-2-
دخلت الوصيفة" محيت" مندفعة علي الملكة "عنخ تاوى" وهي في غاية الانزعاج والرعب يبدو علي وجهها والكلمات تتدافع في فمها فلا تكاد تبين ، لكن الملكة التي كانت تعيش حالة من القلق والخوف قدرت أن ثمة كارثة توشك أن تقع ، وأن هذه الكارثة لابد وأنها تتعلق بحملها الذي تحمله وتوشك أن تضعه خلال أيام أو ربما تكون ساعات قليلة، فغاص قلبها بين جنبيها وجحظت عيناها ولم تقو حتى علي السؤال عما حدث أو علي وشك الحدوث ..
كانت" محيت" أكثر من وصيفة بالنسبة للملكة حتى أنها كانت تصفها أمام المقربين لها بالصديقة المُحِبَّة ، فهما متقاربتان في السن ، ارتوي جسداهما معاً من ثدي واحد هو ثدي أم" محيت" التي تعمل مرضعة بالقصر ، وعاشتا طفولتهما معاً تلهوان سويا في حديقة القصر، وتتسابقان في طرقاته الترابية الناعمة ، وتسبحان في بحيرة القصر، بل وأحياناً كانتا تأكلان معاً تنفيذاً لرغبة "عنخ تاوي "، ولما كبرت "عنخ تاوي" تزوجت من "شبسسكاف" الذي كانت تحبه رغم فارق السن بينهما ورغم أنه كان عازفاً عن العرش ، كما تزوجت محيت من أحد ضباط حرس" شبسسكاف بتدبير من "عنخ تاوي" حتى تظل بجانبها دائماً ..
سـ.. سيدتي ..سيدتي "عنخ تاوي ".. إنهم .. إنهم يزمعون قتله .. إن.. إن جاء ولد يا سيدتي .. إن جاء المولود ولداً فسيقتلونه يا سيدتي .. يا إلهي ..ماذا نفعل آه .. تذكرت .. لا يوجد غيره يمكن أن يساعدنا .. نعم .. سوف أذهب إليه ولو كان في أقصي الجنوب .. سوف أذهب إليه ..
وانطلقت المرأة دون أن تسمع رداً أو حتى تستأذن سيدتها التي مدت ذراعيها في اتجاهها ودموعها تسيل دون انقطاع وهي ترجوها بصوت واهن ..
لا تتركيني وحدي يا" مجيت ".. لا تتركيني ..
لكن" محيت" كانت قد انطلقت كالسهم لا تلوي علي شيء بحثاً عن زوجها الضابط فاصطدمت بكتلة من الحرس خارجة من قاعة العرش وبينهم شخص يبدو مريضاً أو ميتاً لم تهتم ، تفرست في الجمع أمامها فلمحت زوجها ، انطلقت إليه وجذبته بشدة من ملابسه ، نظر إليها شذراً وكاد أن يلكمها ، لكنها صرخت به :
أنقذنا .. أنقذنا يا" منتو" .. أنقذ الملكة يا" منتو" ..
ما بك يا امرأة ؟ ألا ترين ما نحن فيه .. ماذا تريدين ..؟
أقول لك إن الملكة في خطر داهم .. ولابد أن ننقذها في الحال..
الملكة !؟ يا للعجب .. الملك والملكة ! في ساعة واحدة ..! يا للآلهة القاسية ..
ماذا تعني بالملك والملكة ؟ هل هذا هو الملك ؟ هل مات..؟
سألته صارخة وهي تجره بشدة في اتجاه مخدع الملكة وتواصل كلامها وقد خفضت من صوتها خشية أن يسمعها أحد من الخدم ..
إنهم يتآمرون علي قتل الطفل إذا كان ولداً .. وعلينا أن نجد طريقة لإنقاذه ، فربما يأتي ولد بالفعل .. هل كنت تقول أن الملك مات ؟ يا له من يوم ! يموت يوم ولادة ابنه .. !؟ يا له من يوم .. يجب أن تجد طريقة لإنقاذ المولود.. يجب
كانا تقريباً يركضان بين الدهاليز والطرقات ، ومنتو لا يعرف ماذا يراد منه بالضبط لذا توقف فجأة والتفت إلي امرأته قائلاً ..
كفي عن الثرثرة والكلام ، لقد فهمت ما تريدين ، اذهبي أنت وامكثي بجانب الملكة وسوف أوافيكم بعد أن أدبر أمري .. هل فهمت ؟
وانطلقت" محيت" مسرعة إلي مخدع الملكة وهي تكلم نفسها " سوف يجد طريقة لإنقاذ المولود ، إن منتو شجاع وحسن التصرف ، نعم سيجد طريقة ، إنه زوجي وأنا أعرفه جيداً .. يا له من يوم حزين .. الملك يموت في يوم كهذا ! يموت دون أن يري ولده ! .. هذا إن كان ولدا.. وربما يكون المولود بنتاً كسابقتيها .. ربما .. لكن قلبي يقول لي أنه سيكون ولدا " ، وهنا كانت قد وصلت إلي مخدع الملكة التي كانت حالتها قد ساءت إلي حد كبير ، فطمأنتها وأكدت لها أنها ستكون بخير وأمان ولن يصيبها مكروه ، وتحولت نظرات اللوم في عيني الملكة إلي نظرات امتنان وشكر وعرفان وهدأت نفسها قليلاً ، تنهدت الملكة طويلاً ونظرت إلي محيت متسائلة عن أخبار الملك ولماذا لم يطل عليها منذ صباح اليوم ، وعندئذٍ تلعثمت محيت ولم تعرف بم ترد .. هل تنقل لها ما شاهدته منذ قليل ؟ أم تتركها الآن ثم تخبرها في الوقت المناسب ؟ وحسمت رأيها بسرعة فردت قائلة..
- يا مولاتي .. إن الملك مشغول جداً اليوم كما يبدو .. لكن دعينا نفكر ماذا سنفعل لإنقاذ المولود .. إن قلبي يحدثني يا مولاتي بأنه سيكون ولداً .. أنا علي يقين من هذا .. ومولاتي .. بم تشعر ؟
توجعت الملكة قائلة..
- أشعر بأنني سوف ألد اليوم أو الساعة ، هذا الحمل يا محيت لم أعهده من قبل ، الألم لا يطاق يا" محيت "، ليس كالمرات السابقة ..
حاولت" محيت" أن تغتصب ابتسامة رغم ما بها من أحزان لتخفف عنها وتضاحكت
ألم أقل لك يا مولاتي ، هذا لأنه ولد ، إن حمل الأولاد يختلف عن حمل البنات ، هذا ما قاله الأقدمون ، وتعلمناه عن أمهاتنا وجداتنا ..
وظلت تحاول التسرية عنها ، فأخذت تستعيد معها ذكريات الأيام الخالية الجميلة ، وبين الحين والحين تخرج لتلقي نظرة في الخارج ، فهي تنتظر عودة" منتو" من ناحية ومن ناحية أخري تطمئن حتى لا يصل الملكة خبر مرض أو موت الملك ، وأخيراًً وصل " منتو" كما وعد ، انتظر حتى واتته الفرصة فتسلل إلي مخدع الملكة، طرق الباب برفق ، فخرجت له محيت بلهفة ولم يدع لها فرصة للكلام والثرثرة فقد ألقي إليها بتعليمات محددة وبسرعة ، أمرها بأن تخرج بالملكة من باب القصر الخلفي مع حلول الليل إلي بيته الواقع علي شاطئ النهر وشدد عليها بألا يراهما أحد وتقيما هناك حتى تلد الملكة ريثما يبحث عن أسرة تأوي المولود حتى تستقر الأمور، وقبل أن تهم بالكلام مد يده فسد فمها قائلاً بحزم ..
نفذي ما أمرتك به بحذافيره وإلاّ ........
وتركها وانطلق مسرعاً إلي حيث كان الطبيب ومساعدوه يحاولون إنقاذ حياة الملك حتى لا يشعر أحد بغيابه فيشك في الأمر .
كان الليل قد بدأ يرخي سدوله علي القصر الحزين وما إن شاع خبر مرض الملك الشديد وعدم قدرته علي الحركة حتى ساد هرج ومرج واختلطت الأصوات ولم يعد أحد يدري ماذا سوف يحدث ، وكانت الفرصة مهيأة" لمحيت" كي تهرب من القصر بأمان ودون أن يحس بها أحد ، ولكي لا تسأل الملكة عن شيء أخذت تحثها علي الإسراع قبل أن ينتبه إليهما أحد من الخدم أو الحراس، ووصلتا ‘إلي البيت بسلام وإمعاناً في التخفي لم تشأ "محيت" أن توقد المشعل ، وأخذت الملكة التي بدأت حالتها تسوء إلي حجرة مريحة فأضجعتها علي الفراش وراحت تعد لها شيئاً من الطعام ، ثم
انصرفت لإعداد ما يلزم استعداداً للوضع الذي بات متوقعاً الليلة أو علي أكثر تقدير في اليوم التالي ..
وفي الفجر سمعت" محيت" طرقاً خفيفاً علي الباب فاتجهت إليه بحذر ، نظرت من كوة ضيقة فأبصرت زوجها" منتو" ، فتحت الباب بهدوء فدخل ، ولما طالعت وجهه وأبصرت مظاهر الإعياء والإجهاد عليه شهقت شهقة مكتومة ، وقبل أن تتفوه بكلمة بادرها قائلاً ..
اسمعيني جيداً .. لقد جئت فقط لأطمئن عليكما فليس لدي وقت ، لقد مات الملك والأحوال في غاية الإضطراب ولا أحد يعلم ماذا سيحدث ، ولقد أحسنت صنعاً بإبعاد الملكة .. كيف حالها الآن..؟
لقد وضعت منذ حوالي ساعة ، وضعت ولداً جميلاً كالقمر، وقوياً كالثور وحالتها مطمئنة للغاية ، لكنها قلقة علي الملك وأنا لم أخبرها بموته أو مرضه فلم أكن أعلم شيئاً علي وجه اليقين ..
لا بأس ، يمكنك الآن أن تخبريها ، فلن يظل الأمر سراً بعد الآن ، سوف أعود الآن إلي القصر حتى لا يشعر أحد بشيء ، يجب أن تظل الملكة بعيدة عن الأنظار لعدة أيام فقد بدأ البعض يسألون عنها بعد أن اكتشفوا اختفائها لكن لحسن الحظ لم يكن السؤال ملحاً ، فلتبقي هنا حتى تسترد عافيتها ، وأكون أنا قد تدبرت أمري ..
واستدار لينصرف فأمسكت محيت به من ثيابه قائلة..
ألن تأكل شيئاً .. أنت بالتأكيد لم تذق طعاماً منذ الأمس ..
جذب ثيابه من بين يديها وانطلق دون أن يرد..