرة

بنت عرجون ., دون أن أضطر لرؤيتها أو رؤية ابنتها في أي من المواقف المحرجة العديدة التي رأيتهما عليها , مع آخرين من رواد بيتها ..

كان بامكاني أن أمضي للسكنّى وحدي . لكنني لم أفعل . فقد خشيت الوحدة طيلة حياتي. تلك هي مشكلتي التي جعلتني أهجر بيتنا الكبير في المدينة الريفية , وأهجر

أشقائي وشقيقاتي ..

- ما الذي تعرفه عن الوحدة ؟!.. ربما لا تزال صغيرا على هذا الشعور ..

-لقد قرأت كثيرا من الكتب .

-همم

-أعرف دور الشعور بالوحدة في تأسيس التنظيمات وحدوث الانقلابات وقيام الثورات .. أن تضع نفسك في قلب الحدث( لتهزم الوحدة) ينبغي ان تجد لنفسك دورا وسط

الناس ذاك هو النقيض للوحدة , ما تفضي اليه الوحدة

ابتسم كرتون ابتسامة بلهاء :

-ربما فسرت ما قرأته خطأ ..

- همم ...

- الوحدة قاتلة , تعوق تطور الانسان . تعوقه من أن يفعل أي شيء . كيف تستطيع أن تخرج الحياة من العزلة ؟؟!!.. مستحيل !!.. "..

ربما كانت وجهة نظر كرتون صحيحة . لكن وجهة نظري ليست خطأ . ففكرة الكون خرجت نتيجة الاحساس بالعزلة والوحدة والفراغ .. هذه الأقانيم التي تدفع الى

التأمل فالتجلي.

قطع كرتون همس خواطري , فنظرت اليه في تردد ..

-الشعور بالوحدة قاس ومعذب , كنقحان الصديد في الجرح القديم , قد تصل الى درجة استعذاب أكلانه , وتلك هي النهاية لحياتك ..كانسان يحب الناس والحياة ويرغب

في أن يحبه هؤلاء الناس وهذه الحياة . فكل ما يريده هو أن يكون جزء منهما.. وينال التقدير والاحترام. ربما تفكر أن وجود الانسان بين أشقائه لا يستقيم

وشعوره بالوحدة , وهو أمر غير صحيح . فقد كنت موجودا بينهم ومع ذلك ظلت أشعر بوحدة كاملة ..

ينهضون في الصباح . يعد كل واحد منهم الشاي لنفسه .. يشربه أثناء أستعداده للمغادرة الى العمل . نادرا ما يجتمعون حول مائدة واحدة . فكل من يشعر بالجوع

يمضي لاعداد الطعام لنفسه . وفي الأوقات النادرة التي يجتمعون فيها يركزون الحديث على مثالب بعضهم البعض . يضخمون هذه المثالب , فيتحول الأمر كالعادة

الى معركة كلامية ,ربما تفلت أحيانا لتدخل فيها الأيدي .. تفرغ الأخوات عذابات أنوثتهن المؤرشفة في متحف العنوسة . ويفرغ الاخوان أحباطاتهم وفشلهم في

أقامة حياة أسرية تخصهم .. بصوت متوحد كانوا يكرهون بعضهم , يتبادلون هذه الكراهية . يحملون فشلهم لبعضهم البعض .. هل كانت حياتي مع السرة على علاتها

هكذا .. وجدت في السرة التسامح الذي أفتقدته , فسامحتها بقدر ما سامحتني , هي الغريبة عني .. بينما فشل أخوتي في التسامح مع بعضهم .. فمن أختار ؟؟!!..

"..

-لقد أخترت ..

-ربما ..

.. في نهاية كل شهر يأخذ كل منا نصيبه الشهري من الإرث الجاري ( إيجارات عقارات) هذه هي الحياة التي كنت أعيشها لسنوات عديدة . حاولت أن أجد أسرة في العمل

, شغلت نفسي بالعمل . جرّبت كل المهن الحرفية , حتى اصبحت خبيرا في الحدادة والسمكرّة ,والتبريد والتكييف والميكانيكا والبوهية , وكل ما يتصل بالعربات

.. لكنني لم أجد نفسي في أي شيء من كل هذا . الى أن وجدت السرة ووجدت فيها ما ظللت أفتقده .. منذ أول يوم دخلت فيه بيتها , وقابلتني بدفء وترحاب آسرين

.. شعرت باهتمامها بي .. بمحبتها وقدرتها على الغفران , ورغبتها هي نفسها في الغفران (كانت تأتي لتبكي على صدري إثر كل خطيئة) .. فكانت رغبتي في أن أمضي

ما تبقى من حياتي في هذا الصفح . هذا الدفء : السرة .. تزداد..

خلعت بصري من صوت كرتون , لأزرع ذاكرتي في ذاكرته , لأرى السرة بنت عرجون الأربعينية الجميلة , التي لم تنتجح السنوات والإنجاب في هدم قامتها الممشوقة

..

تتماهى ذاكرتي في ذاكرة كرتون , أسأل عنه السرة , فتحدثني عن متاهته وطيبة قلبه , والحنان الذي يملأ جوانحه ليفيض , ويغطي كل فضاءات جلابي , التي تصبح

لحظتها بلدة وديعة حاضرة هنا , غائبة هناك .. بين الضلالة والهدى .. يغطيها كرتون بقلبه الوارف المخضر .. يغطي شوارعها العطنة وأزقتها الضيقة وكلابها

التي أخذت من طبع أهاليها .. كلابها التي لا تهدأ أو " تنهد" .. وناسها " العُزّاز" في نظر أنفسهم .. وحيواتها السرّية التي تنهض في العلن , ومغامراتها

مع عربات "الكشّة" ورجال المباحث ومجرمي المدن النائية , الذين ما أن يحلون بجلابي , حتى يشعر الجميع باقتراب كارثة ..

تخبرني السرة :

-كرتون ذهب الى السوق الكبير . ليحضر لي بعض أغراض الشغل . لا أدري من دونه كيف كنت سأعمل ,أو أعيش ..

-ستعيشين كما كنت تعيشين دوما..

-هممم..

كنت واثقا أنها من دونه كانت حياتها ستستمر , لن تنتهي بها السبل لمجرد كونه ليس موجودا وليس جزء من حياتها ..

حدثتني عن مساعداته لها ووقوفه الى جانبها في سراءها وضراءها . وخاصة عندما تتعرض لكشة أو تسجن لأيام ..

الغريب في كرتون : كأنه يمتلك قرون استشعار , فدائما تحدث مداهمة النظام العام لبيت السّرة في غيابه . لم يحدث أن تم القبض عليه أو سجن !! .. وكان هذا

الأمر بالنسبة لأهالي جلابي بمثابة الكرامة من كرامات كرتون ..

تتنهد السرة :

-أنه أكثر من والد لخميس وثريا ..

كانت السرة في غرارة نفسها تحب كرتون , مثلما كان يحبها في قرارة نفسه , ذلك النّوع الغريب من الحب نادر الوجود .. فالأمر ليس مجرد دفء او كرم فياض ,

وقدرة مدهشة على العطف والحنان , كما كانا يعتقدان , بسبب تهيب السرة الدائم منه ( هذا التهيب الذي جعلها لا تجرؤ على مصارحته , وجعله لا يستطيع التصريح

بهذا الحب ) السرة على عكس كرتون , كانتت لديها قدرة فذة على ادراك طبيعة مشاعرها تجاهه, منذ أول يوم دخل فيه بيتها , لكنها أدركت لسبب ما , أنها لا تستطيع

الحصول عليه ( حبها له هو ما دفعها لرفض عرض حسان جداد ,كما كان يطيب لها أن تزعم لأم التيمان وست البنات , لكن في أعماقها كانت تدرك أن جداد يريد الزواج

منها , حتى يتمكن من اقامة علاقة آمنة مع ثريا . هكذا شعرت من نظراته .التي كانت تأكل جسد ابنتها أكلا . ومع أنها كانت لا تمانع إقامة ثريا لعلاقات ,

إلا أنها ما كانت لترتاح لهذه العلاقة بالتحديد . ولذلك عندما يخطر على ذهنها هذا الخاطر , تزعر في دخيلتها وتهمس :

-سجم خشمي . البنت وأمها !؟!..

كرتون نفسه ربما لأسباب اضافية أخرى , خفية ذات صلة بالوضع الاجتماعي لأسرته , وعناصر نشأته البعيدة .. ربما .. كان يدرك مثلما أدركت السرة , أنهما أصبحا

بالنسبة لبعضهما كحبيبين أو زوجين , كالأمنيات ,التي ربما لا تتحقق حتى في الحياة الآخرة . كما أن السرة بحكم تجاربها السابقة أستطاعت التكيف مع هذا الوضع

. فهي ليست بكرا , ككرتون الذي لم يحدث أن أقام علاقة مع امرأة قط , في أي مرحلة من مراحل حياته !! .. والسرة في واقع الأمر لم تحط رحالها في جلابي لأنها

هاربة لأمر ما . فكل ما في الأمر أنها مرت بحياة قاسية وتجارب صعبة . اذ نهضت حياتها في اليتم بمراراته , وأحزانه وأساه فقد فقدت والديها في سن مبكرة

, دون المراهقة , فأضطرت للعمل كخادمة في البيوت . حيث تخدم وتأوي , وأحيانا تجد نفسها مشردّة , لا تعرف الى اين تأوي . وما أن بلغت سن المراهقة حتى مضت

الى المدينة المجاورة , وأنتقلت من ممارسة الجنس مع مخدميها الى ممارسته على نحو احترافي . فعرفت تلك البيوت الواطئة في أطراف المدن , ومضت تعمل بلا هوادة

, الى أن أصابها داء الترحال , فأخذت لا تقوى على المكوث في مكان واحد لوقت طويل .

المكان الوحيد الذي أستقرت فيه لفترة طويلة هو جلابي . حيث أنجبت أبنيها خميس وثريا , ففارقتها ثريا مبكرا بسبب الاصابة بالسل .

كانت علاقة السرة بست البنات العشمانة من العلاقات المميزة والمريبة في آن , فالرباط العميق الذي جمع بينهما , يسم العلاقة بالتميز . لكن الشائعات التي

أنطلقت لتوصيف هذا الرباط , كانت تبعث على الإرتياب والدهشة . فقد عرف عن ست البنات العشمانة دونا عن كل نساء جلابي , ومنذ وقت مبكر أنها سحاقية , حتى

أن بعض الخبثاء كانوا يصيحون خلفها , عندما يرونها في الشارع :

-الضكريّة .. الضكريّة ..

فكانت تلتفت اليهم وهي تطلق سيلا من الشتائم والسباب المقذع . والى أن غادرت السرّة دنيا ست البنات , الى آخرتها الغامضة , تسبقها ابنتها ثريا بقليل .

لم يعرف أحد سر علاقتهما المميزة أبدا ..

في ذلك اليوم الذي فاجأت فيه ابي مع السرة , أدركت تماما حقيقة ما أكده حسن . فقد كنت حقا كالأعمى , الجميع يعرفون علاقة أبي بالسرة , الا أنا , فقد كنت

وقتها مأخوذا برصد وترصد علاقة كرتون بها ..

في ذلك اليوم أصبت بما يشبه الصدمة , التي لا أدري : " لماذا؟!" .. فقد كنت شخصيا أتمنى ابنتها , فما المشكلة عندما تمنى أبي الأم ؟؟!!.. هذا ما كان يشكل

محورا للنزاع في داخلي لوقت طويل .. في محاولة لايجاد تفسير لما شعرت به من صدمة لحظتها ..

عندما قصدت منزل أم التيمان بعد رؤيتي لثريا تخرج من بيت أدروب وهي تتحسس أسفل مؤخرتها , شعرت بشعور مماثل لذات ذلك الشعور بالصدمة , وأنا أرى أبي باركا

كجمل مهتاج على أمها المستلقية !!.. وجدت عند أم التيمان مزيد الحلبي (الحداد) نظر اليّ وكأنه يهم بقول شيء , لكن نظرات أم التيمان الحاسمة أسكتته .

ومنذ أول لحظة نشأت بيني وأم التيمان علاقة ناعمة, ليس لها اسم واضح ,أو محدد ..

علاقة لطيفة تختلف عن تلك العلاقة التي نشأت بعد ذلك بيني وست البنات .. تلك العلاقة المباغتة الملتهبة , الغارقة في الدموع والشجن , الذي جعلني أتعرف

على عوالم لم تخطر لي على بال من قبل , واستدعت اليّ عوالم من الزمن القادم في حياتي , فظللت مدينا لها بالتأمل والتفكير لوقت طويل .

كانت ست البنات العشمانة من أجمل نساء الأرض , وأكثرهن مودّة وحميمية وعذوبة ودفء (وكنت صفر التجارب ) فبدأت الخطو معها من لحظة الصفر . ولم تخيب ظني

في التعرف على هذا العالم الموسوّس , المجنون . فشملتني برعاية خاصة ( عرفت منها كيف أقبل أنثى وأعانقها و .. وأستمتع – أفعل تلك الأشياء التي لا تقال

..) عبأتني بالمتعة والحميمية الفائقة والدفء , وعلمتني من أسرار النساء الكثير . وقبل كل ذلك جعلتني أكتشف كيف أجنّ بها !!.. عندما أدركت ما كان ينقصني

من معرفة من ست البنات , أخرجت لساني لكل كتب التاريخ التي قرأتها , وبعد أول تجربة في الليلة ذاتها , مضيت أجمع كل كتب التاريخ والمذكرات من أنحاء بيتنا

المختلفة , كوّمتها أمام الباب الخارجي (أمام الباب تحديدا – ينبغي الا يدخل التاريخ بيتنا ) أشعلت فيها النار , وأنتظرتها الى أن تحولت الى رماد , فبُلت

عليها بولا غزيراً.. وشعرت بأن عبئا كبيرا كان يثقل على كاهلي قد إانزاح .. فشعرت بغبطة وحبور لا يحلان الا على رجل سعيد ...

صارت ست البنات العشمانة محور عالمي , أفكر فيها في كل لحظة .. أفكر فيها وأنا أذاكر , أو انجز الواجب المدرسي , معالجا الأمور الكريهة الى نفسي مثل النحو

والصرف والرياضيات والكيمياء والفيزياء , الى آخر هذه الاشياء العجيبة ..

كانت أم التيمان تجيئني على اهداب هاء السكت , متكئة على كسر همزة إن , فتتكسر كل الأساطير التي تعيد بناء نفسها داخلي قبل كل لقاء .. تخرج اليّ باستداراتها

من نظرية الدائرة , فلا أرى نفسى الا خطا مستقيما يسقط على نقطة الاصل .. من نظرية لامي تجيء , من الكوانتم , كيمياء الحلول , تنعش كل عناصر الكوّن الخاملة

داخلي , فأحلق معها , فوق قوانين الجاذبية , فوق طبيعة البشر , فوق كل شيء : ككوّن قائم بذاته بقوانينه الخاصة , التي لم يتوصل اليها العلماء ولن يتوصلوا

أبدا .. أم التيمان .. أم التيمان .. هذه امرأة التعرف اليها يمّلك معرفة واسعة بالشأن الأزلي لقصة الكون : الذكر / الأنثى – الجنس .. الأمر الذي يهجس

كل العلوم , دون أن تنفك هواجسها أثر كل أكتشاف لسر جديد من أسراره , التي(للمفارقة معلنة) تضرب بجذورها في قلب التاريخ والطبيعة ..

علمتني أم التيمان أن الاستمتاع بالحياة , يعتمد على قدرتنا على أنتهاك القوانين (الى أي مدى نستطيع فعل ذلك دون أن نشعر بالخوّف ) فقد كانت امرأة من

طراز خاص : امرأة لا تخاف . كانت تعتقد أن المصابين بأمراض نفسية وأخلاقية مستعصية ,هم وحدهم الذين يشعرّون بالخوف ( آه يا علي ربما بسبب شجاعتي أعاني

ندرة الأحلام ) وحدهم الذين لا يجرؤن على أنتهاك القوانين , عكس الذين يدركون جوهر الحياة فينفذون رغباتهم دون أن يترددوا محاصرين في ُحلم الرغبة في تحقيق

هذه الأحلام ..

ووفقا لأفكارها عن الحياة , كنت مصنفا تلقائيا , ضمن المصابين بامراض نفسية وأخلاقية مستعصية .. اذ لم أكن ميالا لانتهاك القوانين , كما أنني دائم الخوف

من أن يتم أكتشاف علاقتي بها (بأن يتسرب أمر علاقتي بها الى أبي أو أي من افراد أسرتي) ولا أظنني في ذلك الوقت خرقت قانونا , سوى بعلاقتي معها (حسبما

أذكر في هذه اللحظة فقط) ..

طريقة تفكير ست البنات العشمانة كانت تعجبني , وربما أسهمت هذه الطريقة في تعلقي بها لوقت طويل . كنت أغضب اذا تحدث عنها أحد بصورة غير لائقة , لكن لا

أجرؤ على التعبير عن هذا الغضب . وأكثر ما كان يغضبني الإصرار على كونها سحاقية (فأنا أعرفها أكثر من أي شخص آخر) مع أنني لا أستطيع الجزم , نظرا لغرابة

اطوارها , وتقلبات أحوالها ..

أهالي جلابي ود عربي رغم حياتهم المديدة في هذه البلدة . ثمة أمور ليست لديهم معرفة كافية بها . فمثلا : كنت أعرف أن سلمى خير اللّه هي الشقيقة الصغرى

لحسان جداد (وليست مجرد قريبته التي تسكن المدينة الريفية ) لكن لا أحد يعرف هذه المعلومة سواي (اذ سربتها لي في لحظة ضعف أنثوي سلمى ذاتها بشحمها ولحمها

) ربما بقصد ايذاءها لشقيقها جداد (لكنها حرصت مع ذلك أن يبقى الأمر خاصاً, كسر بيننا فلا يعرفه أحد غيري) .. كان ذلك وأنا في طريقي الى الدكان قادما

من البيت , عندما رأيتها تقف في قلب الشارع المفضي الى الدكان مع جداد . كانا يتشاجران . وما أن أقتربت منهما حتى ران عليهما صمت أحرجني وأربكني , ثم

مضى جداد لا يلوي على شيء . اقتربت مني ومضينا معا باتجاه دكان أبي . لم أسألها . كانت تبكي وتتحدث من خلال نشيجها :

- لا تخبر أحد بما رأيت.

-أؤكد لك أنني لن أخبر أحدا ..

-هممم..

-لم أرى أو أسمع شيئا ..

هيمنت بدموعها على وجهي :

- جربيني ..

-أنه أخي .. شقيقي ..

-من ؟!

-حسان خير الله . لا أريد فضحه أو أذيته.

-اذن لماذا تحضرين الى هنا ؟!..

فصمتت ولم ألح عليها . كنا قد وصلنا الى أعتاب الدكان ..

حاشية غير مكتملة : وثيقة 10(*)

images/clip_image

لا وطن في الحنين...