5

6 0 00

5

في الشتاء تصاب جلابي ود عربي بهاء السكت ,أذ يخيم الصمت الزائف على كل شيء , فلا تعد تسمع سوى زفيف ريح الشتاء الباردة , وهي تحتك بقش البيوت . أو تتسلل

شقوق البيوت الطين .

في الشتاء بقدر ما يعم الصمت الأزقة والدروب العطنة والبيوت الواطئة , الفائحة بروائح سبخة , الا أن دواخل الناس في جلابي , تلتهب وتصطرع فيها الحرق ,

بصورة مميزة عن أشهر الصيف الغائظة .

عندما يحل الشتاء على جلابي , تتدهور أسعار المريسة ,وتصبح الفداديات (صاحبات الأنادي) على شفا الأفلاس , لولا رواج العرقي الذي بالكاد يسمح لتجارة الخمر

البلدي بالاستمرار ويحفظها من الانقراض .

ولذلك منذ وقت مبكر قبل حلول الشتاء , تبدأ " الفداديات" في حفظ أواني " المريسة" (غير المرغوبة في هذا الفصل) ويخرجن أواني صناعة "العرقي" (التي كنّ

قد خبئنها منذ نهاية الشتاء الماضي ( هذا اذا كانت الفدادية متخصصة في نوع واحد من الخمر حسب الفصول – ولكن هناك نوع آخر من "الفداديات" في الصيف اذ الى

جانب اهتمامهن بصناعة المريسة , يصنعن العرقي – وهؤلاء كنّ من ذوات الثقافة الاقتصادية الرفيعة , التي تعتمد التنويع الانتاجي , فتمضي بعضهن الى اضافة

صنف آخر مثل "الكانجي مورو " أو غيره من الخمور البلدية اللطيفة ) لكن الفداديات بصورة عامة تزدهر صناعتهن الأساسية "المريسة " صيفا واذا كنّ لسنّ من

رواد التنويع في الأصناف يتجهن شتاء الى تجارة الجنس , التي تجد في هذا الوقت من العام ازدهارا , يفوق كل ازدهاراتها في الفصول الأخرى , وهكذا تشهد جلابي

في الشتاء ,ابتداء من الظهيرة حركة دؤوبة , لعاهرات ومثليين المدينة الريفية والمدن المجاورة باتجاهها .

فتيات أشكال وألوان (من كل الأعمار والتوصيفات : عزباوات , متزوجات , هاويات , محترفات , مدفوعات جميعن بالحاجة التي يفرضها البرد للدفء , وربما للمال

,الخ ..)..

لم يكن اللواط والسحاق والسلوك المثلي بعامة , ضمن الثقافة الجنسية التجارية لجلابي , ففي بدايات نشأة هذه الحلّة , كان يتم النظر للوطي ككائن غريب ,

وافد من عالم آخر ,غير عالم جلابي الذي لم يكن بعد جزء من حركة انتقال المعلومات , ولكن منذ حلّ حسّان جداد وأدروب وست البنات العشمانة , أصبحت مفردات

مثل خوّل ولوطي أو لوطية من المفردات المألوفة والشائعة والمعترف بها على نحو غير رسمي في القاموس الشعبي لجلابي , والذي حوى الى جانب ذلك غرائب مفردات

اللغة العربية ولغات البلاد الكبيرة الأخرى في هذا الحقل الهام من حقول المعرفة الانسانية , التي تهتم بأكثر الجوانب سرية في الذات الفردية ( أشار حسن

الى أن الوثائق التي كتبت المخطوطة السرية على هداها , أشارت أن مملكة ساورا التي كانت بهذا الموقع – جلابي- أكدت وجود ممارسات مثلية , حسبما فهم الأثاريون,

بعد تفكيكّهم للغة الاشارية والرمزية التي وجدت على جدران ما أسموه ب"حانة أتني" الكبيرة . لكن اشارات ورسوم أخرى في المدينة الأثرية المكتشفة, تعود

الى عهد ساورا الاسلامية , أي مرحلة متأخرة من تاريخ ساور , نفت ذلك على اطلاقه اذ حصرت النشاط المثلي بين النساء فحسب !!) ..

في هذا الفصل من السنة تشهد جلابي, توافد اللوايطة والسحاقيات من كافة الأعمار والأشكال والألوان , يجيئون بثيابهم الزاهية , التي لا تعكس روح هذا الفصل

الكئيب .

كما يشهد هذا الفصل توافد الموظفين والعمال بصورة أكثر انتظاما (رغبة في الجنس والعرقي) ..

اذن في الشتاء من دون كل الفصول , تتراكم الأجساد على "عناقريب" وسراير جلابي , فهذه الحلّة هي وطن في العراء , تتناهشه الريح الباردة من كل جانب , حتى

يتأصل فيه الحزن (الذي هو أكثر أبدية من بين كل المشاعر, كما أشارت كشوفات المدينة الأثرية) . وفي هذا البرد القاس يلتمس الجميع الدفء, في بعضهم البعض.

فتتلاصق الأجساد كتلاصق بيوت جلابي المهترئة .

في الصيف من كل عام تتجرد جلابي من آثار شتائها , فتنداح الحياة على نحو مختلف , فالبيوت التي كان يسكنها الصمت أبتداء من العاشرة مساء , تضج بحركة النّاس

في الظهيرة , حيث يبدأ يوم جلابي الصّيفي منذ الصباح الباكر , على عكس الشتاء اذ يبدأ اليوم بعد منتصف النهار , فالناس يصحون كسالى بسبب البرد الذي "

دشدش" عظامهم . وفي الصيف على عكس الشتاء كل أهل جلابي بلا استثناء وينامون عند الفجر . وما أن تشرق الشمس حتى يتوافد عشاق المريسة والكانجي والعسلية

, الذين لا يرحلون الا في المساء , مفسحين المكان لرواد العرقي .

ثمة تجارة لم تكن ضمن النشاط الاستثماري, في الثقافة الاقتصادية لجلابي . هي تجارة البنقو والحشيش , اذ بدت هذه التجارة ترسخ أقدامها بعد المجاهدات والنضالات

الفذّة لمزيد الحلبي وكسبان الضّاوي .ففي البدء وجدا كثيرا من العوائق بسبب الاعتقاد الشائع في جلابي , بحرمة الحشيش والبنقو والسجاير الاحمر(العادي ده

) دونا عن سائر الخمور والأدخنة . ولكن بعد النشاط التنويري المكثف لمزيد الحلبي وكسبان . أقتنع أهالي جلابي( باستثناء جداد وبعض الذين يوالونه من التجار

) أنه لا توجد آية واحدة حرّمت الحشيش والبنقو, على عكس العرقي والمريسة (مع أنهم كانوا لا يحفظون سوى قل هو اللّه أحد!!) .هذه "الفتوى" هدأت بال الناس

قليلا !! كما أن كسبان ومزيد أعطيا مسألة الاتجار بالبنقو والحشيش بعدا وطنيا ثوريا في غمرة حماستهما ضد المخدرات "الاسرائيلية " التي تدخل الى جلابي

عن طريق الغرب محملة على اللواري القادمة من " نيجيريا" .

فكان ضمن أجندة ندواتهم التي جعلا شعارها " مقاطعة المخدرات الاسرائيلية وضرب عملاء أسرائيل في المنطقة : واجب وطني " . كانا يفردان مساحة واسعة للحديث

عن أنواع المخدرات في البلاد الكبيرة . فيتحدثان الى الحضور ,عن سلسلة نسب البنقو الغرباوي منذ أكتشفه الراعي "بانغنيتو" في شمال أفريقيا أثناء تجواله

بغنمه في سهول أطلس !!والبنقو والحشيش الشرقاوي الذي يضرب بجذوره في تلك الحديقة التي تعود لثمانية آلاف سنة , في الحبشة (أكدوا أن نجاشي الحبشة قبل أعطاءه

حق اللجؤ للعرب الهاربين من القمع والانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان في مكة كان "يصطبح" كل صباح على سيجارة عظيمة على غرار أسلافه , ومن هذه السيجارة

بالتحديد(والتي كان يعدها له خصيه الأول من نبات البنقو في حديقته القصر المقدسة ) تحدر نسب البنقو الشرقاوي العريق جيلا اثر جيل .

لكن كل هذه الأنواع لاتضاهي البنقو الجنوبي , الذي يعود تاريخه الى ممالك الزولو والبانتيو اللتين نشطتا في تصديره الى السونغي ومالي , وهذا النوع من

البنقو لتميزه أطلق عليه أهل جلابي (مسكين أنا , وقلبي أنجرح- على التوالي) وفي لحظات تجلياتهم يتندرون حوله بأنه الكافر المتمرد الحبيب (هذا غير التعابير

الأخرى مثل : الفيل والطراوة والنكهة والتونسية وقطار عجيب وعجوبة, الخ ..) وتقول الأسطورة أن البنقو الجنوبي هو نبات مقدس , كان الاله لانجور يداوي به

جرحى الحروب, ويشفي به الأكمه والأبرص بعد أن يغمسه في دم غزالة بكر بنت بكر (أي أنها البكر وأن ابويها أيضا بكرين على رأس قائمة أشقائهم ) ..

وبسبب هذه الأسطورة أعتقد أهالي جلابي (البعض منهم على الأقل ) أن هذه النبتة المباركة تحرس البيت من الأرواح الشريرة ,اذا تم تعليقها بطريقة معينة, بحيث

تتدلى من سقف البيت , ولكن هذا الأعتقاد يدخلهم في معضلة عظيمة ,مع مكافحة المخدرات بحيث يتمزقون, بين القانون الرسمي واعتقاداتهم الموروثة المقدسة !!..

وهكذا تعتبر هذه الندوات التي تصدى بها كسبان ومزيد للحملات المضادة من جداد , محطة هامة في ابتداع فكرة المهرجانات والمواسم الثقافية بجلابي , كما أنها

شكلت منعطفا في مسيرة إغناء القاموس التعبيري الرسمي لجلابي .

لم يجد جداد في نهاية الأمر جدوى, من الصراع مع كسبان ومزيد , فحاول في فرص النقاش التي يطلبها في الندوة , أن يوسع المقاطعة لتشمل كل "البضائع الاسرائيلية"

فلم تجد محاولاته هذه, لحرف الخط الدعائي الذي انتهجه كسبان ومزيد قبولا لدى الأهالي (الذين كانوا على الرغم من بساطتهم لا يصدقون ما أسموه : كلام فارغ!!),

فالأهالي لم يحدث لهم أن رأوا خواجة بحكم موقع جلابي من الجغرافيا , ولذلك لم يكن من الممكن أن يعادوا "اسرائيل" التي لم يتشرفوا بمعرفتها أصلا !! كما

أنهم لا يعرفون أين تقع هذه الاسرائيل من جغرافيا البلاد الكبيرة , والخريطة العامة لضواحي جلابي المؤمنّة, وهكذا أسقطت محاولات جداد لحرف أفكار السواد

الأعظم في جلابي سقوطا مريعا جعله يهرب الى الأراضي المقدسة ..

أسعد هذا السقوط جهاز مكافحة المخدرات (للمفارقة) . فلم يقم بأي محاولات لتعويق خطة كسبان ومزيد (في البداية فقط) لكن بعد ذلك بوقت طويل, أصبح بيت مزيد

وكسبان عرضة لحملات التفتيش من قبل المكافحة بين آن وآخر , ومع أنهم في كل حملة كانوا يقلبون بيت مزيد رأسا على عقب , الا أنهم لم ينجحوا على الاطلاق,

في معرفة المخابيء السرية أو أساليب الترويج التي يتبعها كسبان ومزيد .

لكن قبل ذلك وكردة فعل على هذا السقوط , دعى جداد أهالي جلابي الى ندوة حشد ,لها الكراسي والصيوانات والمياه الغازية والبلح, والانارة بالوابورات الجاز

"جنريترات". وعلق على مقدمة الصيوان قطعة كبيرة من القماش كتب عليها بالخط الكوفي" : جلابي ود عربي تحذر اميركا للمرة الآخيرة - بن لادن بطل قومي .."

.

جاء أهالي جلابي أكلوا البلح وشربو المياه الغازية , وما أن بدا جداد في ندوته يتحدث عن العراق والاحتلال , الخ .. حتى أنفض أهالي جلابي الى بيوتهم,

وقد اعترتهم دهشة عظيمة (فهم لم يخلصوا بعد من قصة اسرائيل , تطلع لهم قصة العراق وبن لادن !!) . وتعبيرا عن غضبهم أشاعوا أن جداد جنّ(مال التومة ومال

العراق واسرائيل حتى تهدد أميركا: جلابي ودعربي تحذر أميركا للمرة الآخيرة؟!! بن لادن بطل قومي؟!!).. أشاع حينها بعض الخبثاء الذين أرادوا استغلال الموقف

أن جداد عنصر ارتباط في شبكة أرهابية تتبع لبن لادن والظواهري !!..

كان مزيد في هذا الوقت قد تخلى عن عمله في "الملجة" كحداد , وأستقر بصورة نهائية في جلابي , التي أصبح يلازمها مع أنتعاش تجارته ولا يغادرها الا نادرا

..

في واقع الأمر ليس هذا هو ما يميز جلابي عن الحلالات والفرقان الأخرى , فما يميزها حقا هو الطابع الذي وسم حياة سكانها بطابعه .. الطابع الذي منحهم خصوصية

تميزهم عن سائر مخلوقات الله وكائناته العجيبة في البلاد الكبيرة .هذه الخصوصية تمثلت في قدرة أهالي جلابي على الفرح , رغم ما يتعرضون له من كشات وسجون,

قد تطول مددهم فيها أو تقصر . وعلى الرغم من ايماناتهم الدينية العميقة , كانوا يواءمون هذه الايمانات الدينية العميقة وسلوكهم ,الذي لم تشهد له الليبراليات

الراديكالية, عبر التاريخ المعاصر مثيلا . فأهالي جلابي ايمانهم عجيب وغريب : ففي لحظة هم ملحدون ولا دينيون, ساخطون على الديانات والمؤمنين بها , وفي

لحظة أخرى ليس كمثلهم أتقياء , وبين اللحظتين يتقلبون في سلوكهم اليومي بين التحفظ والتحرر والإنحلال التام..

قابلية أهالي جلابي على استقبال الجديد مدهشة, فعلى الرغم من أن الكهرباء هي أختراع يسمعون عنه فقط , وبالتالي تلفزيوناتهم كلها ,تعمل ببطاريات العربات

. ومع أنهم ليست لديهم قنوات فضائية , والانترنيت ليس ضمن ثقافتهم , إلا أن جهاز الفيديو الوحيد في جلابي (الذي يملكه مزيد الحلبي) جعلهم يتصلون بعالم

الموضة والأزياء , وتقليعات التسريحات في العالم من أقصاه الى أدناه (الى جانب أنهم ابتداء من دخول جهاز الفيديو بواسطة مزيد أصبحت لديهم معرفة مثيرة

بأنواع الأوضاع الجنسية, على الطريقة الفرنسية والايطالية والهولندية والامريكية, فأصبح ليس من المستغرب أن يجد أحدهم بين فخذي عشيقته ,حلقا من الذهب

, أو اسورة من الفضة , الى جانب أوشام لطيور وأفاعي في الكتفين, أو النهدين أو الفخذين – فقد أزدهرت صناعة الأوشام المثيرة كصناعة فنية مبهرة مع دخول

الفيديو, الذي مثل مرحلة تحول كاملة, وانتقال من ثقافة البلاد الكبيرة الكلاسيكية الى آفاق العولمة) . فمزيد الحلبي كان رجلا خصب الخيال , لذلك لم يكن

يكتفي باحضار شرايط الأفلام فحسب , بل كان ينتقي الى جانبها شرائط الموسيقى والرقص الأفريقي والغربي والبرامج الممتعة مثل أوبرا oprahوlaw & order

الخ .. (هذه البرامج جعلت النساء والرجال في جلابي يكتشفون كم هي حياتهم بائسة, وهكذا ظهرت طبقة من المثقفين الذين أطلقوا على أنفسهم فيما بعد – علمانيو

جلابي ود عربي - !!)

عندما يحل المساء يحضر الكثيرون من أهالي جلابي يتزاحمون أمام بيت مزيد الحلبي لشراء التذاكر من خميس (الذي كان مزيد قد أوقفه في الباب ) حتى يتمكنوا

من الدخول لمشاهدة الفيديو ..

وعندما شاهدوا للمرة الأولى نيكول كيدمان في the othersتبدى العقل الأسطوري لجلابي كاشفا عن مواهبه الدفينة ( على الرغم من أنهم بكوا كثيرا لقتل بطلة الفيلم

لطفليها , وانتحارها وبقاء أرواحهم الثلاثة معلقة بين العالمين ) فأصبح البعض يختبئون عند منعرجات الدروب ليخيفوا المارة . وسبب لهم ذلك خوفا لم تستطع

أفلام الفضائيين eliensومصاصي الدماءمن تحقيقه. و على عكس ذلك , أسعدهم روبين ويليام في the dead poets society على الرغم من الكآبة الرومانسية المزعجة

,التي تنضح من هذا الفيلم (فرغم كل شيء شعب جلابي هو شعب واقعي) ومن الأفلام التي ظلوا يحكونها لبعضهم البعض ,وعبرت عن تطلعاتهم غير المشروعة في القوة

الغاشمة فيلم توم كروز the mission impossible والغريب في الأمر أن مجتمع المشاهدة في جلابي , انقسم الى مجموعات فمجموعة تحاول ان تفرض على الآخرين,

مشاهدة المباريات الرياضية المختلفة (ملاكمة , كرة , سباق , الخ ...) وأخرى تحب أفلام روكي ورعاة البقر وجوالة تكساس, وتلك الأفلام التي على غرار the

independence day , وأخرى لا تحب شيئاً سوى الأفلام الهندية . وانطلاقا من هذه التغييرات التي أعترت جلابي وأزعجت جداد , قرر الآخير جلب جهاز تلفزيون

و فيديو كبير , ووابور لتشغيله, بدلا عن بطاريات العربات ..وأخذ يشغل بين كل فيلمين من الأفلام المصرية القديمة " أبيض وأسود " (الوسادة الخالية =عبد

الحليم ولبنى عبد العزيز, للرجال فقط = سعاد حسنى ونادية لطفي , شباب امرأة = شكري سرحان وتحية كاريوكا, فقد كان جداد يعتقد أن هذه الافلام اسلامية

!) أخذ يشغل أشرطة لأحمد ديدات وعمرو خالد والقرضاوي ألخ .. لكن لم تجد خطة جداد رواجا فسرعان ما ملّ الناس أفلامه "الاسلامية"..

هذه المشاهدات لأفلام الفيديو المتنوعة جعلت لأهل جلابي ذوقا رفيعا في الأزياء والرقص والغزل وأشياء أخرى !!..كما أنتشرت بفضل هذه الأشرطة حفلات البارتي,

التي اخذ أهالي جلابي يقيمونها بسبب وبدون سبب (فعندما أنجبت كلبة السرة التي كان أهالي جلابي يتهمونها بالعقم , أقامت السرة بارتيا لم تشهد له جلابي

مثيلا منذ ذلك البارتي الذي كان جداد قد أقامه احتفاء بالتطورات المهنية التي حدثت في حياتهما جعل اهالي جلابي يطلقون عليه لوقت غير قصير : الديك الراقص

) ..

وهكذا كان أهالي جلابي يملكون قابلية عجيبة على هضم كل جديد, في أي مجال من المجالات المتعددة للحياة وممارساتها اليومية , لذلك كانو دونا عن سكان الضّواحي

الاخرى التي تشبه جلابي . يهتمون بمشاهدة أفلام الجنس , اكثر من أي شيء آخر , رغم أنهم لم يكونوا يعانون من أي حالة كبت .. ربما كان ذلك لحاجتهم العلمية

الماسة و لعادتهم في هضم المعارف الوافدة , أصبحت العديد من الأشياء التي تعرفوا عليها من أشرطة الفيديو المختلفة , جزء أصيلا من ثقافتهم ومعارفهم الجديدة

.

ساعد على ذلك أن جلابي تنهض في الخيال بطبيعتها المعقدة ذات التجليات , أكثر مما تنهض في الواقع اليومي . وربما لهذا السبب بالذات , ألهمت الشعراء من

أبنائها (الذين برزوا بعد ذلك على مستوى البلاد الكبيرة ) أعذب الأشعار التي طبقت شهرتها الآفاق , وأصبحت مفتتحا لمهرجانات الشعر العالمية . كما أن كل

الكتاب والروائيين والتشكيليين والمغنين الذين انجبتهم جلابي , قد قوبلوا في مشارق الأرض ومغاربها بترحاب شديد , أزعج وزارة الثقافة ( فقد كان هؤلاء بشهرتهم

الكبيرة قد جردوا الوزارة من مهمتها الأساسية : تعريف العالم بثقافة وابداع البلاد الكبيرة) فقد أعطت هذه الشهرة العالم أنطباعا كاذبا عن وزارة الثقافة

(فالصورة الابداعية التي عرفها العالم عن ابداع البلاد الكبيرة , جعلت الوزراء في الشرق والغرب يتصلون برصفائهم المتعاقبين في جلابي ليدعون المبدعين

عن طريقها, الى مهرجانات ومؤتمرات دولهم في حقول الابداع والمعرفة المختلفة ) فتحرج وزارة الثقافة ولا تعرف كيف ترد , لأن مبدعي جلابي لسؤ حظها جميعهم

من المعارضين, الذين يرفضون السفر عبرها لتمثيل البلاد الكبيرة , الأمر الذي يضطر الوزارة للأستعانة ببعض الجنجويد المدّعين , فيسافر هؤلاء ويعكسون وجها

قبيحا وفجا للعالم ,عن البلاد الكبيرة . ما أضطر كل الدول المضيفة ,التي كانت ترسل دعوات للتوقف عن ذلك, وهكذا لحق ابداع جلابي بموطن أسلافه في ساورا

البائدة .. غاب تحت حجب النسيان) ..

كل هذا كوم والسياسيين الذين أنجبتهم جلابي كوم آخر , فقد مثّل هؤلاء جرحا داميا , ظل " ينقّح" داخل وجدان جلابي قاطبة ..

فعندما يخرج الواحد من هؤلاء الى الضؤ, ويتربع على عرش السلطة مثل عباس ود الخزين وعبد الجواد ود الباهي ومحمد أحمد ود مستوره , ينسى جلابي واهلها ويلعن

" سلسفيل" أسلافها وسلالتها الضالين والمغضوب عليهم , كما ظلوا يزعمون في جلساتهم الخاصة , ولا يقدم لجلابي أي شيء, تعبيرا عن جمايلها ووقوفها معه في

الانتخابات . بل يعمل من موقعه على تضييق الخناق عليها , ولذلك كانت من الهموم الكبرى في جلابي ,عملها الدؤوب على الا يصل أحد ابنائها الى دست السلطة

, فقد ملّت من الانقلاب عليها والتنكر لها .. إذ يصبح عدوا بعد أن كان حبيبا .. ..

من جلابي وحدها تستطيع استشفاف تاريخ البلاد الكبيرة , والتقلبات التي مرّت بها في الإثني ethnic والاجتماعي واليومي والثقافي .

على مسرح جلابي المنصوب في العراء قدم مسرحييها الذين حصل أغلبهم على جوائز عالمية (لم تسمح لهم الدولة بالسفر للحصول عليها ) كبيرة في التمثيل والاخراج

والتأليف .. من هذا المسرح خرجت روائع المسرح الوطني , التي أصبحت تدّرس لتلامذة المسرح في بريطانيا وفرنسا وألمانيا (مراكز الآداب والفنون العالمية منذ

الانحسار الهليني على أيام مملكة ساورا) .. فأهم السمات التي حملتها مدرسة "جلابي" المسرحية , أنها أستفادت من عصر الباروك في تعابيرها الحسية , وأخذت

عن البيكيتية عبثية هذا العالم في البلاد الكبيرة , وعلى هدى كونت حاولت اشتراع عقلانية جذرية في الابداعي ..

هذا المزيج الغريب ,أدهش العالم واوقف ضربات قلب المشاهدين ,الذين كانوا يحبسون أنفاسهم منذ لحظة رفع الستار حتى أسداله .. قدمت جلابي مسرحا غير معقولا

البتة , أستطاع أن يعكس مباهج "الانسان" وآلامه في هذا المكان المعزول عن العالم والمسمى "جلابي ود عربي" .. ما جعل أحلام الاهالي تتجاوز مجرد طرد حكومات

الاستعمار المحلي الجنجويدية , الى نوع من الحلم الصوفي بالخلاص والفردوس المفقود والمدن الفاضلة ..

هذا المسرح الذي قدمته جلابي استطاع أن يضخ معان وقيم جديدة , جددت دماء العروق الجافة للمسرح العالمي , خاصة بعد المرحلة الشيكسبيرية الباروكية , التي

أستمرت لوقت طويل رغم أنف التاريخ الفني ..

تخطر في راسي الآن كل هذه الخواطر عن جلابي وناسها , وأنا أراقب مسيرة حياتي منذ النشأة الأولى في المدينة الريفية , الى أن انتهى بي المطاف ها هنا ..

نشأت متوحدا في العزلة والوحدة , التي لا تزال تطبع حياتي بطابعها الموحش (لكن هذه العزلة تريحني من مشاكل الاحتكاك بالناس . فالناس عندما يتصلون ببعضهم

البعض , تنشا بينهم المشاكل بسبب المشاعر الدنيا كالغيرة والحسد , أو لسؤ الفهم الذي يتم تصعيده سجاليا فيتحول من اختلاف الى خلاف(قطيعة) , أو بسبب الالتزامات

المتبادلة التي تنهض فيها مشاعر متضاربة ربما تفضي للاحساس بالخذلان فالكراهية فالتآمر .. هذه العزلة تجنبني التعرض لكل ذلك مما لا احب ..) .. لذلك كنت

كلما حطمت طوق عزلتي و خرجت لأتصل بهؤلاء الناس ,أعود مرة أخرى لاضرب السياج حول نفسي ..

لحظات الاتصال بالناس في حياتي لهي ,لحظات قليلة , لكنها مكتظة بالاستهداف والحصار ..

اللحظة الأولى : هي تلك اللحظة التي كنت أساعد فيها والدي في الدكان وهو ينتقل به في ارجاء المدينة المختلفة , فأول مرة قام بتأجير محل لتجارته ,كان ذلك

في الحي الشرقي , قريبا من شاطيء النيل, الذي تنكفيء عنده المدينة الريفية , كشخص مهيأ للاستفراغ . تدهور هذا المحل بسبب علاقته الجنسية مع صاحبة العقار

, فقد كانت زوجة لسائق عربة حكومية محدود الدخل , ولذلك كانت تعمل في بيع الكسرة واللقيمات , وتؤجر جزء من عقارها كمحل تجاري . كانت سعاد صاحبة هذا العقار

أربعينية جميلة , خاطبت فيه أشواق مقموعة , حفزته على الدخول في رأسمال تجارته . ودرء للفتنة والحرب التي أشتعلت في بيتنا , استجاب ابي لرغبة اخوالي وسلم

صاحبة العقار محلها , وارتحل ببضاعته الى الحي الشمالي , على مقربة من بيتنا , اذ كنا نسكن شمال شرق هذا العقار . وهناك حاول أن يلتقط انفاسه ويسترد ما

خسره مع الاربعينية الجميلة , عندها بدت جلابي كافق استثماري واعد , أخذ بعض تجار المدينة الريفية يتحدثون عنه بحماس , فذهب ابي وتفقدها ثم أختار مكانا

, اصبح فيما بعد بمثابة القلب , شيد عليه دكان من الطين اللبّن , ألحق به قطية من القش والحطب و"الشراقن" , لم تكن نبؤات تجار المدينة الريفية قد جانبت

الصواب , فقد أثبتت جلابي بمرور الوقت أن خيالها الاقتصادي لا يضاهيه خيال .

كنا قد تقلبنا بين مراحل مختلفة في الفقر , قبل أن يتمكن أبي , من انشاء تجارته ولا زلت أذكر عن طفولتي "الجوع" كمفردة وسمت حياتي بشرخ بالغ (الخوف من

الجوع) فالخوف من الجوع لا يعني افتقاد الطعام فحسب, بل كل الرغبات الأخرى, اذ هذا الخوف , يحمل معه مخاوف تظل تلاحق الانسان طيلة حياته , فالجوع يشعل

في النفس رغبات أخرى في ارتداء الأزياء التي يقع عليها النظر . في اشتهاء كثير من الاشياء التي نمر بها ونظل نحلم باقتنائها , في اشباع هذا الظمأ للمشاعر

الحميمة والنبيلة ..

ومهما انصلحت أحوالنا واقتنينا كل ما نرغب فيه , وأشبعنا كل ما نشعر به من احاسيس , نظل نرغب في مزيد من الاقتناء والاشباع , حتى يصبح واضحا, أن الخوف

من الجوع استحال الى قيمة تتحكم في سلوكنا ومشاعرنا ..الجوع يتحول هكذا الى المحور الذي تنهض فيه الأحاسيس, المشاعر التي تتحكم في سلوكنا حتى الممات

..

.. اذدهرت تجارة جلابي اذن , ومضى عهد ذلك الجوع نهائيا والى غير رجعة . هذا الازدهار اشعل في نفس ابي الرغبات القديمة المدفونة , وأعادها الى السطح مرة

اخرى , فأقام علاقته التي طبقت شهرتها الآفاق , تلك العلاقة الحميمة مع السرة , ذاك هو الوقت الذي كنت فيه قد يئست من علاقة الكر والفر بيني وبين أبنتها

ثريا , ولأنني كنت على شفا الدخول الى الجامعة اصبحت غير ميال , للحلول محل أبي في الدكان أثناء غيابه , الى أن انقطعت صلتي بجلابي تماما , فما عدت اذهب

الى الدكان الا للضرورة القصوى . لكن ما أطلقته ام التيمان من مارد في عروقي , دفعني لأرتياد بيت سلمى خير اللّه, الذي لم يكن يبعد عن منزلنا كثيرا .

فقد كانت سلمى خير الله قد أنفصلت من السكنى مع شقيقاتها , وسكنت لوحدها منذ جاءت من غربتها في الخليج وأستقرت نهائيا , هي التي دعتني بود لزيارتها ,

عندما التقينا صدفة في محطة المواصلات .

كانت ودودة معي , فتصورت في البدء انها ترغب في اقامة علاقة معي, شبيهة بتلك العلاقة التي ربطتني بام التيمان . لكن بمرور الوقت اتضح لي أنه لم يخطر

على بالها ابدا مثل هذا الأمر . فقد كانت على عكس ما يبدو عليها ,عفيفة وكثيرا ما أتصورها عندما تخطر على بالي كعذراء شقية , أو ذلك النوع من الحوريات

اللائي يخطفن الشباب من "قيف" البحر , عندما يقعن في غرامهم . لكن سرعان ما يعدن هؤلاء الشباب الى حافة الحلم مرة اخرى . لينزلقوا بهدؤ الى حيث بؤسهم

العريق . بعد أن تكون الحورية المزعومة قد تلاشت في أعماق النيل .

هكذا اذن لم أستطع التفكير ولا مرة واحدة في سلمى خير الله دون ان تكون مقرونة بخاطر أسطوري غير مكتمل التخليق .

ابرز ما استطيع الجزم به الآن عنها ,أنها لم تكن لديها فكرة واضحة عما تريد أو ترغب به . كنت أجيء الى بيتها في الامسيات . وأتسامر معها ساعة او ساعتين

, ثم اغشى في طريق عودتي الى المنزل, صديقي اللدود حسن الذي كنت أحرص على الا يعلم شيئا ,عن علاقتي بها , فقد كنت أتحفظ معه حول كثير من الأشياء , التي

أخذت اعتبرها أسرارا مقدسة لي ,وحدي فحسب . وكان هذا الموقف بسبب ما تسرب اليّ (قبل زمن طويل من عبده الخال, عن حكايا حسن في المدينة الريفية عن ثريا

ومزاعمه بأنه خاض معها كثير من المغامرات من وراء ظهري ) ولأنني كنت أدرك جيدا, أن حسن نوع غريب من البشر . يحب تلفيق المغامرات , واضفاء منطق مدهش على

الأكاذيب, التي تشكّل جلّ حكاياه , حتى في حكاياته عن تجاربه الحقيقية الحقيرة . يضطر الى سرد نوع من الأكاذيب المفضوحة , اذ لا يحكي سوى أنصاف وأرباع

الحقائق, ويعمد الى تضخيم الوقائع الاحداث وتصعيدها, على نحو فانتازي يصعب تصديقه .

كان حسن خصب الخيال ,الى درجة أن كل زملائنا كانوا يتنبؤن له بمستقبل خيالي مشرق , وكنت ادرك ,انه يحاول ان يعوض نفسيا أحساسه بالانتماء لأسرة مدقعة الفقر

, لطالما كرهها . فأخوته العشرة الذين يعتبر هو خاتمة عنقودهم . لم يكملوا تعليمهم ,وعطالى عن العمل , تفرق بعضهم داخل وخارج البلاد الكبيرة , كما أن

والده يسكن مع أبناءه الآخرين من زوجة اخرى , في مدينة ريفية أخرى . فوجدت ام حسن رغم تقدمها في السن ,نفسها مضطرة للعمل في الحواشات, حتى تتمكن من أن

تعول هذه الأفواه, بسبب كل ذلك كان حسن كذابا كبيرا . يحاول اشباع غروره الذكوري ,كنوع من التعويض النفسي في جوانب حياته الأخرى .

حكى لي ذات مرة ,ان ست ذكية الأرملة مديرة المدرسة قد استدعته , وكانت ست ذكية قد أشتهرت في أنحاء المدينة وضواحيها , بعلاقاتها المتعددة, حتى انني بعد

وقت طويل جدا, وكنا وقتها قد رحلنا الى حاضرة البلاد الكبيرة (عندما جئت لأداء خدمتي الوطنية في المدينة الريفية بعد التخرج من الجامعة , زارني أحد أصدقائي

المدرسين ,الذي كان بالأساس رفيقا لي أيام كنت حزبيا مغيبا , فأصبحنا أصدقاء بعد أن تركنا الحزب ,

طرق على هذا الصديق (الاستاذ عادل ) باب بيتنا, الذي كنت قد أخليته وقتها من المؤجرين :

-عندي زولة عايز أدخلها ..

-تفضل .

دخل تتبعه ست ذكية فاستأذنت في الخروج . كانت ست ذكية قد فوجئت بي . فقد كانت مدرستي في الابتدائية المختلطة, وكنت أحد تلامذتها , الذين كانت توليهم

أهتماما كبيرا . وبعد أن عملت حكومة الجنجويدي على تطبيق نظام الفصل بين الجنسين, فلم تعد هناك مدارس مختلطة . كلفت ست ذكية بادارة مدرسة ,في احدى ضواحي

المدينة الريفية , حتى هذه المساء, كنت أعتبر أن امر علاقاتها المتعددة محض شائعات (بعد ذلك قلت لعادل :

- أنها أستاذتي . أنت لم تخبرني لاخلي المنزل حتى لا تحرج من رؤيتي ..

فأكد لي انها لم تتعرف علي . مع انني كنت واثقا انها تعرفت علي . خاصة أنني كنت أزورها باستمرار فيما مضى . وصلتي بها لم تنقطع الا بعد وقت طويل ) ..

زعم حسن أنه كان يمارس الجنس معها, وأخذ يصف لقائهما بالحركات والتأوهات , وكيف أن قضيبه بعد عدد من المرات قذف دما ..

بعد أيام حكاية حسن , أخبرني عبده الخال ,أمين اسراره أن كل ما حكاه , محض اكاذيب , فقد سمع الشائعات عن ست ذكية, التي كان قد تعرف عليها بواسطة عبده

الخال نفسه , الذي كان(الخال) قد ربطته بها علاقة حميمة, وقررحسن التقرب منها ,من خلف ظهره ,فحسمته وطردته شر طردة . فأخذ يحكي عنها هذه الأكاذيب . ولذلك

خطر لي ان حسن لم ُيقم أي علاقة مع ثريا , لكنني لا أستبعد أنه كان يلتقيها, ويحكي لها عني ما ينفرّها مني ,ويجعلها تمارس تجاهي ذلك السلوك العجيب , الذي

لم أستطع فهمه على الاطلاق .

كبيرة هي شبكة الروايات الشفاهية, التي تعرفت خلالها ,على الجوانب الخفيّة, والمظلمة فيمن إحتكيت بهم لفترة طويلة من حياتي . مع ذلك لم أثق بها تماما

. وان كنت كثيرا ما أعتمدها كعوامل مكملة لما اقف عليه من حقائق , غير قابلة للدّحض . هذا هو منهجي الآن فيما أجريه من مراجعات ,لوقائع وأحداث جلابي ود

عربي .. هؤلاء الشخوص الذين كنت ارى فيهم . كل الشخوص الذين عبروا على مجتمعات البلاد الكبيرة, عبر تاريخها المظلم المديد , فصنعوا حقبها المختلفة , بافراحها

واحزانها . مراثيها وامجادها في آن .. دون أن يتعرف عليهم احد من المؤرخين أو يهتم بهم .

فالمؤرخين اهتموا فقط للأثر ,الذي خلّفه الافراد من أبناء جلابي ,الذين تقلدوا مواقع السلطة الثقافية او السياسية واصبحوا مهمين , ولذلك ركزوا دوما على

دراسة الفرد . فالتاريخ بالنسبة لهم سجل لبطولات الافراد العباقرة, الذين يحركون الاحداث باطراف أصابعهم , وهكذا يهملون أو يتجاهلون دور البسطاء من جلابي,

في صناعة الثورات وصياغة الاحداث . ويذهبون الى أن اهمال دور الفرد في التاريخ ,او التقليل من شأنه يتعارض مع وقائع الاحداث ,التي صنعها بالفعل القادة

.

ولا أحد يختلف معهم في ان هذا التقليل ,والأهمال لدور الفرد يخالف الواقع , ولكن التركيز المطلق على دوره, يخالف ايضا واقعا آخر .. فالتركيز على دور

فرد ما مثل حسان جداد أو لاكو لادو , أو مجموعة من المجموعات التي سكنت جلابي, في مراحل مختلفة. منذ ايام كان اسمها ساور المقدسة , في التأثير على ظاهرة

تاريخية معينة , ليس هو المنهج الذي يمكن الاعتماد عليه, في رؤية ظواهر التاريخ التي كشفت عنها جلابي .

فهذا التركيز بفضل عشرات العوامل المعقدة , التي أثرت على الظاهرة , وتحصر المسألة في جوانب فرعية مهما كان تأثيرها , فانها لا تستطيع أن تؤثر في الظاهرة

التاريخية ,تأثيرا ينقلها من النقيض الى النقيض .

المؤرخين الذي شدتهم حكايا جلابي, سلطوا الضؤ على بعض الافراد الطائفيين, كود الخزين ومحمد أحمد ود مستورة وود الباهي أو أبو لكيلك الجنجويدي نفسه ,

ومجدوا بذلك ذاتية هؤلاء الأفراد غير المهمين, ولذلك عندما تخطر حكايا جلابي في ذهني الآن, لا أرى سوى الجماهير الغفيرة , التي تعاقبت عليها , عبر مراحل

التاريخ المختلفة .. هذه الجماهير التي مثلها كسبان الضاوي ومزيد الحلبي والسرة وام التيمان ( وقبل كل هؤلاء بولدين وسورنق وأسلافهما في ساورا وممالك

جلابي الغابرة) هؤلاء العباقرة الذين لولاهم , لما كان لجلابي وجود . ولما أهتم بها أحد من المؤرخين . الذين أعدوا رسائل الدكتوراه والماجستير, وكل ماهو

من قبيل الدراسات العليا فقط, في جلابي كبوتقة .

منهم من كتب عنها محتفيا بدور الفرد, الى درجة أن واحدة من هذه الرسائل المثيرة للغثيان, ذهبت للبحث في العوامل الذاتية التي فجرت طاقات جداد , وذهبت

اخرى للبحث عن الاسباب الداخلية والخارجية لحريق جلابي..

وناقش أحد طلبة الماجستير باستماتة , إستنتاجاته النظرية التاريخية ,حول الدور البارز للقائد لاكو لادو في تطوير جلابي ؟ وهكذا ذهب آخرين للحديث عن السياسات

الجنجويدية , ممثلة في الممارسات الجائرة لتنظيم القرى ومعالجة السكن الاضطراري, بينما هي في واقع الامر مجرد سياسات غير ايجابية, ولا علاقة لها بالتاريخ

الذي يصنعه الشعب في جلابي .. ظانين أنها تمثل التاريخ الحقيقي لجلابي ..

وما كانت هذه الرسائل الا خطوة أخرى, في مصادرة تاريخ جلابي ود عربي, وتكريس لآيديولوجيا التفوق الذاتية .. آيديولوجيا الفردالمسيطر الخالد أبدا !!..

.. من حافة الحلم . عند أقصى زوايا الخاطر , يقفز أبكر, خارجا من الدوائر المتموجة للبخور . لم تكن ثمة رواية مؤكدة يمكن الاعتماد عليها , في اضاءة الحياة

السرّية ,التي ظل بعيشها في جلابي , الى أن اختفى هو وبيته ,في لحظة حصار غاشمة . لم تكن ثمة رواية مؤكدة, يمكن الاعتماد عليها, في اضاءة الحياة السرية

,التي ظل يعيشها كآدمو أو كأبكر , حتى تلك اللحظة , ذات صباح كئيب, مشبع برائحة الرطوبة والبارود والبرد, الذي لم يثلّج أطراف الناس فحسب , بل ثلّج كل

البيوت في جلابي , التي صدمت ذلك اليوم ودخلت في لجج الهلع والخوف , وهي ترى أبكر يرمى أمامها بالرصاص تحت عود المشنقة ..

مع أن أبكر ظل منسيا كمعلم بارز في ذاكرة الحكي اليومي , الا أن لا أحد ممن عاصروا لحظة حلوله بجلابي , كيف أنتصب بيته لوحده باشارة من يده فقط.

جاء أبكر للمرة الأولى, وأقام ثلاثة أيام في العراء , رافضا تلبية استضافة الأهالي في بيوتهم .. مضى في صبيحة اليوم الرابع الى سوق جلابي, لشراء مواد

بناء للبيت الذي أزمع تشييده . كوّم البائع أمامه كل ما طلبه: من حصير وقش وقنا وحطب , وعندما أحضر الكارو, كان المكان خاليا من أبكر ومواد بناءه !..

سأل جيرانه من باعة مواد البناء , فأكدوا أنهم لم يروا زبونه المزعوم, ولم يروا عربة كارو تحمل مواد بناء, وفي الواقع لم يروا شيئا على الاطلاق, من اي

نوع كان. فكل ما يعبر بهم لهو من الوضوح ,بحيث يشعرون به حتى لو غضوا النظر !!..

رأى الناس أبكر يقف في طرف البلدة ,وقد تكوّمت أمامه مواد البناء , رفع يده اليمنى فانتصبت "قطية" غريبة التصميم في الهواء, قبل أن تستقر على الأرض ..

مضي بتؤدة الى داخل القطية .أشعل فيها النار والناس يراقبون مدهوشين .. أتتت النار على القطية والناس يتسآلون : لماذا أنتحر الرجل حرقا ؟ .. لكنهم فوجئوا

به يخرج من القطية حيا ,لاشيء من الحروق عليه سوى رماد ثيابه ,التي كانت قد أحترقت, ولا يزال رمادها يغطيه, بعد .كأنه ثوب وليس رماد. ثوب ؟!!..

تراجع الناس خائفين , تبقى منهم قلائل ينظرون لأبكر ,الذي رفع يده اليسرى فتساقط الرماد منها وأصبحت عارية , فانتصبت قطية أخرى من قلب الرماد , غريبة

الشكل لم يروا مثلها من قبل . اذ تجلى في تصميمها كل شكل منسي من الأشكال الهندسية الغامضة .. كانت قطية جميلة توسطت سورا من شوك المسكيت الجاف .

ومنذ تلك اللحظة أخذ الأهالي يتعاملون مع أبكر كساحر كبير , وأخذوا يمنون أنفسهم الأماني , وأجتهدوا في التقرب اليه . الا أنه كان من الواضح أن أبكر لا

يرغب في أي نوع من العلاقات الخاصة , تربطه بأي شخص من اهالي جلابي .

تلك الحادثة المذهلة .المتعلقة ببناء أبكر لقطيته, ظلت حديث الأهالي ,الذين أخذوا يتناقلونها جيلا عن جيل, في اللحظات التي تحتج فيها شخصية أبكر, على

سقوطها عن ذاكرة الحكي اليومي, متشبثة بتلابيب الذاكرة الباطنة ..

ورغم سقوط أبكر عن ذاكرة الحكي اليومي ,الا أن حكايته أنتشرت خارج جلابي, فوصلت أسماع النساء والرجال في المدينة الريفية , والمدن المجاورة , وأخذت الفداديات

يذهبن لأبكر, ليكتب لهن الحجبات التي تحميهن من "الكشة" ,او التي تجلب اليهن الرزق . بل والمرشحين في الانتخابات المغشوشة ,للمجالس البلدية , كانوا يحضرون

منكسرين, الى منزل أبكر ,كي يكتب لهم حتى يتمكنوا من الفوز , وهكذا تمددت سمعة أبكر, في كل أنحاء البلاد الكبيرة ..

لم تكن لأبكر علاقة سوى بشخصين , اصطفاهما من دون كل الأهالي : هما كسبان الضاوي وجمال الحلّة .. وربما كان ذلك لأن كسبان (رجل في حاله) اشبه بالمجاذيب

, اذ يكون في لحظة واعيا ومدركا (مثل تلك اللحظات التي كان ينوّر فيها الأهالي, بأهمية الحشيش والبنقو ) وفي لحظات أخرى ,يكون غير عالم بأي شيء يجري حوله

, سابحا في ملكوت بعيد عن عالم جلابي .. وجمال الحلة ربما لأنه قريب الشبه في أحواله من كسبان , قرّبه ذلك من أبكر , فقد كان بركة يعتقد فيه الأهالي ,

الى درجة أنهم صوروه ,وعلقوا صوره في دكاكينهم وبيوتهم لتجلب لهم الرزق ..

وفكرة البركة التي يعتقدها أهالي جلابي, لا أحد يدري على وجه التدقيق, كيف نشأت في أذهانهم . فالرجل لم تكن له كرامة واضحة, كعبد الرحمن العوير مثلا ,

عندما رفع يديه فأحترق بيت أم التيمان ..

اذن باستثناء كسبان الضأوي وجمال الحلة, وزبائنه من الجنسين , لم يكن أبكر يسمح لأحد بدخول بيته . ولذلك عندما أعلن حسان جداد حملته الانتقامية ضد ابكر

المعراقي , كان كسبان وجمال هما اللذان تصديا لهذه الحملة الشرسة .

ثمة علاقة محتملة بين أبكر ومزيد الحلبي , لكنها غير مؤكدة ,فالبعض يقول بها والبعض الآخر ينفيها..

الحاشية الأولى:( وثيقة مصورة رقم 23)(*)

images/clip_image

لا وطن في الحنين...