الجزء الثالث
كان خوفينال أُورْبينو العازب المرغوب وهو في الثامنة والعشرين قد عاد من إقامة طويلة في باريس حيث أجرى دراسات عُلْيا في الطب والجراحة ، منذ نزوله الى البر قدَّم أدلة قاهرة على أنه لم يضيع لحظة واحدة من وقته ، لقد رجع أكثر تجمُلاً مما كان عليه عند ذهابه ، وأكثر تحكُماً بطبائعِه ، ولم يكن أياً من زملاء جيله لِيبدو أكثر صرامة منه وأكثر معرفة بِعِلومه ، كما لم يكن أي منهم لِيرقص خيرا منه على الموسيقى الدارجة أو يَعزف راجلا أفضل منه على البيانو ، وكانت فتيات وسطه الاجتماعي المفتونات بمحاسنه الشخصية والمتيقنات من ثروته العائلية يقترعن سراً لِيلعبن أيهن ستبقى معه ، وكان هو كذلك يلعب للبقاء معهن ، لكنه تمكن من الحفاظ على نفسه في حالة المَلاحة صحيحاً ومغرياً الى أنْ سقط دون مقاومة أمام مفاتن فرْمينا داثَاالعامية .
كان يحب أن يقول أن ذلك الحب هو ثمرة تشخيص طبي خاطئ ، ولم يكن لِيصدق أن ذلك قد حدث خصوصاً في تلك الفترة من حياته حيث كان كل احتياطيه من الهوى مُنصبّاً على مصير مدينته التي كثيرا ما قال عنها دون تردُد : أنه لا مثيل لها في العالم .
ففي باريس وفيما هو يتنزه مُمسِكاً بذراع خطيبة عرَضية في خريف متأخر كان يرى أنه من المستحيل تخيُل سعادة أكثر صفاءً من سعادة تلك الأمسيات الذهبية الباريسية المختلطة بِرَوائح حبات الكسْتناء الجبلية فوق مواقد الجمر وأنغام الأوكورديونات الخافتة والعُشاق الذين لا يرتوون من قُبلات متصلة لا تنتهي على الشُرفات المفتوحة ، ورغم ذلك فقد قال هو نفسه ويده على قلبه : أنه غير مستعد لاستبدال هذا كله بلحظة واحدة من لحظات موطنه الكاريبي في نيسان .
كان ما يزال شاباً لا يعرف أن ذاكرة القلب تمحو كل الذكريات السيئة وتضخم الذكريات الطيبة ، وأننا بفضل هذه الخدعة نتمكن من احتمال الماضي ، ولكنه حين عاد ورأى من شُرْفة السفينة راية الحي الاستعماري البيضاء وطيور الرخمة الجاثمة فوق السطوح وملابس الفقراء المنشورة لتجف على الشُرُفات ، حينئذٍأدرك فقط الى أي حد كان ضحية سهلة لأحابيل الحنين الخادعة .
شقت السفينة طريقا لها في الخليج عبر فرشة طافية من الحيوانات الغارقة ، والتجأ معظم المُسافرين الى القُمُرات هرباً من الرائحة النتنة ، .
نزل الطبيب الشاب من السفينة على جسر المرور الصغير مرتدياً بدلة كاملة من الألبِكة مع صدرية وواقية من الغُبار بِلِحْية كَلِحْية باستور شاب وشَعر مفروق من وسطه بفرق واضح وشاحب وبسيطرة كافية لإخفاء عُقْدَة الحنجرة التي لم يكن سببها الحزن وإنما الرعب .
كان الميناء شبه خاوٍ يحرسه جنود حُفاة بلا زي عسكري ، وكانت شقيقتاه وأمه ينتظرن برفقة أَحب أصدقائه إليه ، وجدهم شاحبِين وبِلَا مستقبل رغم مظهرهم الدنيوي ، وكانوا يتحدثون عن الأزمة وعن الحرب الأهلية كأمر بعيد وغريب ، ولكن أصواتهم جميعا كانت تشي برَعْشَة مُراوِغة وحدقات عيونهم بلمعة يقين تخونكلماتهم ، وكانت أمه هي أكثر من أثار أشجانه ، تلك المرأة التي فرضت نفسها على الحياة وهي لا تزال فتية بأناقتها واندفاعها الاجتماعي ، يراها الآن تذْوي على نار هادئة وسط روائح الكافور التي تعْبق من ملابسها كأرملة ، ولا بد أنها رأت نفسها في اضطراب ابنها فسارعت تسأله وكأنها تُدافع عن نفسها : لماذا هو عائد بهذه البشرة الشفافة كالبرفان ؟
وقال لها : إنها الحياة يا أُمّاه ، فالمرء يتحول أخضر في باريس .
بعد ذلك وفيما هو الى جانبها يغرق في حَر العربة المغلقة لم يعُد يحتمل قسوة الواقع الذي يَنْفُذ إليه غلياناً من النافذة .
كان البحر يبدو وكأنه من رماد ، وقصور النبلاء القديمة كانت على وشك الانهيار أمام تكاثر المتسولين ، وكان العثور على رائحة الياسمين اللاهبة فيما وراء أبخرة المجاريري المكشوفة مستحيلا ، كل شيء بدا له أضأل مما كان عليه عند ذهابه وأشد فقراً وكآبة ، وكانت هناك أعدادا كبيرة من الجرذان الجائعة في مزابل الشوارع تجعل حصانَي العربة يجفلان فزعَين ، وعلى امتداد الطريق الطويل من الميناء الى البيت في حي البيريس لم يجد ما هو جدير بمَشاعر الحنين التي كانت تملؤه .
رأى نفسه مهزوماً ، فأدار وجهه كي لا تراه أمه وأطلق لبكائه الصامت العنان .
لم يكن قصر الماركيز دي كاس ديلويرو القديم ومقر الإقامة التاريخي لِآل أُورْبينو دي لاتاييه بالقصر الذي ما زال يحتفظ بشموخه وسط الانهيار ، وقد اكتشف الدكتور خوفينال أُورْبينو ذلك وقلبه يتفتت مُذ عبر الدهليز المظلم ورأى نافورة الحديقة الداخلية المُغْبرة والأعشاب البرية التي بلا أزهار تعيث بها السحالي ، وانتبه الى نقص عدد كبير من بلاط المرمر ،إضافة الى تهشم عدد من درجات السلم الرخامية الفسيح ذي الدربْزين النُحاسي الذي يقود الى الحجرات الرئيسية .
لقد مات والده الذي كان طبيباً متفانياً أكثر منه عالِماً في جائحة الكوليرا الآسيوية التي مَحقت السكان منذ ستة سنوات ومعه ماتت روح البيت ، فدونيا بلَانكَا الأُم المختنقة بحداد أبَدي استبدلت السهرات الغنائية والحفلات الموسيقةي بصلوات مسائية يومية لذكرى الزوج المتوفى ، وتحولت الشقيقتان رغم طبيعَتَيهما ومَيلِهما الاحتفالي الى وقود للدَير .
لم يغفُ الدكتور أُورْبينو لحظة واحدة في ليلة وصوله مُرتعباً من الظلمة والصمت وردد صلاة الروح القُدُس بعدد ثلاث سَبْحات وذلك كل الصلوات التي يَذكرها لِدرء الرزايا والانهيارات وأنواع المصائب الليلية الأخرى ، فيما دخل كرَوان الى حجرة النوم من النافذة غير المُحكمة وأخذ يَصدَح كل ساعة عند تمام الساعة بالضبط ، وعذبته صرخات الهذيان التي تُطلقها المجنونات في مستشفى الراعية الإلهية للمجاذيب ، والقطرة عديمة الرحمة التي ترْشَح من الجَرة الفُخارية الى الجَفْنَة ويملأ صداها جو البيت ، وخطوات الكَروان الطويلة التائهة في حجرة النوم ، وخوفه الخَلْقي من الظلمة والحضور اللامرئي للأب الميت في البيت الرَحْب الهاجع .
عندما صَدَح الكَروان في الساعة السادسة مُرافِقاً بذلك ديكة الجوار أسلم الدكتور أُورْبينو نفسه جسدا وروحاً الى كنف العناية الإلهية لأنه لم يعُد يشعر بالحماس للحياة يوماً آخر في وطنه المُنهار أنقاضاً ، لكن عطف ذويه وأيام الآحاد الريفية وتملقات عازبات طبقته الجشعة خففت كلها من مرارة الوهلة الأولى ، وأخذ يَعتاد شيئا فشيئا على قيظ تشرين الأول وعلى الروائح الحادة وعلى آراء أصدقائه المبكرة : غدا نرى يا دكتور ، فلا تُبالي .
الى أن انتهى الى الاستسلام الى شَعوذة العادة ، ولم يتأخر الى وضع تبرير بسيط لخُذلانه .
وقال : إن هذه هي دنياه ، دنياه الكئيبة والجائرة التي منحه الرب إياها وهو مدين لها .
أول ما فعله هو الاستيلاء على عيادة أبيه ، احتفظ بالأثاث الإنجليزي نفسه في مكانه ، ذلك الأثاث الصلب والصارم الذي تتنهد أخشابه مع برودة الفجر ، لكنه بعث الى حجرة المُهملات مؤلفات العلوم من زمن الحكّام الاستعماريين وكُتب الطب الرومانطيقي ، ووضع في الخزائن ذات الواجهات الزجاجية كُتب المدْرسة الفرنسية ، وانتزع عن الجدران الرسوم الباهتَة باستثناء رسم الطبيب ينازع الموت مريضة عارية ، وقَسَم أبقراط المكتوب بحروف قوطية وعلق مكانها الى جانب شهادة والده الوحيدة الشهادات الكثيرة والمتنوعة التي نالها من مدارس أوربية مختلفة .
حاول أن يفرض معايير تجديدية في مستشفى الرحمة ، ولكن الأمر لم يكن بالبساطة التي ظنهَا وهو في اندفاع الشباب ، فبيت الطب القديم المُتمسك بخرافاته المَوروثة مثل وضع قوائم الأَسِرَّة في أوعية مليئة بالماء لمنع صعود الأمراض إليها أو المطالبة بارتداء ملابس الإتكيت وقُفازات الشاموَا في صالة الجِراحة ، إذ كان الاعتقاد السائد حينئذٍهو أن الأناقة شرط جوهري للتعقيم ، وما كانوا يطيقون تذوق الطبيب الشاب القادم حديثا بول المريض ليكتشف وجود السُكَّر أو استشهاده بآراء شارِك وتواتروسو كما لو كانا زميلاه في الحجرة ، وتحذيره الصارم في درْسِه من مَخاطر اللُّقاحات القاتلة وإيمانه مقابل ذلك إيماناً مُريباً بالاختراع الجديد المَدعوِ بالتحاميل .
لقد كان يتعثر بكل شيء ، روحه المُجدِدة ، تحضره الجُنوني ، وميله البطيء لفَهْم المزاح في أرض المزاح السرمدي ، وكانت جميع فضائله الملموسة تثير في الحقيقة حسد زملائه الكبار ، وسخرية المنافقين من الشباب .
كان وضع المدينة الصحي هو هاجسه الدائم ، فَلَجَأ الى أعلى المَراتب مُطالِباً بردْم المجاري المكشوفة منذ العهد الاستعماري والتي تُشكل مرتعاً رحباً للجْللجُرْذان ، وإقامة مجاري مغلقة بدلا منها لا تصب بقاياها في خليج السوق كما هو الحال منذ الأزَل وإنما في مَجمع نائٍ للفضلات .
كانت توجد في البيوت الاستعمارية حسنة التجهيز مراحيض ذات حُفَر عميقة تتخمر فيه الفضلات ، أما ثُلُثا الأهالي المُكدَّسين في أكواخ على ضفاف المستنقعات فكانوا يقضون حاجتهم في العراء ، فكان لبُراز يجف تحت الشمس متحولاً الى غُبار يتنفسه الجميع ببهجة فِصْحٍ مع نسمات كانون الباردة السعيدة .
لقد حاول الدكتور خوفينال أُورْبينو أن يفرض في المجلس الإداري إقامة دورة تأهيل إجبارية كي يتعلم الفقراء بناء مراحيضِهم الخاصة ، وناضل دون جدوى لوقف رمي النُفايات بين أشجار المانغلار التي تحولت منذ قرون الى مستودعات عُفونة ، ولجمع تلك النُفايات مرتين في الأسبوع على الأقل وإحراقها في مكان مهجور .
لقد كان واعياً لِشَرَك مياه الشرب القاتل ، لكن مجرد التفكير ببناء شبكة مائية كان يبدو فكرة خيالية ، لأن من يستطيعون دعمها كانوا يملكون آباراً تحت الأرض يخزنون فيها مياه أمطار سنوات عديدة تحت قِشدَة كثيفة من الاخضرار الطُحْلُبي ، ومن بين أبرز قِطَع أثاث تلك الحِقبة كانت خزائن تصفية الماء المصنوعة من خشب منقوش حيث تَقْطُر مَساماتها الحجرية لَيل نَهار في الخوابي ، ولمنع أياً كان من شرب الماء بطاسَة الألَمُنْيوم التي يُخرجون بها الماء كانوا يُسِنون حواف تلك الطاسة لتبدو وكأنها تاج ملِك المَساخِر .
كان الماء رائقا وبارداً في عتمة الفُخار ، يترُك طعما في الفم كطعم الزهر ، لكن الدكتور خوفينال أُورْبينو لم يكن لينساق وراء خُدع النقاء هذه لأنه يعرف أن قاع الخوابي رغم كل الاحتياطات كان هيكلاً لكل أنواع الدَوِبات .
لقد أمضى ساعات طفولته البطيئة وهو يتأملها باندهاش شبه صوفي ، مقتنعا مثل معظم الناس حينئذٍ أن الدَوِبات هي الأرواح وأنها مخلوقات ما ورائية ، وأنها قادرة على الإتيان بانتقامات حب حانقة .ط
لقد رأى وهو طفل خراب بيت لازاركوندي معلمة المدْرسة التي تجرأت على صد الأرواح ، ورأى نُتَف الزجاج المنثور في الشارع وأكوام الحجارة التي قُذِفَت طوال ثلاثة أيام وثلاث ليالي على النوافذ ، ولقد انقضى وقت طويل قبل أن يتعلم أن تلك الدَوِبات هي في الحقيقة يرقات ذباب الزَنكودو ، لكنه تعلم ذلك كي لا ينساه أبدا ، لأنه أدرك منذ ذلك الحين أن ليست الدَوِبات وحدها وإنما أرواح شريرة أخرى كثيرة قد تمر بسلام عبر مَصافينا الحجرية الساذجة .
لقد عُزِيَ فتْق كيس الخِصية خلال زمن طويل وبفخر شديد الى مياه آبار الجمع ، ذلك الفتْق الذي يَصبر على احتماله عدد كبير من رجال المدينة ليس دون خجل فحسب بل وبنوع من الكِبرياء الوطنية أيضا ، وعندما كان خوفينال أُورْبينو طفلا يذهب الى المدْرسة الابتدائية لم يكن يستطيع كبح اختلاجة الرعب لدى رؤيته المَفْتوقين وهم يجلسون أمام أبواب بيوتهم في الأمسيات الحارة ، ويُهَون بمروحة يدوية على الخِصية الضخمة كما لو كانت طفلا ينام بين أفخاذِهم ، وكان يُشاع أن الفتْق كان يحاكي تغريد عصفور حزين في الليالي العاصفة ، وأنه يتلوى بألم لا يُطاق حين يَحرقون قريباا منه ريش طائر رخمة ، لكن أحدا لم يكن يتذمر من تلك المحن ، لأن فتْقاً كبيرا ومحتملا بِصَبْر هو شرف للرجل قبل كل شيء .
عندما رجع الدكتور خوفينال أُورْبينو من أوربا كان يعرف جيدا التفسير العلمي لهذه المعتقدات ، ولكنها كانت متأصلة في الإيمان الخرافي المحلي الى حد دفع الكثيرين لمعارضة إغناء مياه الآبار بالمَعادن خوفا من أن ينزعوا منها خاصية تسبيب فتْق مُشَرِّف .
وكقلقه من تلوث المياه كان الدكتور خوفينال أُورْبينو قلقاً كذلك للحالة الصحية في السوق العام ، ذلك الامتداد الفسيح مقابل خليج لاس إينْماس حيث ترسو سفن جزر الأنتيل الشراعية ، والذي وصفه أحد الرحالة الشهيرين بأنه واحد من أكثر الأسواق غنى وتنوعاً في العالم ، وقد كان غنياً ووافرا وصاخباً حقا ، ولكنه ربما كذلك كان أكثر الأسواق مدعاةً للقلق ، كان يقوم فوق مزبلته ذاتها تحت رحمة أهواء البحر المرتفع حيث تَجَشُآت الخليج تُعيد الى اليابسة نُفايات المجاري ، وكانت تُرمى هناك فضلات المَسْلَخ المجاور من رؤوس مقطوعة وأحشاء متعفنة وروث رالحيوانات الطافي بهدوء تحت الشمس في مستنقع من الدماء ، وتأتي طيور الرخمة لتتنازع تلك الفضلات مع الجُرْذان والكلاب في ازدحام دائم وسط الغزلان وديوك سوتافينتو المخصية والمعلقة على أفاريز العنابر وخضروات أرخْونا الربيعية المعروضة فوق حُصَر على الأرض .
وكان الدكتور أُورْبينو يريد جعل المكان صحياً بنقل المَسْلَخ الى مكان آخر وتشييد سوق جديد مسقوف بِقباب من زجاج ملون كذا السوق الذي رآه في برشلونة حيث البضائع والمُأن زاهية ونظيفة حتى أن أَكْلَها يثير الحسرة .
ولكن هذا جعل أكثر أصدقائه مُجاملةًيضيقون ذرعا بأحلامه الخيالية ، فهم يقضون حياتهم متغنين بأصلِهِم المجيد وبمزايا المدينة التاريخية وقيمة آثارها الدينية وبطولتها وجمالها ، لكنه لا يرون سوس السنين التي ينخُرها .
أما الدكتور أُورْبينو بالمقابل الذي يُكِنُّ لها حُباً عظيماً يجعله يراها بعينَي الحقيقة فكان يقول : كم هي نبيلة هذه المدينة التي ما فَتِئَتْنا نحاول القضاء عليها منذ 400 سنة ولم نتوصل الى ذلك بعد .
ومع ذلك فقد كانوا على وشك القضاء عليها ، فوباء الكوليرا الذي سقطت أولى ضحاياه في مستنقعات السوق تسبب خلال أحد عشر أسبوعاً بأعلى نسبة وفيات في تاريخِنا .
كان بعض الموتى البارزين يُدفَنون تحت بلاط الكنائس الى جوار الأساقفة والمستشارين ، والآخرون الأقل ثراءً يُدفَنون في فِناء الأديرة ، أما الفقراء فيَمْضون بهم الى المقبرة الاستعمارية على الرابية التي تصفعها الرياح وتفصلها عن المدينة قناة مياه جافة ، لجسرها الطيني لوحة بمظلة نُحِت عليها بأمر أحد الحكّام المتبصرين .
في الأسبوعَين الأوليَين للكوليرا فاضت المقبرة ولم يكن هناك مكان للدفن في الكنائس رغم أنهم نقلوا الى مستودع العظام العام الرُفاة المتآكلة لعدد كبير من الأعيان الذين ضاعت أسماؤهم ، ولقد اختلط هواء الكاتدرائية بأبخرة سراديب الدفن الغير مُحكَمة الإغلاق مما اضطرهم الى عدم فتح أبواب الكاتدرائية إلا بعد ثلاث سنوات .
في الحقبة التي رأت فيها فرْمينا داثَا للمرة الأولى عن قرب فلورنْتينوأَريثَا في صلاة الفجر وامتلأ رواق سانتا كلارا بالقبور التي وصلت الى الممرات بين أشجار الحور في الأسبوع الثالث ، وكان لا بد من تحويل بُستان الدير الذي كان أوسع من الرواق بمرتَين الى مقبرة ، وحفروا هناك قبوراً عميقة لِيَدفنوا فيها على ثلاث مستويات على عجل وبِلَا توابيت ولكنهم اضطروا للتخلي عنها لأن الأرض الطافِحة أصبحت مثل إسفنجة تُرَشِح تحت وَطْء الأقدام دماً فاسدا كريه الرائحة ، عندئذٍ تقرر مُتابعة عمليات الدفن في لامانوديدويرس وهي مزرعة لتسمين الأبْقار على بُعد أقل من فَرْسَخ واحد عن المدينة ، والتي كُرِسَت فيما بعد باسم المقبرة الكونية .
مُذ أذيع بلاغ الكوليرا بدأ حصن الحامية المحليَة بإطلاق قذيفة مدفع كل ربع ساعة في الليل والنهار إيماناً بالخرافة الحضارية القائلة أن البارود يطهر الجو .
ولقد كانت الكوليرا أشد فتكاً بين السكان الزنوج لأنهم الأكثر عددا وفقْراً ، ولكنها في الحقيقة لم تكن تأخذ اللون أو الأصل بعين الاعتبار ، وتوقفت فجأة كما بدأت دون أن يُعرَف عدد ضحاياها ، ليس لأن حصرهم كان مستحيلا وإنما لأن إحدى فضائلنا السائدة هي الحِشْمَة أمام المصائب الخاصة .
لقد كان الدكتور ماركو أورْبيليو أُورْبينو والد خوفينال بطلاً مدنياً في تلك المرحلة المشؤومَة وأبرز ضحاياها أيضا ، فاستنادا الى قرار رسمي وضع الإستراتيجية الصحية وأشرف شخصياً على تنفيذها ، لكن مبادراته دفعته للتدخل في كل شؤون النظام الاجتماعي حتى صار يبدو في أحرج لحظات الوباء أنه لا وجود لسلطة فوق سلطته .وعندما رجع
وعندما راجع الدكتور خوفينال أُورْبينو بعد عدة سنوات وقائع تلك الأيام ثبت له أن منهج أبيه كان يعتمد على العاطفة أكثر من اعتماده على العلم ، وأنه كان مناقِضا للعقل في أحيان كثيرة وبهذا أفسح المجال واسعا أمام شراهة الوباء ، وتأكد له ذلك في عاطفة الأبناء الذين حولتهم الحياة شيئا فشيئا الى آباء لآباءهِم ، فتألم للمرة الأولى لأنه لم يكن الى جوار أبيه في عزلة أخطائه ، لكنه لم يتعرض لجدارة والده ، فبنشاطه وتفانيه وشجاعته الشخصية قبل كل شيء استحق التشريفات الكثيرة التي قُدِمت له عند تخلصت المدينة من الكارثة وبقي اسمه بجَدارة محفوظاً الى جانب أسماء أعداد من أبطال حروب أخرى أقل نُبلاً .
لم يعش ليرى مجده ، فعندما اكتشف في نفسه الاختلالات التي لا شفاء منها والتي عاينها ورقَّ لها في الآخرين لم يحاول حتى خوض معركة لا طائل منها ، وإنما ابتعد عن الجميع كي لا ينقل العدوى الى أحد ، وفي وحدته في إحدى الغرف في مستشفى الرحمة صامّاً أذنيه عن نداءات زملائه وتوسلات ذويه غير عابئ بهلع الموْبوئين المحتضِرين في الممرات الغاصَة ، كَتب لِزوجته وأبنائه رسالة حب محمومة ، يمتن فيها لأنه جاء الى الوجود ويكشف لهم كم أحب الحياة وبأي نهم أحس بذلك الحب ، كانت رسالة وداع في عشرين ورقة مؤثرة يبدو فيها تقدم المرض في اضطراب الكتابة ، ولم يكن ضروريا معرفة لمن كُتِبَت تلك الأوراق لإدراك أن التوقيع قد وُضِع عليها مع النفَس الأخير .
ووفقا لِمشيئته ضاع رماد جسده في المقبرة العامة دون أن يراه أحد من مُحبيه .
تلقى الدكتور خوفينال أُورْبينو برقية الإشعار بالوفاة بعد ثلاثة أيام في باريس أثناء تناوله العشاء مع أصدقائه ، فرفع نَخب شامبانيا لذكرى أبيه قائلا : لقد كان رجلا طيباً .
وكان عليه بعد ذلك أن يُؤَنِّب نفسه على قلة نضجه لأنه بذلك إنما تجنب الواقع لكي لا يبكي ، ثم تلقى بعد ثلاثة أسابيع نسخة من رسالة أبيه ، وحينئذٍ استسلم للواقع ، لقد انكشفت له دُفعة واحدة وبعمق صورة الرجل الذي عرفه قبل أي رجل سواه ، الذي ربّاه وعلمه والذي نام وزنى مع أمه طوال اثنتي وثلاثين سنَة والذي لم يكن يبدو له مع ذلك جسدا وروحاً قبل هذه الرسالة وذلك لمجرد الاستحياء وحده .
لقد كان الدكتور خوفينال أُورْبينو وعائلته حتى ذلك الحين يتصورون الموت محنة تصيب الآخرين ، آباء الآخرين وأشقاء الآخرين وأزواجهم ، لكنها لا تقرب ذويهم ، فهم ذوو حيوات بطيئة ، لا يبدو أن الشيخوخة تلحق بهم ولا المرض أو الموت كذلك ، وإنما هي حيوات تضمحل شيئا فشيئا في زمانها متحولة الى ذكريات وضباب زمن آخر ، الى أنْ يبتلعها النسيان .
لقد وضعته رسالة أبيه أكثر من البرقية الخبر المشؤوم وجهاً لوجه مع يقين الموت رغم أن إحدى أقدم ذكرياته حين كان في التاسعة وربما في الحاديةة عشرة هي نوع من المؤشر المُبكر الى الموت من خلال أبيه .
كانا وحيدَين في مكتب البيت في مَساء يوم ماطِر ، وكان يرسم قَبرات ودوار شمس بالطباشير على بلاط الأرضية فيما والده يقرأ مُوَلِياً ظهره لضوء النافذة وصدريته مفتوحة الأزرار وعلى كُمَي قميصِه أربطة مطاطية ، وفجأة قَطع القراءة لِيَحُك ظهره بِمحكاك ذي ذراع طويلة تنتهي بكف فضيَة في طرفِها ، وحين لم يستطع طلب من ابنه أن يحك له بأظافره ، ففعل ذلك يراوده شعور غريب بأنه يحس بجسده وهو يُحَك ،
وأخيرا تطلَّع إليه أبوه من فوق كتفه بابتسامة حزينة وقال له : إذا ما مت الآن فإنك لن تكاد تتذكرني حين تصبح في مثل سني ..
قال ذلك دون أي سبب ظاهر ، وطاف مَلاك الموت للحظة في ظلمة المكتب البارد وعاد للخروج من النافذة تاركا وراءه نثارة ريش ، لكن الطفل لم يَرَها .
لقد انقضت أكثر من عشرين سنَة منذ ذلك الحين وقريباً سيصل خوفينال أُورْبينو الى السن التي كان فيها أبوه في ذلك اليوم ، كان يعرف أنه يشبهه تماما ، ولِوعيه بأنه كذلك ارتقى الآن الى الوعي المُرعب بأنه سيفنى مثله أيضا .
صارت الكوليرا هي هاجسه ، لم يكن يعرف عنها شيئا أكثر مما يتعلمه بشكل روتيني في دورة هامشية ، ولم يكن ليصدق أن هذا المرض قد سبَّب منذ ثلاثين سنَة فقط في فرنسا بما في ذلك باريس أكثر من 140 وفاة ، أما بعد موت أبيه فقد تعلم كل ما يمكن أن يتعلمه حول مختلف أشكال الكوليرا بشكل أشبه لعقاب النفس لتهدئة ، وكان طالباً من طلاب أبرز علماء الأوبئة في ذلك الزمان ومُبتدِع الأحزمة الصحيَة البروفسور أدريان بروست والد الروائي الكبير ، وبهذا فإنه لدى عودته الى وطنه وإحساسه مُذ كان في البحر برائحة السوق النتنة ، ثم رؤيته الجُرْذان في المجاري المكشوفة والأطفال الذين يتمرغون عراة في مستنقعات الشوارع لم يدرك أن الكارثة قد وقعت بالفعل فقط بل وأيقن أنها ستتكرر في أي لحظة .
ولم يمضي وقت طويل ، فقبل أن يمر العام طلب منه تلاميذه في مستشفى الرحمة أن يساعدهم بشأن مريض إحسان تغطي كل أنحاء جسده بقع زرقاء غريبة ، وكانت رؤية الدكتور خوفينال أُورْبينو للمريض من الباب كافية ليتعرف على العدو ، لكن الحظ حالفهم فالمريض وصل منذ ثلاثة أيام على متْن سفينة قادمة من كوراثَا وقد حضر بنفسه الى العيادة الخارجية في المستشفى وليس هناك احتمال بأن يكون نقل العدوى الى سواه .
وعلى كل حال حذر الدكتور خوفينال أُورْبينو زملاءه وتمكن من جعل السلطات تنقل الإنذار الى الموانئ المجاورة ليتم تحديد موقع السفينة الملوثة وإجراء الحجر الصحي عليها ، وكان عليه أن يهدئ من اندفاع القائد العسكري للموقع الذي أراد إعلان حالة الطوارئ وتطبيق العلاج بقذائف المدفعية كل ربع ساعة في الحال .
وقال له بألمعية عالية : اقتصد بالبارود الى أنْ يأتي اللِبْرالِيون فنحن لم نعُد في العصور الوسطى .
مات المريض بعد أربعة أيام مختنقاً بقيء حُبَيْبي أبيض ، إنما لم تظهر أية حالة أخرى خلال الأسابيع التالية رغم الاستنفار الدائم ، بعد ذلك بقليل نشرت صحيفة دياريوميكوميريوثو خبر عن طفلَين ماتا بالكوليرا في مكانَين مختلفَين من المدينة ، ثم تأكد أن أحدهما كان مصاباً بالدزنتاريا العادية ، أما الآخر وهي طفلة في الخامسة فيبدو أنها كانت مصابة بالكوليرا فعلا ، فتم الحجر على أبويها وأخوتها الثلاثة وعزل كل منهم على انفراد في الحجر الصحي ، كما أخضع الحي بأَسره الى رقابة طبيَة صارمة ، كان أحد الأطفال مصاب بعدوى الكوليرا ولكنه استعاد عافيته بسرعة ، وعادت الأسرة كلها الى البيت عندما زال الخطر .
وخلال ثلاثة شهور سُجِلَت إحدى عشرة حالة أخرى ، ثم حدث استفحال مخيف في الشهر الخامس ، ولكن ما أن انتهت السنَة حتى اعتُبِر أنه قد تم تجاوز مخاطر الوباء ، ولم يَشك أحد أن صرامة الدكتور خوفينال أُورْبينو الصحيَة إضافة الى مَقْدرة مناديه الجوالين هي التي جعلت تحقيق المعجزة ممكنة ، ومنذ ذلك الحين وحتى وقت متقدم من القرن الحالي أصبحت الكوليرا داءً مستوطناً ليس في المدينة فقط وإنما في ساحل الكاريبي كله تقريبا وفي حوض نهر مَجْدَلينا ، ولكن المرض لم يكن يتفاقم متحولاً الى جائحة ، لقد أفادت حالة الذعر في تطبيق تنبيهات الدكتور خوفينال أُورْبينو بحدية أكبر من جانب السلطات العامة ، ففُرِضَت شُعبة إجبارية خاصة بالكوليرا والحُما الصفراء في مدرسة الطب ، وجرى الإسراع في ردْم المجاري وبناء سوق جديد بعيدا عن المزبلة .
ولكن الدكتور أُورْبينو لم يكن يعبأ بإعلان انتصاره ، كما لم يعُد متحمساً للاستمرار في مهماته الاجتماعية لأنه هو نفسه كان مكسور الجناح في ذلك الحين مذهولاى ومُشَتَّتاً ومستعداً لتغيير كل شيء ونسيان كل شيء في الحياة من أجل بارقة حب فرْمينا داثَا.
لقد كان ذلك الحب فعلا ثمرة تشخيص طبي خاطئ ، إذ إن طبيباً صديقا ظن أنه لَمَح أعراض الكوليرا الأولية على مريضة في الثامنة عشرة وطلب من الدكتور خوفينال أُورْبينو الذهاب لعيادتها ، ذهب مَساء ذلك اليوم بالذات مذعورا من احتمال أن يكون الوباء قد دخل هيكل المدينة القديمة ، فجميع الإصابات حتى ذلك الحين اقتصرت على الأحياء الهامشية وكانت كلها تقريبا بين الزنوج ، ووجد هناك مفجاءات أخرى ليست أقل جحودا .
كان البيت الغارق في في ظلال أشجار لوز حديقة البشارة يبدو مُخرَّباً من الخارج كغيره من البيوت ذات الأسوار الاستعمارية ، أما في الداخل فكان يسود نظام جميل وضوء خافت يبدوان وكأنهما من عصر آخر من عصور العالم .
كان دهليز المدْخل يؤدي مباشرة الى بهو إشبيلي مُربَّع ومَطْلي بكلْس بكِلس أبيض حديث ، وفيه أشجار برتقال مُزهِرة وأرضية مرصوفة ببورسْلين كبورسْلين الجدران ، كان هناك خرير ماء متواصل لا مرئي ، وأصص قُرُنْفُل على الأفاريز وأقفاص عصافير نادرة بين قناطر الرواق ، وأكثر تلك الطيور غرابة هي ثلاثة غربان في قفص كبير جدا تَضْمَخ جو البيت برائحة عطر مبهم حين تحرك أجنحتها ، وبدأت عدة كلاب مقيدة في مكان من البيت بالعواء فجأة وقد أطارت رائحة الغريب صوابها ، لكن صيحة امرأة جعلت الكلاب تسكُت تماما ، وقفزت أعداد من القطط في كل الجهات واختبأت بين الأزهار مُرتعدةً من سلطة ذلك الصوت .
حينئذٍ ساد صمت شفاف جعل أنفاس البحر الكئيب مسموعة من خلال اضطراب العصافير ووقع ماء النافورة على الحجَر .
وفكَّر الدكتور خوفينال أُورْبينو وهو يرتعش ليقينه بحضور الرب جسديا أن بيتا كهذا يجب أن يكون عصياً على الوباء .
لَحِقَ بغالا بلاثيديا عبر رواق القناطر ومر مقابل نافذة حجرة الخياطة حيث رأى فلورنْتينوأَريثَا لأول مرة فرْمينا داثَاحين كان البهو لا يزال مليئا بالأنقاض ، ثم صعد الأدراج الرخامية الجديدة الى الطابق الثاني ، وانتظر خبر نقل وصوله قبل أن يدخل مَخْدع المريضة ، لكن غالا بلاثيديا رجعت بملاحظة لدى خروجها .
- تقول الآنسة لا يمكنك الدخول الآن لأن والدها ليس في البيت .
وهكذا كان عليه أن يعود ثانيةً في الخامسة مَساءً حسب تعليمات الخادمة ، وفتح له الباب حينئذٍ لورينثو داثَا شخصياً وقاده الى حجرة نوم ابنته وبقي جالسا في عتْمة الركن مقاطعاً ذراعَيه ومحاوِلاً دون جدوى السيطرة على أنفاسه المتسارِعة .
خلال الوقت الذي استغرقه الفحص لم يكن من السهل معرفة من هو أكثر ارتباكاً أهو الطبيب بلمسه الخجول اَم المريضة العذراء في قميص نومها الحَريري ، لكن أياً منهما لم ينظر في عينَي الآخر ، وإنما كان يسألها بصوت مبهم ، وتُجِيبه بصوت مُرتعش ، وكِلاهما متعلق بالرجل الجالس في العتْمةل .
وأخيرا طلب الدكتور خوفينال أُورْبينو من المريضة أن تجلس وفتح قميص نومها حتى الخصْر بحرص لذيذ تلألأ صدرها الشامخ غير الممسوس ذو الحَلَمَتَين الطفوليتَين للحظة وكأنه وميض برق في ظلالة المَخْدع قبل أن تُسرِع لِتُخفيه بِذِرَاعَيها المتقاطعتَين فأزاح الطبيب ذِرَاعَيها بحزم دون أن ينظر إليها وقام بإجراء الفحص المباشر بوضع أذنه على الجلد بادئاً بالصدْر أولا ثم الظهر .
وقد اعتاد الدكتور خوفينال أُورْبينو أن يقول بأنه لم يشعر بأي انفعال عندما تعرف على المرأة التي سيعيش معها حتى يوم مماته.
كان يتذكر قميص النوم السماوي ذي التطريز المُخَرَّم والعينَين المحمومتَين والشعر الطويل المُنسَدِل على الكتفَين ، ولكنه كان مبهورا من اقتحام الوباء للسور الاستعماري ، فلم يتمعن في شيء من المحاسن الكثيرة التي تمتلكها كمراهقة يانعة ، وإنما انصب اهتمامه على أدنى قدر من الوباء قد يكون لديها ، بينما كانت هي أكثر وضوحا ، لقد بدا لها الطبيب الشاب الذي كثيرا ما سمعت باسمه أثناء الحديث عن الكوليرا مُتَحَذْلِقاً عاجزا عن حب أحد سوى نفسه .
وكانت نتيجة التشخيص أنها مصابة بالتهاب معوي ذي منشأ غذائي برِأت منه باستخدام علاج بيتي لمدة ثلاثة أيام .
اطمأن لورينثو داثَا للتأكيد بأن ابنته ليست مصابة بالكوليرا فَرافَق الدكتور خوفينال أُورْبينو حتى باب العربة ، ودفع له تسعيرة البيزو الذهبي التي بدت له غالية جدا حتى بالنسبة لطبيب يعالِج الأثْرياء لكنه ودعه بامتنان مفرط ، كان مبهوراً ببريق كنيته وألقابه ولم يفعل شيئا لمدراة ذلك الانبهار ، بل إنه كان مستعداً للإقدام على عمل أي شيء للإلتقاء به ثانيةً في ظروف أقل رسمية .
كان لا بد من اعتبار المسألة منتهيَة ، لكن الدكتور خوفينال أُورْبينو رجع ثانيةً بلا مناسبة في الساعة الثالثة من يوم الثلاثاء التالي دون أن يستدعيه أحد ودون أن يُنْبئ أحد بقدومِه .
كانت فرْمينا داثَا في حجرة الخياطة تتلقى درسا في الرسم الزيتي مع صديقتَين أخريَين عندما ظهر من النافذة بِسُترته البيضاء الناصعة وقبعته العالية والبيضاء أيضا ، وأشار لها بأن تدْنو .
وضعت أدوات الرسم على الكرسي وسارت نحو النافذة على رؤوس أصابعها رافعةً كشكش تنورتها حتى الكاحلَين لتحول دون جرها على الأرض .
كانت تضع أكليلا مثبَّتاً على جبهتها بِمِشبَك فيه حجر كريم لِبريقه لون أشم كلون عينيها ، وكان كل ما فيها يَنْفُث برودةً ، وقد لفت انتباه الطبيب أنها ترتدي للرسم في البيت ملابس الخروج الى حفلة .
جس نبضها من خارج النافذة وطلب منها أن تُخرج لسانها وفحص حلقها مستخدماً خافضة لسان من الألَمونْيوم ونظر الى ما تحت جفنها الأسفل ، وكان كلما انتهى من شيء يشير بحركة ارتياح .
كان أقل ارتباكا من الزيارة السابقة ، بينما كانت هي أكثر ارتباكاً لأنها لم تفهم سبباً لهذا الفحص الطارئ ، إذا كان هو نفسه قد قال بأنه لن يعود إلا إذا استدعوه لأي شيء يستجد ، بل أكثر من ذلك لم تكن راغبَةً في رؤيته الى الأبد .
عندما انتهى الفحص خبأ الطبيب خافضة اللسان في الحقيبة المُتْخَمة بالأدوات وقناني الدواء وأعْلقها بضربة قوية ، ثم قال لها : إنك كزهرة متفتحة لتوِها .
- شكرا .
- الشكر لله .
قال لها واستشهد استشهاداً خاطئاً بسان توماس .
- تَذكَّري أن كل ما هو طيب مَهما كان منشؤه هو من الروح القُدُس ، أتحبين الموسيقى ؟
سأل ذلك عرَضاً مع ابتسامة ساحرة ، لكنها لم تُجِبْه بل سألت بدورها : ما قصدك من هذا السؤال؟
فقال : الموسيقى مهمة للصحَة .
كان يؤمن بذلك أحياناً ، وستعرف هي عما قريب وحتى نهاية حياتها أن الموسيقى كانت أشبه بمعادلة سحرية يستخدمها لإقامة صداقة ، ولكنها فهمت الأمر في ذلك الحين على أنه سخرية ، ثم إن صديقتَيها اللتين تظاهرتا بالرسم فيما هما تتحدثان أفلتتا ضحكات فِئران وخبأتا وجهيهما بحاملة الألوان ، وهذا ما أفقَد فرْمينا داثَافي صوابها فصفقت النافذة بقوة وقد أعماها الغضب .
حاول الطبيب الحائر أمام مصراع النافذة المُخَرَم أن يجد طريقه الى البوابة الخارجية لكنه أخطأ الاتجاه ، وفي اضطرابه اصطدم بِقفص الغربان العطرية فأطلقت هذه زعقة صَمّاء وخفقت بأجنحتها مُرتعبة مُضَمِخَةً ملابس الطبيب بعِطر نسائي .
جمَّده صوت لورينثو داثَا الراعد في مكانه .
- دكتور ، انتظرني حيث أنت .
كان قد رأى كل شيء من الطابق العلوي ، فنزل الدرج وهو يزرر قميصه متغطرساً ومتورداً وسوالفه الطويلة ما تزال مُشْعَثة بعد حلم قيلولة سيئ .
حاول الطبيب أن يتغلب على الحرج .
- لقد قلت لابنتك أنها تبدو كزهرة .
فقال لورينثو داثَا :إنها كذلك ، ولكنها زهرة كثيرة الأشواك .
مر من جانب الدكتور أُورْبينو دون أن يُجِبْه ودفع مصراعَي نافذة حجرة الخياطة وأمر ابنته بصرخة خشنة : تعالي واعتذري من الدكتور .
حاول الطبيب أن يتوسط ليحُول دون ذلك ، لكن لورينثو داثَا لم يُعره اهتماما وأصر : أسرعي .
نظرت الى صديقتَيها بتوَسل خفي لتتفهَمان ، وردت على أبيها : بأنه لا يوجد ما يستوجب الاعتذار ، وبأنها أغلقت النافذة لتمنع استمرار دخول الشمس فقط .
حاول الدكتور أُورْبينو تأييد حُججها ولكن لورينثو داثَا أصر على الأمر .
حينئذٍ رجعت فرْمينا داثَا الى النافذة شاحبةً من الغضب وقدمت قدَمها اليُمنى فيما هي ترفع تنورتها بأطراف أصابعها وانحنت للطبيب انحناءة مسرحية وقالت : أُقدِّم لك أخلص اعتذاري أيها السيد المُبَجَل .
جاراها الدكتور خوفينال أُورْبينو بمزاج رائق رافعا قبعته العالية بحركة كحركات الفُرسان ، لكنه لم ينل ابتسامة الرحمة التي كان ينتظرها .
دعاه لورينثو داثَا بعد ذلك لِيتناولا في المكتب قهوة المصالحة فوافق مبتهِجاً حتى لا تبقى أي شكوك في أنه أزال من روحه كل أثر للضغينة .
الحقيقة أن الدكتور خوفينال أُورْبينو لم يكن يشرب القهوة باستثناء فنجان واحد في الصباح قبل الطعام ، ولم يكن يتعاطى الكحول أيضا ما عدا كأساً من النبيذ مع الطعام في بعض المناسبات الجليلة ، لكنه لم يتناول القهوة التي قدمها له لورينثو داثَا فحسب بل ووافق على شرب كأس من خمر اليانسون ، ثم قَبِل فنجاناً آخر من القهوة وكأساً أخرى من الخمر ثم أخرى وأخرى رغم أنه سيزور بعض المرضى الذين لم يزرهم بعد .
استمع أول الأمر الى الاعتذارات التي تابع لورينثو داثَا تقديمها باسم ابنته التي وصفها بأنها طفلة ذكية وجدية ، جديرة بأمير من هنا أو من أي مكان آخر ، وعيبها الوحيد حسب زعمه هو طبعها الذي يشبه طبع بغْلة ، لكنه بعد الكأس الثانية ظن بأنه يسمع صوت فرْمينا داثَا يأتي من الفِناء ومضى خياله في إثرها ، ولاحَقَها في الليل الذي بدأ يلف البيت فيما هي تشعل أضواء المَمر وترش غرف النوم بمضخات مبيد الحشرات وتكشف الغطاء عند المَوقِد عند قِدْر الحساء الذي ستتناوله هذه الليلة مع أبيها ، هو وهي وحدهما على المائدة دون أن يرفعا بصرهما ، ودون أن يرشفا الحساء بصوت مسموع كي لا يُحَطِّمَا سحر الغضب الى أنْ يستسلم الأب ويَطلب الصفح منها لقسوته هذا المَساء .
كان الدكتور أُورْبينويعرف النساء جيدا فأدرك أن فرْمينا داثَا لن تقرب المكتب ما لم ينصرف هو منه ، لكنه تأخر على أية حال لأنه كان يحس أن كِبرياءه الجريح لن يتيح له العيش بسلام بعد إهانة هذا المَساء ، ويبدو أن لورينثو داثَا الذي نال منه السُكْر لم يلاحظ عدم اهتمامه به ، إذ كان يكفي نفسه بطلاقة لسانه التي لا كابح لها ، كان يتكلم طويلا وهو يمضغ عقب سيجاره المُنْطفئ ويُسعل بصوت عالٍ ويتُف ويحاول الاسترخاء بصعوبة على الكرسي الدوار الذي تأن نَوابضه كأنين حيوان مُتَهيِّج .
لقد شَرِب ثلاثة كؤوس مقابل كل كأس شَرِبه ضيفه ولم يتوقف عن الكلام إلا عندما انتبه الى أنْ كل منهما لم يعُد يرى الآخر ، فنهض ليشعل المصباح ، تأمله الدكتور خوفينال أُورْبينو من الأمام على نور الضوء الجديد ورأى أن إحدى عينَيه مائلةً كعين سمكة ، وأن كلماته لا تتفق مع حركة شفتَيه ، وفكَّر بأنها تخيلات تُراوده لإسرافه في الكحول ، حينئذٍ نهض وإحساس آخّاذ يسيطر عليها بأنه في جسد ليس جسده وإنما جسد شخص ما يزال على المِقعد حيث كان ، واضطر للقيام بمجهود شاق كي لا يفقد اتزانه .
كانت الساعة قد تجاوزت السابعة عندما خرج من المكتب يسبقه لورينثو داثَا ، كان القمر بَدْراً وكان البهو الذي زينه له خياله يَطْفو في حوض مائي والأقفاص المغطاة بِقِطع قماشية بدت وكأنها أشباح نائمة تحت الرائحة الدافئة لأزهار البرتقال الجديدة ، وكانت نافذة حجرة الخياطة مفتوحة وعلى طاولة العمل يوجد مصباح مُضاء ، بينما اللوحات غير المُكتملة معلقة على الحوامل وكأنها في معرض .
- أين أنتِ أيتها الغائبة ؟
قال الدكتور أُورْبينو لدى مروره ، لكن فرْمينا داثَا لم تسمعه ولم يكن بمقدورها أن تسمعه لأنها كانت تبكي غيظا في في مخْدعها وهي مُنْبطحة على بطنها فوق السرير بانتظار والدها لتقاضيه على إذلالها هذا المَساء .
لم يكن الطبيب ليتنازل عن وداعها ، لكن لورينثو داثَا لم يعرض عليه ذلك ، لقد حنَّ الى براءة نبضِها وإلى لمساتها وإلى لسانها الذي كَلِسان قطة ولوزتَيها الطريتَين ، ولكنه فقدَ الحماس حين فكَّ ر بأنها لم تعُد ترغب برؤيته أبدا ولن تسمح له بأن يحاول ذلك .
عندما دخل لورينثو داثَا في الدهليز أطلقت الغربان المستيقظة تحت الشرشف صرخة جنائزيَة ، فقال الطبيب بصوت عالٍ : ستُقْلَع عينَيك .
وكان يفكر بها ، فالتفت إليه لورينثو داثَا ليسأله ما الذي قاله .
فأجاب : لست أنا الذي قلت وإنما هي الخمرَة .
رافقه لورينثو داثَا حتى العربة محاولاً إقناعه ؤبقبول البيزو الذهبي كأجرة للزيارة الثانية ، لكنه لم يقبله .
أعطى الحوذي تعليمات صحيحة ليوصله الى بيت المريضَين اللذَين عليه زيارتهما ، وصعد الى العربة دون مساعدة ، لكنه بدأ يشعر بالإعياء بفعل اهتزاز العربة فوق الشوارع المرصوفة بالأحجار فما كان منه إلا أمر الحُوذي بتغيير الاتجاه .
نظر لبرهة في المرآة ورأى أن صورته أيضا ما زالت تُفكر بفرْمينا داثَا ، فهز كتفيه وأخيرا أطلق جشأة رملية ، أسند رأسه على صدره وأغفى ، وفي الحلم بدأ يسمع نواقيس الحداد ، سمع نواقيس الكاتدرائية أولا ثم نواقيس جميع الكنائس بما فيها أجراس كنيسة سان خوان هوسباتليريو المكسرة ، فدمدم وهو نائم : خراء ، لقد مات الموتى .
كانت أمه وشقيقتاه يتناولن عشائً مؤلفاً من القهوة بالحليب وكعكة الجبن والدقيق على طاول المآدب في صالة الطعام الكبيرة عندما رأته يظهر في الباب بوجه مُنْهَك ورائحة مخزية تفوح منه ، هي رائحة عطر المُومِسات التي نفثتها الغربان ، كان الناقوس الكبير في الكاتدرائية المجاورة يرن في السكون المُخَيِم على البيت .
سألَته أمه مذعورة : أين كان لأنهم بحثوا عنه في كل الأنحاء ليعالج الجنرال أغناسيو ماريا آخِر أحفاد الماركيز ديخاريث ديلافيرَا الذي مات هذا المَساء باحتقان دماغي ومن أجله كانت تُقرَع الأجراس .
أنْصت الدكتور خوفينال أُورْبينو لأمه دون أن يسمعها ، وأمسك بإطار الباب ثم دار نصف دورة محاوِلاً الوصول الى حجرته لكنه هوى على وجهه وسط انفجار قيء خمر مدوٍ .
صرخت أمه : يا مريم المقدسة ، لا بد أن أمراً غريباً جعلك تجيء الى بيتك في مثل الحالة !! .
لكن الأكثر غرابة لم يكن قد حدث بعد ، فقد انتهز زيارة عازف البيانو المعروف روميو لوسيج الذي عزف مجموعة سونتات لِموزارْت بعد أن انتهى حداد المدينة على الجنرال أغناسيو ماريا مباشرةً ، فحمل الدكتور خوفينال أُورْبينو بيانو مدْرسة الموسيقى على عربة تقودها البِغال وأحيا لفرْمينا داثَا سِرْنادَاً أصبح مَضرِب المثل .
استيقظت هي مع النغمات الأولى ، ولم تكن بحاجة للنظر من تخريمات الشُرْفة لتعرف من هو صاحب هذا التكريم الفريد ، والشيء الوحيد الذي أسِفَت له هو عدم امتلاكها شَجاعة غيرها من الآنسات المُجرِبات اللاواتي يفرغن محتويات الْمَبْوَلَة فوق رأس العاشق غير المرغوب فيه .
أما لورينثو داثَا فقد ارتدى ملابسه على عجل أثناء عزف السيرناد ، ودعا الدكتور خوفينال أُورْبينو وعازف البيانو للدخول وهما ما يزالان بالملابس والزينة الخاصة بحفلة الكونشيرتو ، وشكَرهما على السيرناد بكأس جيد من البراندي .
سرعان ما تنبهت فرْمينا داثَا الى أنْ والدها يحاول أن يُلين قلبها ، ففي اليوم التالي للسِرناد قال لها بموارَبة : تصوري شعور أمك لو أنها عرفت بأنك مرغوبة من أحد آل أُورْبينو ديلاكايي ؟
فردت عليه بجَفاء : كانت ستموت ثانيةً وهي في التابوت .
ورَوَت لها صديقاتها اللاواتي يرسمن معها أن لورينثو داثَا قد ذهب الى النادي الاجتماعي بدعوة من الدكتور خوفينال أُورْبينو ، وأن هذا الأخير كان محط تنبيه صارم لمخالفته تعليمات النادي ، وحينئذٍ فقط عَلِمَتْ أيضا أن أباها قد طلب عِدة مرات الانضمام الى النادي الاجتماعي وأن طلبه رُفِضَ بكل مرة بعدد من الكُرات السَوداء .
لكن لورينثو داثَا كان يبتلع الإهانة بكبد سكير ويُتابع استنباط الوسائل للالتقاء مصادفة الدكتور خوفينال أُورْبينو ، دون أن يلاحظ أن خوفينال أُورْبينو هو الذي كان يفعل المستحيل لِيجعله يلتقي به .
كانا يقضيان أحيانا عدة ساعات وهما يتبادلان الحديث في المكتب ، فيبقى البيت حينئذٍ وكأنه غارق على هامش الزمان لأن فرْمينا داثَا لم تكن تسمح لشيء بأن يتابع خط حياته المعتاد قبل انصرافه .
وكان مقهى الباروكية ملجأً وسطا لا بأس به ، وهناك عَلَّم لورينثو داثَا أول دروس الشطرنج لخوفينال أُورْبينو وكان هذا تلميذا مُجدا ، وأصبح الشطرنج داءً آخر لا شفاء منه عذبه حتى يوم مماته .
في إحدى الليالي بعد مدة قصيرة من سرناد البيانو المنفرد وجد لورينثو داثَا رسالة مختومة بالشمع في مدخل بيته موجَّهةً الى ابنته ، وقد طُبِعَت على الشمع حروف خ و : ، فَدَّسَها من تحت الباب لدى مروره أمام مخدع فرْمينا داثَا ، ولم تستطع هي أن تُدرك كيف وصلت الى هناك ، إذ رأت أنه من غير المعقول أن يكون أبوها قد تغير الى حد إيصال رسائل عاشِقِها إليها .
تركتها فوق الكومودينو دون أن تدري ما تفعله بها حقاً ، وبقيت الرسالة هناك مغلقةً عدة أيام حتى مَساء يوم ماطر حلُمت فيه فرْمينا داثَا أن خوفينال أُورْبينو قد رجع الى البيت ليُهْديها خافضة اللسان التي فحص بها حلْقها ، ولم تكن الخافضة في الحلم من الألَمونيوم وإنما من معدن آخر شهي ، كانت قد تذوَقَتْه بلذة في أحلام أخرى .
رأت أنها كَسَرتها الى جزئَين غير متساويَين وأعطته القطعة الصغرى .
عندما استيقظت فتحت الرسالة ، كانت قصيرةومهذبة ، والشيء الوحيد الذي كان يرجوه خوفينال أُورْبينو منها هو السماح له بأن يطلب من أبيها الأذن بزيارتها .
لقد تأثرت ببساطته وجديته ، والغيظ الذي رعته بالحب خلال تلك الأيام خخمد فجأة .
خبَّأت الرسالة في علبة مهملة في قاع الصندوق ، لكنها تذكرت أنها كانت تخبئ هناك أيضا رسائل فلورنْتينوأَريثَا المعطرة ، فأخرجتها من العلبة لتضعها في مكان آخر وقد هزتها موجة من الخجل .
عندئذٍ رأت أن خير ما تفعله هو أن تعتبر الرسالة لم تصلها ، فأحرقتها بلهب المصباح وهي ترى قطرات الشمع تنتفخ في فقاعات زرقاء فوق اللهب .
تنهدت : يا للرجل المسكين .
وفجأة تذكَّرت أنها المرة الثانية التي تقول فيها ذلك خلال أكثر بقليل من سنَة ، وفكَّرت لِهُنَيْهة فلورنْتينوأَريثَا وقد فوجئَت هي نفسها كم أصبح بعيدا عن حياتها : يا للرجل المسكين .
في تشرين الأول ومع الأمطار الأخيرة وصلتها ثلاثة رسائل أخرى ، مع الأولى منها علبة أقراص بَنفسَج مع دير فلافنيغي اثنتان منهما سلَّمهما عند مدخل البيت حُوذي الدكتور خوفينال أُورْبينو الذي حيا غالا بلاثيديا من نافذة العربة ، وذلك كي لا تكون هناك شكوك من أن الرسائل ليست منه أولا ، وحتى لا يستطيع أحد الادعاء بأن الرسائل لم تصل ثانياً ، ثم إن الرسالتَين كانتا مَختومتَين بنفس الحروف على الشمع الأحمر ومكتوبتَين بالخط الرديء الذي كانت فرْمينا داثَا تعرفه ، خط طبيب ، وكِلتا الرسالتَين تقولان من حيث الجوهر ما جاء في الرسالة الأولى ، وهما مصاغتان بروح الخنوع ذاتها ، ولكن في أعماق لِياقته بدا يشع اشتياق لم يكن ليظهر أبدا في رسائل فلورنْتينوأَريثَا الرصينة ، وقد قرَأَتْها فرْمينا داثَا فور استلامهما بفارِق أسبوعَين بينهما ، وعندما كانت على وشك إلقائهما للنار غيَّرت رأيها دون أن تفسر الأمر لنفسها ، ولكنها رغم ذلك لم تُفكر أبدا بالرد عليهما .
الرسالة الثالثة من رسائل شهر تشرين الأول دُسَت من تحت باب البيت الخارجي ، وكانت مختلفة في كل شيء عن الرسائل السابقة ، فالخط كان صبيانياً لدرجة لا تدع مجالاً للشك في أنها كُتِبت باليد اليسرى ، لكن فرْمينا داثَا لم تُفكر في شيء من هذا إلا عندما كشف لها النص بالذات عن مجهول لئيم ، فكاتب الرسالة يضع كأمر واقع أن فرْمينا داثَا قد سحرت بأكاسيرها الدكتور خوفينال أُورْبينو ومن هذا الافتراض يُستَخلَص النتائج المشؤومَة ، وينتهي بتهديد ، إذا لم تتراجع الدكتور خوفينال أُورْبينو عن محاولتها الاستيلاء على الرجل المرغوب أكثر من أي رجل آخر في المدينة فإنها ستُعَرِّض نفسها للفضيحة العامة .
أحست بأنها ضحية ظلم مجحف ، لكن ردة فعلها لم تكن انتقامية وإنما على العكس تماما ، كانت ترغب عن الكشف عن الفاعل المجهول لصرفه عن خطئه بكل التفسيرات المناسِبة ، إذ كانت موقنة أنها لن تتأثر أبدا ومهما كانت الأسباب بمغازلة خوفينال أُورْبينو .
ثم تلقت في الأيام التالية رسالتين أخريَين فيهما من الحقد مثلما في تلك الأولى ، ولكن لم يكن يبدو في أيٍ من الرسائل الثلاث أن كاتبها هو الشخص نفسه ، فإما أنها وقعت ضحية مكيدة أو أن قصة حبها المُزَيف قد وصلت الى أبعد مما تصورته .
لقد أقلقتها فكرة أن كل ذلك إنما هو نتيجة تهَور خوفينال أُورْبينو ليس إلا ، وخطر لها بأنه قد يكون رجلا مختلفا عما يوحي به مظهره الوقور ، وأن لسانه ربما ينطلق في زياراته فيتبجح بغزوات وهمية كما يفعل الكثيرون من أمثاله .
فَكَّرَت بأن تكتُب له مُوَبِّخَةً على إهانته شرفها ، ولكنها تخلت عن الفكرة فقد يكون هذا ما يريده ، وحاولت أن تستعلم من صديقاتها اللاواتي يأتين للرسم معها في غرفة الخياطة ، لكن الشيء الوحيد الذي سَمِعَتْه هي تعليقات سليمة العاقِبة حول سير نادي البيانو المنفرد .
أحست بالغضب والعجز والذل ، وعلى العكس من البداية حين رغبت بالعثور على العدو الخفي لإقناعه بأخطائه أصبحت تريد فرمه الآن بِمِقَص تشذيب الحديقة .
صارت تمضي الليالي مستيقظة مُحللةً تفاصيل وتعابير الرسائل المجهولة على أمل العثور على بارِقة عَزاء ، وكان ذلك وَهْماً باطلاً ، ففرْمينا داثَا بطبعها كانت غريبة عن عالم آل أُورْبينو ديلاكايي ، وكانت تمتلك الأسلحة لمواجهة فنونهم الخيِّرة أما الشريرة فَلا .
وأصبحت هذه القناعة أشد مرارة بعد رعب الدمية السَوداء التي وصلتها في تلك الأيام بلا أية رسالة ، ولكن بدا لها من السهل تصور مصدرها فالدكتور خوفينال أُورْبينو وحده يمكن أن يكون مرسلها ، إنها مُشتراة من المارتينيك حسب بطاقة المَنشأ ، وترتدي فُستاناً مُحكماً لها شعر أجعد به خيوط ذهبية وهي تُغمِض عينيها عند تمديدها .
لقد رأت فيها فرْمينا داثَا تسليةً جعلتها تتغلب على وساوسها فكانت تُمدِدها على مِخَدَّتها في النهار ، واعتادت النوم معها في الليل ، وبعد فترة من الزمن إثر حلم مُنْهِك اكتشفت أن الدمية كانت تكبُر ، فالثياب الأصلية التي وصلت بها أصبحت تكشف عن فخذيها والحذاء تمزق بضغط نمو القدمَين .
كانت فرْمينا داثَا قد سَمِعت من قبل عن رُقيات سحرية إفريقية مشؤومَة ولكن أياً منها لم يكن رهيباً كهذه ، ولم تستطع من جِهة أخرى تصور أن يكون رجل كخوفينال أُورْبينو قادرا على ارتكاب فضاعة مُماثلة ، وكانت مُحِقة ، فالدُمْية لم يوصلها الحُوذي وإنما بائع قريديس عابر لم يستطع أحداً أن يقدم لها خَبَراً يَقيناً عنه .
وفي محاولة لحل اللغز فكَّرَت للحظة بفلورنْتينوأَريثَا الذي كان تجهمه يثير فزعها ، لكن الحياة تَكفَّلت بإقناعها بخطئها ، ولم يتضح السر أبدا وكان مجرد تذكِرة يبعث فيها قشعريرة رعب الى ما بعد زواجها بكثير وإنجابها أوْلاداً واعتقادها بأنه مُختارة القدَر وأسعد النساء .
المحاولة الأخيرة للدكتور أُورْبينو كانت توسُط الأخت فرانكا ديلالوث رئيسة راهبات ظهور العذراء المقدسة التي لا تستطيع رفض طلب من عائلة أيَّدت طائفتها منذ استقرار هذه الطائفة في الأمريكتَين ، حضرت برفقة راهبة مستجدة في الساعة التاسعة صباحاً ، وتسلَّتا كِلتاهما لمدة نصف ساعة بأقفاص العصافير ريثما تنتهي فرْمينا داثَا من الاستحمام ، كانت ألمانية رجولية تتكلم بنبرة معدنية ولها نظرة آمرة لا علاقة لها بعواطفِها الصبيانية ، ولم يكن في هذا العالم ما تكرهه فرْمينا داثَا أكثر من كُرهِها لها ومما رأته على يديها ، ومجرد تَذَكُّر شفقتها الكاذبة كان يسبب لها حَرْقَصَة عقرب في أحشائها ، وما أن تعرفت عليها من باب الحمام حتى عادت تعيش دُفعة واحدة ججميع عذابات المدْرسة وحلم القُدّاس اليومي الذي لا يطاق ورعب الامتحانات ومساعي المستجِدات الدَنيئة وكل الحياة المُفسَدَة بمَوْشور الفقر الروحي .
أما الأخت فرانكا ديلالوث بالمقابل فقد حيتها بمرح بدا نزيهاً ، وأبدت دهشتها لنموها ونضجها وأطرت على حِكمتها في تدبير شؤون البيت وذوقها الرقيق الظاهر في الفِناء وفي مجمرة أزهار البرتقال ، ثم أمرت المستجِدة بانتظارها وعدم الاقتراب كثيرا من الغربان القادرة على انتزاع عينيها في لحظة إهمال ، وبحثت عن مكان منعزل تجلس فيه لتتحدث على انفراد مع فرْمينا داثَا ، فدعتها هذه الى الصالة .
كانت زيارة قصيرة وفظَّة فالأخت فرانكا ديلالوث ودون إضاعة الوقت في الديباجات عرضت على فرْمينا داثَا رد اعتبار مُشَرِّف ، كما أن سبب الطرد سيُمْحىَ ليس من المَحاضر فقط وإنما من ذاكرة الطائفة أيضا ، وهذا سيتيح لها استكمال دراستها والحصول على الشهادة الثانوية في الآداب .
أرادت فرْمينا داثَا الحئرة أن تعرف السبب .
فقالت الراهبة : كل ذلك بناءً على طلب شخص جدير بكل شيء ، ورغبته الوحيدة هي إسعادكِ ، أوتعرفين من هو ؟
حينئذٍ فهمت الأمر ، وسألت نفسها كيف يمكن لامرأة غيَّرت مسار حياتها من أجل رسالة بريئة أن تقوم الآن بدور رسول الحب ، لكنها لم تتجرأ على قول ذلك ، وقالت بالمقابل : أنها عرفت الرجل المعني ، وأنها تعرف كذلك بأنه لا يملك الحق للتدخل في حياتها .
فقالت الراهبة : الشيء الوحيد الذي يرجوه هو أن تسمحي له بالتحدث إليك لِخمس دقائق ، وأنا متأكدة أن أباكِ سيوافق .
أصبح غضب فرْمينا داثَا أشد زخماً لفكرة أن أباها متواطئ في تلك الزيارة فقالت : لقد رأينا بعضنا مرتين حين كنت مريضة ، وليس من سبب يدعو للقاء الآن .
وقالت الراهبة : إن هذا الرجل هو بمثابة هدية من العناية الإلهية بالنسبة لأي امرأة لها دماغ عرضه إصبعان .
وتابعت الكلام عن فضائله وعن ورعه وانْكِبابه على خدمة المُعذبين ، وفيما هي تتكلم أَخرجت من كُمِّها مِسْبحة ذهبية تنتهي بمسيح منحوت من العاج وهزتها أمام عينَي فرْمينا داثَا : إنها من آثار العائلة وعُمُرها أكثر من 100 سنَة صاغها صائغ من سيينا وباركها البابا كليمنت الرابع ، قالت لها : إنها لكِ .
أحست فرْمينا داثَا بتيار دافق من الدم في أوردتها وتجرأت حينئذٍ على القول : لا أستطيع أن أفهم كيف تقبلين القيام بمهمة كهذه إذا كنت تَرَين في الحب خطيئة ؟
تظاهرت الأخت فرانكا ديلالوث بأنها لم تُدرك مغزى الملاحظة لكن أجفانها التهبت وتابعت تحريك المِسْبحة مقابل عينيها وقالت : خير لك أن تتفاهمي معي ، فقد يجيء بعدي نيافة الأسقف وسيكون الحال معه مختلفاً .
فقالت فرْمينا داثَا فليأتي .
خبَّأت الأخت فرانكا ديلالوث المِسْبَحة الذهبية في كُمِّها ثم أَخرجت من الكُم الآخر منديلا مستعملا كثيرا ومُجَعَّدا على شكل طابة واحتفظت به مضغوطاً في قبضتها ناظرةً الى فرْمينا داثَا من بعيد جدا بابتسامة حانية وتنهدت : مسكينة أنت يا بُنَيَتي ما زلت تفكرين بذلك الرجل .
مضغط فرْمينا داثَا الإهانة وهي تنظر الى الراهبة دون أن يرمش لها جفن ، وحدقت في عينيها دون أن تتكلم وهي تمضغ بِصمْت ، الى أنْ رأت بسعادة لا نهائية عينيها الرجوليتين تغرورقان بالدموع ، ومسحتهما الأخت فرانكا ديلالوث بالمنديل المكوَر ونهضت واقفة وهي تقول : لقد صدق والدك حين قال بأنك بَغْلة .
لم يأتِ الأسقف وكان الحصار سينتهي في ذلك اليوم لولا أن هيلْدا براندا سانجيت جاءت لقضاء أعياد الميلاد مع ابنة عمتها ، فتبدلت الحياة لكِلتيهما .
استقبلوها في السفينة القادمة من ريوهاجَا في الساعة الخامسة صباحا وسط اضطراب مسافرين يحتضرون من الدوار فيما نزلت هي من السفينة مشعة وناضجة بروح هائجة بفعل الليلة البحرية السيئة .
جاءت محملة بصناديق الديكة الرومية الحية وبكل أنواع الثمار التي تطرحها بساتينهم الزاهرة كي لا ينقص الطعام على أحد أثناء زيارتها ، وبعث والدها ليسيماكو سانجيت يسأل إن كانوا بحاجة الى موسيقيين من أجل حفلة الفِصح ، لأن أفضل الموسيقيين متوفرين تحت تصرفه ، ويَعِد بأنه سيبعث فيما بعد بشحنة من الألعاب النارية ، ويعلن أيضا بأنه لن يستطيع المجيء لأخذ ابنته قبل شهر آذار ، وهذا يعني أن لديهما مُتَّسَعاً من الوقت تعيشانه معاً .
بدأت الفتاتان في الحال ، استحمتا معاً في مَساء اليوم الأول عاريتين وطهرتا بعضهما بماء البركة ، تعاونتا على دلك جسَدَيهما بالصابون ، وأَخرجت كل منهما الصيبان من شعر الأخرى ، وقارنتا أردافهما ونهودهما الصلبة ، وتأملت كل منهما في مرآة الأخرى لترى قسوة الزمن عليهما مُذ رأتا بعضهما عاريتين آخِر مرة .
كانت هيلْدا براندا ضخمة ومتينة ذات بشرة ذهبية ، لكن شعر جسمها بأسره كان شَعَر مُوَلَّدَة قصير ومفتول وكأنه رغوَة أسلاك ، أما فرْمينا داثَا فكانت ذا عُري شاحب خطوطه طويلة وببشرة صافية ناعمة الزغب .
جعلتهما غالا بلاثيديا تضعان سريرَين متماثلَين في حجرة النوم ، لكنهما كانتا تستلقيان في سرير واحد أحيانا وتتحدثان بعد إطفاء النور حتى الفجر ، وتدخِنان سيجاراً من النوع الرفيع الذي يدخنه قُطّاع الطرق ، كانت هيلْدا براندا قد أحضرته معها مُخبأً في بطانة الصندوق وكان عليهما أن تَحْرِقا بعد التدخين أوراق أرمينا لتنقية هواء الحجرة الذي يصبح كَهَواء أكواخ الرعاء ، لقد دخنت فرْمينا داثَا للمرة الأولى في فايدوبار وتابعت التدخين في فونسيكا وفي ريوهاجَا حين كانت تحبس نفسها مع عشر من بنات أخوالها في حجرة ليتحدثن عن الرجال ويُدَخنَّ في الخفاء ، وتعلمت التدخين بالمقلوب وذلك بوضع طرف السيجار المشتعل في فمها كما يدخن الرجال في ليالي الحرب كي لا تفضح جمرة السيجار ، لكنها لم تدخن أبدا منفردةً وأصبحت تفعل ذلك مع هيلْدا براندا في بيتها كل ليلة قبل أن تنامَا ، ومنذ ذلك الحين اكتسبت عادة التدخين رغم انها كانت تدخن في الخفاء دوما ، وحتى بالخفاء عن زوجها وأولادها ، ليس ذلك لأنه كان يُنْظَر الى المرأة المُدخِنة في العلن بغير الرضا ، وإنما لأن متعتها كانت تكتمل في السريَة .
كانت رحلة هيلْدا براندا قد فُرِضت عليها من جانب أبويها في محاولة لإبعادها عن حبها المستحيل ، رغم أنهم أقنعوها أنها مُسافرة لمساعدة فرْمينا داثَا على حسم أمرها في وجهة حسنة .
وقد وافقت هيلْدا براندا على أمل السخرية من النسيان ، واتفقت مع موظف التلغراف في فونسيكا ليوصل رسائلها بأقصى قدْر من الكتمان ، ولذا كان يأسها مريرا حين عَلِمَت أن فرْمينا داثَا قد صدَّت فلورنْتينوأَريثَا لأن هيلْدا براندا كانت تملك رؤية كونية للحُب ، وتُفكر أن ما يطرأ على حبٍّ يؤثر على جميع غراميات العالم بأسره .
ولكنها لم تتخلَ عن مشروعها ، ذهبت بجرأة سببت لفرْمينا داثَا أزمة رعب الى مكتب البريد بغرض كسب جميل فلورنْتينوأَريثَا ، ما كان لها أن تتعرف عليه إذ لم يكن فيه أي مَلْمَح من الصورة التي رسمتها له في خيالها من خلال فرْمينا داثَا ، وللوهلة الأولى رأت أنه يستحيل أن تكون ابنة عمتها قد أوشكت على الجنون في سبيل ذلك الموظف الذي لا يكاد يلفت الانتباه ، والذي له مَلامح كلب مَضْروب بالعصا بملابسه التي كملابس حاخام منكوب وأساليبه غير القادرة على إثارة قلب أحد ، لكنها ما لبثت أن نَدِمَت لهذا الانطباع الأول عندما وضع فلورنْتينوأَريثَا نفسه في خدمتها بلا أية شروط وحتى دون أن يعرف من تكون ، ولم يعرف ذلك أبدا ، ما كان لأحد أن يفهمها مثله فلم يطلب منها الإفصاح عن هويتها كما لم يطلب أي عنوان ، ووضع حلا بمنتهى البساطة ، عليها أن تمر بمكتب التلغراف مَساء كل أربعاء ليسلمها الردود باليد ولا شيء سوى ذلك .
وعندما قرأ رسالة هِيلْدا براندا المكتوبة سألها إن كانت تُوافِق على تعديل يقترحه فوافقت ، فكتب فلورنْتينوأَريثَا بعض التعديلات بين السطور ثم شطَبها وأعاد كتابتها حتى لم يعُد لديه فراغ بين السطور ، وأخيرا مزق الورقة وكتب رسالة مختلفة تماما بدت لها مثيرة .
وعندما خرجت هيلْدا براندا من مكتب التلغراف كانت على حافة الدموع ، وقد قالت لفرْمينا داثَا : إنه قبيح وكئيب ، لكنه ينضح حُبّاً .
وكان أكثر ما لفت انتباه هيلْدا براندا هو عزلتة ابنة عمتها وقد قالت لها أنها تبدو كعانس في العشرين من العُمُر ، فهيلْدا براندا المعتادة على أُسرة كثيرة العدد وموزعة في بيوت لا أحد يعرف بالتحديد عدد الذين يعيشون فيها ولا من هم الذين سيتناولون الطعام في كل وجبة لم تستطع أن تتصور فتاة في مثل سنها تحجز نفسها في الحياة الخاصة .
وهكذا كانت فرْمينا داثَا ، فمنذ استيقاظها في السادسة صباحا وإلى أن تطفئ نور حجرة النوم كانت تكرس نفسها لإضاعة الوقت ، فالحياة تُفرَض عليها من الخارج أولا ومع صياح الديكة الأولى يوقظها بائع الحليب بمِقْرَعة الباب ، ثم تدق بائعة السمك على صندوق أسماك الأبرميس التي ما زالت تحتضر فوق فَرشَة من الأعشاب البحرية ، وتأتي التشكيلة الفاخرة من خضروات بساتين ماريا السفلى وفواكه سان خاثينتو ، بعد ذلك وطوال النهار يَقْرع الجميع الباب ، المتسولون بائعات اليانصيب راهبات الإحسان ومشتري القناني الفارغة ، ومشتري الذهب المُكَسَر ومشتري ورق الجرائد والغجريات المُزيفات اللاواتي يقرأن الحظ في أوراق اللعب وفي خطوط الكف وفي بقايا القهوة وفي ماء الجَفنَة .
كان الأسبوع يمر على غالا بلاثيديا وهي تفتح الباب وتُغلِقه لتقول : لا عُد في يوم آخر .
أو لتصرخ من الشُرْفَة في مزاج مُعكَّر : أن توقفوا عن الإزعاج ، اللعنة لقد اشترينا كل ما نحتاجه .
كانت قد حلت محل العمَّة أسْكولا أَسْتيكا بحماسة شديدة وظرافة كبيرة حتى أن فرْمينا داثَا كانت تُخطئ فتظنها العمَّة وتحبها على أنها كذلك ، كانت مسكونة بهواجس عبدة ، فما أن تجد لحظة فراغ حتى تمضي الى غرفة الأشغال لتكوي الملابس البيضاء وتتركها على أحسن حال ، وتحْفَظها في الخزائن مع أزهار الخُزامة ، ولم تكن تكوي وتطوي ما كانت قد غسلته فقط وإنما كذلك الملابس التي فقدت رونقها لقلة الاستخدام ، وبالاهتمام ذاته كانت تحافظ على ملابس فرْمينا سانجيت والدة فرْمينا المتوفاة منذ أربعة عشر عاما خلت .
لكن فرْمينا داثَا هي التي اكانت تتخذ القرارات ، فهي من يؤمر بإعداد ما يجب للطعام وما يجب إعداد شِرائه وما يجب عمله في كل حالة ، وبهذا كانت تُقرِر مسار حياة بيت لا يوجد فيه في الواقع ما يجب تقريره ، فبعد أن تنتهي من تنظيف الأقفاص ووضع الطعام للعصافير والتأكد من أن الأزهار ما عادت بحاجة لشيء تصبح دون اتجاه ، وبعد طردها من المدْرسة كثيرا ما كانت تبقى نائمة منذ القيلولة ولا تستيقظ حتى اليوم التالي ، ولم تكن دروس الرسم إلا وسيلة مسَلِّية أخرى لإضاعة الوقت .
كانت علاقتها بأبيها خالية من العواطف منذ نفي العمَّة أسْكولا أَسْتيكا ، لكنهما وجدا سبيلا الى العيش معاً دونما عراقيل ، فحينما تستيقظ يكون قد خرج الى أعماله ، ونادرا ما كان يتخلف عن طقس الغداء مع أنه لم يكن يأكل شيئا تقريبا إذ كان يكتفي بالمُقَبلات والأصناف الجليقية الخفيفة التي تُقدَم في مقهى الباروكية ، ولم يكن يتناول العشاء أيضا ، كانوا يتركون له حصته من العشاء على المائدة في صحن واحد مغطى بصحن آخر رغم معرفتهم بأنه لن يأكلها حتى اليوم التالي بعد إعادة تسخينها على الفطور ، وكان يعطي ابنت النقود اللازمة للنفقات مرة كل أسبوع ، ويحسب تلك النقود جيدا ، وكانت تتصرف بها بصرامة ، لكنه كان يلَبّي عن طِيب خاطر أي طلب تطلبه لِنَفَقات طارئة ، لم يساومها على قرْش في يوم من الأيام ولم يطلب منها بياناً بالحساب يوما ، لكنها كانت تتصرف وكأنها ستقدم كشفاً بالحساب أمام محكمة قدسية .
لم يُحَدِّثها أبدا عن طبيعة أعماله وحالتها ، كما لم يرافقها لتتعرف على مكاتبه في الميناء تلك التي في موقع محضور على الآنسات دخوله حتى وهن بصحبة آباائهن .
ولم يكن لورينثو داثَا يرجع الى بيته قبل الساعة العاشرة لَيلاً وهي ساعة حظر التجول في مراحل الحرب الأقل خطراً ،و كان يبقى حتى ذلك الحين في مقهى الباروكية يلعب كل شيء لأنه كان متخصصاً في جميع ألعاب الصالونات ومُعلِّماً جيدا لهذه الألعاب أيضا ، وكان يعود دوما الى بيته في حالة من الاتزان العقلي دون أن يوقظ ابنته رغم أنه كان يتناول أول كأس من خمر اليانسون عند استيقاظه ويتابع مَضْغ عقب سيجاره المنطفئ وشُرْب عدد من الكؤوس المتفرقة طوال النهار ، لكن فرْمينا داثَا أحست بدخوله في إحدى الليالي ، سَمِعت وقع خطواته كخطوات قوزاقي على الدرج ولهاثه الضخم في ممر الطابق الثاني وضرباته بكف يده على باب غرفة النوم ، فتحت له الباب ، وفزعت لللمرة الأولى من عينه المنحرفة وكلماته المضطربة .
قال لها : لقد انهَرنا ، إنه الانهيار الكامل وها أنتِ ذي قد علمتِ .
كان ذلك هو كل ما قاله ولم يعُد لقول ذلك أبدا ، ولم يحدث ما يشير الى أنه قال الحقيقة ،.
لكن فرْمينا داثَا وعت بعد تلك الليلة أنها وحيدة في الدنيا كانت تعيش على أحد هوامش المجتمع ، فصديقاتها القديمات في المدْرسة كنَّ في سماء محرمة عليها ، وقد أصبح الأمر أكثر صعوبة بعد فضيحة طردها ، لكنها لم تكن بمثابة جارة لجيرانها أيضا ، لأن هؤلاء تعرفوا عليها بلا ماضٍ وبزي مدْرسة ظهور العذراء المقدسة ، أما عالم أبيها فكان عالم التُجّار وحمّالي السفن ، عالم لاجئي الحروب في وَكْر مقهى الباروكية العام ، عالم رجال متوحدين .
لقد خففت دروس الرسم من عزلتها في السنَة الأخيرة ، لأن المعلمة كانت تفضل الدروس الجماعية وقد اعتادت أن تأتي معها بتلميذات أخريات الى حجرة الخياطة ، لكنهن فتيات من أوساط اجتماعية مشوشة وغير محددة ، لم يكنَّ بالنسبة لفرْمينا داثَا أكثر من صديقات مستعارات ينتهي تأثيرهن مع انتهاء كل درْس .
أرادت هيلْدا براندا أن تفتح البيت ، أن تُهَوِّيه أن تأتي بالموسيقيين والألعاب النارية وقلاع البارود من عند أبيها وإقامة حفل رقص كرنفالية يقوض عصفها حالة ابنة عمتها المعنوية المَنخورة ، لكنها سرعان ما تنبهت الى أنْ نواياها غير مُجْديَة والسبب بسيط ، لا يوجد من يشارك في الحفلة .
وكانت هيلْدا براندا على أي حال هي التي وضعتها في الحياة ، ففي المَساء وبعد دروس الرسم كانت ترافقها الى الشارع للتعرف على المدينة ، وقد أَرَتْها فرْمينا داثَا الطريق الذي كانت تقطعه يوميا مع العمَّة أسْكولا أَسْتيكا ، ومِقعد الحديقة حيث كان فلورنْتينوأَريثَا يتظاهر بالقراءة لينتظرها والأزقة التي كان يلاحقها فيها ومَخابئ الرسائل والقصر المشؤوم الذي كان سجن سانتوفيثينو فيما مضى وتحول الى مدْرسة ظهور العذرا المقدسة التي تكرهها من أعماق روحها .
صعدتا الى رابية مقبرة الفقراء حيث كان فلورنْتينوأَريثَا يعزف الكمان حسب اتجاه الريح لتسمعه وهي في الفراش ، ومن هناك رأتا المدينة التاريخية بكاملها والسقوف المهمشة والجدران المتآكلة وأنقاض الحصون بين الأجمات والجزر المتناثرة في الخليج وأكواخ البؤس حول المستنقعات والكاريبي الرحب .
في ليلة عيد الميلاد ذهبتا الى القُدّاس في الكاتدرائية ، وجلست فرْمينا في المكان الذي تصلها فيه فلورنْتينوأَريثَا على أحسن وجه ، ورأت ابنة خالها المكان الدقيق الذي رأت فيه لأول مرة عن قرب عينَيه المُرتعبتين في ليلة كهذه الليلة .
وغامرتا بالذهاب وحدهما الى زُقاق الكَتَبَة العُموميين ، واشترتا الحلوى وتوقفتا في دكان الأوراق السحرية ، وأرت فرْمينا داثَا ابنة خالها المكان الذي اكتشفت فيه فجأة أن حبها لم يكن أكثر من سراب ، ولم تنتبه هي نفسها الى أنْ كلخطوة خَطَتْها من البيت الى المدْرسة وكل مكان في المدينة ، كل لحظة من ماضيها القريب ما كان لها من وجود إلا بفضل فلورنْتينوأَريثَا ، ولفتت هيلْدا براندا انتبهها الى ذلك ، لكنها لم توافق على الأمر لأنها لم تقبل يوما حقيقة أن فلورنْتينوأَريثَا بخيره أو شره هو الشيء الوحيد الذي حدث لها في الحياة .
في هذه الأيام جاء المدينة مصور فوتوغرافي بلجيكي ، وأقام إستوديو تصويره في أعالي زُقاق الكَتَبة ، وانتهز كل قادر على الدفع الفرصة لِيلتقط صورة .
وكانت فرْمينا داثَا وهيلْدا براندا من الأوائل ، أفرغتَا خزانة ملابس فرْمينا سانجيت واقتسمتَا أزهى الملابس والمِظلات وأحذية الاحتفالات والقُبعات ، وارتدتَا ملابس سيدات كانت سائدة منذ نصف قرن ، ساعدتهما غالا بلاثيديا على شد أحزمة الخصر وعَلَّمَتْهُما كيف تتحركان في هياكل التنانير الداخلية المصنوعة من الأسلاك ، وكيف تلبسان القُفّازات وتُزرران الأحذية ذات الكعوب العالية .
وفضلت هيلْدا براندا قُبعة عريضة الحواف مُزينة بريش نَعام يتدلى على ظهرِها ، ووضعت فرْمينا قُبعة أكثر حداثة مُزينة بفواكه جصية ملَونة وأزهار كريلونينا ، ثم ضحكتَا لِمظهرهما عندما رأتَا في المرآة أنهما تشبهان صور الجدات ، وانطلقتا سعيدتين ضاحكتين ليلتقطا صورة عمرهما .
رأتهما غالا بلاثيديا وهما تجتازان الحديقة وقد فتحتا مظَلَتَيهما مستندتين كيفما اتُفِق على كعوب أحذيتهما ودافعتَين تنانيرهما المُكَشكَشَة مع جسديهما في مشية كمشية الأطفال فباركتهما كي يساعدهما الله في صورهما .
كانت هناك جلَبة مقابل استوديو البلجيكي إذ كان يلتقط صوراً لبينيثيتينو الذي كسب في تلك الأيام بطولة الملاكمة في بَنَما ، كان يرتدي سروال الملاكمة والقُفازات ويضع التاج على رأسه ، ولم يكن تصويره بالأمر السهل إذ كان عليه أن يقف بوضعية الهجوم لمدة دقيقة وأن يتنفس أقل ما يمكن ، لكنه ما أن يتخذ وضعية الاحتراس حتى ينطلق أنصاره المتعصبون بالتصفيق والهتاف ، فلا يستطيع مقاومة إغراء إسعادهم بعرض فنونه .
وعندما جاء دور الفتاتَين كانت السماء قد تلبدت بالغيوم وبدا أن المطر سيهطل حتماً ، لكنهما سمحَتا للمصور بتعفير وجهيهما بالنشاء واستندتا الى عمود رُخامي بشكل طبيعي ، وتمكَنتا من الوقوف دون حراك لوقت أطول من المعقول بكثير ، وكانت صورة خالدة .
عندما توفيت هيلْدا براندا وهي على مَشارف المائة من عمرها في مزرعتها المسماة فلوريس ديماريا وجدوا نسختها من الصورة في خزانة مخْدعِها المقفلة ما بين ثَنايا شراشف معطَرة الى جانب بقايا رسالة مَحَتْها السنون ، وقد احتفظت فرْمينا داثَا بنسختها لسنوات طويلة في الصفحة الأولى من ألبوم عائلي ، حيث اختفت دون أن يعرف أحد كيف أو متى ، ووصلت الى يَدَي فلورنْتينوأَريثَا إثر سلسلة من المُصادفات التي لا تُصدَّق بعد أن تجاوز كِلاهما السبعين .
كانت الساحة المقابلة لزُقاق الكَتَبة تغُصّ بالنساء حتى الشُرُفات عند خروج فرْمينا وهيلْدا براندا من استوديو البلجيكي ، لقد نسيَتا أن وجهيهما أبيض بالنشاء وشفتيهما مطليتان بمرهَم له لون الشوكولاتة وأن ملابسهما لا تناسب السعة ولا الحِقبة الحالية ، واستقبلهما الشارع بفَيض من السخرية ، فانزَوَتَا وحاولتَا الهرب من الاستهزاء العام حين شقت العربة التي يقودها جوادان أشْقَران ذهبيان طريقها وسَط الحشد ، فتوقفت السخرية وتفرقت الجموع المعادية .
لن تستطيع هيلْدا براندا أن تَنسى أبدا رؤيتها الأولى للرجل الذي ظهر على رِكاب العربة بقُبعته الملساء وسُترته الباروكار وحركاته الماهرة وعذوبة عينيه وسُلطة حضوره ، ورغم أنها لم تكن رأته من قبل إلا أنها عرفته في الحال .
كانت فرْمينا داثَا قد حدَّثتها عنه ، فعلت ذلك مُصادفة وبِلَا أية مصلحة ، في مَساء يوم من أيام الشهر الماضي حين لم تشأ المرور قرب بيت الماركيز دي كاس ديلويرو لأن عربة الخيول الذهبية كانت تقف أمام الباب ، وأخبرتها من هو صاحب العربة وحاولت أن تشرح لها سبب نفورها دون أن تقول لها كلمة واحدة عن طلبه الزواج منها .
كانت هيلْدا براندا قد نَسِيَته ولكنها عندما تعرفت عليه وهو عند باب العربة وكأنه طيف من حِكاية خيالية ، إحدى قدمَيه على الأرض والأخرى على رِكاب العربة ، لم تستطع أن تفهم أسباب نفور ابنة عمتها منه .
- اصعدَا من فضلكما
قال لهما الدكتور خوفينال أُورْبينو .
- سأُوصلكما حيث تأْمُران .
بدأت فرْمينا داثَا القيام بحركة مُبهمة لكن هيلْدا براندا كانت قد وافقت .
أنزَل الدكتور خوفينال أُورْبينو قدمه الى الأرض وساعدها على الصعود الى العربة بأطراف أصابعه وهو لا يكاد يلمسها ، وحين لم تجد فرْمينا مَخْرَجاً صعدت وراءها بوجه يتقد حرجاً .
كان البيت يبعد أربع كوادرات فقط ولم تنتبه الفتاتان الى أنْ الدكتور أُورْبينو قد اتفق مع الحُوذي ، ولكن لا بد أن الأمر كذلك لأن العربة استغرقت أكثر من نصف ساعة في الوصول ، كانتا تجلسان على المِقعد الرئيسي وجلس هو مقابلهما مولِياً ظهره لاتجاه سير العربة .
التفتت فرْمينا بوجهها نحو النافذة وغَرِقت في الفراغ ، أما هيلْدا براندا فكانت مفتونة وكان الدكتور أكثر فتنة بافتتانها وما أن انطلقت العربة حتى أحست برائحة جلْد المَقاعد الطبيعي الدسمة ، وحميمية العربة من الداخل فقالت : أنها تراها مكاناً مناسباً للعيش فيه .
وسرعان ما أَخَذَا يضحَكان ويتبادلان المُزاح كصديقَين قديمين ، وعَرَّجَا على لعبة كلمات ذات رطانة بسيطة تتلخص بإدخال مقطع صوتي متوافق بين كل مَقطعَين ، كانا يتظهران بالاعتقاد أن فرْمينا لا تفهمهما رغم معرفتهما بأنها ليست فاهِمَة فحسب بل ومُومُنْصِتةً إليهما أيضا ، ولذا كانا يتابعان اللعب ، وبعد هُنَيْهة من الوقت وكثير من اللعب اعترفت هيلْدا براندا بأنها ما عادت تحتمل الآلام التي يسببها لها الحذاء .
فقال الدكتور أُورْبينو : الأمر في غاية البساطة هَلُمّي لنرى من ينتهي أولا .
وبدأ بحل رباط حذائه ، وقبِلَت هيلْدا براندا التحدي .
لم يكن الأمر سهلا لأن مِشَد الأسلاك ما كان يسمح لها بالانحناء ، لكن الدكتور أُورْبينو تأخر متعمدا الى أنْ أَخرجت حذاءها من تحت التنورة بضحكة ظافرة وكأنها اصطادت الحذاء لتوها من بِرْكة راكدَة ، عندئذٍ نظرَا معاً الى فرْمينا ورأيَا بروفايل وجهها أكثر حدة من أي وقت آخر على خلفية المَساء القائظ .
لقد كانت غاضبةً ثلاثاً ، للوضع الغير اللائق الذي هي فيه ، ولِسُلوك هيلْدا براندا الشائن ، ولِيَقينِها بأن العربة تجول على غير هدى لأتأخير الوصول .
لكن هيلْدا براندا كانت مُنْفَلتة من عقالِها وقد قالت : لقد أدركت الآن أن ما يُزعجني ليس الحذاء وإنما هذا القفص من الأسلاك .
وأدرك الدكتور أُورْبينو أنها تعني التنورة الداخلية ، فأمسك بالسانحة على الفور وقال : الأمر في غاية البساطة اخلعيها .
وبحركة شَعوذة سريعة أَخرج منديلا من جيبه وعصب عينيه قائلا : أنا لا أرى .
أبرزت العصابة نقاء شفتَيه بين اللِحْيَة المستديرة السَوداء والشارب ذي الطرفَين المدببَين ، وأحست هي بارتعاشة ذعر تهز كيانها ، فنظرت الى فرْمينا ولم تجدها غاضبة الآن وإنما مُرتعبة من أن تكون هي على استعداد لخلع تنورتها ، فاتخذت .
هيلْدا براندا وَضعاً جدياً وسألَت بإشارات من يديها : ماذا نفعل ؟
وأجابتها فرْمينا داثَا بالطريقة ذاتها : بأنها ستُلقي بنفسها من العربة إذا هم لم يذهبوا الى البيت مباشرةً .
قال الطبيب : إنني أنتظر .
فقالت : هيلْدا براندا : بإمكانك أن ترى . عندما نزع الدكتور خوفينال أُورْبينو العصابة عن عينَيه وجدها قد تغيرت ، وأدرك أن اللعب قد انتهى وأنه انتهى بصورة سيئة ، وبإشارة منه دار الحُوذي بالعربة دورة كاملة وقرعت جميع الكنائس نَواقيسها داعيةً الى صلاة التبشير .
نزلت هيلْدا براندا مسرعةً ومضطربة بعض الشيء لأنها أغضَبَتْ ابنة عمتها ، وودعت الطبيب بمصافحة سطحية ، وفَعلَت فرْمينا مثلها ولكن حين حاولت سحب يدها بالقُفاز الأمْلَس ضغط الدكتور أُورْبينو بقوة على إصبعها الوسطى قائلا : ما زلتُ أنتظر رَدَّكِ .
حينئذٍ سحبت فرْمينا داثَا يدها بقوة وبقي القُفاز معلقا بيد الطبيب ، لكنها لم تنتظر لاستعادته ، وذهبت الى النوم دون أن تأكل ، أما هيلْدا براندا فبعد أن تناولت العشاء في المطبخ مع غالا بلاثيديا دخلت الى حجرة النوم وكأن شيئا لم يحدث ، وغلَّفت بظرافتها الطبيعية على أحداث المَساء ، ولم تخفِ حماسها للدكتور أُورْبينو وأطرت على أناقته ولطْفه .
ولم تُعقب فرْمينا على كلامها بشيء ، ولكنها كانت محتاطة للمُناكَفَة ، واعترفت هيلْدا براندا أنها في لحظة معينة حين عصب الدكتور أُورْبينو عينيه ورأت بريق أسنانه المنتظمة بين شفتيه الورديتين أحست برغبة لا تقاوَم لأكله بالقُبلات .
فانقلبت فرْمينا داثَا نحو الجدار ووضعت للحديث حدا دون رغبة في الإساءة ، بل إنها كانت تضحك ومن أعماق قلبها وقالت : يا لكِ من عاهرة .
نامت متقافزة وكانت ترى الدكتور أُورْبينو في كل مكان ، رأته يضحك ويغني ويطلِق شرر كبريت من أسنانه وعيناه معصوبتان ويسخر منها برطانة لا قاعدة لها في عربة مختلفة كانت تصعد نحو مقبرة الفقراء .
واستيقظت قبل الفجر بكثير مُنْهَكَة وبقيت مستيقظة وعيناها مغمضتان تُفكر بالسنوات الطويلة التي ما زال عليها أ، تعيشها ، بعد ذلك وفيما هيلْدا براندا تستحم كتبت رسالة بأقصى سرعة وطوتها بأقصى ودَسَّتْها بأقصى سرعة في مغلف وقبل أن تخرج هيلْدا براندا من الحمام بَعَثتْها مع غالا بلاثيديا الى الدكتور خوفينال أُورْبينو .
كانت واحدة من رسائله وقد كتبت له عليها : أجل يا دكتور ، كلِّم والْدي .
دون أي حرف أكثر أو أقل .
حين عَلِم فلورنْتينوأَريثَا أن فرْمينا داثَا ستتزوج من طبيب نبيل وثري مُتعلِّم في أوربا وذي شُهرة فريدة في مثل سنِّه ، لم تكن هناك قوة قادرة على إخراجه من مذلَّته ، وقد فعلت ترانسيتو أَريثَا أكثر مما هو ممكن لتعزيته بأساليب كأساليب عروس عندما رأت أنه فقدَ النطق والشهية ، وأنه يقضي الليل مسْهدَا يبكي دون راحة الى أنْ تمكن بعد أسبوع من جعله يأكل ، حينئذٍ تحدثت الى ليون الثاني عشر لوايثَا الحي الوحيد من الأخوة الثلاثة ، ورجته دون أن توضح الأسباب أن يقدم عملا لابن أخيه ليقوم بأي شيء في المؤسسة البحرية ، على أن يكون ذلك فثي أي ميناء منسي وسط الغابات من موانئ نهر مَجْدلينا حيث لا وجود لبريد ولا لتلغراف ، وحيث لا يلتقي بأحد ينقل إليه شيء عن مدينة الضياع هذه .
لم يمنحه العم عملا احتراما لِزوجة التي لم تكن تحتمل مجرد وجود البندوق ، لكنه حصل له على وظيفة عامل تلغراف في فياديليفَا ، مدينة الأحلام الواقعة على بُعد أكثر من عشرين مرحلة والتي ترتفع حوالي 3000 متر فوق مستوى شارع لاس فنتاناس .
لم يعِ فلورنْتينوأَريثَا أبدا تلك الرحلة العلاجية وسيتذكرها دوما مثل كل ما حدث له في تلك الفترة من خلال زجاج محنته المُغَبَّش .
عندما استلم برقية التعيين في المنصب لم يفكر بأخذها على مَحْمل الجِد ، لكن لوتاريو توغوت أقنعه بحجج ألمانية أن مستقبلا باهراً ينتظره في الإدارة العامة وقال له : أن التلغراف مهنة المستقبل .
وأهداه زوجاً من القُفازات الملْساء ومعطفاً ذا ياقة من الفرو في شهور كانون الجليدية في بافيرا ، وأهداه العم ليون الثاني عشر بدلتَين وجزمة واقية من المطر كانت لشقيقه الأكبر ، وقدم له بطاقة الرحلة مع قُمرة في السفينة التالية .
قَيَّفَت ترانسيتو أَريثَا الملابس على مقاس ولدها الذي كان أقل بدانة من أبيه وأقصر بكثير من الألماني ، واشترت له جوارب صوفية وسراويل داخلية طويلة كي لا ينقصه شيء لمواجهة قسوة البرد ، وكان فلورنْتينوأَريثَا المُتصلِّب من شدة المعاناة يساعد للإعداد في الرحلة كما بإمكان ميت أن يساعد في مَراسم جنازته .
لم يقُل لأحد أنه ذاهب ولم يودع أحدا واحتفظ بالكتمان الحديدي الذي لم يكشف فيه لأحد سوى أمه سر عاطفته المقهورة ، ولكنه في عشية السفر اقترف حماقة قلبية أخيرة كان يمكنها أن تكلفه حياته .
ارتدى في منتصف الليل بدلة الآحاد وعزف وحيدا تحت شُرْفة فرْمينا داثَا فالس الحب الذي وضعه لها ، والذي لا يعرفه أحد سواهما الاثنين ، وكان خلال ثلاث سنوات شعار توافقهما المتناقِض ، عزفه مدمدماً بكلمات الأُغنية على الكمان الغارق بالدموع وبإلهام زخم جعل كلاب الشارع تبدأ بالعواء منذ النغمات الأولى ، ثم تَلَتْها كلاب المدينة بأَسرها ، ولكنها أخذت تصمت بعد ذلك شيئا فشيئا في أُفُق الموسيقى الى أنْ انتهى الفالْس بِصمْت ما ورائي ، لم تُفتَح الشُرْفة ، ولم يُطِل أحد الى الشارع حتى ولا الحارس الليلي الذي يهرع عادةً بفانوسه محاولاً التحضُّر بالاستماع الى فُتات موسيقى السيرنادات الليلية .
لقد كان ذلك الفصل رقية تفريج عن فلورنْتينوأَريثَا ، لأنه ما أن خبَّأ الكمان في علبته وابتعد في الشوارع الميتة دون أن يلتفت الى الوراء حتى فقدَ الشعور بأنه سيغادر في صباح اليوم التالي وانتابه إحساس بأنه قد غادر منذ سنوات طويلة وبِقرار قاطع ألّا يعود أبدا .
كان قد أعيد تعميد السفينة وهي واحدة من ثلاثة سفن متشابهة لدى شركة الكاريبي للملاحة النهرية باسم مؤسس الشركة بيوس الخامس لوايثَا، كانت عبارة عن بيت عائم من طابقَين خشبيَين فوق هيكل من الحديد ، عريض ومستوٍ وبغاطس حده الأقصى خمسة أقدام يتيح للسفينة التغلُب على أعماق النهر المتفاوتة على أحسن وجه .
السفن الأقدم كانت بُنِيَت في سِينسِيناتي في منتصف القرن حسب النموذج الخُرافي للسفن التي كانت تقوم بالعبور من نهر أهْيو الى المِسِسيبي ، وكان لها في كل جانب عجلة دفع تتحرك بطاقة مرْجَل بخاري وقوده الحطب ، ومثل هذه كانت سفن شركة الكاريبي للملاحة النهرية ، ففي الطبقة السفلية وعلى مستوى الماء تقريباً هناك الآلات البخارية والمَطابخ والحضائر الكبيرة حيث كان البحّارة يُعَلِّقون شِباك نومهم متقاطعة على عدة مستويات ، اما الطابق العلوي فكانت مقصورة القيادة وقُمْرات القبطان وضباطه وصالة اللهو وصالة الطعام حيث كان يُدعى المُسافرون المرموقون مرة واحدة على الأقل للعشاء ولعب الورق ، أما في الطبقة الوسطى فكانت توجد سة قُمرات من الدرجة الأولى على جانِبَي ممر يُستخدم كصالة طعام عادية ، وهناك في المُقدمة صالة جلوس مفتوحة فوق النهر لها شُرْفة خشبية مُزخرفة وأعمدة من الحديد حيث كان المُسافرون العاديون يُعلِّقون شباك نومهم ليلا ، وخلاف للنماذج القديمة لم تكن لهذه السفن عجلاتَا دفع على الجانبَين وإنما عجلة واحدة في المؤخرة ذات رياش أفقية تحت مراحيض طبقة المُسافرين الخانقة .
لم يتكلف فلورنْتينوأَريثَا مشقَة استكشاف السفينة فور صعوده الى مَتْنِها في الساعة االسادسة من صباح أحد حُزَيراني كما يفعل عادةً من يسافرون لأول مرة بدافع الغريزة ، وقد وعى الحالة التي هو فيها عند الظهيرة فقط .
وبينما كانت السفينة تُبْحِر مقابل داسكاراكالامار حين ذهب للتبول في المؤخرة ورأى من فتحة المرحاض العجلة العملاقة ذات العوارض الخشبية تدور تحت قدَمَيه بِقَعقَعة بُركانية وزَبَد وبخار ملتهبَين ، لم يكن قد سافر أبدا من قبل، كان يحمل صندوقاً من الصفيح فيه ملابس السَهَب والروايات المصورة التي كان يشتريها في أجزاء شهرية ، وكان يُخيطها بنفسه مع أغلفة من الورق المقوى وكتُب أشعار الحب التي يحفظها ويُلقيها عن ظهر قلب والتي توشك أن تتحول الى رماد لكثرة ما أعاد قراءتها ، كان قد خلَّف الكمان الذي يرتبط الى حد بعيد بنَكْبته ، لكن أمه أجبرته على حمل صُرة السفر التي تَضُم عُدة نوم شعبية وعملية ، وسادة ودِثار ومَبْوَلة من التُتياء وكُلَّة مُخَرَمَة للحماية من البرغش ، كل هذا مربوط بحصيرة ملفوفة مربوطة بحَبْلَينِ لتعليقها كأرجوحة نوم للطوارئ .
لم يكن فلورنْتينوأَريثَا يريد حمْلها فقد ظن أنها لن تفيده بشيء في قُمرة مزودة بأَسِرَّة مستوية ، ولكن كان عليه أن يشكر لأمه حُسن تدبيرها منذ الليلة الأولى ، وفعلا فقد صعد في اللحظة الأخيرة الى المرْكب مُسافر يرتدي ملابس بروتوكولية كان قد وصل ذلك الصباح في سفينة قادمة من أوربا وكان يرافقه حاكم المقاطعة شخصياً وهو يريد متابعة الرحلة فورا مع زوجته وابنته وكذلك خادمه الذي يرتدي زي الخَدَم والصناديق السبعة ذات الحواشي المُذَهَّبة والتي صعدت بمشقة على السلالم ، وتمكن القبطان وهو مارد من كوراثو من إثارة الشعور الوطني بين الكِريوليين لتأمين راحة المُسافر الطارئ ، وشرح لفلورنْتينوأَريثَا بمزيج من القشْتالية والبابيمنتو أن الرجل البروتوكولي هو الوزير المفوض الجديد لإنجلترا المُسافر الى عاصمة الجمهورية ، وذكَّره بأن تلك المملكة قد قدمت موارد حاسمة لاستقلالنا من الهيمنة الإسبانية ، وبناءً عليه فإن أية تضحية ستكون ضئيلة الشأن في سبيل أن تشعر عائلة رفيعة المقام وهي في بيتنا بأنها أحسن حالاً من بيتها ، وطبعاً تخلى فلورنْتينوأَريثَا عن قُمْرته .
لم يأسف لذلك في البدء إذ كان ماء النهر غزيرا في تلك الفترة من السنَة ، وكانت السفينة تُبْحر دون عوائق في الليلتَين الأوليتين ، .
كان أفراد طاقم السفينة يوزعون على المُسافرين بعد العشاء في الخامسة مَساءً نوعاً من الأَسِرَّة المَطْوية ، سطحها من قماش الخيم المَتِين وكان كل مُسافر يفتح سريره حيث يستطيع ويُجهِزه بالخرق التي في الصُرَّة سفره ثم ينصب فوقه الكُلَّة المُخَرَمة ، أما الذين يملكون أَراجيح نوم فكانوا يعلِّقونها في الصالون والذين لا يملكون شيئا ينامون على موائد صالة الطعام متدثرين بشراشف الطاولات التي لم تُستَبدل إلا مرتَين خلال الرحلة .
كان فلورنْتينوأَريثَا يمضي معظم الليل ساهراً متخيلاً أنه يسمع صوت فرْمينا داثَا في نسيم النهر البارد ، راعياً الوحدة بذكرياته مُستَمِعاً غناءً في لهاث السفينة المتقدمة بخطوات حيوان ضخم في الظلمات الى أن تظهر أولى البُقع الوردية في الأفق وينشق النهار الجديد فجأة على صحاري فسيحة ومستنقعات ضَباب ، وكانت الرحلة تبدو له حينئذٍ دليلا آخر على حكمة أمه ، وأحس بحماسة لتجاوز النسيان .
بعد ثلاثة أيام من المياه المواتية أصبح الإبْحار أكثر مشقة بين المصاطب الرملية المفاجئة وتعكر الماء الذي يخفي مدى عمق النهر ، أصبح النهر عَكِراً وصار يضيق أكثر فأكثر وسط غابة عظيمة من الأشجار المتشابِكة حيث كان يظهر من حين لآخر كوخ من القش الى جانب أكوام الحطب المُعدة لمراجل السفن ، ويبدو أن لغط الببغاوات وصياح القِردة اللامرئية كان يُفاقم من قيظ الظهيرة ، أما في الليل فكان لابد من ربط السفينة للنوم ، فيصبح مجرد كون المرء حياً حينئذٍ أمراً لا يُطاق ، فإضافة للحَر والبرغش تأتي روائح شرائح اللحم المملح المنشورة على دربزينات السفينة لتجف ، فكان معظم المُسافرين وخاصة الأوربيين منهم يغادرون نتانة القُمرات ويقضون الليل وهم يَذرَعون سطح المرْكب ويهشون ميع أنواع الهوام بنفس المناشف التي يمسحون بها العرَق المتواصل ، ويدركهم الصباح وهم مُنْهَكون ومتورمون بفعل اللسع .
وكان قد اندلع في تلك السنَة أيضا فصل جديد من الحرب الأهلية المتقطعة بين اللِبْرالِيين والمحافظين ، فاتخذ القبطان احتياطات شديدة ةالصَرامة لحفظ النظام الداخلي وأمن المُسافرين ، وفي محاولة لِمنع وقوع الأخطاء والاستفزازات حظر ممارسة التسلية المفضلة في رحلات ذلك الزمان ألا وهي إطلاق النار على التماسيح القابعة تحت الشمس على الضفاف ، وفيما بعد حين انقسم المُسافرون الى فريقَين متعاديَين أثناء إحدى المناقاشات قام بمصادرة أسلحة الجميع واعداً بكلمة شرف أن يعيدها عند انتهاء الرحلة ، كان صارماً في هذا الأمر حتى مع الوزير البريطاني الذي خرج منذ صباح اليوم التالي لبدء الرحلة بملابس الصيد حاملا غدارة احتياطية وبُندقية صيد بسبطانتَين من تلك المستخدمة في صيد النمور ، ثم أصبحت القيود أكثر تشدداً بعد اجتياز مَرْفَأ تينريفي حيث التقوا بمرْكب يرفع راية صفراء هي علامة الوباء ، ولم يحصل القبطان على أية معلومات حول تلك العلامة المُرعبة لأن السفينة الأخرى لم تُجِب على إشارتهم ، لكنهم التقوا في ذلك اليوم بالذات بسفينة أخرى مُحملة بمَواشٍ من جامايكا وأَعْلَمَتهم هذه بأن سفينة الراية الوبائية تحمل على متْنها مريضَين بالكوليرا وأن الوباء كان يُحدث أضراراً وخسائر في مجرى النهر الذي عليهم الإبحار فيه .
عندئذٍ مُنِعَ المُسافرون من مغادرة السفينة ليس في الموانئ التالية فحسب بل وفي الأماكن الغير المأهولة حيث كانوا يتوقفون للتزود بالحطب .
وهكذا اعتاد المُسافرون فيما تَبَقى من الرحلة حتى مَرفَأ النهاية والتي استمرت ستة أيام أخرى على عادات السجون ، ومن هذه العادات المشاهدة الضارة لرزمة من بطاقات الصور الجنسية الهولندية التي كانت تنتقل من يد الى أخرى دون أن يعلم أحد علم اليقين من أين أتت ، مع أن أي مُجرِب للسفر في النهر لم يكن ليجهل أنها لا تكاد تُشكل إلا عيِّنة من مجموعة القبطان الخُرافية .
ولكن حتى هذه التسلية التي لا أمل فيها انتهت الى مضاعفة السَأَم .
احتمل فلورنْتينوأَريثَا قسوة الرحلة بِصَبْر معدني ، كان يحزن أمه ويغيظ أصدقاءه ، لم يخالط أحدا ، وكانت الأيام بالنسبة له تمضي سهلة وهو جالس مقابل الدرابزين يراقب التماسيح الجاثمة تحت الشمس على الضفاف بأشْداق مفتوحة لاقتناص الفراشات ، ويتأمل قطعان مالك الحزين المفزوعة التي تنطلق فجأة من المستنقعات والأَطَم التي تُرضع صغارها من أثدائها الأمومية الضخمة وتفاجئ المُسافرين ببُكائها النسوي .
وفي أحد الأيام رأى ثلاثة أجساد آدمية تطفو في الماء ، كانت منتفخة وخضراء وفوق كل منها عدد من طيور الرخمة ، مر أولا جسدَا رَجُلَين أحدهما بلا رأس ، ثم جسد طفلة صغيرة السن راح شعرها المُفلَت كشعر مِيدوزَا يتموج متلوياً من أثر مخور السفينة في الماء ، لم يعرفوا أبدا لأنه لا سبيل الى معرفة إن كان هؤلاء من ضحايا الكوليرا أَم ضحايا الحرب ، لكن الرائحة النتنة لوَّثت ذكرى إن كانوا فرْمينا داثَا في ذاكرته .
هكذا كان دائما فأي حدث خيرا كان أَم شراً يُذَكِّره بها .
في الليل حين كانوا يربطون السفينة ويتمشى معظم المُسافرين دون عزاء على السطح ، كان هو يراجع عن ظهر قلب تقريباً الروايات المصورة تحت مصباح الكاربور في صالة الطعام ، وهو المصباح الوحيد الذي يبقى مُضاءً حتى الصباح ، وكانت المآسي التي قرأها مرات ومرات تستعيد سحرها حين يُستبدَل أبطالها المخيَلين بِمَعارفه في الحياة الواقعية ، ويحتفظ لنفسه ولفرْمينا داثَا بأدوار الحب المستحيل ، وفي ليالٍ آخرى كان يكتب لها رسائل مكروبة ما تلبث مقاطعها أن تتبدد في المياه الجارية دون توَقِف نحوها .
وهكذا كانت تمر أقسى الساعات عليه متقمصاً شخصية أمير خجول أو فارس عاشق أحيانا ومُلتَحِماً أحيانا أخرى بجلْده المكْوي كعاشق في رحلة نسيان الى أنْ تهب أول النسمات فينصرف الى النوم جلوساً على مقاعد .
توقف عن القراءة في إحدى الليالي أبكر من المعتاد وكان يتجه ساهياً الى دورات المياه حين فُتِح باب لدى مروره بصالة الطعام المُقفرة ، وأمسكت يد صقر بكُم قميصِه وأدخلته الى القُمْرة ، أحس بالكاد بجسد غير محدد السن لامرأة عارية في الظلام ، كانت مغطاة بِعرَق ساخن وتنفسها غير منتظم ، دفعته على ظهره فوق السرير وفكت أبزيم حزامه وحلت الأزرار وامتطته كَفارس وجردته من عذريته دون أمجاد ، سقطَا كِلاهما مُنْهَكَين في فراغ هوة فراغ بلا قرار ، لها رائحة مستنقع قُريدس وبقيت جاثِمَة فوقه لِهُنَيْهة بعد ذلك وهي تلهث دون هواء ، ثم لم يعُد لها وجود في الظلام .
قالت له : انصرف الآن وانسَ كل شيء ، فهذا لم يحدث أبدا .
كان الهجوم مُباغتاً وناجحا لا يمكن تصنيفه كحماقة مفاجئة مبعثها الضجر ، وإنما كثمرة خطة مُحكمة بكل مراحلها وبأدق تفاصيلها ، وضاعف هذا اليقين الجذاب من تلهف فلورنْتينوأَريثَا الذي أحس وهو في ذروة اللذَة باكتشاف لا يمكن تصديقه بل إنه رفض قبوله ، وهو أن حب فرْمينا داثَا الخادع يمكن استبداله بعاطفة دنيوية .
وهكذا كان أن صمم على كشف هوية مغتصبته الماهرة ، فلربما وجد في غريزتِهَا كفَهْدَة علاجا لِمحنته ، لكنه لم يتوصل إليها بل على العكس فكلما تعمق في التَحرّي كلما شَعَر بأنه يبتعد عن الحقيقة .
لقد حدث الهجوم في القُمْرة الأخيرة ، لكن هذه القُمْرة كانت متصلة بالقُمْرة قبْل الأخيرة بباب داخلي بحيث تصبح القُمْرتان معاً جناح نوم عائلي فيه أربعة أَسِرَّة ، وهناك كانت تسافر امرأتان شابتان وأخرى متقدمة في السن إلا إنها ذات مظهر حسن ومعهم طفل عمره بضعة شهور ، كُنَّ قد التحقن بالرحلة من برانكوديلوبَا وهو الميناء الذي يُحَمِّلون فيه بضائع ورُكّاب مدينة مانبوكس مذ أصبحت هذه المدينة على هامش طريق السفن البخارية بسبب أهواء النهر .
وكان فلورنْتينوأَريثَا قد دقق بهن كونهن يحملن الطفل في قفص عصافير ضخم ، كن يسافرن بملابس حديثة كتلك التي ترتديها المُسافرات في عابرات المحيط الضخمة ببطانات تحت التنانير الحريرية وياقات مُخَرمة وقُبعات عريضة الحواف مُزينة بزهور كِرولينا ، وكانت الشابتان تستبدلان زينتهما وملابسهما كلها عدة مرات في اليوم حتى بدا وكأنهما تحملان معهما جوهما الربيعي ، بينما المُسافرون الآخرون يختنقون في الحر ، وثلاثتهن كنَّ يَساريات في استخدام المِظَلات ومراوح الريش .
لم يستطع فلورنْتينوأَريثَا أن يحدد حتى نوع العلاقة التي تربطهن رغم كونهن دون شك من أُسرة واحدة ، لقد فكر أول الأمر بأن الكبرى هي أم الأخريَين ، لكنه أدرك فيما بعد أنها ليست كبيرة في السن بما يكفي لتكون كذلك ، ثم إنها ترتدي ملابس حداد لا تُشاطِرها إياه الأخريَيان ، ولم يتصور أن تكون إحداهن قد تجرأت على فعل فعلتها فيما زميلتاها نائمتان في السريرَين المجاورَين ، والافتراض الوحيد المعقول هو أنها استغلت فرصة عارِضة أو مُدبرَة بقيت أثناءها وحيدة في القُمْرة ، وتحقق من اثنتين منهن تخرجان أحيانا للاستمتاع بالبرودة حتى وقت متأخر فيما تبقى الثالثة لرعاية الطفل ، لكنهن في إحدى الليالي القائظة خرجن ثلاثتهن معاً برفقة الطفل النائم في قفص الخيزران المغطى بظِلة من نسيج شفاف .
ورغم اختلاط كل هذه المؤشِرات فقد تعجل فلورنْتينوأَريثَا الى استبعاد أن تكون كبرى الثلاث هي منفِذة الهجوم ، ثم برَّأ في الحال ساحة الصغرى أيضا التي كانت أجملهن وأجرأهن ، فعل ذلك دون مُبررات مقنعة ،ولأن مجرد رصده المتلهف للنساء الثلاث حثَه على الاقتناع برغبته الداخلية في أن العاشقة العابرة هي أم الطفل الحبيس في القفص .
ولقد فتَنَهُ هذا الافتراض الى الحد الذي جعله يفكر بها أكثر من تفكيره بفرْمينا داثَا دون أن يهتم بما كان واضحاً في أن تلك الأُم حديثة الولادة كانت تعيش لابنها فحسب ، لم يكن لها من العمر أكثر من خمس وعشرين سنَة وكانت نحيلة ومُذَهَبة ذات أجفان برتغالية تجعلها أكثر بُعداً ، وكان لأي رجل أن يكتفي بفُتات من حنانها الذي تُغدقه على ابنها ، فمنذ تناول طعام الفطور وحتى ساعة النوم كانت تهتم بشؤونه في الصالة فيما زميلتاها الأخريان تلعبان الدومينو الصيني ، وحين توفَّق الى تنويمه تعلِّق القفص من سقفه في أكثر الأماكن برودة على شُرْفة السفينة ، لكنها لم تكن تتخلى عنه حتى بعد أن ينام وإنما تهُز القفص مُتَرنِمةً بأغنيات العرائس فيما أفكارها تطير مبْتَعِدَة عن مصاعب الرحلة .
تشبث فلورنْتينوأَريثَا بأنها ستكشف نفسها عاجلا أَم آجلا ولو من خلال إيماءة بسيطة ، وصار يراقب حتى تبدلات تنفُّسها من خلال إيقاع القلادة الدينية التي تُعلِّقها فوق بلوزتها القطْنية الرقيقة ، مُدقِّقاً فيها دون تَسَتُّر من فوق الكتاب الذي يتظاهر بقراءته ، وارتكب الوقاحة المدروسة باستبداله مكانه في صالة الطعام ليجلس مقابلها ، لكنه لم يحصل على أدنى مؤشر يدل على أنها هي حقا من تملُك النصف الآخر من سره ، والشيء الوحيد الذيبقي له منها عندما نادتها زميلته الصغرى هو اسمها روسالبَا .
في اليوم الثامن أبحرت السفينة بصعوبة بالغة عبر مضيق عَكِر بين جرفَين من صخور رُخامية ، وبعد الغداء رست في بويرتوناريه حيث سينزل المُسافرون الذين سيُتابعون الرحلة نحو المناطق الداخلية من من مقاطعة إنْتوكيا وهي إحدى أكثر المقاطعات تأثُراً بالحرب الأهلية الجديدة .
كان الميناء مؤلفاً من نصف دَرزينة من أكواخ السعف وحانة خشبية سقفها من التوتياء ، تحرسه عدة دوريات من الجنود الحفاة وسيئي التسليح ، إذ كانت لديهم معلومات عن خطة أعدها المتمردون للسطو على السفن ، وفيما وراء البيوت ترتفع نحو السماء قمم مجموعة وعرة من الجبال ، عليها طريق ضَيق له شكل حَدْوَة الفرس منحوت على حافة الهاوية .
لم ينم أحد ممن على ظهر المَرْكِب نوماً مطمئناً لكن الهجوم المنتظَر لم لم يحدث أثناء الليل .
واستيقظ الميناء متحولاً الى مهرجان أحادي ، حيث الهنود الذين يبيعون تَمائم مصنوعة من عاجٍ نباتي وأكاسير للحب ووسائط للقوافل المتأهبة للانطلاق في صعود يستمر ستة أيام عبر غابات السحْلبيات في سلسلة الجبال المركزية .
كان فلورنْتينوأَريثَا قد سَها وهو يتأمل عملية تفريغ السفينة على كواهل الزنوج ، رأى إنزال صناديق الخزف الصيني وآلات البيانو التي تُباع لِعاَزبات أَفيغادو ، ولم يدرك إلا متأخرا أن جماعة روسالْبَا هي بين المُسافرين الذين سيبقون على البر .
لقد رآهُن يمتطين البهائم من جانب واحد منْتعلات جزمات أَمَزونية وحامِلات مظَلات ذات ألوان مدارية ، وعندئذٍ خَطَا الخطوة التي لم يتجرأ عليها في الأيام الماضية ، حيا روسالْبَا بيده مُودعاً فردت عليه النساء الثلاث بطريقة واحدة وبأُلفة آلمَت أحشاءه لجَسارته المتأخرة ، رآهُن يَقُمْنَ بالاتفاف حول الحانة تتبعهن البغال المحمَّلة بالصَناديق وعُلب القُبعات وقفص الطفل ، ثم رآهُن بعد قليل يتسلقن حافة الجُرْف الجبلي وكأنهن صف من النِمال البغلية واختفَين من حياته .
حينئذٍ أحس أنه وحيد في الدنيا ، وجاءت الضربة القاضية من ذكرى فرْمينا داثَا التي بقيت كامنةً خلال الأيام الأخيرة ، كان يعلم أنها ستتزوج يوم السبت القادم في حفلة زِفاف صاخبة ،وكونه أَحبَّها وسيُحبها الى الأبد أكثر من أيٍّ كان لا يمنحه حتى الحق بالموت من أجلها ، والحسد الذي كان يُغرِقه حتى ذلك الحين بالدموع أصبح سيد روحه ، فأخذ يدعو الله أن يُنزل صاعقة العدالة الإلهية لِتصعَق فرْمينا داثَا حين تَهُمّ بقَسَم يمين الحب والولاء لِرجل لا يريدها زوجة له إلا لتكون حلية اجتماعية ، وكان يستغرق في رؤية العروس ، عروسه هو أو عروسة لا أحد مُلقاة فوق بلاط الكاتدرائية فيما أزهار البُرتقال تهطُل كالثلج مبللة بِنَدى الموت وتموج طرحتها فوق المرمر الجنائزي الذي يضم أربعة عشر مطراناً مدفونين مقابل المذبح الكبير ، ولكن ما أن ينتهي الانتقام حتى يندم لأفكاره الشريرة ، وعندها يرى فرْمينا داثَا وهي تنهض معافاة لِسواه ولكن حية ، لأنه غير قادر على تصور الدنيا بدونِهَا .
لم يعُد ينام ، وإذا كان يلتقط بضع لُقَيمات أحيانا فإنما يفعل ذلك لتوهمه بأن فرْمينا داثَا قد تكون معه على المائدة ، أو كي لا يمنحها شرف الصوم من أجلها ، وكان يعزي نفسه في بعض الأحيان بالاقتناع أنه لا بد لفرْمينا داثَا في نشوة حفلة الزِفاف أو في ليالي شهر العسل المحمومة من أن تُعاني ولو للَحظة ، لحظة واحدة على الأقل لحظة على أية حال حين ترفع الى وعيها شبح الخطيب المَخْدوع المُهان المَبسوق فتنهار سعادتها .
عشية الوصول الى ميناء كراكولي وهو المحطة النهائية للرحلة أقام القبطان حفل الوداع التقليدي بمشاركة أوركسرا آلات نفخية مؤلَّفَة من طاقم السفينة وبإطلاق ألعاب نارية من مقصورة القيادة .
كان وزير بريطانيا العظمى قد اجتاز الأوُديسا بصبر نموذجي مُتصيِّداً بآلة التصوير الحيوانات التي لم يتيحوا له قتلها ببندقية الصيد ، ولم تكن تمر ليلة دون أن يظهر في صالة الطعام بملابس الإتكيت ، لكنه خرج الى الحفلة النهائية بِزي ماكْتافيتش الإسكتلندي وعزف القِربة بمرح وعلَّم كل من رغب رقصاته الوطنية ، وقبل الفجر اضطروا لنقله محمولا الى قُمْرته .
أما فلورنْتينوأَريثَا الذي أضناه الألم فقد اتخذ ركناً منْعزلا على سطح السفينة حتى لا تصله أخبار الحفلة وغطى نفسه بمعطف لوتاريو توغوت محاولاً مقاومة قشعريرة عظامه ، كان قد استيقظ في الخامسة صباحاً كما يستيقظ المحكوم بالإعدام صباح يوم تنفيذ الحكم ، ولم يكن قد فعل شيئا طوال يوم السبت سوى تخيل كل طقس من طقوس زِفاف فرْمينا داثَا لحظة بلحظة ، وفيما بعد عند عودته الى البيت أدرك أنه كان قد أخطأ في التوقيت ، وأن كل شيء حدث بطريقة مختلفة عما تصوره ، وقد كان يتمتع بمزاج طيب جعله يضحك من أوهامه لكنه كان على أي حال يوم سَبْت عاطفي انتهى بِنوبة جديدة من الحُمَّا عندما هُيِّئَ له بأنها اللحظة التي يحاول فيها العريسان الهرب خفية من حفلة الزِفاف لِيستسلمَا الى لذائل الليلة الأولى ، وقد رآه أحدهم وهو يرتعش من الحُمَّا وأنذر القُبطان بذلك ، فغادر هذا الحفلة مع طبيب السفينة خشية أن تكون أصابة بالكوليرا ، وبعثه اطبيب احتياطاً الى قُمْرة الحجر الصحي بعد إعطائه ججرعة لا بأس بها من البرومور ،وعندما بانت لهم أنوار كراكولي في اليوم التالي كانت الحُمَّا قد تراجعت وكان يتمتع بمعنويات عالية ، لأنه في خمود المُسكنات قرر فجأة ودون أي إجراءات أخرى بأنه سيبعث بمستقبل التلغراف الباهر الى الجحيم وسيرجع على السفينة نفسها الى شارعه القديم ، شارع لاس فنتاناس ، ولم يجد صعوبة في حمْلِهم على إعادته معهم مقابل القُمْرة التي تنازل عنها لممثل الملِكة فِكتوريا رغم أن القبطان حاول ثنيه عن عزمه أيضا بحجج مفادها أن التلغراف هو علم المستقبل ، وقال له : إن الأمر كذلك لدرجة أنهم يعملون لاختراع جهاز خاص لتَركيبه في السفن .
لكنه فنَّد كل حجة ، وانتهى القبطان الى القبول بإعادته معه ليس كرد دَين القُمْرة وإنما لأنه كا نيعرف حقيقة علاقته بشركة الكاريبي للملاحة النهرية .
تمت رحلة النزول في أقل من ستة أيام أحس فلورنْتينوأَريثَا بعدها أنه في بيته ثانيةً منذ دخولهم فَجراً في بحيرة لاس مِريثيديس ورؤيته أضواء زوارق الصيد المتناثرة وهي تتلوى مع تيار السفينة .
كان الوقت ما يزال لَيلا عندما رسوا في خليج نينيوبريديدووهو آخِر مَرْفَأ للسفن البخارية النهرية على بُعد تسع فَراسخ من البحر قبل أن يجرفوا قاع النهر ويعيدوا وضع المَمر الإسباني القديم موضع الاستخدام ، وكان على المُسافرين الانتظار حتى الساعة السادسة صباحا ليركبوا مجموعةً من زَوارق الأُجرة الصغيرة التي تحملهم الى هدفِهِم النهائي .
لكن فلورنْتينوأَريثَا كان متشوقاً مما دفعه للذهاب قبل ذلك بكثير في مَرْكب البريد الذي تعرَّف عليه موظفوه كواحد من جماعتهِم ، وقبل أن يغادر السفينة سمح لنفسه بالانقياد وراء إغراء حركة رمزية ، ألقى بِصُرة السفر الى الماء ولاحقها ببصره ما بين زوارق الصيادين اللامرئية الى أنْ خرجت من البُحيرة وضاعت في المحيط ، كان متأكداً أنه لن يحتاجها بقية حياته مطلقاً لأنه لن يغار مدينة فرْمينا داثَا الى الأبد .
كان الخليج حوض ماء راكد عند الفجر ،وفوق الضباب الطافي رأى فلورنْتينوأَريثَا قُبة الكاتدرائية المُذَهَّبة بفعل الأنوار الأولى ورأى بيوت الحمام على السطوح ،ومستدلاً بها حدد موقع شُرْفة قصر الماركيز دي كاس ديلويرو حيث افترض أن امرأة محنته ما زالت تنام مستندةً على ذراع الزوج المشْبع ، وقد مزق هذا الافتراض قلبه لكنه لم يفعل شيئا لقهره بل على العكس تماما كان يستمتع بالألم .
وحين بدأت الشمس تبعث دفءها كان مَرْكب البريد يشق طريقه وسط متاهة الزوارق الشراعية الراسية ، حيث روائح السوق العام التي لا حصر لها تختلط بعفونة الأعماق لتخرج بمزيج واحد من النتانة .
كانت السفينة القادمة من ريوهاجَا قد وصلت لتوها وجماعة الحمّالين الغاطسين في الماء حتى خصورهِم يلتقطون المُسافرين من جنب السفينة ليحملوهم الى الشاطئ ، وكان فلورنْتينوأَريثَا هو أول من قفز من مَرْكب البريد الى الى اليابسة ولم يعُد يشعر عندها بنتانة الخليج وإنما برائحة فرْمينا داثَا الشخصية تفوح في جو المدينة .
كل شيء كان يَعبَق برائحتِهَا ، لم يعُد الى مكتب التلغراف وبدا أن همه الوحيد هو كُتيِبات الحب وأجزاء المكتبة الشعبية التي ما زالت أمه تشتريها له ، والتي كان يقرأها ويعيد قراءتها وهو مُنْبطح في أرجوحة النوم الى أنْ يحفظها في ذاكرته ،ولم يسأل عن الكمان مجرد سؤال ، وأعاد اتصالاته مع أصدقائه المقربين ، وكان يلعب معهم البلرياد أحيانا ويتبادل وإياهم الحديث في مقاهي الرصيف تحت قناطر ساحة الكاتدرائية ، لكنه لم يعُد للذهاب الى حفلات الرقص أيام السبت ، لم يكن قادرا على تصور حفلات الرقص بدونِهَا .
في صباح يوم عودته من الرحلة التي لم تكتمل عَلِم أن فرْمينا داثَا ذهبت لقضاء شهر العسل في أوربا ، فرأى قلبه المُنْفطر بأنها ستبقى لتعيش هناك إن لم يكن الى الأبد فلسنوات طويلة ،ومنَحَه هذا اليقين الآمال الأولى بالنسيان .
أخذ يفكر بروسالْبَا التي أصبحت ذكراها تتقد أكثر فأكثر كلما خمدت الذكريات الأخرى .
وفي هذه الفترة كان أن ترك شاربه ذو الطرفَين المُدببَين والمثبتين والذي لن يحْلقه فيما تبَقى من حياته .
وتغيرت طريقته في الحياة ، وأدخلته فكرة استبدال الحب في \دروب غير متوقعة ، أخذت رائحة فرْمينا داثَا تصبح أقل حضوراً وزَخَماً الى أنْ بقيت آخِر الأمر في رائحة الياسمين الأبيض فقط .
، كان يمضي مذهولا لا يعرف كيف سيُتابع حياته حين لجأت أرملة ناثاريد الى بيتهم في إحدى ليالي الحرب لأن قذيفة مدفع أصابت بيتها أثناء حصار الجنرال المتمرد ريكاردو غايتان أُبيسو ، وكانت ترانسيتو أَريثَا هي التي التقطت الفرصة بسرعة فبعثت الأرملة لتنام في حجرة الابن بحجة أنه لا يوجد مجال في حُجرتها ، لكنها في الحقيقة كانت تأمل بأن يشفيه حب آخر من الحب الذي ما عاد يتركه يعيش .
لم يعُد فلورنْتينوأَريثَا لممارسة الحب منذ اغتصبته روسالْبَا في قُمْرة السفينة وبدا له طبيعياً في ليلة طوارئ أن تنام أرملة ناثاريت في السرير وينام هو في أرجوحة النوم ، أما هي فكانت قد حسمت الأمر بدلا منه ، وفيما هي جالسة على حافة السرير حيث كان فلورنْتينوأَريثَا
مستلقياً دون أن يعرف ما عليه عمله ، بدأت تحدثه عن حزنها الذي لا عَزاء له على زوجها المتوفى منذ ثلاث سنوات ، وأثناء ذلك كانت تمحو عن جسدها وترمي في الهواء ملابس الحداد حتى ولم يبقَ عليها ولا خاتم الزواج ، خلعت بلوزا التِفتا المُزَينة بتطريز مُطعَّم بالخرز وألقت بها عبرالغرفة الى الكرسي في الركن ، وألقت الصدرية من فوق كتفَيها الى الطرف الآخر من السرير ، وخلعت بسحبة واحدة التنورة السابغة مع التنورة الداخلية ذات الكَشْكَش ، ومِشد الساتان ذا الرباط وحرابات الحداد الحريرية ، ونثرت كل ذلك على الأرض فأضحت الغرفة وكأنها مفروشة بآخِر بقايا الحداد .
فعلت ذلك بابْتهاج وبوقفات محسوبة بِاتْقان حتى بدت قذائف مدفعية القوات المُحاصِرة التي كانت تهز ركائز المدينة وكأنها احتفاء بكل حركة من حركاتها ، حاول فلورنْتينوأَريثَا مساعدتها على حل مِشبَك المِشَد لكنها سبقته الى ذلك بحركة بارعة ، لأنها تعلمت خلال خمس سنوات من الولاء الزوجي أن تكتفي بنفسها في جميع إجراءات الحب بما في ذلك ديباجاته دون مساعدة أحد .
وأخيرا نزعت سروالها الداخلي المُخَرَم جاعلة إياه ينزلق من ساقيها بحركة سريعة كحركات السباحة وبقيت في عُرْيِها المُتَّقِد .
كان عمرها ثماني وعشرين سنَة وقد أنجبت ثلاث مرات ، لكن عُريها ما زال يحتفظ بدوار العزباء ، ولم يستطع فلورنْتينوأَريثَا أن يتصور أبدا كيف أمكن لملابس التوبة أن تواري اندفاعات تلك المُهْرة الجامحة ، وحاولت أن تروي ظمأ صوم حدادها الصارم دفعة واحدة ببلاهة وبراءة خمس سنوات من الولاء الزوجي ، فقبل هذه الليلة ومنذ ساعة الرحمة التي ولدتها فيها أمها لم تَنَم ولو مجرد نوم في سرير واحد مع أي رجل سوى زوجها المتوفى .
لم تُتِح لتأنيب الضمير بأن يُنَغِّص عليها ، ففيما كُرات اللهب تُدَوّي فوق سطوح البيوت استمرت تلهج حتى الصباح بفضائل زوجها دون ان تلومه على أية خيانة سوى موته من دونِهَا ،وخَلُصَت الى اليقين بأنه لم يكن يوما لها كما كان حينئذٍ في صندوق خشبي مُسمَّر باثني عشر مِسْماراً طول كل منها ثلاث بوصات وتحت ثلاثة امتار من التراب .
قالت : إنني سعيدة فقد علمُ الآن علم اليقين أين كان يمضي عند خروجه من البيت .
لقد نزعت الحداد في تلك الليلة دفعة واحدة دون المرور في مرحلة الاسترخاء في البلوزات ذات الأزهار الرمادية وامتلأت حياتها بأغنيات الحب والملابس المثيرة المُزَينة برسوم ببغاوات وفراشات ملونة ، وبدأت توزع جسدها على كل من يشاء طلبه .
وبعد هزيمة قوات الجنرال غايتان أُبيسو إثر حصار دام ثلاثة وسبعين يوما أعادت بناء البيت المثقوب بقذيفة مدفع وجعلت له مسطبة بديعة تُطِّل على بحر فوق حائل للأمواج حيث يصطدم غضب الأمواج في الأيام العاصفة ،وكان هذا هو عش حبها كما كانت تدعوه دون تهكم وحيث كانت تستقبل من كان يناسب مزاجها من الرجال حين تشاء وكيفما تشاء دون أن تتقاضى قرشاً واحدا من أي منهم ، لأنها كانت ترى أن الرجال هم الذين يسدون لها المعروف ، وفي حالات نادرة قبِلت بعض الهدايا شريطة ألا تكون من الذهب ، وكانت تدبر ـأمورها بمهارة لم يستطع أحد معها إثبات حقيقة سلوكها الشائن بأدلة قاطعة ، وفي مرة واحدة وصلت الى حافة الفضيحة العلنية ، عندما راجت شائعة تقول إن الأسقف دانتي ديلونا لم يمت خطأً بحادثة أكل طبق الفِطْر السام وإنما أكله وهو عارف لأنها هددته بذبح نفسها إن هو أصر على محاصرتها بنواياه الدَنِسة .
لم يسألها أحد إن كان ذلك صحيحا ولم تتحدث هي عنه ، ولم يبدل أي شيء من حياتها ، وكانت تقول منفجرة بالضحك : بأنها المرأة الوحيدة الحرة في المقاطعة .
لم تتخلف أرملة ناثاريت يوما عن مواعيد فلورنْتينوأَريثَا العرَضية ولا حتى في أكثر أوقاتها انشغالا ، وكانت تقابله دائما دون الادعاء بأنها تُحبُه ودون مطالبته بأن يحبها ، ولكن على أمل العثور على شيء يشبه الحب إنما دون مشاكل الحب ، وفي بعض الأحيان كان هو الذي يذهب الى بيتها ، وعندئذٍ كانا يفضلان البقاء على المَصطبة المُطِلَّة على البحر للابتلال بزَبَد مِلح البارود ، وتأمُّل شروق الدنيا كلها في الأفق .
وقد وضع كل جهده لتعليمها أساليب التهيج التي كان قد رأى آخرين يمارسونها من خلال ثقوب فندق العابرين ، وكذلك المعادلات النظرية التي كان يدعو لها لوتاريو توغوت في ليالي مَرَحِهما .
حدَّثها للموافقة على أن يَريا بعضهما أثناء ممارستها الحب وعلى استبدال وضعية المِشْبَر المعروفة
بوضعية الدراجة البحرية أو الفروج المَشْوي أو الملاك المعلَّق ، وكادا أن يوديَا بحياتَيهما عندما انقطعت بهما حبال تعليق إرجوحة النوم وهما يحاولان ابتكار وضعية جديدة في الأرجوحة ، ولكنها كانت دروساً عقيمة ، فالحقيقة إنها كانت طالبة جَسورة لكنها تفتقر الى أدنى موهبة في الزِنى الموجه ، لم تفهم أبدا مفاتن الصفاء في السرير ولم تكن لها لحظة إلهام ، بل كانت تهيجاتها الجنسية جِلدية خارجية تأتي في غير أوانها ، يا له من جِماع كئيب .
وقد عاش فلورنْتينوأَريثَا زمناً طويلا وهو مخدوع بأنه الوحيد ، وكانت تُشارِك في بَثِه هذا الاعتقاد الى أنْ جعلها سوء الطالع تتكلم وهي نائمة ، وشيئا فشيئا أخذ يستجمع وهو يسمعها أثناء نومها أجزاء تصريح أبحار أحلامها ، وتوغل ما بين جزر حياتها السريَة المتعددة ، وهكذا عَلِم أنها لا تسعى الى الزواج منمن ، ولكنها تشعر الى أنها مربوطة الى حياته برابطة العرفان بالجميل الكبير لأنه هو الذي أفسدها ، وقد قالت ذلك كثيرا .
- إنني أعبدك لأنك جَعَلتَني قحْبة .
ولم تكن تنقصها المبررات لذلك فقد جردها فلورنْتينوأَريثَا من عذرية زواج عادي هي أشد وَبَالا من العذرية الخَلْقَية ومن زهد التَرَمُّل ، وعَلَّمَها أن لا شيء مما يمارس في السرير هو لا أخلاقي ما دام يساهم في استمرار الحب ، وعَلَّمَها شيء آخر سيكون منذ ذلك الحين هو مبرر وجودها ، أقنَعَهَا أن الإنسان يأتي الى الحياة بعدد محدد من الضروب وأن تلك التي لا تُستنفَذ لسبب ذاتي أو خارجي إرادي أو جَبري تضيع الى الأبد .
وكانت فضيلتها هو فهم ذلك وتطبيقه بحذافيره ، ومع ذلك فإن فلورنْتينوأَريثَا الذي يظن بأنه يعرفها أكثر من أيٍ كان ، لم يستطع أن يفهم كيف تكون مرغوبة الى هذا الحد ، امرأة ذات أساليب شديدة الصبيانية إضافة الى أنها لا تتوقف عن الحديث في السرير عن كآبتها على زوجها الميت ، والتفسير الوحيد الذي خطر له ولم يستطع أحد نَقْضَه هو أن أرملة ناثاريت كانت تعوض برقتها الفائضة ما ينقصها من الفنون الميدانية .
أصبحا يلتقيان أقل فيما هي تُوَسِع من نطاق ممتلكاتها ، ويتفحص هو ممتلكاته عساه يجد مهدئاً لآلامه القديمة في قلوب مُبَدَّدة أخرى ، ثم نسيا بعضهما في نهاية الأمر دون آلامض .
كان ذلك هو أول حب سريري لِفلورنْتينوأَريثَا ، ولكنه بدلا من أن يقيم معها اتحاداً مستقراً كما كانت تحلم أمه استغله كِلاهما للانطلاق في الحياة ، فقط طوَّر فلورنْتينوأَريثَا أساليب بدت بعيدة عن التصديق بالنسبة لِرجل صَموت وضامر مثله مُتَسَرْبِل بملابس كملابس شبح من زمن آخر ، ومع ذلك كانت هناك نقطتان لصالحه ، إحداهما هي عينه الصاائبة في التعرف فورا على المرأة التي تنتظره حتى ولو كانت وسط حشد من الناس ، ولكنه حتى في هذه الحالة كان يغازلها بتحفظ ، لأنه كان يشعر لا شيء يسبب العار والذل أكثر من الصد ، والنقطة الثانية هي أنهن كنَّيميزنه فورا كمتوحد بحاجة الى الحب ، وكَمُعْوز من الشارع بذل كلب مَضْروب يقدم خدماته دون شروط وبلا أية مَطالب ودون انتظار شيء آخر منه سوى راحة الضمير في إسداء المعروف إليه .
وكانا هذان هما سلاحاه الوحيدان وبهما خاض مَعارك تاريخية لكن في سريَة مطلقة وسجَّلها بصرامة مُدَوِن عقود في دفتر مُشَفَر من النوع الذي يعرِّفه الكثيرون بعنوان يَنُمُّ عن كل شيء ، هن .
وأول سجل في دفتره كان سجل الأرملة ناثاريت ، وبعد خمسين سنة من ذلك وعندما تحررت فرْمينا داثَا من حكمها القُدسي كان لديه خمسة وعشرون دفتراً تضم 620 سجلاً لغراميات مستمرة عدا المغامرات العابرة التي لا تُحصى والتي لا تستحق ولو مجرد ملاحظة إحسان صغيرة .
وبعد ستة شهور من الغراميات الخارقة للمألوف مع أرملة ناثاريت أقنع فلورنْتينوأَريثَا نفسه بأنه قد اجتاز عذاب فرْمينا داثَا ، ولم يعتقد بذلك فحسب بل إنه طرحه عدة مرات مع ترانسيتو أَريثَا خلال السنتَين اللتين دامتهما رحلة الزواج ، وتابع الإيمان به بشعور من التحرر اللامحدود الى أنْ رآها فجأة ودون إحاء سابق من قلبه في يوم أحد من أيام نجمه المَنحوس وهي خارجة من القُدّاس مُمسِكةً بذراع زوجها ومحاطة ببفضول ورياء وسطها الجديد ، فالسيدات النبيلات اللواتي كنَّ يَحْتَقْرْنَهَا أول الأمر ويسخرن من كونها دخيلة بلا لقب ررُحْنَ يتهافتنَ لتشعر بأنها واحدة منهن ، فيما تُسكِرُهن هي بسحرها .
لقد تَسَنَمَت وضعها كزوجة دنيوية بجَدارة جعلت فلورنْتينوأَريثَا يحتاج للحظة من التفكير للتعرف إليها ، كانت امرأة أخرى ، رصانة الشخصية الكبيرة ، الحذاء العالي القُبعة الرقيقة المُزَيَنة بريشة طائر شرقي ملَونة ، كل ما فيها كان مختلفاً وبسيطاً كما لو كان فيها منذ نشأتها ، ،وجدها أكثر جمالا وشباباً أكثر من أي وقت مضى ، ولكنه أبعد من أن تكون له أكثر من أي وقت مضى ، ولم يدرك سبب ذلك الى أنْ رأى انتفاخ بطنها تحت الفُستان الحريري الفضفاض ، لقد كانت حاملا في شهرها السادس ، لكن أكثر ما أثَّر فيه هو أنها تشكل مع زوجها ثنائياً محترَماً ، وأنهما يتصرفان بالدنيا بسيولة تجعلهما يبدوان وكأنهما يَطْفوان فوق صخور الواقع .
لم يشعر فلورنْتينوأَريثَا بالحسد ولا الغضب وإنما باحتقار شديد لنفسه ، أحس بأنه بائس وقبيح ووضيع ، وأنه ليس غير جدير بها فقط بل وبأية امرأة أخرى فوق وجه الأرض .
لقد عادت إذن ، عادت دون أي سبب لِتندم على الانقلاب الذي أحدثته في حياته ، ولكن على العكس كان جزعه يتناقص خصوصاً بعد أن اجتاز السنوات الأولى ،.
أما بالنسبة لها فالأمر أكثر من ذلك ، هي التي وصلت الى ليلة الزِفاف بِغشاوة براءة ، كانت قد بدأت تفقدها خلال الرحلة في مقاطعة ابنة الخال هيلْدا براندا ، ففي فايودوباد فهمت أخيرا لماذا يطوف الديك حول الدجاجات ، وشاهدت طقوس الحمير البهيمية ورأت ولادة العُجول ، وسمِعت بنات الخال يتحدثن بطبيعية عن أزواج من العائلة ما زالوا يمارسون الحب ، وعن سبب وكيف توقف الآخرون عن ممارسته رغم استمرارهم بالعيش معاً .
وكان حينئذٍ أن بدأت ممارسة الحب منفردةً يراودها إحساس غريب بأنها تكتشف شيئا كانت غرائزها تعرفه منذ الأزَل .
فعلت ذلك في السرير أولا وهي تكتم أنفاسها كي لا تفضح نفسها في حجرة النوم التي تتقاسمها مع نصف دزينة من بنات الخُؤولة ، ثم بعد ذلك بيديها الاثنتين ، وهي منْبَطِحة على أرضية الحمام دون هَم بينما شعرها مفلَت وهي تدخن سجائرها الأولى ، لقد كانت تفعل ذلك دائما مع شكوك الضمير التي لم تتجاوزها إلا بعد زواجها ، وكانت تفعله بسريَة مطلقة بينما بنات خؤولتها يتفاخرن فيما بينهن ليس في عدد المرات يوميا فحسب بل بشكل وحجم أعضائهن أيضا .
ومع ذلك ورغم سِحر تلك الطقوس الأولية فقد استمرت على اعتقادِها بأن فقدان العذرية هو تضحية دموية ، حتى أن حفلة زِفافها وهي واحدة من أضخم حفلات أواخر القرن الماضي جرت بالنسبة لها على أعتاب الرعب ، وقد أثَّر فيها كَرْب شهر العسل أكثر بكثير من الفضيحة الاجتماعية لِزواجها من وجيه لا ثاني له في تلك السنوات ، فمنذ الإعلان عن الزِفاف في القُدّاس الكبير في الكاتدرائية عادت فرْمينا داثَا تتلقى رسائل المُغَفَّلة التوقيع ، بعضها يتوعدها بالموت ، لكنها لم تكن لتشعر بها حيث كان كل الخوف الذي بداخلها مشغول بعملية الاغتصاب الوشيكة .
لقد كانت تلك هي الطريقة الصحيحة رغم أنها لم تفعل ذلك عن وعي في معاملة الرسائل المُغَفَّلة من أبناء طبقة عوَّدتها سخرية التاريخ على إحناء رأسها أمام الوقائع الناجزة .
وهكذا بدأ تحَوُّل ل جميع من كانوا ضدها للوقوف الى جانبها كلما أصبح الزِفاف أمراً لا رجعة فيه ، وقد لاحظت هي ذلك في التبدل التدريجي للمواكب النساء الزُرْق المتوددَات اللواتي أنزلهن التهاب المَفاصل والحقد من مقامهن واللواتي اقتنعت يوما بعدم جدوى مكائدهن ، فظهرن دون سابق إنذار في حديقة البشارة وكأنهن في بيوتهن ، مُحملات بوصفات للمطبخ وبهدايا العِرافة .
كانت ترانسيتو أَريثَا تعرف ذلك العالم رغم أنها عانت منه بنفسها هذه المرة فقط ، وكانت تعلم أن زبوناتها سيأتينها في الأيام السابقة للاحتفالات الكبرى ليطلبن منها إخراج جِرارها المدفونة وإعارتهن مجوهراتهن المرهونة لمدة أربع وعشرين ساعة فقط مقابل دفع فائدة إضافية .
ولم يحدث منذ زمن بعيد كما حدث هذه المرة ، إذ فرَّغت الجِرار كي ما تخرج السيدات ذوات الألقاب الطويلة من هياكلهن المظلمة ويظهرن مُشِعات بمجوهراتهن الخاصة المُستعارة في حفلة زِفاف لن يتاح لهن رؤية حفلة بعَظَمَتها فيما تبَقى من القرن ، والتي كان مجدها الأخير هو أن عرّابها كان الدكتور رافائيل تونيث رئيس الجمهورية لثلاث مرات الفيلسوف والشاعر وواضع كلمات النشيد الوطني كما جاء في بعض المعاجم الحديثة حينئذٍ
وصلت فرْمينا داثَا الى المذبح الكبير في الكاتدرائية مُمسِكةً بذراع أبيها الذي منحته بدلة الإتكيت مظهراً خاطئاً من الوقار لمدة يوم واحد ، وتزوجت الى الأبد مقابل مذبح الكاتدرائية الكبير في صلاة تكليل شارك فيها ثلاثة أساقفة في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم جمعة ترنيداد المقدسة المجيد ، ودون أي خاطر من شفقة نحو فلورنْتينوأَريثَا الذي كان يعاني حينها الحُمَّا ويميت نفسه من أجلها في مَرْكب لن يحمله الى النسيان ، وقد احتفظت أثناء المَراسم الدينية ثم أثناء الحفلة فيما بعد بابتسامة بدت وكأنها مُثَبَّتة بالإسبيداج ، لمحة بلا روح فسرها بعضهم بأنها ابتسامة الفوز الساخرة ، ولكنها لم تكن في الحقيقة سوى وسيلة بائسة لمُداراة خوفها كعذراء تزوجت لِتوها ، ولحسن الحظ أن بعض المصادفات إضافة الى تفهُم الزوج حلَّت مسألة لياليها الثلاث الأولى دون ألم .
لقد كان أمراً صادراً عن العناية الإلهية أن سفينة الكانبني جنرال ترانساتلانتك ببرنامج رحلاتها المتقلب رضوخاً لِطقس الكاريبي السيئ .
أعلنت قبل ثلاثة أيام من الرحلة عن تقديم موعد الانطلاق أربعو وعشرين ساعة أي أنها لن تُبْحر الى روشيل في اليوم التالي للزِفاف وإنما في ليلة الزِفاف نفسها ، لم يصدق أحد أن ذلك التغيير ليس مفاجأة أخرى من مفاجآت هذا العرس السارة ، وقد انتهت الحفلة بعد منتصف الليلة على سطح عابرة المحيطات المُضاءة بمرافقة فرقة أوركسترا من فَيَنا كانت تُدَشِّن في تلك الرحلة أحدث الفالسات جوهان ستراوس .
وهكذا جرى حمل العرّابين المبللين بالشمبانيا قَسْراً الى اليابسة بمساعدة زوجاتهم المُكدَّرات حين بدأوا يسألون النُدُل إن كانت هناك قُمرات غير محجوزة لمواصلة الحفلة حتى باريس .
وقد رأى آخٍر الذين نزلوا لورينثو داثَا يجلس على الأرض في عرض الطريق مقابل الخمّارات ببدلة الإتكيت المُتَسِخة وهو ينتحب بصرخات مُولولة كما يبكي العرب موتاهم ، مستريحاً فوق بِرْكة ماء آسٍ ربما هي بِرْكة دموع .
لا في الليلة الأولى ذات البحر الهائج ولا في الليلة التالية ذات الإبحار الهادئ ولا في أية ليلة أخرى من ليالي حياتها الزوجية الطويلة جدا جرت أعمال بربرية من تلك التي كانت فرْمينا داثَا تَخافُهَا ، فالليلة الأولى ورغم ضخامة السفينة وفخامة القُمْرات كانت إعادة رهيبة للرحلة في سفينة ريوهاجَا ، وكان زوجها طبيباً خَدوماً لم يَنَم لحظة واحدة وأمضى الليل في مواساتها ، وهو الشيءالوحيد الذي يستطيع عمله طبيب بارز لعلاج دوار البحر ، ولكن العاصفة هدَأَت في اليوم الثالث بعد الخروج من ميناء غوايرَا ، وحتى ذلك الحين كانا قد أمضيا معاً وقتاً طويلا ، ووتحدثا كثيرا حتى أصبحا يشعران بأنهما صديقان قديمان ، وفي الليلة الرابعة عندما استعاد كل منهما عاداته المألوفة فوجئ الدكتور أُورْبينوبأن زوجته الشابَة لا تُصَلّي قبل النوم .
وكانت صريحة معه : .
- أن نفاق راهبات المدرسة قد أثار فيها عداءً للصلوات ، لكن إيمانها كان راسخاً وقد تعلمت الحفاظ عليه بِصمْت
قالت : أُفَضِّل التفاهم مع الرب مباشرةً .
وتفَهَم هو مبرراتها ، ومنذ ذلك الحين مارس كل منهما الدين نفسه على طريقته .
لقد كانت فترة خطوبتهما قصيرة لكنها خارجة عن مألوف تلك الحقبة كثيرا ، فالدكتور أُورْبينوكان يزورها في بيتها دون رقابة مَساء كل يوم ، ما كانت لِتسمح له بأن يمس طرفاً من أطراف أصابعها قبل المُباركة الأسقفية ، لكنه لم يحاول ذلك أيضا .
وفي الليلة الأولى من هدوء البحر وفيما هما بملابسهما في السرير بدأ أولى مُداعباته ، وقد فعل ذلك بحذر شديد حتى بدا لها أنه من الطبيعي أن ترتدي قميص نومها .
مضت لاستبدال ملابسها في الحمام ، ولكنها أطفأت أنوار القُمْرة قبل ذلك وعندما خرجت بقميص نومها دَسَت خِرَقاً في شقوق الباب لِتعود الى السرير في ظلام دامس ، وفيما هي تفعل ذلك قالت بمزاج رائق : ماذا تريد يا دكتور ، إنها المرة الأولى التي أنام فيها مع رجل غريب .
أحس بها الدكتور أُورْبينووهي تنزلق الى جانبه مثل حيوان صغير مضطرب محاولةً البقاء بعيدا عنه قدر المستطاع في سرير بحري حيث من الصعب وجود اثنين معاً دون أن يَمَسَّا بعضهما .
أَمسَك يدها الباردة والمتشنجة من الرعب وشَبَك الأصابع ، وبدأ يروي لها بصوت هامس ذكرياته عن رحلات أخرى في البحر .
كانت متوترة من جديد لأنها عندما رجعت الى السرير انتبهت الى أنه قد تَعرَّى تماما أثناء وجودها في الحمام ، وهذا أحيا خوفها من الخطوة التالية .
لكن الخطوة التالية تأخرت عدة ساعات ، فقد تابع الدكتور أُورْبينوالحديث بتمهل شديد فيما هو آخذ بنَيل ثقة جسدها مليمترا بعد مليمتر .
حدَّثها عن باريس ، عن الحب في باريس عن عشاق باريس الذين يتبادلون القُبلات في الشارع وفي الأمنبوس وعلى مقاهي الأرصفة البديعة المفتوحة على لَفحات النار وعلى أ أوكورديونات الصيف الخافتة ، ويمارسون الحب وقوفا على ضفاف السين دون أن يزعجهم أحد.
وفيما هو يتحدث في العتمة داعب انحناءة عنقها برؤوس أصابعه وداعب زغب ذراعيها الحريري وبطنها المراوِغ ، وعندما أحس أن التوتر قد تراجَع قام بمحاولته الأولى لرفع قميص نومها .
لكنها أوقفته بحركة تقليدية من حركاتها وقالت : أستطيع عمل ذلك وحدي .
نزعته عنها فعلا ، ثم بقيت ساكنة بحيث كان بإمكان الدكتور أُورْبينوأن يعتقد بأنها ليست هناك لولا بريق جسدها في الظلام .
عاد بعد هُنَيْهة للإمساك بيدها فأحَسَها حينئذٍ دافئةً ومتحررة ، لكنها ما تزال رطِبة بِندى طازج ، بقيا لحظة أخرى صامتَين وساكنَين ، هو يتحين الفرصة للخطوة التالية ، وهي تنتظر تلك الخطوة دون أن تدري من أين ستأتيها فيما الظلام يتسع مع ازدياد حدة تنفُسها .
أفلتها فجأة وقام بالقفزة في الفراغ ، بلل طرف إصبعه الوسطى بلسانه ولمس لمساً خفيفاً حَلَمَة نهدها الغافل فأحست بشحنة موت كما لو مس فيها عَصَباً حياً ، وفرحت كونها في الظلام حتى لا يرى تورد وجنتَيها الحارق الذي هزها حتى أعماق جمجمتها وقال لها بهدوء : اهدئي ولا تنسي أنني أعرفهما .
أحس بها تبتسم ، وكان صوتها عذباً وجديداً حين قالت في العتمة : أذكر ذلك جيدا ، وحتى الآن لم يبارحني الغيظ .
عرف حينئذٍ بأنهما قد اجتازَا رأس الرجاء الصالح ، فعاد يُمسِك بيدها الكبيرة اللدِنَة وغمرها بقُبلات يتيمة ، بدأ يُمشط اليد الغليظ فالأصابع الطويلة المُتبَصِرة والأظافر الشفافة ، ثم خطوط حظها المتشابِكة في الكف المتعرق .
ولم تعرف كيف وصلت يدها الى صدرِه واصطدمت بشيء لم تستطع تحديده .
فقال لها : إنها تَعوِيذَةٌ .
داعبت شَعْر صدرِه ثم أَمْسَكت أجمة الشعْر كلِها بأصابعها الخمس لتنتزعها من جذورها .
قال لها : بقوة أكبر .
حاولت الى الحد الذي عرفت أنها لا تؤذيه ، ثم كانت يدها هي التي بحثت عن يده التائهة في الظلام ، لكنه لم يمكنها من شبك أصابعها بأصابعه ، وإنما أمسكها من مِعْصَمِهَا وقاد يدها على جسده بقوة لا مرئية ولكنها مُتقَنة التوجيه الى أنْ أحست بلفحة مُلتهبة من حيوان مُتقِد بلا شكل مادي محدد لكنه مُتلهِف ومنتصِب ، وعلى العكس مما تصوره ، بل وعلى العكس مما كانت هي نفسها ستتصوره .
لم تسحب يدها ولم تتركها ساكنة حيث وضَعها وإنما سلَّمت نفسها جسداً وروحاً للعذراء المقدسة ، وضغطت أسنانها خشية أن تضحك من جنونِها .
وبدأت تتعرف باللمس على عدوها المشبوب ، مُتعرفةً على حجمِه وقوة رأسه وامتداد أجنحَتِه ، مرتعبة من تصميمه لكنها مُشفقة على عزلته وممسكةً به بفضول متقصٍ الشكل لو أن أحدا أقل خبرة من زوجها لظن أنها مداعبات .
استعان بآخر قواه لمقاومة دوار هذه المبارزة القاتلة الى أنْ أفلتته بِظرَافة طفولية وكأنها تلقي به الى الزبالة وقالت : لم أفهم أبدا كيف هو هذا الجهاز .
عندئذٍ شرح لها كل شيء بجديَة وبأسلوبه كأستاذ فيما هو يقود يدها الى المواضع التي يَذكرها ، وهي تنقاد له بطاعة تلميذة مثالية ، ولَمَّحَ في لحظة مواتية الى أنْ كل ذلك سيكون أسهل لو أن الضوء مُنار .
ولكنها أوقفت ذراعه قائلةً : بيدي أرى أفضل .
الحقيقة أنها كانت تريد إشعال النور ، لكنها تريد عمل ذلك بنفسها دون أن يأمرها أحد ، وهذا ما فعلته .
عندئذٍ رآها في وضع جنيني ، مغطاة بالشرشف تحت الضوء المفاجئ ، لكنه رآها وهي تعود لِتُمْسِك بحيوان الفضول دون تَكَلُّف وتقلبه ظهراً وباطناً وتتفحصه باهتمام ، أخذ يبدو اهتماما غير علمي ، وقالت مستنتجةً : يا لقباحته ، إنه أقبح مَنْظَراً مما للنساء .
كان متفِقاً معها في الرأي ، وأشار الى نقائص أخرى أكثر أهميَة من القُبْح ، قال : إنه كمثل الابن الأكبر ، يقضي المرء حياته وهو يعمل من أجله مُضَحِياً بكل شيء في سبيله ، وعندما تحين ساعة الجد يتصرف كما يحلو له .
تابعت تفحصه ، والسؤال عما يفيد هذا وما فائدة ذاك ، وعندما رأت أنها حصلت على المعلومات الكافية رازته بيديها الاثنتين لتتأكد من أن وزنه كذلك لا يستحق الذكر ، ثم أفلتته بإعوجاجة ازدراء وقالت : وأرى كذلك أن فيه أشياء كثيرة لا حاجة لها .
توقف حائراً ، فالفكرة الأساسية في موضوع تخرجه هي هذه ، استحسان تبسيط الجهاز البشري ، إذ كان يبدو له جسم الإنسان طرازاً قديماً ذا وظائف كثيرة مُكررة أو لا فائدة منها ، كانت لازمة في عصور أخرى للجنس البشري ، ولكن ليس لعصرنا ، أجل يمكن أن يكون أبسط وأقل تعرضاً للعطب أيضا ، واختتم ققائلا : هذا شيء لا يستطيعه إلا الله بالطبع ، ولكن لا بأس من إقراره بشكل نظري .
ضحكت سعيدةً بطريقة طبيعية جدا ، فانتهز الفرصة لاحتضانها وقبَّلها القُبْلة الأولى من فمها فردت عليه بقُبْلة مماثلة ، وتابع قُبُلاته الخفيفة على الوجنتَين والأنف والجفون فيما يده تنزلق تحت الشرشف ، وداعب عانتها المستديرة والسَبِطَة كعانة يابانية .
لم تُبعِد يده ، لكنها احتفظت بيدها في حالة تأهب خوفا من تقدمه خطوة أخرى .
قالت : لن نستمر في درس الطب .
فقال : لا ، الدرس الآن سيكون في الحب .
عندئذٍ نزع الشرشف من فوقِها ، فلم تكتفِ هي بعدم الاعتراض بل قذفت الشرشف عن السرير بضربة من قَدَمَيها لأنها لم تعُد تحتمل الَحر .
كان جسدها ملتوياً ومَرِناً وأكثر جديَة مما يبدو عليه وهي بملابسها ، تنبعث منه رائحة حيوان بَري يمكن تمييزها بين جميع نساء الدنيا .
وفيما هي عزلاء تحت الضوء صعدت دفقة دم يغلي الى وجهِها ، ولم يَخطُر لها لإخفاء ذلك سوى التعلق بعنق زوجها وتقبيله بعمق وقوة الى أنْ استنفدا في القُبْلة كل الهواء الذي تنفَساه .
كان واعيا أنه لا يحبها ، لقد تزوج منها لإعجابه بشموخِها وجِدِيَتها وقوتها وكذلك لشيء من كِبريائه ، لكنه وفيما هي تُقَبِّله للمرة الأولى تأكد من أنه لن يجد أي عائق لاختراع حب جيد .
لم يتحدثَا بذلك في هذه الليلة الأولى التي تحدثَا فيها بكل شيء حتى الفجر ، ولن يتحدثَا في ذلك أبدا ، ولكن أياً منهما لم يُخطئ على المدى البعيد .
عند الفجر حين نامَا كانت ما تزال عذراء ، لكنها لم تبقَ كذلك طويلا ، وفعلا فبعد أن علَّمَها في الليلة التالية رقص فالسات فينا تحت سماء الكاريبي النجْمية كان عليه أن يذهب الى الحمام بعدها ، وعندما رَجِع الى القُمْرة وجدها تنتظره عارية في السرير ، وكانت هي حينئذٍ من اتخذ المبادرة فاستسلمت له دون خوف ودون ألم وبسعادة الإقدام على مغامرة في عرض البحر دون أن يخلِّف الطقس الدامي أثراً سوى وردة الشرف على شرشف السرير ، كِلاهما فعل ذلك جيدا بشكل أشبه بمعجزة ، وتابعَا عمله جيدا ليلا ونهاراً وفي كل مرة بشكل أفضل من سابقاتها خلال بقية الرحلة .
وعندما وصلَاالى لاروشيل كانا متفاهمَين كعاشقَين قَديمَيْن .
بَقيا ستتة عشر شهرا في أوربا متخذَين من باريس قاعدة لهما ، ومُنطلقَيْن في رحلات قصيرة الى البلدان المجاورة ، وقد مارسَا الحب يومياً خلال هذه الفترة ، ومارساه أكثر من مرة خلال أيام الآحاد الشتوية حيث كانا يَتداعبان في الفراش حتى ساعة الغداء .
كان رجلا مندفعاً ، إضافة الى أنه حسن التدريب ، ولم تكن مخلوقة لتسمح لأحد بالتفوق عليها ، وهكذا كان عليهما أن يقبلَا باقتسام السلطة في السرير .
وبعد ثلاثة شهور من الحب المحموم أدرك هو أن أحدهما مُصاب بالعقم ، فخضعَا لفحوص طبيَة صارمة في مستشفى سالبيترير حيث كان قد أمضى فترة تدريبه العملي كطالب مقيم .
كانت فحوصات مضنية ، ولكن دون جدوى ، ومع ذلك وعندما تخليَا عن التفكير بالأمر حدثت المعجزة بلا أية وسيلة علمية ، وحين رجعَا الى الوطن في نهاية السنَة التالية كانت فرْمينا حُبْلى في الشهر السادس ، وترى أنها أسعد امرأة على وجه الأرض ، والابن الذي رغبَا فيه كِلاهما والذي وُلِد تحت برج الدلو عُمِّدَ على شرف جده الميت بالكوليرا .
كان من المستحيل معرفة إن كانت أوربا أَم الحب هو ما غيَّرهما لأن الأمرَين حدثَا في وقت واحد ، كِلاهما كان قد تغيَّر وبعمق ، وليس في علاقتهما ببعضهما فقط وإنما كذلك مع الجميع ، وهذا ما أدركه فلورنْتينوأَريثَا حين رآهما خارجَيْن من القُدّاس بعد أسبوعين من عودتهما في يوم أحد نكبته ذاك ، عادَا بمفهوم جديد للحياة ، مُحمَّلَين بمستجدات الدنيا ، هو بمستجدات الأدب والموسيقى ومستجدات قبل كل شيء ، كما عاد باشتراك في لوفيغارو كي لا يفقد خيط الواقع واشتراك آخر في ريفيوديدوموندوس كي لا يفقد خيط الشعر ، كما اتفق مع عميله المكتبي في باريس لتزويده بجديد الكُتّاب الأوسع انتشاراً ، كان تولفرانس وبيير لوتي ومؤلفات مفضليه كريمي ديغورمونت وبول بورجيه ، أما أميل زولَا فلا ، فهو يرى أنه لا يطاق رغم اقتحامه الجريء لمحاكمة دِريفوس ، وقد وعد المكتبي نفسه بأن يُرسل له بالبريد كل جديد ومُغرٍ في كَتلوج ريكورد وخصوصاً من موسيقى الكاميرا ليحتفظ باللقب الذي اكتسبه أبوه عن جَدارة كأول داعية لموسيقى الكونشيرتو في المدينة .
أما فرْمينا داثَا المُعارِضة دائما لصرامة الموضَا فقد أحضرت معها ستة صَناديق ملابس لمختلف الفصول ، إذ أن الماركات الشهيرة لم تُقنعها ، كانت قد ذهبت الى توليرياس في عز الشتاء لحضور استعراض مجموعة أزياء وُرُث طاغية الأزياء الراقية الذي يفرض ما يشاء ، والشيء الوحيد الذي حصلت عليه كان التهاب قصبات طرحها في الفراش خمسة أيام ، وبدا لها ليفيرير أقل غطرسة وطمعاً ، لكنها اتخذت قرارها الحكيم بالحصول على ما يعجبها من محلات التصفيات ، رغم أن زوجها كان يُقسم لها أغلظ الأَيمان بأنها ملابس موتى .
وهكذا أحضرت كميات من الأحذية الإيطالية التي بلا ماركة فَضَّلَتْها على موديلات فيري الذاعئة الصيط والشاذَة ، وجلبت مظلة من دوبوي حمراء كنيران جهنم ، كان موضوعاً كتَب فيه كثيرا صحفيو مجتمعنا المُرتعدون ، واشترت قُبعة واحدة من تصميم مدام رِيبو ، لكنها ملأت صندوقاً كاملاً بعناقيد الكرز الإصطناعي وفروع مختلف أنواع الزهور التي وجدتها وكميات من ريش النعام وريش الطواوِيس وذِيول دِيَكة آسيوية ، وطيور وأفاعٍ وتشكيلة متنوعة من الطيور الغريبة المُحَنَّطة ذات الأجنحة المفتوحة او الأفواه الصارخة أو العيون المُحتضِرَة .
كل هذه الأشياء جعلت القُبعات نفسها تبدو وكأنها قُبعات أخرى طوال السنوات العشرين الأخيرة ، أحضرت مجموعة مَراوِح يدوية من بلاد العالم المختلفة ، كل واحدة منها مخصصة لمناسبة ، وأحضرت عطراً جذاباً انتقته من بين أصناف كثيرة في محل عطورات بازارْدشاريت قبل أن تُخَرِّبه رياح الربيع بِرَمادها ، لكنها لم تستخدمه سوى مرة واحدة لأنها لم تعُد تتعرف على نفسها بهذا العطر المختلف ، وأحضرت كذلك علبة مكياج كانت آخِر صرعة في سوق الإغراء وكانت أول امرأة خرجت به الى الحفلات حين كان مجرد التجمُل في مكان عام يُعتبر عملا منافيا للحِشْمَة ، وحملت كذلك معها ثلاث ذِكرَياتلا تُمْحَى ، الافتتاح الذي لم يسبق له مثيل لِمسرحية حكايات هوفْمان في باريس ، والحريق الرهيب الذي أتى على جميع جدولات البندقية تقريبا مقابل ساحة سان ماركوس والذي شاهداه بقلب يعتصره الألم من نافذة فندقهما ، ورؤية أوسكار وايلْد الخاطفة أثناء هطول أول الثلوج في كانون الثاني .
ولكن بين هذه الذكريات وغيرها الكثير احتفظ الدكتور خوفينال أُورْبينو بذكرى رغبة كان يأسف دوما لأنه لم يستطع تقاسمها مع زوجته ، وتعود الى الوقت الذي كان ما يزال فيه طالباً عازباً في باريس ، إنها ذكرى فُكتور هوجو الذي كان ينعم عندنا بشهرة مثيرة ، ليست مرتبطة بشهرة مؤلفاته ، ذلك أن أحداً قال عنه بأنه قال دون أن يكون هناك من سمعه في الواقع "بأن دستوريا ليس لَمَوْطن بشر وإنما لَمَوْطن ملائكة" فأصبحت له منذ ذلك الحين منزلة خاصة ، وصار معظم مواطنيها الكثيرين الذين يسافرون الى فرنسا يتهالكون لرؤيتهّ، وقد قام ستة طلاب من بينهم الدكتور خوفينال أُورْبينو بتنظيم حراسة مقابل بيته في شارع إيليَا وفي المقاهي التي يقال أنه سيأتيها بالتأكيد دون أن يأتي أبدا ، ثم تقدموا آخِر الأمر بطلب خطّي للقاء خاص معه باسم ملائكة دوستوريونوغرو ، ولم يتلقوا أي رد .
وفي أحد الأيام وفيما خوفينال أُورْبينو يمر مُصادَفة مقابل حديقة الوكس بورغ رآه وهو يخرج من مجلس الشيوخ برفقة امرأة شابة تقوده من ذراعه ، كان هَرِماً جدا ، يتحرك بمشقة ، لِحيته وشعره أقل إشعاعاً مما هو عليه في صوره ويرتدي معطفاً يبدو وكأنه لشخص أضخم منه جسداً ، ولم يشأ إفساد الذكرى بتحية وقحة ، كانت تكفيه هذه الرؤية شبه اللاواقعية كزاد للحياة كلها .
وعندما عاد الى باريس متزوجاً في ظروف تمكنه من رؤيته بشكل شبه رسمي كان فُكتور هوجو قد مات ، وكعزاء على ذلك حمَل خوفينال وفرْمينا الذِكرى المشتركة لٍمَساء يوم ثلْجي اختلطَا فيه بجماعة كانت تتحدى العاصفة مقابل مكتبة صغيرة في بولفارلوس كباتشينوس وكان أُسكار وايلْد في الداخل ، وحين خرج أخيرا أنيقا حقا وربما واعيا جيدا أنها كذلك أحاطت به المجموعة تطْلُب منه التوقيع على كتُبه ، توقف الدكتور أُورْبينولرؤيته فقط لكن زوجته المندفعة أرادت اجتياز البولفار لِيُوَقِّع لها على الشيء الوحيد الذي رأته مناسِباً في غياب الكتاب ، قُفازها البديع الطويل الأملس المصنوع من جلْد الغزال بلونه الذي يشبه لون بشرتها الحديثة الزواج .
كانت متأكدةً أن رجلا بهذه الرقة سيقدر عالياً لَفْتةً كهذه ، لكن الزوج عارَض بإصرار ، وحين حاولت التقدم رغم حُججَه لم يعُد يشعر بأنه سيكون قادراً على العيش متجاوِزاً العار فقال لها : إذا اجتزتِ الشارع فستجدينني ميتاً حين ترجعين .
كان سلوكاً طبيعياً فيها ، فقبل زواجها بسنة واحدة كانت تتحرك في الدنيا بنفس الطلاقة التي كانت عليها وهي طفلة في بلدة سان خوان ديلاثيناغا الممِيتة ، وكأنها وُلِدت وهي تعرف الدنيا ، وكانت تتمتع بسهولة في معاملة الغرَباء تاركة زوجها في حيرة من أمره ، وبمَوْهِبة سحرية في التفاهم بالقشْتالية مع أيٍ كان وفي أي مكان ، وكانت تقول وهي تضحك ساخرةً : المرء يتعلم اللغات حين يريد أن يبيع ، أما عندما يريد الشِراء فالجميع يفهمونه كيفما كان .
من الصعب تصور أحد قادراً على تمثل حياة باريس اليومية بهذه السرعة وهذه الغبطة ، وعلى تعلُّم حبها في الذكرى رغم أمطارها الدائمة ، ومع ذلك فعندما رجعت الى الوطن مثقلةً بهذه التجارب المجتمعية ، مُنْهَكةً من السفر وناعِسةً من الحَبَل كان أول ما سألوها إياه في الميناء هو كيف بدت لها عجائب أوربا ؟
فَلَخَّصَت ستة عشرا شهراً من السعادة في أربع كَلمات من فظاظتِها الكاريبية : إنها الصخَبُ قبل أي شيء ...