الجزء الثاني

7 0 00

الجزء الثاني

أما فلورنتينوأَريثَافلم يتوقف عن التفكير بِفرْمينا داثَا للحظة واحدة منذ أن رفضته بلا استئناف إثر غراميات طويلة متناقضة ، وقد انقضت منذ ذلك الحين إحدى وخمسون سنة وتسعة شهور وأربعة أيام ، لم يكن عليه حمل حساب النسيان بوضع خط صغير يومي على جدران زنزانة لأنه لم يكن يمر يوم إلا ويحدث شيء يُذَكِّرُه بها ، كان له من العمر عند القطيعة اثنتان وعشرون سنة وكان يعيش وحيدا مع أمه ترانْسيتوأَريثَا في نصف بيت مستأجر في شارع لاس بنتاناس حيث كانت لأمه منذ سنوات شبابها تجارة خردوات ، وحيث كانت تَنْسِلُ نسيج قمصان ومِزَقاً قماشية قديمة لتبيعها كقطن لجرحى الحرب ، وكان هو ابنها الوحيد أنجبته من لقاء عابر مع صاحب السفن المعروف دونْ بايو الخامس لُوايثَا أكبر الأشقاء الثلاثة الذين أَسسوا شركات الكاريبي للملاحة النهرية مقدمين بذلك دفعة جديدة للملاحة البخارية في نهر ماجْدالينَا .

لقد مات دونْ بايو الخامس لُوايثَا عندما كان ابنه في العاشرة من العمر ، ورغم أنه كان يتولى دوما أمر نفقاته سراً فإنه لم يعترف به أبدا كابن له أمام القانون ، ولم يترك له ما يضمن مستقبله ، وهكذا بقي فلورنتينوأَريثَا يحمل لقب أمه ففقط ، مع أن حقيقة نسبه كانت معروفة للجميع .

وبعد موت الوالد كان على فلورنتينوأَريثَا أن يترك المدرسة ليعمل كمتمرن في وكالة البريد ، حيث كانوا يكلفونه بفتح الأكياس وترتيب الرسائل ، وإعلام الجمهور بوصول البريد عن طريق رفع راية البلد المُرسِل فوق باب المكتب ، ولقد لفتت حصافته انتباه عامل التلغراف المهاجر الألماني لوتاريو توغوت الذي كان يعزف الإرغنا أيضا في حفلات الكاتدرائية الكبيرة ، ويعطي دروساً في البيوت .

وعلَّمه لوتاريو توغوت منهاج رموز المُورْس وطريقة استخدام التلغراف ، وكانت دروس الكمان الأولي كافية ليُتابع فلورنتينوأَريثَا العزف السماعي .

عندما تعرف على امرأة تردد صوت قراءة ، ولدى مروره مقابل حجرة الخياطة رأى عبر النافذة امرأة مسنة وصبِية تجلسان على مقعدَين متجاورَين ، وكِلاهما تتابعان القراءة في الكتاب ذاته الذي تحمله المرأة مفتوحاا في حضنها .

بدا له الأمر كرؤيا غريبة ، الابنة تُعَلِّم أمها ، كان تقديره خاطئا جزئياً ، لأن المرأة هي عمة الصبِية وليست أمها رغم أنها رَبَّتها كما لو كانت أمها .

لم يتوقف الدرْس ، لكن الصبِية ر فعت نظرها لترى من الذي يمر عبر النافذة ، وكانت هذه النظرة العابرة أصل كارثة حب لم تنتهي بعد مرور نصف قرْن من الزمان .

الشيء الوحيد الذي استطاع فلورنتينوأَريثَا أن يتحراه عن لورينْثوداثَا هو أنه قدِم من سان خوان ديلاثياناغا مع ابنته الوحيدة وشقيقته العزباء بعد فترة قصيرة من جائحة الكوليرا ، والذين رأوه ينزل الى البر لم يراودهم الشك بأنه جاء ليقيم ، إذ كان يحضر معه ما يحتاجه بيت حسن التجهيز .

كانت زوجته قد توفيت فيما كانت ابنته لاتزال طفلة صغيرة ، وواسم أخته أسْكولا أَسْتيكا ولها من العمر أربعين سنة ، وهي تفي نذرا بلبس مسوح القديس سان فرانثسكو عند خروجها الى الشارع ، وتكتفي بربط حبل الطائفة على خصرها فقط حين تكون في البيت عل، أما الصبِية فعمرها ثلاث عشرة سنة وتدعى باسم أمها الميتة نفسه فرْمينا .

كان يُفترض أن لورينْثوداثَا رجل ذو موارد لأنه يعيش في بحبوحة دون ممارسة مهنة معروفة ، وقد اشترى نقدا بيت البشارة غير المكتمل ، والذي كان إصلاحه يتطلب على الأقل ضعف المائتَي بيزو ذهبية التي دفعها ثمناً له .

وكانت الابنة تدرس في مدرسة ظهور العذراء المقدسة ، حيث كانت تتعلم آنسات المجتمع الراقي منذ قرون فن ومهنة التحول الى زوجات مدبرات ومطيعات .

في العهد الاستعماري وخلال سنوات الجمهورية الأولى كانوا لا يقبلون في المدرسة إلا وارثات الألقاب الكبيرة فقط ، ثم اضطرت العائلات القديمة المنهارة بفعل الاستقلال الى الخضوع لوقائع الأزمنة الجديدة ، ففتحت المدرسة أبوابها لجميع المتقدمات اللاتي يستطعن دفع نفقاتها دون الاهتمام لأنسابهن ، والشرط الوحيد الجوهري الذي بقي قائما هو أن يكُنَّ بنات شرعيات لِزَواج كاثوليكي .

لقد كانت مَدرسة غالية التكاليف على أية حال ، ومجرد كَون فرْمينا داثَاتدرس هناك هو بحد ذاته مؤشر على الوضع المادي للعائلة ، وإن لم يكن مؤشراً على وضعها الاجتماعي .

لقد شجعت هذه الأخبار فلورنْتينوأَريثَا إذ أوضحت له أن الصبِية الجميلة ذات العينَين اللوزيتَين ككانت في متناول أحلامه ، ولكن سرعان ما ظهر نظام أبيها الصارم كعائق لا سبيل الى تجاوزه ، فعلى العكس من التلميذات الأخريات اللواتي كنَّ يذهبن الى المَدرسة في مجموعات أو برفقة خادمة متقدمة في السن .

كانت فرْمينا داثَا تمضي دوما مع عمتها العزباء ، وكان سلوكها يشير الى أنه ليس مسموحاً لها بأي نوع من اللهو ، وهكذا كان أن بدأ فلورنْتينوأَريثَا حياته الصامتة بقلب مكْبوت .

كان يجلس منذ الساعة السابعة صباحا وحيدا على أقل مقاعد الحديقة ظهوراً للعيان ، متظاهرا بقراءة ديوان شعر في ظل أشجار اللوز الى أنْ يرى مرور الصبِية المستحيلة بزيها المدْرسي ذي الخطوط الزرقاء وجرابها ذي الرباط الذي يصل حتى الركبتَين ، وحذائها الرجالي برباطها المتقاطع وبضفيرة وحيدة ثَخينَة مربوطة في طرفها بِشريط ومتدلية على الظهر حتى خصرها .

كانت تمشي بكبرياء طبيعي ، رأسها مرفوع ونظرها ثابت وخطوتها سريعة وأنفها شامخ ، وحقيبة كتبها المدرسية مضغوطة بيديها المتصلبتين على صدرِها ، وبمشية غزالة تجعلها تبدو محصنة على الرصانة ، وإلى جانبها تمضي شادة خطواتها عمتها بِمُسوحِها البني وحزام طائفة سان فرانْثسكو بحيث لا تترك أدنى ثغرة للاقتراب .

كان فلورنْتينوأَريثَا يراهما تمران في الذهاب والإياب أربع مرات في اليوم ، ومرة واحدة أيام الآحاد عند الخروج من القداس الكبير ، وكانت رؤية الصبِية تكفيه .

وشيئا فشيئا أخذ يرسم لها في مخيلته صورة مثالية بمشاعر خيالية ، وبعد مرور أسبوعين لم يعُد يفكر بأي شيء سواها ، وهكذا فكر أن يبعث لها رسالة مكتوبة على ورقة بخطه الرائع كخطاط ، لكنه احتفظ بها عدة أيام في جيبه مُفكِّراً بطريقة لتسليمها إليها ، وفيما هو يفكر كان يكتب عدة ورقات جديدة قبل أن ينام ، بحيث أخذت الرسالة الأصلية تتحول الى معجم في الغزَل المتأثر بالكتب التي حفظها غَيْباً لكثرة ما قرأها وهو ينتظر في الحديقة .

وفي بحثه عن وسيلة لإصال الرسالة حاول التعرف على بعض تلميذات المدْرسة لكنهن كنَّ بعيدات جدا عن عالمه ، كما بدا له بعد تفكير طويل أنه ليس من الحكمة إطلاع أحد على نواياه ، ورغم ذلك توصل لأن يعرف أن فرْمينا داثَا كانت قد دُعِيَت الى حفلة رقص من حفلات السبْت بُعَيْد مجيءها الى البلدة وأن أباها لم يسمح لها أن تذهب متعللا بعبارة حاسمة : كل شيء في وقته المناسب .

أصبحت الرسالة تضم أكثر من ستين ورقة مكتوبة على الوجهَين ، عندما لم يعُد بمقدور فلورنْتينوأَريثَا احتمال ضغط سره أكثر ، ففتح قلبه دون تحفظ لأمه ، وهو الشخص الوحيد الذي كان يبيح لنفسه مفاتحتها ببعض أسراره .

انفعلت ترانْسيتوأَريثَا حتى الدموع لسذاجة ابنها في شؤون الحب وحاولت توجيهه بأنوارها ، بدأت بإقناعه بعدم تسليم المجلد الغنائي الذي لن يتوصل من خلاله إلا الى إفْزاع فتاة أحلامه التي يُفترَض بأنها ليست ذات خبرة في أمور القلب مثله .

وقالت له إن الخطو الأولى هي جعلها تنتبه الى اهتمامه بها ، حتى لا يأخذها بالتصريح لها عن حبه على حين غِرة ، ويكون لديها متسع من الوقت للتفكير .

وقالت له : ومن عليك الوصول لها أولا وقبل كل شيء هي العمَّة وليس الفتاة .

كِلا النصيحتَين كانت حكيمتَين دون شك لكنهما جاءتا متأخرتَين ، فالواقع أنه منذ اليوم الأول الذي أهملت فيه فرْمينا داثَا لبرهة قصيرة درس القراءة الذي كانت تلقنه لعمتها ورفعت بصرها لترى من الذي يمر بالرواق ، كان فلورنْتينوأَريثَا قد أثَّر فيها بمظهره المَخْذول ، وفي الليل أثناء تناول الطعام تحدث والدها عن البرقية ، وهكذا كان أن عرفت ما الذي جاء يفعله فلورنْتينوأَريثَا في البيت وما هي مهنته .

وقد ضاعفت هذه المعلومات من اهتمامها ، إذ كان اختراع التلغراف بالنسبة لها كما هو بالنسبة لأناس كثيرين في تلك الحقبة أمر له علاقة بالسحر ، وهكذا تعرفت على فلورنْتينوأَريثَا منذ المرة الأولى التي رأته فيها يقرأ تحت أشجار الحديقة ، ورغم أنه لم يُثِر فيها أي نوع من القلق الى أنْ لفتت العمَّة نظرها الى أنه كان يجلس هناك منذ عدة أسابيع ، وعندما رأتاه فيما بعد أثناء الخروج من القُدّاس تَرسخت قناعة العمَّة بأن كل هذه اللقاءات لا يمكن أن تكو مصادفة ، وقالت :

- ليس من أجْلي يحتمل هذا الإزعاج .

إذ رغم سلوكها الصارم ومسوح العفة الذي تتسربل به كانت العمَّة أسْكولا أَسْتيكا تحمل غريزة الحياة وتميل الى المشاركة فيها ، وهما أفضل صفتَين فيها ، ومجرد الفكرة بأن هناك رجلا مهتما بابنة أخيها كان يثير فيها انفعالاً لا يقاوَم .

أما فرْمينا داثَا فكانت لا تزال بمَنجى حتى من مجرد الفضول بشأن الحب ، الشيء الوحيد الذي أثاره فيها فلورنْتينوأَريثَاهو قليل من الأسى ، إذ بدا لها عليلا .

لكن العمَّة قالت لها : أنه لابد من العيش طويلا لمعرفة الطبيعة الحقيقية للرجل .

وكانت مقتنعة أن ذاك الذي يجلس في الحديقة ليراهما تمران لا يمكن أن يكون إلا مريضا بداء الحب .

كانت العمَّة أسْكولا أَسْتيكا ملجأ تَفَهُّم وعطف للابنة الوحيدة لزواج بلا حب ، لقد ربَّتها منذ موت أمها ، وبالمقارنة مع لورينْثوداثَا كانت تتصرف كشريكة أكثر منها كعمَّة ، وهكذا كان ظهور فلورنْتينوأَريثَا بالنسبة لهما تسلية جديدة تضاف الى التسليات الكثيرة التي تبتدعانها لتمضية وقتهما الميت .

أربع مرات في اليوم كلما اجتازتا حديقة البشارة كانتا تسرعان للبحث بنظرة فورية عن ذلك الحارس الضامر الخجول ، ضئيل الشأْن ، والذي يرتدي بشكل شبه دائم ملابس سوداء رغم الحَر ، ويتظاهر بالقراءة تحت الأشجار .

- ها هو هناك .

تقول التي تكتشفه أولا كاتمةً ضحكتها قبل أن يرفع نظره ويرى المرأتَين الصارمتَين البعيدتَين عن حياته وهما تجتازان الحديقة دون أن تنْظَرَا إليه .

قالت العمَّة في إحدى المرات : يا للمِسكين ، لا يجرؤ على الاقتراب لأنني معك ، لكنه سيحاول ذلك يوما إذا كانت نواياه جدية وعندها سيسلمك رسالة .

واحتياطاً لأي نوع من المصائب علَّمتها التواصل بحروف يدوية ، وكانت تلك وسيلة ضرورية للغراميات المحرمة ، وقد أثارت المشاوير العرَضية وشبه الصبيانية فضول فرْمينا داثَا الى الجديد ، ولكن لم يَخْطر لها أبدا طوال عدة شهور أن تمضي الى أبعد من ذلك .

لم تعرف أبدا متى بدأت تسليتها تتحول الى قلق ، ويتحول دمها الى زُبْد للإسراع برؤيته .

وقد استيقََظَتْ في إحدى الليالي مذعورة لأنها رأته يتأملها في الظلام من طرف السرير ، عندئذٍ تَمَنَّت من أعماقها أن تتحقق تكهنات العمَّة ، وصارت تدعو الله في صلواتها أن يمنحه الشجاعة كي يسلمها الرسالة لتعرف فقط ما الذي سيقوله فيها ، لكن دعواتها لم تُستَجَب وكانت الوقائع معاكسة لذلك .

حدَث هذا في الفترة التي صارَح فيها فلورنْتينوأَريثَاأمه وثنتْه هذه عن عزمه بتسليم السبعين ورقة من الغزَل ، وهكذا كان على فرْمينا داثَاأن تُتابِع الانتظار بقية تلك السنَة .

أخذ قلقها يتحول الى يأس كلما اقتربت عطلة كانون الأول المَدْرسية ، إذ أخذت تتساءل عما ستفعله لتراه ويراها خلال الشهور الثلاثة التي لن تذهب خلالها الى المدْرسة .

وقد ألحت عليها الشكوك دون أن تجد لها حلاً في ليلة الميلاد حين هزها إحساس بأنه ينظر إليها بين جموع المصلّين في القُدّاس ، ولقد أثار هذا القلق في قلبها ، ولم تكن لِتجْرؤ على الالتفات وهي تجلس بين أبيها وعمتها ، وكان عليها أن تَكْبَح نفسها كي لا يلاحظا اضطرابها ، ولكنها أحست به في فوضى الخروج قريباً جدا منها ، وواضحا جدا وسط الحشد ، ودفعتها قوة لا تقاوَم للنظر من فوق كتفَيها وهي تغادر المعْبد من الممر الأوسط ، ورأت حينئذٍ على بُعد شبرَين من عينيها العينَين الأخريَين الجليديتين والوجه الملوِّح والشفتَين المتحجرتَين برعب الحب .

اضطربت لجسارتها وتشبثت بذراع العمَّة أسْكولا أَسْتيكاكي لا تسقط على الأرض ، فأحست هذه بالعرَق البارد على اليد عبر القفاز المخَرم ، وشجعتها بإشارة موافِقة لا مشروطة خفية .

ووسط دوي الألعاب النارية والطبول ، وسط أعمدة الإنارة المنصوبة أمام الأبواب وصخب الجموع المتعطشة للسلام هام فلورنْتينوأَريثَا كمَن يسير وهو نائم حتى الفجر مراقباً الاحتفال من خلال دموعه ، ومذهولا في التخيل بأنه هو وليس الرب من وُلِدَ في تلك الليلة .

ازداد هذيانه في الأسبوع التالي حين مَر في وقت القيلولة ببيت فرْمينا داثَادون أمل ، ورآها تجلس مع عمتها تحت أشجار اللوز في الفِناء ، كان المشهد تكراراً للوحة التي رآها في مساء اليوم الأول في حجرة الخياطة .

الصبِية تلقن العمة درس القراءة ، لكن فرْمينا داثَاكانت مختلفة الهيئة وهي بدون زيها المدْرسي ، إذ كانت ترتدي عباءة من الكتان الأبيض بها ثنايا كثيرة تنسدل من كتفَيه وكأنها رِداء إغريقي ، وعلى رأسها أكليل من أزهار الياسمين الطبيعية يمنحها مظهر إلَهَة مُتَوَّجَة .

جلَس فلورنْتينوأَريثَافي الحديقة حيث تأكد أنه سيكون مَرئياً ولم يلجأ عندئذٍ الى أسلوب التظاهر بالقراءة ، وإنما جلَس والكتاب مفتوح مركزاً بصره على الآنسة السامية التي لم تبادله ولو نظرة شفقة .

ظن في البدء أن الدرس تحت أشجار اللوز هو تغيير طارئ ، ربما بسبب الإصلاحات التي لا تنتهي في البيت ، لكنه أدرك في الأيام التالية أن فرْمينا داثَاستكون هناك تحت نظره في مساء كل يوم من وفي الساعة ذاتها طوال شهور العطلة الثلاثة ، وألهمه هذا اليقين حماسة جديدة .

لم يشعر بأنها رأته ، ولم يلمح أية علامة تدل على اهتمام أو إهمال ، ولكن في لامبالاتها كان ثمة بريق مختلف شجعه على المُثابرة ، وفجأة في عصر يوم من أيام كانون الثاني وضعت العمة شغلها على الكرسي وتركت ابنة أخيها وحدها في الفِناء بين نِثارة الأوراق الصفراء المتساقطة من أشجار اللوز ، ومدفوعا باعتقاده المتهور بأنها الفرصة المناسِبة ، اجتاز فلورنْتينوأَريثَا الشارع وانتصب أمام فرْمينا داثَا ، قريبا جدا منها بحيث شعَر بشهقتها وبتنفسها الوردي الذي سَي؟ُمَيِّزُها فيه طوال حياته المتبقية .

حدَّثها برأس مرفوع وبتصميم لن يصل إليه ثانيةً إلا بعد نصف قرْن ولنفس السبب .

قال لها : الشي الوحيد الذي أطلبه منك هو أن تتقبلي رسالة مني .

لم يكن الصوت الذي انتظرته فرْمينا داثَا منه ، كان صوتا واثقا ومتسلطاً ، لا علاقة له بأساليبه الخاملة .

ودون أن ترفع نظرها عن التطريز أجابته : لا أستطيع قبولها دون إذن والدي .

ارتعش فلورنْتينوأَريثَابدفء ذلك الصوت الذي لن ينسى جرسه المُنْطفئ طوال حياته ، لكنه استمر على ثباته وردَّ في الحال : احْصُلي على الإذن .

ثم رَقق من لهجة الأمر بِرَجاء : إنها مسألة حياة أو موت .

لم تنظر فرْمينا داثَاإليه ، ولم تتوقف عن التطريز ، لكن قرارها فتح له باباً يتسع للعالم بأسره حين قالت له : عُد مساء كل يوم وانتظر الى أنْ أبدل مقعدي .

لم يفهم فلورنْتينوأَريثَا ما عَنَتْه حتى يوم الاثنين من الأسبوع التالي ، عندما رأى وهو على مقعده في الحديقة نفس المشهد الذي يراه كل يوم مع تبدل وحيد ، حين دخلت العمَّة أسْكولا أَسْتيكاالى البيت نهضت فرْمينا داثَا وجلَسَت على المقعد الآخر ، عندئذٍ اجتاز فلورنْتينوأَريثَاالشارع وهو يضع زهرة كاميليا بيضاء في عروة سُترته ، وانتصب أمامها .

قال : هذه هي أعظم لحظة في حياتي .

لم ترفع فرْمينا داثَا نظرها إليه ، وإنما تفحصت الجوار بنظرة دائرية ، ورأت الشوارع المقفرة في سُبات الجفاف وزوبعة أوراق ميتة تتقاذفها الريح ،

فقالت : اعطني إياها .

كان فلورنْتينوأَريثَا قد فكَّر بأن يحمل إليها الورقات السبعين التي صار قادرا على استظهارها من الذاكرة لكثرة ما أعاد قراءتها ، لكنه حسم أمره بعد ذلك بالاكتفاء بنصف ورقة ، مختصرة وواضحة يعاهدها فيها على ما هو جوهري فقط ، وفاؤه تحت أية ظروف وحبه الأَبَدي .

أَخرجها من جيب سُترته الداخلي ووضعها أمام عينَي المُطَرِّزَة الحزينة التي لم تتجرأ حتى ذلك الحين على النظر إليه .

رأت المغلف الأزرق يرتعش في يد جمَدها الرعب ، ورفعت طارة التطريز ليضع الرسالة ، إذ أنها غير قادرة على السماح له برؤية ارتعاش أصابعها ، وحدث حينئذٍ أن ارتعش عصفور بين أوراق أشجار اللوز وأفلت في الوقت ذاته ذرْقة على التطريز ، فأبعدت فرْمينا داثَا الطارة وخَبَأتها وراء المقعد كي لا ينتبه لما حدث .

ونظرت إليه للمرة الأولى بوجه ملتهب .

فقال فلورنْتينوأَريثَا المتجمد والرسالة في يده : إن هذا فأل خير .

شَكَرته بابتسامتها الأولى إليه ، وانتزعت منه الرسالة ، ثم طوتها وأخفتها في صدريتها .

قدَّمَ لها حينئذٍ زهرة الكاميليا التي كانت في عروَتِه ، فرفضتها .

- إنها زهرة التزام .

وعادت فورا للاختباء في رصانَتِها وقد وعت أن الوقت قد نفَد .

قالت : اذهب الآن ، ولا ترجع الى ، أن أُخبرك .

عندما رآها فلورنْتينوأَريثَا لأول مرة اكتشفت أمه ذلك قبل أن يخبرها لأنه فقدَ النطق والشهية ، وراح يقضي الليالي مُسْهِداً يتقلب في الفراش ، لكنه حين بدأ ينتظر الرد على رسالته الأولى تضاعف الجزع وتحول الى اختلاطات متَرافِقة مع براز وقيء أخضرَين وفقدَ القدرة على التوجه وعانى من إغماءات مفاجئة ، ففزعت أمه لأن حالته لا تنتمي الى اضطربات الحب وإنما الى اختلاطات الكوليرا ، وكذلك عَرَّب فلورنْتينوأَريثَا وهو طبيب مِثْلي عجوز وأمين أسرار ترانسيتو داثَا مذ كانت عشيقة سريَة ، فزع أيضا للوهلة الأولى من حالة المريض ، لأن نبضه كان ضعيفاً وتنفسه رملياً وعَرَقه شاحبا كحالة المحتضرين ، لكن الفحص كشف له عدم وجود حُمّا ولا آلام في أي موضع ، والشيْء الوحيد الذي كان يشعر به هو حاجة مستعجلة للاستجواب للابن أولا ثم للأم ، ليتأكد مرة أخرى أن أعراض الحب هي نفس أعراض الكوليرا ، فوصف له نقيع أزهار الزيزفون للتتماسك أعصابه واقترح عليه تغيير الجو للبحث عن العزاء في البُعد ، لكن ما كان يشتاقه فلورنْتينوأَريثَا هو عكس ذلك تماما ، الاستمتاع بعذابه .

كانت أنسْتيرا أَريثَا امرأة أربعينية حرة لديها ميل محبط الى السعادة بفعل الفقر ، وكانت تشارك في آلام ابنها كما لو أنها آلامها ، فهي تقدم له المشروبات المهدئة حين تلاحظ أنه أخذ يهذي أو تدثره بأغطية صوفية لتخدع القشعريرة التي تنتابه ، لكنها تشجعه في الوقت ذاته على التسلية بإنهاك نفسه ، فهي تقول له : انتهز الفرصة كي تتألم بقدر ما تستطيع الآن وأنت شاب ، لأن هذه الأمور لا تدوم طول الحياة .

أما في وكالة البريد فلم يكونوا يفكرون بهذه الطريقة طبعا ، إذ كان فلورنْتينوأَريثَا يهمل في عمله ويمضي ساهياً فيخلط بين الأعلام التي يعلن بها عن وصول البريد ، ففي أحد أيام الأربعاء رفع العلَم الألماني بينما كانت السفينة القادمة تابعة لشركة ليلاند وتحمل بريد ليفربول ، وكان يرفع في أي يوم آخر علَم الولايات المتحدة مع أن السفينة القادمة تتبع لشركة جِنيرال ترانستلانتك وتحمل بريد سانت نازير ، وقد كانت تشوشات الحب تلك تُسبب تأخيرا في توزيع البريد ، وتثير احتجاجات كثيرة من جانب الجمهور .

وإذا كان فلورنْتينوأَريثَا لم يُطرَد من عمله فلإن لوتاريو توغوت احتفظ به في قسم التلغراف وأخذه ليعلمه العزف على الإرغن في كورال الكاتدرائية .

كانا يرتبطان بحِلف عصي على الفهم بسبب فارق السن بينهما ، إذ كان بالإمكان اعتبارهما جدا وحفيدا ، لكن علاقتهما كانت حسنة جدا سواء في العمل أَم في حانات الميناء حيث يلتقي محبو السهر حتى ساعات متأخرة من الليل دون وساوس طبقية ، اعتبارا من سكارى الصدقات وحتى الشبان الراقين ذوي الملابس البروتوكولية الذين يهربون من حفلات النادي الاجتماعي ليأكلوا فطائر الجبن المقلية مع جوز الهند .

لقد اعتاد لوتاريو توغوت الذهاب الى هناك بعد وردية التلغراف الأخيرة ، وكان يدركه الصباح في معظم الأحيان وهو مايزال يشرب الأُوبورج الجمايكي ويعزف الأوكورديون مع طواقم مَلّاحي سفن جزر الأنتيل الحمقَى ، كان بديناً يشبه السلحفاة ، له لحية مُذَهَّبة ، ويضع لدى خروجه لَيلا طاقيت من تلك التي تُمثل رمز الجمهورية الفرنسية ، ولم يكن ينقصه إلا درْع مضيء ليصبح مشابهاً تماما للقديس نيكولا ، وكان يُجْهز مرة واحدة كل أسبوع على الأقل على واحدة من عصفورات الليل كما اعتاد تسمية أولئك اللواتي يبعن الحب الطارئ في فندق للعابرين من البحارة ، وكان أول ما فعله بشيء من اللذَة المتقنة حين تعرف على فلورنْتينوأَريثَا هو تعريفه على أسرار فردوسه ، كان يختار له العصفورات اللواتي يبدون له أفضل من سِواهن ، ويساومهن في السعر والطريقة ، ثم يعرض عليه أن يدفع له من ماله الخاص مقابل الخدمات التي يقدمنها ، لكن فلورنْتينوأَريثَا لم يكن يوافق ، كان في عذريته ولقد قرر أن يبقى كذلك ما لم يفعل ذلك عن حب .

كان الفندق عبارة عن قصر استعماري متهاون ، قُسِّمَت صالوناته الكبيرة وغرف المرمر فيه الى غرف صغيرة بورق مقوى مليء بثقوب أحدثتها المطاوي ، وكانتتُؤَجَّر لممارسة الحب أو للتفرج على من يمارسه ، وثمة أحاديث تدور عن متلصص سَمَلوا له عينه بمَسلة حياكة ، وعن آخر تَعرَف على زوجته بالذات فيما هو يتلصص ، وعن نبلاء من الطبقة الراقية كانوا يتنكرون بزي بائعات خضار ليغرقوا أنفسهم مع العسكريين العابرين ، وعن حوادث أخرى حول متلصصين ومُتَلَصَص عليهم مما جعل مجرد التفكير بالنظر الى الحجرة المجاورة أمرا مرعبا بالنسبة لفلورنْتينوأَريثَا .

ولم يتمكن لوتاريو توغوت من إقناعه بأن الرؤية والسماح للآخرين بالمشاهدة هي من آداب أُمَراء أوربا .

وعلى العكس من الاعتقاد الذي قد تثيره بدانته كان لوتاريو توغوت دوامة شوروبيم تبدو وكأنها برعم وردة ، ويبدو أن هذا كان عيب حسن الطالع لأن أكثر العصفورات استعمالا كنَّ يتنازعن النوم معه ، وكانت صرخاتهن المذبوحة تهز أدراج القصر وتبعث رعشة الرغبة في أشباحه ، كان يقال بأنه يستخدم مَرْهَماً مُحَضَّراً من سُمِّ الثعابين يُلْهِب به أرحام النساء ، لكنه كان يقسم بأنه لا يملك أية وسائل سوى تلك التي وهبها الله إياها .

كان يقول منفجرا بالضحك : : إنه الحب وحده .

وكان لابد من انقضاء سنوات طويلة ليدرك فلورنْتينوأَريثَا بأنه ربما كان يقول الصدق ، ثم انتهى الى الاقتناع من خلال العاطفية في زمن متأخر حين تعرف على رجل يعيش حياة ملك باستغلاله ثلاث نساء في الوقت ذاته ، كانت النساء الثلاث يقدمن له الحساب في الفجر ذليلات عند قدمَيه ليغفر لهن احتفاظهن بمبالغ زهيدة ، والمكافأة الوحيدة التي كنَّ يرغبن فيها هي قبوله الضطجاع مع من تأتيه بأكبر قدر من المال .

وكان فلورنْتينوأَريثَا يعتقد بأن الخوف وحده قادر على إصالِهُنَّ الى مثل هذا الذل ، لكن إحدى الفتيات الثلاث فاجأته بالحقيقة المعاكِسة حين قالت له : إن هذه الأمور لا يمكن تحقيقها إلا بالحب .

ولم يكن السبب في توصل لوتاريو توغوت لأن يكون أحد أهم زبائن الفندق هو فجوره بقدر ما كانت ظرافته الشخصية .

ولقد اكتسب فلورنْتينوأَريثَا كذلك احترام صاحب المحل لكونه صموتا ومرناً ، وقد اعتاد في أقصى مراحل كربه أن يحبس نفسه ليقرأ الأشعار وكُتيبات الدموع في الحجرات الخانقة ، وكانت أحلامه تخلف أعشاش سنونوات سوداء على الشرفات وهمس قُبُلات وخفْق أجنحة في خمود الظهيرة ، وفي المساء حين يخف الحَر كان يستحيل عليه ألا يستمع الى أحاديث الذين يأتون لإغراق أنفسهم من العمل في حب سريع ، وهكذا أصبح فلورنْتينوأَريثَا يعرف خيانات زوجية كثيرة ، بل وبعض أسرار الدولة من الزبائن المرموقين ومن رجال السلطات المحليَة الذي كانوا يأتمنون عشيقاتهم العابرات دون أن يحتاطوا كي لا يسمعهم من هم في الغرفة المجاورة ، وكان هذا أن علِم أيضا أنه على بُعد أربعة فراسخ بحرية الى الشمال من سوتا فينتو ترقد غارقة في قاع البحْر منذ القرْن السابع عشر سفينة إسبانية محملة بأكثر من 500 مليون بيزو من الذهب الخالص والأحجار الكريمة ، لقد أذهلته القصة ، لكنه لم يعُد للتفكير فيها إلا بعد مضي عدة شهور عندما أثار جنون الحب شوقه لاستخراج الثروة الغارقة ، كي يجعل فرْمينا داثَا تستحم في أحواض من الذهب .

بعد سنوات من ذلك حين كان يحاول أن يتذكر كيف كانت في الواقع تلك الصبِية التي رسم لها في ذهنه صورة مثالية بسيمياء الشعر ، لم يكن يستطيع تمييز ملامحها وسط أمسيات تلك الأزمنة المؤثرة ، وحتى حين كان يلمحها دون أن تراه في أيام الجزع التي انتظر فيها الرد على رسائله الأولى ، كان يراها بصورة مختلفة في وهج الساعة الثانية ظهراً تحت وابل من زهر اللوز ، حيث كان الوقت نيساناً في أي شهر من شهور السنَة .

كان اهتمامه الوحيد في ذلك الحين مُنْصَبّاً على مرافقة لوتاريو توغوت بالكمان على المنصة المخصصة للكورال ، وذلك ليرى كيف تتموج عباءتها بنَسيم الإنشاد ، لكن هذيانه بالذات كان السبب في القضاء على متعته هذه ، إذ أصبحت الموسيقى الدينية الصوفية مناسِبة جدا لحالة روحه مما جعله يحاول إلهابها بفالسات حب ، ورأى لوتاريو توغوت نفسه مضطراً لطرده من الكورال .

وكان أن استسلم في هذه الفترة لأكل أزهار الياسمين التي كانت تَزرعُها أنسْتيرا أَريثَا في أحواض الفِناء ، فتعرف بهذه الطريقة على طعم فرْمينا داثَا .

وفي هذه الفترة أيضا وجد في أحد قاع صناديق أمه زجاجة تحتوي لتراً من ماء الكونوليا التي كان يبيعها مهربة بَحّارة شركة هامبورغ أمريكا لاين ، ولم يقاوم إغراق تذوقها للبحث فيها عن طعم آخر للمرأة المحبوبة ، وتابع شرب الزجاجة حتى الفجر منتشياً بفرْمينا داثَا من خلال رشفات كاوية في حانات الميناء أولا ثم الى جوار البحر بعد ذلك وهو غائب عن الوعي فوق ملطم الأمواج حيث يتعزى العشاق الذين لا سقف لديهم بممارسة الحب الى أنْ راح في غيبوبة .

انتظرته ترانسيتو أَريثَا حتى الساعة السادسة صباحا بروح معلقة في خيط ، ثم مضت تبحث عنه في المَخابِئ التي لا تخطر على بال أحد ، وبُعَيْد منتصف الليل وجدته يتخبط في بركة من القيء المعطر في إحدى تعرجات الشاطئ حيث يقذف البحْر الغرقَى .

انتهزت فترة النقاهة لتأنبه على سلبيته في انتظار الرد على الرسالة ، ذكَّرته بأنه لا يمكن للضعفاء دخول مملكة الحب ، لأنها مملكة قاسية وصارمة ، وأن النساء لا يستسلمن إلا للرجال المصممين ، لأنهم يبعثون فيهن الطمأنينة التي يتعطشن إليها لمواجهة الحياة ، وربما استوعب فلورنْتينوأَريثَا الدرس أكثر مما ينبغي ، فلم تستطع ترانسيتو أَريثَا إخفاء إحساسها بالفخر كقوادة أكثر منها كأم ، حين رأته يخرج من دكان الخردوات بالبدلة السوداء والقبعة القاسية وربطة الشعر على الياقة الصلبة ، فسألته مازحة إن كان ذاهباً الى جنازة ؟

فأجاب وأذناه تتقدان : يكاد الأمر يكون سواءً .

وقد انتبهت أنه يكاد لا يستطيع التنفس من الخوف ، لكن تصميمه كان حاسماً .

قدمت له النصائح النهائية وباركته ووعدته وهي غارقة في الضحك بزجاجة أخرى من ماء الكونوليا لِيحتفلا معاً بانتصاره .

مذ سلَّم الرسالة قبل شهر نقض عدة مرات الوعد الذي قطعه بعدم العودة الى الحديقة ، لكنه كان حذراً جدا في التخفي ، كل شيء كان يسير على حاله ، ينتهي درس القراءة تحت الأشجار في حوالي الثانية ظهراً حين تستيقظ المدينة من القيلولة ، ثم تُتابع فرْمينا داثَا التطريز مع عمتها حتى انخفاض الحَر .

لم ينتظر فلورنْتينوأَريثَا الى أنْ تدخل العمة الى البيت ، بل اجتاز الشارع بخطوات عسكرية أتاحت له تجاوز ارتعاش رُكبتَيه ، لكنه لم يتوجه الى فرْمينا داثَا وإنما الى العمَّة .

قال لها : تفضلي واتركيني على انفراد مع الآنسة للحظة ، فلدي شيء هام أود أن أقوله لها .

فقالت العمَّة : وقح ، لا يوجد أمر من أمورها لا أستطيع سماعه .

قال : لن أقول شيئا إذن ، لكني أحذرك بأنك ستكونين المسؤولة عما سيحدث .

لم يكن هذا هو الأسلوب الذي انتظرته أسْكولا أَسْتيكا داثَا من العريس المثالي ، لكنها نهضت مُرتعبة لأنها أحست لأول مرة بإحساس مفاجئ أن فلورنْتينوأَريثَا إنما كان يتكلم بوحي من روح القدس .ط

وهكذا دخلت الى البيت لاستبدال إِبَر التطريز ، وتركت الشابَين وحدهما تحت أشجار اللوز عند مدخل البيت .

لم تكن فرْمينا داثَا تعرف في الواقع إلا القليل عن معدن العاشق الصامت الذي ظهر في حياتها مثل سنونة شتوية ، والذي لم تكن تعرف حتى اسمه لولا توقيعه على الرسالة ، ولقد اسْتقْصت حينئذٍ وعرفت أنه ابن بلا أب لامرأة عزباء مجدة وجِدِّيَة ، لكنها مَوسومة بوَسِم ناري لا شفاء منه لخطيئتها الوحيدة وهي شابة ، وقد عَلِمَت أنه ليس صبي التلغراف كما افترضت ، وإنما هو مساعد جيد التأهيل وذو مستقبل واعد ، وفكَّرت بأنه أوصل البرقية الى أبيها كذريعة لِيراها فقط ، وقد فَتَنَها هذا الافتراض ، كما إنها كانت تعرف أنه واحد من موسيقيِّ الكورال ، رغم أنها لم تتجرأ أبدا على رفع بصرها لتتأكد من وجوده أثناء القُدّاس ، إلا إنها في أحد أيام الآحاد وفيما مجموعة الآلات تعزف للجميع أحست بأن الكمان يعزف لها وحدها .

لم يكن نموذجا للرجل الذي كانت ستختاره ، لكن نظارته وزيه الكهنوتي وأساليبه الغامضو أثارة فيها فضولاً من الصعب مقاومته ، لكنها لم تتصور أبدا أن يكون الفضول هو أحد مصائد الحب الكثيرة .

هي نفسها لم تستطع أن تفهم كيف قبلت الرسالة ، لن تُأنِّب نفسها ، لكن وعدها المُلِح برد الجواب أخذ يتحول الى عائق أمام الحياة .

إن كل كلمة من أبيها ، وكل نظرة عابرة وأدنى حركة يقوم بها كانت تبدو له مصيدَة لكشف سرها .

على هذا الحال من الذعر كانت ، فهي تمتنع عن الحديث على المائدة خوفاً من زلة تفضحها ، وأصبحت مراوِغة حتى في تعاملها مع العمَّة أسْكولا أَسْتيكا رغم أن هذه كانت تشاطرها جزَعَها المكتوم كما لو كان خاصاً بها ، وصارت تَحْبِس نفسها في الحمام في أي وقت دونما حاجة ، وتعيد قراءة الرسالة محاولة اكتشاف رموز سريَة أو معادلة سحرية مُخَبأَة في في واحدة من 314 حرفاً في الثماني وخمسين كلمة على أمل أن تجد فيها أكثر مما تقوله ، لكنها لم تجد شيئا أكثر مما فهمته في القراءة الأولى ، عندما هرعت لتحبس نفسها في الحمام بقلب مجنون ، ومزقت المغلف آمِلَةً برسالة مطولة ومحمومة ، ولم تجد سوى ورقة صغيرة معطَرة أفزعها اقتضابها .

لم تفكر أول الأمر جدياً بأنها مجبرَة على الرد ، لكن الرسالة واضحة جدا بحيث لم تكن هناك وسيلة لتصريفها ، وفي أثناء ذلك وفي وسط اضطراب شكوكها فاجأت نفسها وهي تفكر بفلورنْتينوأَريثَاأكثر وباهتمام أكبر مما تريده لنفسها ، بل وكانت تتساءل مُكَدَّرَةً لماذا لم يأتِ الى الحديقة في موعده المعتاد ، دون أن تتذكر أنها هي التي طلبت منه عدم الرجوع الى أنْ تُفكر في الرد .

وهكذا صارت تُفكر به بشكل لم تتصور يوماً أنها ستُفكر فيه بأحد .

كانت تهْجِس به حيث لا يكون ، متمنية وجوده حيث لا يمكن أن يكون ، مستيقظة فجأة يراودها إحساس بأنه يراقبها وهي نائمة في الظلام لدرجة أنها حين سمعت وقع خطواته الحاسمة فوق نثارة أوراق الحديقة الصفراء ، لم تستطع أن تُصدق أنها ليست سخرية أخرى من خيالها ، ولكن عندما طالبها بالرد على رسالته بتسَلُط لا علاقة له بنحافته تمكنت من السيطرة على ذعْرها وحاولت مداراته بقول الحقيقة ، إنها لا تعرف بماذا ترد عليه .

ومع ذلك فإن فلورنْتينوأَريثَالم ينجُ من هاوية ليتردد أمام التي تليها فقال لها : إذا كنت قد قبلتِ استلام الرسالة ، فمن قلة الذوق عدم الرد عليها .

كانت هذه هي نهاية المَتاهَة ، فقد اعتذرت فرْمينا داثَاالتي سيطرت على نفسها عن تَاَخُّرها ، ووعدته رسميا بأنه سيحصل على الرد قبل انتهاء العطلة المدْرسية .

ووفت بوعدها ، ففي يوم الجمعة الأخير من شهر شباط وقبل ثلاثة أيام من قبل إعادة افتتاح المدارس ذهبت العمَّة أسْكولا أَسْتيكا الى مكتب التلغراف لتسأل عن تكلفة إرسال برقية الى قرية بيدرا دِيموليرالتي لا يرد ذكرها في قائمة الخدمات البرقية ، وسعت لأن يتولى الرد على استفسارها فلورنْتينوأَريثَا متظاهرةً أنها لم تره أبدا من قبل ، لكنها عند الخروج تعمدت أن تَنسى على الطاولة كتاب صلوات مُجَلَّد بجِلْد ضَب فيه مغلف من ورق مُبطن ومُزين بصورة مُذَهَّبة .

أمضى فلورنْتينوأَريثَا الذي اختل من السعادة بقية ذلك المساء وهو يأكل الورود ويقرأ الرسالة ويراجعها حرقفاً حرفا مرة بعد أخرى ، وكلما قرأ أكثر كان يأكل المزيد من الورد .

وعند منتصف الليل كان قد قرأها مرات ومرات وأكل ورداً كثيرا ، جعل أمه تشده من أذنه كخروف وتجبره على شرب زيت الخروع .

كانت هي تلك سنَة الحب العنيف ، ولم يكن في حياة أياً منهما شيء سوى التفكير بالآخر ، وانتظار الرسائل بشوق كشوق الرد عليها ، ولم يحدث طوال ذلك الربيع من الهذيان ولا في السنَة التالية أن أُتيحت لهما فرصة للتواصل بصوت عالٍ ، بل وأكثر من ذلك ، منذ أن رأيا بعضهما لأول مرة وإلى أن كرر عليها قراره بعد نصف قرْن لم يحصلا أبدا على فرصة للقاء منفردَين ، ولا لتبادل الحديث عن حبهما .

ولكن لم يمر يوم واحد خلال الشهور الثلاثة الأولى دون أن يتبادلا الرسائل ، بل كانا يكتبان لبعضهما الرسائل مرتين يومياً في إحدى الفترات ، الى أنْ فزعت العمَّة أسْكولا أَسْتيكا الى شراهة النار التي ساهمت هي نفسها في إضرامها .

بعد أن حملت الرسالة الأولى الى مكتب التلغراف وكأنها تريد أن تثأر من حظِها بالذات ، راحت تسهِّل عملية تبادل الرسائل شبه اليومية في لقاءات تبدو عرَضية في الأزقة ، ولكن لم تكن تملك الشجاعة لرعاية تبادل حديث بينهما ، مهما كان ذلك الحديث تافهاً وقصيرا ، ثم أدركت بعد مرور ثلاثة شهور أن ابنة أخيها ليست مؤهلَة لغرام فتاة كما بدا لها أول الأمر ، وأصبحت حياتها هي مهددة بفعل نار الحب تلك .

لم تكن لدى أسْكولا أَسْتيكا بالفعل وسيلة أخرى للمعيشة سوى إحسان أخيها ، وكانت تعلم أن طبعه المتسلط لن يغفر لها أبدا تلاعباً كهذا بالثقة التي منحها إياها ، ولكن قلبها لم يطاوعها في نهاية الأمر على تعريض ابنة أخيها لمحنة قاسية كالتي راعتْها هي منذ شبابها ، فسمحت لها باستخدام وسيلة تمنحها وَهَم الإحساس بالبراءة ، وكانت وسيلة بسيطة .

تضع فرْمينا داثَارسالتها في مَخْبأ في طريقها اليومي بين البيت والمْدرسة ، وفي هذه الرسالة تخبر فلورنْتينوأَريثَاعن المكان الذي ستجد الجواب فيه ، ثم يفعل فلورنْتينوأَريثَاالشيء ذاته .

وهكذا أخذ تأنيب الضمير الذي كانت تحسه العمَّة أسْكولا أَسْتيكا ينتقل الى زوايا الكنائس وفجوات الأشجار وشقوق أنقاض الحصون الاستعمارية .

كانا يجدان الرسائل مبللة بالمطر أحيانا أو ملوثة بالوحل أو ممزقة ، كما فُقِدت بعض الرسائل لأسباب مختلفة ، لكنهما كانا يجدان دوما وسيلة لإعادة الاتصال .

كان فلورنْتينوأَريثَايكتب كل ليلة دون أن تأخذه رحمة بنفسه ، مُتسمماً حرفا فحرفا بدخان زيت مصباح الكروزز في القسم الخلفي من دكان الخردوات ، وكانت رسائله تصبح أكثر إسهابً وجنونا كلما أجهد نفسه في محاكاة شعرائه المفضلين الذين تُنشر أعمالهم في سلسلة المكتبة الشعبية التي وصل عدد أجزائها في ذلك الحين الى أكثر من ثمانين مؤلفاً .

أما أمه التي حثته على التمتع بعذابه فأخذت تُصاب بالذعر لاعتلال صحته ، وصارت تَصيح به من غرفة النوم عندما تسمع صياح أول الديكة : ستنزف دماغك ، ليس من امرأة تستحق كل هذا .

فهي لا تذكر أنها عرفت أحدا بمثل هذه الحالة من الضياع ، أما هو فلم يكن يعيرها اهتماما .

كان يصل الى المكتب أحيانا دون أن يكون قد نام ، شعره مُشْعَث من الحب بعد أن يكون قد أودع الرسالة في المَخْبأ المتفق عليه ، لتجدها فرْمينا داثَا وهي في طريقها الى المْدرسة .

أما هذه بالمقابل فقد كانت خاضعة لحراسة الأب ولرصد الراهبات المشين ، ولم تكن تستطيع إلا بالكاد ملْ نصف صفحة من الدفتر المدْرسي وهي حابسة نفسها في الحمام أو متظاهرة بتسجيل ملاحظات أثناء الدرس .

وليس بسبب السرعة وخوف المفاجآت فقط ، إنما بسبب طبعها أيضا كانت رسائلها تتجنب اية إشعارات عاطفية وتقتصر على سرد وقائع حياتها اليومية بأسلوب يوميات الرحلات البحرية المتسرع ، لقد كانت في الواقع رسائل له ، تسعى الى الاحتفاظ بالجمر مُتَّقِداً ولكن دون أن تضع يدها في النار ، فيما فلورنْتينوأَريثَايحترق ويتحول الى رماد في كل سطْر يَخُطُّه .

وفي سعيه لينقل إليها عدوى جنونه كان يرسل لها أبيات شعر محفورة برأس دبوس على وريقات زهرة كاميليا ، وكان هو وليس هي من تجرأ على وضع خصلة من شعره في إحدى الرسائل ، لكنه لم يتلقَ أبدا الإجابة المرجوة ، ألا وهي تيلة من ضفيرة فرْمينا داثَا ،إنما تمكن من جعلها تخطو خطوة أخرى على الأقل ، إذ أصبح يتلقى منذ ذلك الحين أوراق زهور مجففة في قواميس وأجنحة فراشات وريش عصافير فاتِنَة ، ثم إنها أهدته في عيد ميلاده سم مربعاً من مسوح القديس بيدرو كلافير تلك التي كانت تُباع بالخفاء في تلك الأيام بسعر لا يمكن لِتلميذَة في سنها أن تدفعه .

وفي إحدى الليالي ودون سابق إنذار استيقظت فرْمينا داثَا مُرتعبة لسماعها سيرنات كمان منفرد تعزف فالساً محددا ، لقد اهتزت فرحا وهي تشعر أن كل نغمة إنما هي بمثابة شكر على نباتاتها المجففة ، وعلى الوقت الذي تختلسه من درْس الحساب لتكتب رسائلها ، ، وعلى خوفها من الامتحانات وهي تُفكر به أكثر من تفكيرها بالعلوم الطبيعية ، لكنها لم تتجرأ أن تصدق بأن فلورنْتينوأَريثَا قادر على اقتراف مثل هذا التهور .

في صباح اليوم التالي وأثناء تناول الفطور لم يستطع لورينثو داثَا مقاومة الفضول ، أولا لأنه لم يكن يعرف ما تعنيه معزوفة واحدة في لغة السيرتاد ، وثانياً أنه رغم اهتمامه في الإصغاء لم يستطع أن يحدد في أي بيت كان العزف .

وأكدت العمَّة أسْكولا أَسْتيكا بهدوء أعصاب أعاد النفَس الى ابنة الأخ أنها رأت من خلال ستارة نافذة غرفة نومها أن عازف الكمان المنفرد كان في الجانب الآخر من الحديقة ، وقالت : إن معزوفة وحيدة على أية حال هي إبلاغ بالقطيعة .

وفي رسالته لهذا اليوم أكد فلورنْتينوأَريثَا أنه هو صاحب السيرناد ، وأن هذا الفالس من تأليفه ، وأنه أطلق عليه نفس الاسم الذي يطلقه على فرْمينا داثَا في قلبه ، الربَّة المتوجَة.

لم يعُد لِعزف هذا اللحن في الحديقة ، لكنه كان يختار الليالي المقْمِرة لِيعزفه في أماكن منتقاة بحيث تسمعه دون أن يتولاها الذعر في مخْدعِها ، وقد كان أحد أماكنه المفضلة هو مقبرة الفقراء ، المكشوفة للشمس والمطر فوق تَلَّة جرداء ، كانت طيور الرخمة تتخذها مكانا للنوم ، حيث كانت الموسيقى تصدح بأصداء ما ورائية ، ثم تعلم فيما بعد التعرف على اتجاه الريح ، وبهذا صار يتأكد بأن صوته يصل الى حيث يريده أن يصل .

في شهر آب من هذه السنَة نشبت حرب أهلية جديدة من تلك الحروب الكثيرة التي خربت البلاد منذ أكثر من نصف قرن ، وكانت تهدد بالاتساع لتشمل البلاد كلها ، ففرضت الحكومة قوانين الطوارئ وحظر التجول منذ الساعة السادسة مساءً في ولايات ساحل الكاريبي ، ورغم حدوث بعض الاضطرابات ، واقتراف القوات العسكرية لجميع أنواع التنكيل التعسفي ، استمر فلورنْتينوأَريثَافي غيبوبة غير عابئ بحال الدنيا ، وفاجأته دورية عسكرية في فجر أحد الأيام وهو يُقلق عفة الموتى باستفزازاته الغرامية ، ولقد نجا بمعجزة من تحقيق أولي بتهمة أنه جاسوس يبعث الأخبار بإشارات ضوئية الى السفن اللبرالية التي تجوب المياه المجاورة متحينةً الفرصة للانقضاض .

قال فلورنْتينوأَريثَا: أي جاسوس وأية لعنة ؟ أنا لست سوى عاشق بائس .

نام ثلاثة ليالٍ مكبَّلاً من كاحِلَيْه في زنازين الحامية المحليَة ة ، وحين أطلقوا سراحه أحس أنه قد غُبِنَ لقصر مدة الحبس .

وبقي حتى أيام شيخوخته عندما أصبحت تختلط في ذاكرته ذكرى حروب أخرى كثيرة يفكر بأنه الرجل الوحيد في المدينة وربما في البلاد الذي جر بقدمَيه أصفاداً زنتها خمسة أرطال من أجل قضية حب .

كادت تنقضي سنتان على بريدهما المحموم عندما عرض فلورنْتينوأَريثَافي إحدى رسائله الزواج رسمياً على فرْمينا داثَا ، كان قد بعث إليها عدة مرات في الشهور الست السابقة زهرة كاميليا بيضاء ، لكنها كانت تعيدها إليه في الرسالة التالية حتى لا يرتاب من استمرار كتابتها إليه ، إنما دون مخاطر الالتزام ، والحقيقة أنها كانت ترى دائما في ذهاب زهرة الكاميليا ومجيءها مداعبة غرامية ، ولم يَخطُر لها يوما أن تُفكر فيها كنقطة انعطاف في مصيرها .

أما عندما وصلها عرض الزواج الرسمي فقد أحست أنها تتمزق بأول مَخالب الموت ، وروَت الأمر للعمَّة أسْكولا أَسْتيكا وهي هالِعة .

فتناولت العمَّة الاستشارة بالشجاعة والفطنَة التي لم تمتلكها وهي في العشرين من عمرها عندما كان عليها أن تقرر مصيرها ، قالت لها : أجيبيه نعم ، حتى ولو كنت تموتين فزَعاً وحتى لو ندمتِ فيما بعد ، لأنك على أية حال ستندمين طوال حياتك إن أنتِ أجَبْتِهِ بلا .

ولكن فرْمينا داثَاكانت مُشوشة رغم هذه النصيحة ، فطلبت مهلو لِتُفكر في الأمر ، طلبت شهراً في البدء ، ثم شهرا آخر وآخر ، وعندما أتمت الشهر الرابع دون أن تعطي ردها عادت تتلقى زهرة الكاميليا البيضاء ، ولكن ليست الزهرة وحدها كما في المرات السابقة وإنما هي مرفقة بإخطار حازم ، أنها ستكون المرة الأخيرة ، إما الآن وإما القطيعة الأبدية ،

حينئذٍ كان فلورنْتينوأَريثَا هو الذي رأى وجه الموت في مَساء ذلك اليوم بالذات حين تلقى مغلفاً به قصاصة ورق طويلة منتزَعة من هامش دفتر مدْرسي كُتِبَ عليها الرد في سطْر واحد بقلم رصاص .

- حسنً أوافق على الزواج منك إن أنت وعدتني ألا تجبرني على أكل الباذنجان .

لم يكن فلورنْتينوأَريثَامهيأً لمثل هذا الرد ، لكن أمه كانت كذلك ، فمذ كلمها لأول مرة منذ ستة أشهر عن نيته بالزواج ، بدأت ترانسيتو أَريثَا مشاوراتها لاستأجار كامل البيت الذي كانت تتقاسمه حتى ذلك الحين مع عائلتَين أخريَين .

لقد كان البيت بناءً مدنياً منذ القرن السابع عشر ، مؤلف من طابقَين حيث كانت توجد إدارة التبغ آبان السيطرة الإسبانية ، وقد أفلس مالكوه واضطروا لتأجيره مجَزَّءاً لافتتقارهم الى الموارد اللازمة لاستمراره في العمل ، قسم من البيت كان يطل على الشارع ، حيث كانت صالة البيع سابقا ، وقسم آخر في نهاية باحة مرصوفة حيث كان المعمل ، وهناك اصطبل واسع جدا يستخدمه المستأجرون الحاليون جميعهم لغسل الملابس ونشرها .

كانت ترانسيتو أَريثَا تشغل القسم الأول ، وهو الأكثر ملاءمة والأفضل حالاً رغم كونه الأضيق أيضا ، في صالة البيع أقامت دكان خردواتها ببوابة تطل على الشارع وإلى جانبها المستودع القديم الذي لا وجود فيه لأي فتحة تهوية سوى كُوَة السقف ، وفيه كانت تنام ترانسيتو أَريثَا ، وما وراء الدكان هو نصف الصالة الآخر المقسوم بباب خشبي ثُلاثي المَصاريع ، كانت توجد فيه طاولة حولها أربعة كراسٍ تُستخدم للطعام والكتابة في الوقت ذاته ، وهناك كان يعلق فلورنْتينوأَريثَا أرجوحة نومه حين يباغته الفجر وهو يكتب .

كان المكان مناسِباً لهما ، لكنه غير كافٍ لشخص آخر معهما ، وخصوصا إذا كان هذا الشخص إحدى آنسات مدْرسة ظهور العذراء المقدسة ، التي رمم أبوها أنقاض بيت مهدم حتى أعاده وكأنه جديد ، بينما العائلات ذات السبعة ألقاب تنام خائفة من انهيار أسقف المنازل فوقها أثناء النوم .

وقد تمكنت ترانسيتو أَريثَا من الحصول على وعد من صاحب البيت بالسماح لها بشغل رواق البيت لمدة خمس سنوات على أن تُرَمِّم البيت وتجعله في حالة حسنة .

كانت تملك الموارد اللازمة ، فإلى جانب دخْلِها الحقيقي من دكان الخردوات ومن نِسالات النسيج مُوقِفَة النَزْف الذي كان يكفيها لعيش حياتها المتواضعة ، كانت قد ضاعفت مُدَّخراتها بتقديمها القروض لِزَبائنها من الفقراء الجدد الخجولين الذين يوافقون على فوائدِها الباهضة لِكتمانها الأسرار .

كانت سيدات لهن مظهر المَلِكات ينزلن من العربات الفاخرة أمام باب دكان الخردوات دون وصيفات أو خدم مزعِجين ـ، فيتظاهرن بأنهن يردن شراء مطرزات هولندية وحواشي من الحَرير المحبوك ، ثم يَرْهَنَّ بين دمعتَين آخِر مصاغ فردوسهن المفقود .

وتُخرِجُهُن ترانسيتو أَريثَا من حَرَجهن بتقديرها الشديد لأصلهن النبيل ، لدرجة أن معظمهن كُنَّ ينصرفن وهن يحمدن الشرف أكثر من حمْدِهِن المعروف .

وخلال أقل من عشرة سنوات كانت من ممتلكاتها الحُلِي المستوردة مرات عديدَة والمعادة للرهن وسط الدموع مجدداً ، وكذلك الأرباح المتحولة الى ذهب والمدفونة في جرة تحت السرير عندما اتخذ ابنها قرار الزواج ، حينئذٍ راجعت حساباتها واكتشفت أنها لا تستطيع القيام بعملية صيانة البيت من الانهيار لِمدة خمس سنوات فحسب ، بل ربما تستطيع ببعض الحيلة وشيء من الحظ أن تشتريَه لأحفادها الاثني عشر الذين كانت ترغب أن ينجبهم ابنها .

وكان فلورنْتينوأَريثَا قد عُيِّن معاوناً أول لمسؤول مكتب التلغراف بصفة مؤقتة ، وكان لوتاريو توغوت يريد تسليمه إدارة المكتب حين يذهب هو لتولي إدارة مدْرسة التلغراف والمغنطة المنتظَر افتتاحها في العام التالي .

وهكذا كان الجانب العملي من الزواج محْلولاً ، ومع ذلك رأت ترانسيتو أَريثَاضرورة الاهتمام بشرطَين نهائيَين ، الأول هو الاستعلام عن حقيقة لورينثو داثَا الذي لا تترك لهجته أي شكوك حول أصله ، أما هويته وووسائله في الحياة فليس هناك من يعرف عنها خبراً يَقيناً ، والثاني هو أن الخطوبة يجب أن تطول حتى يتعارف بعمق عبر العلاقة الشخصية وأن يُحفَظ أمر الخطوبة طي الكتمان الصارم الى أنْ يتأكد كِلاهما من عواطفهما ، واقترحت أن ينتظِرَا حتى تنتهي الحرب ، وقد وافق فلورنْتينوأَريثَاعلى الاحتفاظ بالسريَة المطلقة سواءً للأسباب التي عرضتها أمه أو لطبعه المُحب للكتمان ، وكان موافقاً كذلك على إطالة مدة الخطوبة .

لكن النهاية بدت له لا واقعية ، لأن البلد لم يعرف خلال نصف قرن من الاستقلال يوما واحدا من السلام الأهلي فقال : سنشيخ بهذا ونحن ننتظر .

ولم يكن عرّابه الطبيب التجانسي والذي كان يشارك مصادفةً في الحديث يعتقد بأن الحروب عائق ، وكان يرى أنها ليست سوى مشاكل فقراء يسوقهم ملّاك الأراضي كالجواميس ضد جنود حفاة تسوقهم الحكومة وقال : الحرب في الجبل ، ومُذ أدركْت أنا بأنهم لم يقتلونا هنا في المدينة بالرصاص وإنما بالقرارات .

لقد حُلَّت على أي حال جميع تفاصيل الخطوبة في رسائل الأسبوع التالي ، ووافقت فرْمينا داثَا بناءً على نصيحة العمَّة أسْكولا أَسْتيكا على استمرار الخطوبة مدة سنتَين ، وعلى الكتمان المطلق ، واقترحت أن يطلب فلورنْتينوأَريثَايدها عندما تنتهي من المدْرسة الثانوية في عطلة أعياد الميلاد ، وأن يتفقا في الوقت المناسِب على طريقة إعلان الخطوبة حسب درجة القبول التي ستكون قد حصلت عليها من أبيها ، وحتى ذلك الحين تابَعَا تبادل الرسائل بنفس الحماس ونفس الكثرة ولكن دون المخاوف السابقة ، وأخذت رسائلهما تميل الى لهجة عائلية وتبدو كأنها رسائل زوجَين ، ولم يكن هناك ما يعكر أحلامهما .

ولقد طرأ تبدل على حياة فلورنْتينوأَريثَاإذ منحه الحب المتبادل أماناً وقوة لم يعرفهما أبدا ، وأصبح دؤوباً في العمل مما سمح للوتاريو توغوتتعيينه نائباً له في السلطات دون بذل أي مجهود ، وكان مشروع مدْرسة التلغراف والمغنطة قد فشل في ذلك الحين ، فَكرَّس الألماني وقت فراغه للأمر الوحيد الذي يحبه فعلا ، ألا وهو الذهاب الى الميناء لعزف الأوكورديون وتناول البيرة مع البحارة ، ثم الانتهاء من كل ذلك في فندق العابرين .

وقد انقضى زمن طويل قبل أن يعرف فلورنْتينوأَريثَاأن تأثير لوتاريو توغوتفي مكان اللذة ذاك إنما هو عائد الى امتلاكه المحل وكونه رب عمل عصفورات الميناء .

لقد اشتراه شيئا فشيئا بمُدَّخراته خلال سنوات طويلة ، لكن من كان يدير الفندق بدلا منه هو رجل قصير نحيل وأعور ، رأسه كالفُرشاة وقلبه طيب وأليف لدرجة أن أحدا لم يكن يفهم كيف بإمكانه أن يكون وكيلا مناسِباً ، لكنه كان كذلك أو على الأقل ، هذا ما بدا لفلورنْتينوأَريثَاعندما قال له الوكيل دون أن يكون هو قد طلب منه بأنه هيأ له غرفة دائمة في الفندق لا ليحل فيها مشاكل ما تحت البطن فقط حين يقرر ذلك ، بل لِيجد مكانا أكثر هدوءاً لمطالعته ولرسائل الحب التي يكتُبُها .

وفيما كانت الشهور المتبقية لإعلان الخطوبة تمضي ، أخذ يقضي وقتا في الفندق أكثر مما يقضيه في المكتب والبيت ، وجاءت فترات لم تعُد ترانسيتو أَريثَاتراه إلا عندما يأتي لاستبدال ملابسه .

صارت المطالعة رذيلة لا يرتوي منها ، فمنذ علَّمته أمه القراءة كانت تشتري له كُتب المؤلفين الشماليين المُزَيَّنة بالرسوم والتي كانت تُباع على أنها حكايات للأطفال ، لكنها كانت في الواقع أقسى وأفسد ما يمكن قراءته في جميع الأعمار ، كان فلورنْتينوأَريثَايسردها عن ظهر قلب وهو في الخامسة سواءً في الدروس أو في سهرات المْدرسة ، لكن تآلفه معها لم يهدأ من رعبِه بل على العكس كان يفاقمه .

وهكذا فقد كان لتحوله الى الشعر مفعول المُسَكِّن ، فما أن بلغ سن الرشد حتى كان قد استهلك حسب ترتيب صدورها جميع كُتَيْبات المكتبة الشعبية التي كانت تشتريها له ترانسيتو أَريثَامن المكتَبيين الذين يعرضون بضاعتهم عند بَوابة الكَتَبَة العُموميين حيث توجد جميع أنواع الكُتب ، ابتداءً من هوميروس وحتى أقل الشعراء المحليين قيمةً ، ولم يكن يميز ما يقرؤه ، كان يقرأ الكُتَيب الذي يأتيه كما لو كان شأناً من شؤون القدَر ، ولم تكْفِه كل سنوات القراءة لِيعرف الغث من السمين في العالم الذي قرأه ، والشيء الوحيد الذي كان واضحاً لديه هو أنه عند المفاضلة بين النثر والشعر يفضل الشعر ، ومن بين الأشعار يفضل أشعار الحب التي كان يحفظها غَيْباً دون قصد منذ القراءة الثانية وبسهولة أكبر حين تكون مقفاة وموزونة جيدا ، وعندما تكون مؤثرةً كثيرا .

كان هذا هو المنْهل الأساسي لرسائله الأولى الى فرْمينا داثَا ، حيث كان يُورد مَقاطع كاملة دون طهي من أشعار الرومانسين الإسبان ، وبقية رسائله كذلك الى أنْ اضطرته الحياة الواقعية الى الاهتمام بالشؤون الدنيوية أكثر من الاهتمام بشجون القلب .

وكان في ذلك الحين قد خطا خطوة أخرى نحو قصص الدموع المُسلسلة ، وأنواعا أخرى أكثر دنيويةً من نثر عصره ، وكان قد تعلم البكاء مع أمه وهو يقرأ الشعراء المحليين الذين يُباعون في الساحات وتحت القناطر في كُتَيبات بسنْتافَين لكل منها ، لكنه كان قادرا في الوقت نفسه على إلقاء أفضل أشعار العصر الذهبي القشْتالي عن ظهر قلب .

وعُموما كان يقرأ كل ما يقع بين يديه ، وحسب ترتيب وقوعه بين يديه ، حتى أنه بعد زمن طويل من سنوات حبه الأول القاسية تلك وعندما لم يعُد شاباً قرأ من أول صفحة وحتى آخِر صفحة مُجَلَّدات كنز الشباب العشرين ومجموعة الكلاسيكيين الكاملة حسب طبعة غارنيرهانس المترجمة ، والأعمال الأكثر سهولة التي كان ينشرها دُون فيثينتي بلاسكو إيبانيث في سلسلة الواعدوون .

ولم تكن فترة فُتُوَّته في فندق العابرين على ~أية حال تقتصر على المطالعة وكتابة الرسائل المحمومة ، وإنما أدخلته أيضا في أسرار ممارسة الحب دون حب .

كانت الحياة تدُب في البيت بعد انتصاف النهار عندما تستيقظ صديقاته العصفورات عاريات كما ولدتهن أمهاتهن .

وهكذا كان فلورنْتينوأَريثَا يجد نفسه أثناء عودته من العمل في قصر مسكون بِحوريات عاريات يُعَلِّقن صارخَات على أسرار المدينة التي يَطَّلعن عليها بوشايات أصحابها بالذات ، وكانت كثيرات منهن يعرضن في عُرُيِهن آثارا من الماضي ، ندوب طعنات خناجر في البطن أو آثار أعيرة نارية تبدو كالنجوم أو أحاديد ضربات بِسكاكين الحب أو خياطات عمليات قيصرية يجريها الجزارون .

وتُحْضِر بعضهن خلال النهار أبناءهن الصغار ، أبناء مرارة الشباب وتهوره التعساء ، وينزعن عنهم ملابسهم فور دخولهم حتى لا يشعر الصغار بأنهم مختلفون في جنة العُراة .

وقد كانت كل منهن تَطْهو طعامها وحدها ، ولم يكن هناك من يأكل خيراً من فلورنْتينوأَريثَاعندما يدعونه ، لأنه يختار أفضل ما لدى كل منهن ، كان كذلك احتفالا يومياً يستمر حتى المَساء حين تصطف العاريات لدخول الحمام وهن يغنين ، بينما يستعرن من بعضهن الصابون أو فُرشاة الأسنان أو المِقصات ، وكانت بعضهن تقُص شَعر الأخريات ، ثم يرتدين ملابسهن شهلة الخلع ، ويَطلين وجوههن كمُهرِّجات مُبْكيات ، ويخرجن لاصطياد أول طرائدهن الليلية ، وحينئذٍ تصبح حياة البيت غامضة ولا إنسانية ، وتصبح المشاركة فيها مستحيلةً دون دفع الثمن .

لم يكن لفلورنْتينوأَريثَا مكان أفضل منه يقضي وقته مُذ تعرف على فرْمينا داثَا فيه ، فهو المكان الوحيد الذي لا يشعر فيه بالوحدة ، بل وأكثر من ذلك أنه المكان الوحيد الذي صار يشعر وهو فيه بأنه معها ، وربما لهذه الأسباب نفسها كانت تعيش هناك امرأة متقدمة في السن ، أنيقة ذات رأس مفضفض بديع لا تُشاِرك في حياة العاريات الطبيعية ويُكِنُّ لها جميعهن احتراماً قدسياً ، لقد حملها الى هناك خطيب ما وهي شابة ، وبعد أن تمتع بها لبعض الوقت هَجَرَها لِمصيرها ، وقد توصلت رغم وصمتها الى زواج سعيد ، وعندما أصبحت كبيرة في السن ووحيدة تنازع ابناها وبناتها الثلاث متعة حملها لعيش معهم ، أما هي فلم يَخطُر لها مكان أكثر جدارة بالحياة من فندق الماجنات الحنونات ذاك ، وكانت حجرتها الدائمة هناك هي بيتها الوحيد ، وهذا ما جعلها تتوافق فورا مع فلورنْتينوأَريثَا الذي كانت تقول عنه سيصير عالِماً مشهوراً في العالم بأسره ، لأنه قادر على إغناء روحه بالمطالعة في جنة الشبق .

وقد أبدى لها فلورنْتينوأَريثَا من جانبه عطفَا شديدا ، فكان يساعدها في شراء حاجاتها من السوق ، واعتاد أن يمضي بعض الأماسي متحدثا إليها ، وكان يفكر بأنها امرأة عالِمة في الحب إذ قدمت له إضاءات كثيرة حول حبه دون أن يكشف لها عن سره .

وإذا كان لم يسقط في الإغراءات الكثيرة التي في متناول يده قبل أن يعرف حب فرْمينا داثَا ، فإنه لن يفعل ذلك بعد أن أصبحت خطيبته الرسمية .

وهكذا كان فلورنْتينوأَريثَا يعيش مع الفتيات ، يقاسمهن الأفراح والأتراح دون أن يَخطُر بباله أو ببالهن المضي الى ما هو أبعد من ذلك ، وقد جاء حادث طارئ ليؤكد صرامة قراره ، ففي الساعة السادسة من مَساء أحد الأيام وفيما الفتيات يرتدين ملابسهن استعداداً لاستقبال زبائم الليل دخلت الى حجرته العاملة المُكلَّفة بتنظيف الأرضية ، امرأة شابة لكنها مترهلة وشاحبة ترتدي ملابسها كتائبة في مملكة العاريات ، وكان يراها يومياً دون أن يشعر بأنها تراه ، كانت تنتقل بين الحجرات حاملةً المكانس وسطْل القُمامة ومِمْسَحة خاصة تلتقط بها عن الأرض مانعات الحمل المستخدمة .

دخلت الى الغرفة حيث كان فلورنْتينوأَريثَا يقرأ كعادته ، وكنست الأرض بحذر شديد كعادتها كي لا تُزعِجه ، وفجأة مرت بمحذاة السرير وأحس باليد الدافئة والطرية فوق صليب بطنه ، وأحس بها تبحث عنه ، أحس بها تجده ، وأحس بها تَحُل الأزرار فيما تنفُسها يملأ الغرفة ، وتظاهر بأنه يقرأ الى أنْ لم يعُد قادرا على الاحتمال ، فاضطَر للإعراض عنها بجسده .

فزِعَت المرأة بالتحذير الأول الذي أعطوها إياه لِمنحها وظيفة عاملة ، هو ألا تضاجع أحدا من الزبائن ، ولم يكن عليهن أن يقلن لها ذلك ، لأنها كانت ممن يفكرون بأن الدعارة ليست في المضاجعة مقابل المال وإنما في مضاجعة الغرباء .

كان لها ابنان ، كل منهما من زوج مختلف وليس ذلك في مغامرات عرَضية وإنما لأنها لم تتمكن من حب رجل يرجع إليها بعد المرة الثالثة .لقد كانت حتى ذلك الحين امرأة ليست على عجلة من أمرها ، وكانت مهيأة بطبعها للانتظار دون يأس ، ولكن الحياة في ذلك البيت كانت أقوى من عِفَّتِها ، كانت تدخل الى العمل في السادسة مَساءً وتقضي الليل كله متنقلة من حجرة الى أخرى كانسةً الأرض بأربع ضربات من مِكْنَسَتِها ، جامعةً موانع الحمل المستخدمة ومستبدلةً شراشف الأَسِرَّة .

ولم يكن سهلا تصور كميَة الأشياء التي يخلفها الرجال بعد الحب ،إنهم يتركون قيأً ودموعاً وهذا كان يبدو لها مفهوماً ، لكنهم كذلك كانوا يخلفون الكثير من ألغاز العلاقات الجنسية ، بقع دم لطخات بُراز عيون زجاجية ساعات ذهبية أأسنان إصطناعية عُلَب تحتوي على خُصل شَعَر ذهبية رسائل حب رسائل تجارية رسائل تعزيَة رسائل من كل صنف ، وكان بعضهم يعود بحثاً عن أشيائه المفقودة ، لكن معظم الأشياء كانت تبقى هناك .

وكان لوتاريو توغوت يحفظها تحت قِفْل مُفكِّراً أن ذلك القصر الساقط في المحنة مع آلاف الأشياء الشخصية المَنسية سيتحول عاجلاً أَم آجلا الى متحف للحُب .

كان العمل قاسياً وأجره ضئيلاً ، لكنها كانت تقوم به على أحسن وجه ، أما ما لم تكن قادرة على احتماله فهو التنهدات والتأوهات وصرير نوابض الأَسِرَّة التي كانت تترسب في دمِها بحرقة وألم شديدَين ، ، وما أن يأتي الفجر حتى تكون عاجزةً عن احتمال تلهفها للاضطجاع مع أول شحاذ تلتقي به في الشارع أو مع أي سكِّير مبدد يقدم لها هذه الخدمة دون أي مَطالب أو أسئلة أخرى .

كان ظهور رجل بلا امرأة كفلورنْتينوأَريثَا فتي ونظيف بمثابة هدية من السماء بالنسبة لها ، ذلك أنها لاحظت منذ اللحظة الأولى أنه مثلها مُعْوَز للحُب ، أما هو فلم يكن يحس بما تُعانيه ، لقد احتفظ بعذريته في سبيل فرْمينا داثَا وليست هناك قوة أو منطق في هذا العالم يثنيه عن عزمه .

وعلى هذا المِنْوال كانت حياته تسير قبل أربعة شهور من الموعد المحدد لإعلان الخطوبة ، عندما ظهر لورينثو داثَا في الساعة السادسة صباحا في مكتب التلغراف وسأل عنه ، وبما أنه لم يكن قد حَضَرَ بعد فقد انتظره جالسا على المقعد حتى الساعة الثامنة وعشر دقائق ناقلا من إصبع الى آخر الخاتم الذهبي الثقيل المرصع بياقوتة نقية ، وعندما رآه يدخل عرفه فورا على أنه موظف التلغراف ، فأمسكه من ذراعه وقال له : تعال معي أيها الشاب ، لدينا ما نتحدث فيه معاً لمدة خمس دقائق حديث رجل لِرجل .

وانقاد فلورنْتينوأَريثَا الذي صار لونه أخضر مثل ميت ، لم يكن مهيأً لهذا اللقاء لأن فرْمينا داثَا لم تجد الفرصة ولا الوسيلة لإنذاره ، والقضية هي أنه في يوم السبت الفائت دخلت الأخت فرانْكا ديلَا لُوث رئيسة راهبات مدْرسة ظهور العذراء المقدسة الى درس المعرفة الكونية بصمت أفعى ، وفيما هي تتجسس على التلميذات من فوق أكتافهن اكتشفت أن فرْمينا داثَا تتظاهر بأنها تسجل ملاحظات على الدفتر بينما هي في الواقعر تكتب رسالة حب .

كانت هذه الخطيئة حسب قوانين المدْرسة سببا كافياً للطرد ، ولدى استدعائه على عجل الى مكتب الإدارة اكتشف لورينثو داثَا الثقب الذي كان يتسرب منه نظامه الحديدي ، وقد اعترفت فرْمينا داثَا بقوة طبعها بخطية الرسالة ، لكنها رفضت الكشف عن هوية الحبيب السري ، وعادت ترفض أمام محكمة الانضباط التي أقرت لهذا السبب حكم الطرد ، ورغم ذلك فقد قام الأب بتفتيش غرفة نومها التي كانت حتى ذلك الحين مكاناً مقدساً لا يجوز خرْق حرمته .

ووجد في الصندوق ذو القاع المزدوج رسائل ثلاث سنوات مُخَبأةً بمحبة تُضاهي المحبة المبذولة في كتابتها .

لم يكن توقيع المُرسِل يحتمل الخطأ ، لكن لورينثو داثَا لم يستطع أن يصدق حينئذٍ ولا فيما بعد أن ابنته لا تعرف عن خطيبها الخفي سوى مهنته في التلغراف وهوايته في عزف الكمان .

ولقناعته أن علاقة على هذا القدر من الصعوبة لا يمكن فهمها إلا بتَسَتر شقيقته ، فإنه لم يسمح لهذه حتى بنعمة الاعتذار وإنما أجبرها على الإبحار دون استئناف في مَرْكِب الى سان خوان ديلاثييناغا ، ولم تسترح فرْمينا داثَا الى الأبد من عذاب ذِكراها الأخيرة في مَساء اليوم الذي ودعتها فيه عند البوابة وهي تتقد بالحُمَا في مسوحها البني ، ورأتها تختفي بعظامها البارزة وشحوبها تحت مطر الحديقة حاملةً متاعها الوحيد المتبقي لها في الحياة ، حقيبة العزباء ونقود لا تكاد تكفيها للحياة شهرا ملفوفةً بمنديل في طرف كُمِّها .

وما أن تحررت من سلطة والدها فيما بعد حتى بعثت من يبحث عنها في مقاطعات الكاريبي سائلةً عنها كل من قد تعرَّف إليها ، ولم تجد أي خبر عن آثارها إلا بعد مرور حوالي ثلاثين سنَة عندما تلقت رسالة تناقلتها أيدٍ كثيرة خلال زمن طويل ، وفيها يخبرونها بأنها ماتت في حوالي المائة من العمر في مَحجر أغواديد ديدويوس الصحي .

لم يتنبأ لورينثو داثَا بالشراسة التي ستَردُّ بها ابنته على العقاب الظالم الذي راحت ضحيته العمَّة أسْكولا أَسْتيكا ، تلك العمَّة التي كانت ترى فيها أمها التي لا تكاد تتذكرها .

لقد حبست نفسها مُقفِلة الباب بالرتاج في غرفة النوم دون طعام أو شراب ، وعندما تمكن أخيرا من جعلها تفتح الباب بالتهديد أولا ثم بالتوسلات المنافِقة ، وجد نفسه أمام لَبُؤَة جريح لن تعود ابنة خمسة عشرة سنة الى الأبد .

حاول إغراءها بكل أنواع التملق ، حاول إفهامها أن الحب في سنها ما هو إلا سراب ، وحاول إقناعها بالحسنى أن تعيد الرسائل وترجع الى المدْرسة لتطلب الصفح جاثيةً ، ووعدها بكلمة شرف أنه سيكون أول من سيساعدها لتكون سعيدة مع خطيب مُحترَم .

لكنه كان كمَيِّت يُحدث مَيِّتً ، أحس بالهزيمة وانتهى الى فقدان أعصابه أثناء غداء يوم الاثنين ، وفيما هو يشرف بالسُباب والشتائم على حافة الهَيَجان ،تناولت سكين اللحم ووضعتها على عنقها بلا دراماتيكية وبنَبْض ثابت وعينَين ذاَهلتين لم يجرؤ على تحديهما ، وكان قرر حينئذٍ المخاطرة بالحديث كرجل لِرجل لمدة خمس دقائق مع الدخيل المشؤوم الذي لا يَذكُر أنه رآه يوماً ، والذي وقف في طريق حياته في ساعة نحْس ، وبمَحْض العادة تناول المسدس قبل أن يخرج لكنه حرص على حمله مُخَبأً تحت القميص .

لم يكن فلورنْتينوأَريثَا قد استرد أنفاسه عندما قاده لورينثو داثَا من ذراعه عبر ساحة الكاتدرائية حتى رواق الأقواس في مقهى الباروكية ، ودعاه للجلوس على المصطبة الخارجية ، لم يكن هناك زبائن آخرون في مثل هذا الوقت ، وكانت امرأة زنجية تمسح بلاط الصالة الضخمة ذات الواجهات الزجاجية المتشضية والمتغبرة حيث كانت الكراسي لا تزال موضوعة بالمقلوب فوق الطاولات الرُخامية .كان فلورنْتينوأَريثَا قد رأى لورينثو داثَا مرات كثيرة وهو يلعب ويشرب النبيذ هناك مع أستريوس سوق العام الذين يشتبكون في مشادات صارخة حول حروب مزمنة أخرى غير حروبنا ، ولقد تساءل مرات كثيرة وهو يعي قدرية الحب : كيف سيكون لقاؤه الذي سيتم عاجلا أَم آجلا مع هذا الرجل ، ذلك اللقاء الذي لن تحول دونه قوة إنسانية ، لأنه مكتوب منذ الأزَل في قَدَر كل منهما .

لقد رأى في الأمر شجارا لا متكافئاً ، ليس لأن فرْمينا داثَا لم تكن قد نبهته في رسائلها الى طبع أبيها العاصف فحسب ، بل لأنه هو نفسه لاحظ من قبل أن له عينَين غاضبتَين حتى حين يقهقه ضاحكا على طاولة اللعب ، إن كل ما فيه كان محصلة شراسة ، كرشه اللئيم ، وطريقته المفخمة في الكلام وساقاه اللتان كساقَي وشَق ويداه الغليظتان مع البُنْصر المختنق بفص الياقوت ، الشيء الوحيد اللَيِّن فيه والذي تنبه إليه فلورنْتينوأَريثَا مُذ رآه يمشي لأول مرة هو مشيته الغزلانية التي كمشية ابنته ، ومع ذلك فإنه لم يره فظاً كما كان يظن حين أشار له الى الكرسي ليجلس ، ثم إنه استرد أنفاسه عندما دعاه لتناول كأس من خمرة لها طعم اليانسون .

لم يكن فلورنْتينوأَريثَا قد تناول مشروباً كهذا في الثامنة صباحا من قبل ، لكنه وافق شاكرا لأنه كان بحاجة إليه وبسرعة .

لم يتأخر لورينثو داثَا فعلا أكثر من خمس دقائق في عرض غرضه ، وفعل ذلك بصراحة مجردة جعل الأمر يختلط على فلورنْتينوأَريثَا .

لقد وضع نصب عينَيه منذ وفاة زوجته هدفا وحيدا هو أن يجعل من ابنته سيدة عظيمة ، وكان السبيل الى ذلك طويلا وشائكاً بالنسبة لتاجر بغال لا يحسن القراءة ولا الكتابة ، رغم أن سمعته كلص مَواشي لم تكن مؤكدةً بنفس درجة انتشارها في مقاطعة سان خوان ديلاثييناغا .

أشعل سيجارة بَغّال وقال متحسراً : الشيء الوحيد الذي اعتبره أسوأ من اعتلال الصحَة هو سوء السُمعة .

ومع ذلك قال : إن سر ثروته الحقيقي هو أنه لم يكن يجعل أياً من بغاله يعمل بقدر ما كان هو نفسه يعمل وبتصميمه حتى في أكثر أزمان الحرب مَرارةً حين كانت القرى تستيقظ متحولةً الى رُكام والحقول الى هشيم .

ورغم أن ابنته لم تطَّلِع يوما على مخطط مصيرها إلا أنها كانت تتصرف كشريكة متحمسة ، فهي ذكيَة ومنظمة حتى إنها علَّمت أباها القراءة بالسرعة نفسها التي تعلَّمت هي بها ، وفي الثانية عشرة من عمرها كانت مطَّلعة على الواقع بشكل يؤهلها لتسيير شؤون البيت دون حاجة للعمَّة أسْكولا أَسْتيكا .

وتَنَهد : إنها بغلة ذهبية .

وعندما أنهت ابنته المدْرسة الابتدائية بدرجات قصوى في كل المواد مع تنويه شرف في حفل الختام ،أدرك أن بلدَة سان خوان ديلاثييناغا أصبحت ضيقة على أحلامه ، عندئذٍ صفّىَ ممتلكاته من الأراضي والمواشي وانتقل بقوى جديدة وسبعين ألف بيزو ذهباً الى هذه المدينة المُنهارة ذات الأمجاد المنخورة .

ولكن حيث المجال متاح لامرأة جميلة ومؤدبة على الطريقة القديمة أن تولَد من جديد بزواج محظوظ .

لقد كان اقتحام فلورنْتينوأَريثَا حياتهما عائقا غير مُنْتظَر في ذلك المخطط الصارم .

- إنني آتٍ لِأتقدم منك بِرَجاء . قال لورينثو داثَا ، ثم بلل عَقِب السيجار بخمر اليانسون ، وأخذ منه نفَساً بلا دخان واختتم بصوت مغموم : ابتعد عن طريقنا .

كان فلورنْتينوأَريثَا قد أصغى إليه وهو يتناول رشفات من خمر اليانسون ، منذ اكتشاف ماضي فرْمينا داثَا حتى أنه لم يسأل نفسه عما يقوله عندما سيتكلم ، وما أن جاء وقت الكلام حتى انتبه الى أنْ تقرير مصيره متوقِف على ما سيقوله فسأل : هل كَلَّمْتَها ؟

قال لورينثو داثَا : هذا ليس من اختصاصِك .

وقال فلورنْتينوأَريثَا : إنني أسأل لأنني أرى أنها هي التي عليها أن تُقرِر .

فقال لورينثو داثَا : لا شيء من هذا ، فالقضية قضية رجال ويجب تسويتها بين الرجال .

أصبحت نبرة صوته متوعِدَة ، والتفت زبون على طاولة مجاورة لينظر إليهما .

وتكلم فلورنْتينوأَريثَا بأخْفَض صوت ممكن ولكن بأقصى ما لديه من تصميم قال : لا أستطيع إجابتك على أية حال دون أن أعرف رأيها ، لأن ذلك سيكون خيانة .

حينئذٍ شد لورينثو داثَا نفسه الى الوراء في المِقعد بأجفانه المُحْمَرَّة والرطِبة ودارت عينه اليسرى في مَحجرِها لتستقر مائلة الى الخارج ، ثم خفض صوته أيضا وقال : لا تجبرني على قتلك بإطلاق النار عليك .

أحس فلورنْتينوأَريثَا بأن أحشاءه قد امتلأت بِرغوَة باردة لكن صوته لم يرتعش ، لأنه أحس أيضا بأنه مُلهَم من الروح القُدُس فقال ويده على صدرِه : أَطلِق .كان على لورينثو داثَا أن ينظر إليه مُجانَبَةً كالببغاوات ليراه بالعين المائلة ، ولم ينطق الكلمات الثلاث وإنما بدا وكأنه يبسقها مقطعاً : يا ابن العاهرة .

في ذلك الأسبوع بالذات حمل ابنته الى رحلة النسيان ، لم يقدم لها أي تفسير سوى أنه اقتحم غرفة نومها وشاربه ملوَث بالغضب المختلِط مع السيجار الممضوغ ، وأمرها بأن تجهز أمتعة السفر .

سألَته : الى أين سيذهبان ؟

فاجأها : الى الموت .

وحاولت وهي فزعة من هذا الجواب الذي يشابه الحقيقة كثيرا مواجهته بشجاعة الأيام الماضية ، لكنه نزع حزامه ذي الأبزيم النُحاسي وطواه على قبضته ثم هَوَى على الطاولة بجَلْدةٍ دوَّت في أرجاء البيت كأنها طلقة بندقية ، فعرفت فرْمينا داثَا جيدا مدى قوتها ومناسبتها .

وهكذا أعدت أمتعة السفر ولفتها ببِساطَين وأرجوحة نوم ، ووضعت كل ملابسهما في صندوقين كبيرَين وهي متأكدة من أنها رحلة بلا عودة .

وقبل أن ترتدي ثيابها حبست نفسها في الحمام وتمكنت من كتابة رسالة وداع قصيرة الى فلورنْتينوأَريثَا على ورقة منتزَعة من مجموعة الورق الصحي ، ثم قصت ضفيرتها كاملة من مستوى الرقبة بِمِقَص تقليم ولفتها بعلبة من المخمل مطَرَّزة بخيوط ذهبية وبعثت بها مع الرسالة .

كانت رحلة مجنونة ، مرحلتها الأولى وحدها استغَرِقت أحد عشر يوما برفقة بَغّالي الأنديز على صهوة بَغلة فوق جُرُف سلسلة السيارينيفادا الوعرة ، وقد أمضوها وهم مخدرون بالشموس اللاهبة أو مبللين بأمطار تشرين الأفقية وبأنفاس مخدرة في معظم الأحيان بفعل الروائح المنومة التي تنبعث من الجُروف .

وفي اليوم الثالث للرحلة انزلقت بَغلة هائجة بسبب ذباب الدواب وَهَوَت مع فارِسها ساحبة معها مجموعة البِغال المربوطة وإياها كلها ، واستمرت زعقة الرجل وعنقوده المؤلَّف من سبعة بهائم مربوطة الى بعضها تتردد في الأودية والوِهاد لعدة ساعات بعد الكارثة ، وبقيت تَطِنُّ في ذاكرة فرْمينا داثَا لِسنوات وسنوات ، لقد هَوى كل متاعها مع البغال ، ولكنها في لحظة القرون التي استغرقها السقوط الى أنْ انطفأت صرخة البغال في القاع لم تُفكر في الرجل المسكين الذي مات ولا بالقافلة التي تمزقت ، وإنما كانت ترى الكارثة في أن بغلَتَها التي تمتطيها لم تكن مربوطة مع البغال الأخرى .

كانت المرة الأولى التي تمتطي فيها صهوة بهيمة ، ولكن رعب الرحلة وآلامها التي لا حصر لها ما كانت لِتبدو لها بهذه المرارة لولا قلقها من كونها لن ترى فلورنْتينوأَريثَا بعد اليوم ولن تتعزى برسائله .

منذ بدء الرحلة لم تبادل والدها الحديث ، وهذا كان قلقا بدوره حتى أنه لم يكلمها إلا في بعض الأمور الضرورية أو اكتفى بإرسال بعض التعليمات إليها مع البَغّالين ، وحين كان الحظ يحالفهم يجدون نُزُلاً على الطريق يُقدَّم فيه طعام جبلي ترفض تناوله ، ويُأَجِرونهم فراشاً مُتسخاً بعرَق وبول زنخَين ، أما غالبية الليالي فكانوا يقضونها في أكواخ هنود أو في منامات عامة في الهواء الطلق مُشادة على حافة الدروب في صفوف من أكواخ خشبية ذات سقوف من النخيل ، حيث لكل من يصل الحق في بالبقاء حتى الفجر .

لم تتمكن فرْمينا داثَا من النوم ليلة كاملة وهي تتعرق خوفاً ، وتحس في الظلام بحركة المُسافرين الرشيقة وهم يربطون دوابهم في الأكواخ الخشبية ويعلقون أراجيح نومهم حيث يستطيعون .

في المَساء وعند وصول أول المُسافرين يكون المكان بَهياً وهادئا ، لكنه يتحول عند الصباح الى سساحة مهرجان مليئة بحشد من أَراجيح النوم المعلقة على عدة مستويات ، وهنود أُرواكو الجبليين الذين ينامون مُقَرْفصين وتململ الماعز المربوطة وصخب دِيَكة المصارعة في صناديقها الفرعونية ، والصمت اللاهث للكلاب الجبلية المُدرَبة على عدم النُباح خوفا من مخاطر الحرب .

لقد كانت تلك الأجواء مألوفة للورينثو داثَا الذي عَمِل تاجرا في المنطقة خلال نصف حياته ، وكان يلتقي بشكل شبه دائم مع أصدقاء قُدماء عند الفجر ، أما بالنسبة للابنة فكان احتضاراً مؤبداً .

إن نتانة شحنات السمك المملح إضافة الى فقدانها الشهية شوقا توصلا الى إتلاف عادة الأكل لديها ، وإذا كان لم يصبها مس من اليأس فلأنها وجدت الفرج دوما في ذكرى فلورنْتينوأَريثَا ، ولم تشك لحظةً في أن تلك الأرض هي أرض النِسيان .

وكان هناك رعب دائم آخر ، هو رعب الحرب ، فمنذ بدء الرحلة جرى حديث عن خطر الإلتقاء بالدوريات المنتشرة ، وقد دربهم البَغّالون على مختلف الأساليب لمعرةفة الجهة التي ينتمون إليها ليتصرفوا بما يتلاءم مع ذلك ، وكثيرا ما كانوا يلتقون بإرسالية جُند على الخيول تحت إمرة ضابط تقوم بتجنيد إجباري لمُجندين جُدد وذلك بربطهم كالعُجول وإجبارهم على الجريّ.

ومُثقلَة بكل هذه المخاوف نَسيَت فرْمينا داثَا ذاك الذي بدا لها أكثر خرافية من الأمور الوشيكة الحدوث الى أنْ اختطفت دورية بلا انتماء معروف مُسافرَين من القافلة في إحدى الليالي وشنَقتهما على شجرة كابِيلي على بُعد فَرْسَخ واحد من المنامة .

لم يكن للورينثو داثَا أي علاقة بهما لكنه أنزلهما عن الأنشوطة ودفنهما كمسيحيَين ، وذلك بدافع الحمد لكونه لم يلقَ المصير نفسه ، وكان هذا أقل ما يمكن عمله لأن المهاجمين كانوا قد أيقظوه وَفُوَّهَة بندقية مصوبة الى بطنه ، واقترب منه قائد بأسمال وجهه مَطلي بِسِناج أسود وصوَّب نحوه ضوء مصباح يدوي وسأله إن كان لبرالياً أَم محافِظاً ؟

فقال لورينثو داثَا : لست هذا ولا ذاك ، أنا مواطن إسباني .

فقال الكُوميدان : يا لك من محظوظ .

ثم ودعه رافعاً يده الى أعلى وقال : فليحيا المَلك .

بعد يومين من ذلك نزلوا الى السهل الساطع حيث تقبع بلدَة فيَدوبار السعيدة ، كانت تقام هناك مصارعات ديكة في الباحات وتُعزَف موسيقى أوكورديون في المنعطفات ، كما كان هناك فرسان يمتطون صهوات جياد كريمة ، وألعاب ناريو وقرع نواقيس ، وكانوا كذلك قد نصبوا قلعة من الأسهم النارية ، لكن فرْمينا داثَا لم تعِر أي اهتمام حتى للجوقة الموسيقية .

استضافهما الخال لِيِسِاماكو سانجيت شقيق أمها الذي خرج لاستقبالهما على الطريق الرئيسي ، ترافقه كوكبة من الفرسان الأقارب الشباب الذين يمتطون بهائم من أفضل سلالات المقاطعة ، وقادوهما عبر شوارع البلدَة وسط فرقعة الألعاب النارية .

كان البيت في نطاق الساحة الكبرى الى جوار الكنيسة الاستعمارية ، والتي كانت أشبه بمستودع محصولات بحجراتها الفسيحة والمظلمة وممرها العابق برائحة عصير قصب السكَر الدافئ مقابل بستان أشجار مثمرة .

وما أن ترجلو في الإصطبلات حتى امتلأت صالات الاستقبال بأعداد من الأَقارب المجهولين الذين كانوا يُزعجون فرْمينا داثَا بسيل عواطفهم الذي لا يطاق لأنها كانت عاجزةً عن حب أحد آخر في هذا العالم ، إضافةً الى تَسَلُّخ بشرتها من امتطائها البهيمة وإنْهاكها من النعاس والإسهال ، والشيء الوحيد الذي كانت تتشوق إليه هو مكان منْعزل وهادئ لِتبكي فيه .

وكانت ابنة خالها هيلْدا براندا التي تكبرها بسنتَين ولها كِبرياؤها الامبراطوري ذاته هي الوحيدة التي تفهمت حالتها مُذ رأتها لأول مرة لأنها كانت تكتوي كذلك بجمرات حب متهور .

رافقتها عند المَساء الى حجرة نومها التي أعدتها للتتقاسمها وإياها ، ولم تستطع أن تفهم كيف ما زالت على قيد الحياة بهذه القروح النارية في إلْيَتَيها ، وبمساعدة أمها وهي امرأة عذبة وشبيهة جدا بزوجها ححتى ليَبدوان وكأنهما توأمان ، أعدت لها مغطساً وخففت لها حرارة الحُمَا بكمدات من أزهار جبلية فيما كانت أسهم قلعة البارود النارية تهز أعماق البيت .

انصرف الزوار عند منتصف الليل ، وتفرقت الحفلة العامة الى جَذوات مُبعثرة ، وأعارت ابنة الخال هيلْدا براندا قميص نوم قطني أبيض لفرْمينا داثَا وساعدتها على الاستلقاء في سرير ذي شراشف نظيفة ووسادة ريش أوحت لها بغتة برع السعادة المفاجئ ، وعندما بقيتا وحدهما أخيرا أغلقت الباب بالمزلاج وأخرجت من تحت فرشة سريرها مغلفا مختوماً بشعار التلغراف الوطني ، وكانت رؤية تعابير المكر المشعة من وجه ابنة الخال تُبَرعِم في ذاكرة قلب فرْمينا داثَا رائحة أزهار الياسمين البيضاء قبل أن تُفتِت بأسنانها خاتم الشمع الأحمر ، وتبقى حتى الفجر متخبطةً في بِرْكة دموع البرْقيات الأحدى عشرة الخارقة .

وعرفت حينئذٍ كل شيء ، فقبل الانطلاق بالرحلة ارتكب لورينثو داثَا خطيئة إخطار حَماه لِيِسِاماكو سانجيت بالتلغراف ،وبعث هذا الخبر بدوره الى حلقة أقربائه الواسعة والمعقدة ، المُنتشرة في عدد كبير في قرى ودروب المقاطعة .

وهكذا لم يتمكن فلورنْتينوأَريثَا من معرفة طريق السفر كله فقط وإنما أقام كذلك جمعية واسعةً من عاملي التلغراف لاقتفاء آثار فرْمينا داثَا حتى آخِر قرية في كابوديلافيلا ، وقد أتاح له ذلك الاحتفاظ باتصال مُكثف معها منذ وصولها الى فيَدوبار حيث أقامت ثلاثة شهور وحتى نهاية الرحلة في بعد سنَة ونصف حين هُيِّئ للورينثو داثَا أن ابنته قد نَسيَت وقرر الرجوع الى بيته .

ربما لم يكن هو نفسه واعيا مدى تراخي مراقبته في انشغاله في مداهنات أنسبائه السياسيين الذين تخَلوا بعد كل هذه السنين عن أوهامه القبلية وقَبِلوه بقلب مفتوح كواحد منهم .

لقد كانت زيارة مصالحة متأخرة ، رغم أن الغرض الأساسي منها لم يكن كذلك .

كانت عائلة فرْمينا سانجيت قد عارضت فعلا وبكل إصرار زواجها من مهاجر بلا أصل متوحش وكثير الكلام ، كان يمضي عابراً في كل الأماكن بتجارة بِغال شبِقَة تبدو شديدة البساطة حتى لَيُشكُّ في نظافتها .

كان لورينثو داثَا يلعب لعبة كبيرة لأن محبوبته هي أفضل فتاة في عائلة تقليدية من عائلات المنطقة ، قَبيلة متشابِكة من النساء الباسلات والرجال الطيبي القلب وسهلي الزناد ، الذين يَهيجون الى حد الجنون في مسائل الشرف ومع ذلك فقد أصرت فرْمينا سانجيت بكبريائها على قرار حبها الأعمى ، وتزوجت منه رغم غضب العائلة بسرعة كبيرة وأسرار كثيرة ، فبدت وكأنها لم تفعل ذلك بدافع الحب وإنما لإخفاء زلة مُبكِرة بغطاء مقدس .

وبعد خمس وعشرين سنَة دون أن ينتبه لورينثو داثَا الى أنْ عناده أمام حب ابنته هو تكرار لتاريخه المعيب ذاته .

كان يشكو بلواه أمام أحمائه الذين عارضوا زواجه ، كما شكا هؤلاء في حينهِم أمام أحمائهم ، ولكن الوقت الذي كان يضيعه في حسَراته كانت ابنته تكسبه في غرامياتها .

وفيما هو منصرف الى خصي العُجُول وترويض البِغال في أرض أحمائه السعيدة ، كانت هي تمضي مُفلتَتة الأَعِنَّة مع فوج من بنات خؤولتها تقودهن هيلْدا براندا سانجيت أجملهن وأسرعهن في تقديم الخدمات والتي كانت تكتفي بنظرات مختلَسة في حبها الطائش لِرجل يكبرها بعشرين سنَة متزوج وأب لأولاد .

بعد إقامة طويلة في فيَدوبار تابعا الرحلة عبر المرتفعات المجاورة لسلسلة الجبال ، مجتازين مروجاً مُزهِرة وتلالاً حالمة واسْتُقبِلوا في جميع القرى بمثل الاستقبال الأول مع الموسيقى والمفرقعات وبنات خؤولة جديدات متواطئات ورسائل منتظمة في مكاتب التلغراف .

وسرعان ما تنبهت فرْمينا داثَا الى أنْ وصولها الى فيَدوبار لم يكن مختلفا وأن جميع أيام الأسبوع في تلك المقاطعة الغنية كانت تُعاش وكأنها أيام أعياد ، كان الضيوف ينامون حيث يفاجئهم الليل ، ويأكلون حيث يصادفهم الجوع ، فالبيوت مُشْرعة الأبواب فيها دائما أرجوحة نوم معلَّقة وطبيخ به بضع قطع من اللحم يغلي على مَوقِد تحسباً لِقدوم أحد قبل وصول برقية الإعلان عند مجيءه ، كما كان يحدث بشكل شبه دائم .

رافقت هيلْدا براندا سانجيت ابنة عمتها في بقية مراحل الرحلة ، وقادتها بسعادة عبر تشابكات الدم حتى مَنابع أَصلِها ، وتعرفت فرْمينا داثَا على ذاتها وأحست بأنها سيدة نفسها للمرة الأولى ، أحست بأنها محمية ، وأن رئتيها ممتلئتان بِهَواء حريَة أعاد لها الطمأنينة وإرادة الحياة ، وبقيت تذكر تلك الرحلة حتى سنواتها الأ×الأخيرة وتشعر بها أقرب عهدا في ذاكرتها مع صحوات الحنين المُضَلَلَة .

وفي إحدى الليالي رجعت من جولتها اليومية مصعوقةً لاكتشافها أن المرء لا يمكن أن يكون سعيدا دون الحب فحسب بل وضده أيضا ، وقد أفزعها هذا الاكتشاف لأن إحدى بنات أخْوالِها استمعت مُصادفةً الى حديث بين آبائهن ولورينثو داثَا ،لَمَّحَ هذا الأخير خلاله الى موافقته على فكرة زواج ابنته من وارث ثروة كلُيوفاسموسكوتي الخيالية .

كانت فرْمينا داثَا تعرفه فقد رأته وهو يذرع الساحات على مَتْن جياده الكريمة ذات السروج الفاخرة التي تبدو وكأنها زينة القُدّاس ، وكان أنيقاً وجذاباً له رموش حالمة تجعل الأحجار تتنهد ، لكنها قارنته في ذاكرتها بفلورنْتينوأَريثَا الجالس تحت أشجار اللوز في الحديقة بائساً وضامراً مع كتاب الأشعار في حُضنه ، ولم تجد في قلبها ظلاً من الشك .

كانت هيلْدا براندا سانجيت تمضي في تلك الأيام مَهَوُسةً بالأحلام بعد زيارة قامت بها لعرّافة أذهلتها دقة بصيرتها ، فذهبت فرْمينا داثَا المُرْتعبة من نوايا أبيها لاستشارتها كذلك ، وقد أنبأَها الورق بأنه لا وجود في مستقبلها لأي عائق أمام زواج طويل وسعيد .

وقد أعادت لها تلك النبوءة أنفاسها لأنها لم تكن تتصور بأنه يمكن لِمصير موفق الى هذا الحد أن يكون مع رجل آخر سوى الذي تحبه، وتولت حينئذٍ مقاليد اختيارها وهي سعيدة بهذا اليقين .

وهكذا لم تعُد مراسلاتها مع فلورنْتينوأَريثَا مجرد كونشيرتو من النوايا والوعود الخالية بل عادت لتصبح منهجية وعملية وأكثر زخماً من كل ما سبق ، حددَا المواعيد وأَقَرَّا الأساليب وَرَهَنَا حياتهما بقرارهما المشترك في الزواج دون الرجوع الى أحد في أي مكان وبأية طريقة وذلك فور لقائهما من جديد .

كانت فرْمينا داثَا تَعتبِر هذا الوعد حاسما لدرجة أنه في الليلة التي سمح لها فيها أبوها حضور الحفلة الراقصة الأولى كراشدة في بلدَة فونْسيكا لم ترَ أنه من الوقار القبول بالذهاب دون موافقة خطيبِها .

وفي تلك الليلة كان فلورنْتينوأَريثَا يلعب الورق مع لوتاريو توغوت في فندق العابرين عندما أخبروه بأنه مطلوب في اتصال برقي مستعجل ، كان المتصل هو موظف التلغراف في فونسيكا الذي عَشَّق سبع محطات وسيطة لِتَطْلب فرْمينا داثَا الإذن بحضور الحفلة الراقصة ، ولكنها حين حصلت على التصريح لم تكتفِ بمجرد الرد الإيجابي وإنما طلبت ما يثبت بأن فلورنْتينوأَريثَا هو من يضرب مفاتيح الإرسال في الطرف الآخر من الخط فعلا .

فصاغ هو مذهولا أكثر منه مغازِلاً عبارة تحدد هويته .

قل لها : إنني أُقسم بالرَبَّة المتوجَة .

وهكذا تعرَّفت فرْمينا داثَا على الإشارة وبقيت في حفلتها الراقصة الأولى كراشدة حتى الساعة السابعة صباحاً عندما أصبح عليها الذهاب لاستبدال ملابسها كي لا تصل متأخرة الى القُدّاس .

كانت تملك حينئذٍ في صندوقها كمية من الرسائل والبرقيات أكبر من تلك التي انتزَعها أبوها منها ، وكانت قد تعلَّمت أن تسلك سلوك النساء المتزوجات .

وقد اعتبر لورينثو داثَا تلك التبدلات التي طرأت على سلوكها بأنها شفاء لا شك فيه من أوهام شبابها أوصلها إليه البُعد والزمن ، لكنه لم يطرح عليها أبدا مشروع الزواج المتفق عليه ، وأصبحت علاقتها بأبيها أكثر انسيابية ضمن التحفظات الشكلية التي فرضتها منذ طرد العمَّة أسْكولا أَسْتيكا ، مما أتاح لهما نوعا من التعايش المريح ما كان لأحد أن يَشُك بأنه ليس قائما على المحبة .

وكان أن قرر فلورنْتينوأَريثَا في هذه الفترة إخبار فرْمينا داثَا في رسائله بأنه مشغول في الكشف لها عن كنز السفينة الغارقة ، كان يفعل ذلك حقاً ولقد خطر له الأمر كنفحة إلهام ، ذات مَساء منير بينما البحر يبدو وكأنه مرصوف بالأَلَمْنْيوم لكميات السمك الطافية على سطح الماء بفعل أزهار البارباسكو ، كانت جميع طيور السماء قد هاجت للمجزرة بينما تولى الصيادون أمر أفزاعها بالمجاديف كي لا تُشاركهم ثمار تلك المعجزة المُحرمة ، فاستخدام البارباسكو الذي يُخَدِّر الأسماك كان محضورا في القانون منذ العهد الاستعماري ، لكنه بقي سائدا ومستخدماً في وضح النهار بين صيادي الكاريبي الى أنْ استُبدِل بالديناميت .

إن إحدى مُتع فلورنْتينوأَريثَا أثناء رحلة فرْمينا داثَا كان مشاهدة الصيادين من فوق حائل الأمواج وهم يملؤون زَوارقهم بالشباك المترعة بالأسماك المخدَّرة ، كما كانت هناك عُصبة صبيان يسبحون كأسماك القرْش ويَطلبون من الفضوليين إلقاء قِطع نقدية لاستخراجها من قاع الماء ، إنهم أولئك الذين ينطلقون سابحين للغرض ذاته للقاء عابرات المحيطات والذين كتَب عنهم رَحالة كُثُر مقالات وتحقيقات فيالولايات المتحدة الأمريكية وأوربا في مهارتهم في فن الغوص .

لقد كان فلورنْتينوأَريثَا يعرفهم منذ الأزَل بل وقبل أن يعرف الحب ، ولكن لم يَخطُر بباله يوما أنهم قادرون على استخراج كنز السفينة سباحةً ، وقد فكَّر بذلك مَساء هذا اليوم ،ومنذ يوم الأحد التالي وحتى عودة فرْمينا داثَا بعد حوالي سنَة كان لديه سبب آخر لِلْهذيان .

لقد فُتِنَ أُكليديس أحد الصِبْية السباحين كثيرا كما فُتِنَ هو بفكرة الاستكشاف تحت الماء ، بعد محادثة لم تتجاوز عشر دقائق لم يكشف له فلورنْتينوأَريثَا عن حقيقة مشروعه بينما استَفْسَر منه بالتفصيل عن إمكاناته كَغوّاص وبحّار ، سأله إن كان يستطيع النزول بدون هواء الى عمق عشرين متراً .

وقال له أُكليديس : نعم .

سأله : إن كان في وضع يؤهله لقيادة زورق صيد بمفرده في عرض البحر وسط عاصفة دون أية أدوات أخرى سوى غريزته ؟

وقال له أُكليديس : أَي نعم .

سأله : إن كان قادرا على تحديد موقع مُعين على بُعد ستة عشر ميلاً بَحْرياً الى الشمال الشرقي من الجزيرة الكبرى في أرخبيل سوتافينتو ؟

وقال له أُكليديس : أَي نعم

سأله : إن كان قادرا على الإبحار لَيلاً والتوجه مهتدياً بالنجوم ؟؟

وقال له أُكليديس : أَي نعم .

سأله : إن كان مستعداً للعمل معه بنفس الأجر الذي كان يدفعه له الصيادون لقاء مساعدتهم في الصيد ؟

وقال له أُكليديس : أَي نعم ، إنما مع إضافة خمس رريالات في أيام الآحاد .

سأله : إن كان يحسن حماية نفسه من أسماك القرْش ؟؟

وقال له أُكليديس : أَي نعم ، وإن لديه تعاويذ سحرية لإفْزاعها .

سأله : إن كان قادرا على كتمان السر حتى ولو وضعوه على آلة التعذيب في قصر محكمة التفتيش ؟

وقال له أُكليديس : أَي نعم .

لم يقُل له لا عن أي شيء إذن ، وكان يعرف كيف يقول نعم بخصوصية لا يرقى إليها الشك ، ثم عرض عليه أخيرا حساب النفقات ، استئجار الزَورق ، استئجار المجداف ، استئجار عُدة صيد حتى لا يرتاب أحد في بحقيقة رحلاتهم إضافة الى حمل الطعام وقِرْبة مائ عذب ومصباح زيت وحزمة شموع من الشحم ، وقَرْن صياد لطلب النجدة في حالة الطوارئ .

كان عمره حوالي اثني عشر عاما وكان سريعا وماكرا ومتحدثا لا يَمَل الكلام ، له جسد حَنْكليس يبدو وكأنه قد تَكَوَن ليمر بخفة من نافذة سفينة ، وكانت عوامل الجو قد دَبَغَت بشرته بحيث أصبح مستحيلا معرفة لونها الأصلي ، وهذا جعل عينَيه الواسعتَين الصفراوَين تبدوان أكثر بريقاً .

وقرر فلورنْتينوأَريثَا على الفور بأنه الشريك المناسب لمغامرة بمثل هذا الحجم .

وانطلقَا في تلك المُغامرة يوم الأحد التالي دون أية إجراءات أخرى ، أبحرا من مرفأ الصيادين عند الفجر ، مُمَوَنين جيدا وعاقدَين العزم أكثر .

كان أُكليديس شبه عارٍ لا يكاد يغطي جسمه سوى المئزر الذي يضعه دوما حول وسطه ، وكان فلورنْتينوأَريثَا يرتدي السُترة الرسمية والقبعة القائمة وجزمته الصَقيلة ويضع ربطة الشعر حول عنقه ، ويحمل الكتاب الذي سيشغل نفسه به أثناء الرحلة الى الجُزر .

ومنذ يوم الأحد الأول انتبه الى أنْ أُكليديس كان بَحارا حاذقاً كما هو غواص ماهر ، وأن له قدرة مذهلة على الحديث عن طبيعة البحر وخردة الحديد التي على الشاطئ ، فهو قادر على سرْد حكاية كل هيكل من هياكل السفن التي عاث فيها الصدَء بأدق تفاصيلها التي لا ترِد على بال ، ويعرف عُمُر كل جسم طافٍ ومنْشَأ كل حطام وعدد حلقات السلسلة التي كان الإسبان يغلقون بها الخليج .

وخشية كذلك أن يكون عرف الغرض من هذه الحملة وجَّهَ إليه فلورنْتينوأَريثَا بعض الأسئلة المراوِغة وعرف من خلالها أنه لا تُراوِد أُكليديس أية شكوك حول مسألة السفينة الغارقة .

مُذ سَمِع حِكاية الكنز لأول مرة في فندق العابرين جمع فلورنْتينوأَريثَا كل ما أمكنه من معلومات عن دروب ذلك النوع من السفن ، وعرف أن السفينة سان خوسيه ليست السفينة الوحيدة في الأعماق المرجانية ، لقد كانت بالفعل سفينة القيادة في ~أسطول تيرا فيرميه ، وقد جائت هنا بعد شهر آيار من عام 1708 قادمةً من مهرجان بورتيبيلو الخرافي في بنما حيث حملت جزءاً من كنْزِها ، 300 صندوق من فضة البيرو فير أكروث 110 لآلئ جُمِعَت وأُحصِيَت في جزيرة كونتودورا ، وخلال إقامتها التي دامت لأكثر من شهر هنا كانت أيامها ولياليها عبارة عن مهرجانات شعبية ، قاموا بتحميلها بِبَقية الكنز المرصود لإخراج مملكة إسبانيا من الفقر ، 116 صندوقا من زُمرد ماثو سوموندوكو وثلاثين مليون مسكوكة ذهبية .

كان أسطول تيرا فيرميه مؤلفاً مما لا يقل عن اثنتي عشرة سفينة متنوعة الأحجام ، وقد أبحر من هذا الميناء في رحلة يحميها أسطول فرنسي حسن التسليح ، لم يستطع رغم ذلك حماية الحملة من مَدافع الأسطول الإنجليزي الصائبة بقيادة الْقِنْدان كارلوس واغير الذي كان ينتظر في أرخبيل ساتوفينتو عند مَخْرَج الخليج .

وهكذا لم تكن سان خوسيه هي السفينة الوحيدة الغارقة مع أنه لا وجود لِتوثيق دقيق لعدد السفن التي تحطمت وعدد تلك التي استطاعت النجاة من نيران الإنجليز ، لكن الذي لا شك فيه هو أن سفينة القيادة كانت من السفن الأولى التي غَرِقت بكامل طاقمها مع قائدها الذي لم يتزحزح من مقصورة القيادة ، وأنها هي وحدها التي كانت تحمل الشُحنة الكبيرة .

لقد تعرَّف فلورنْتينوأَريثَا على طريق السفن القديمة من خلال رسائل قَباطِنة السفن في ذلك العصر وظن بأنه حدد مكان الغرق أيضا .

خَرَجا من الخليج ما بين حصنَي بوكَا جيكا وبعد أربع سعات من الإبْحار دخلا في الماء الركد ما بين جُزر الأرخبيل ، ذلك الماء ذو الأعماق المرجانية حيث بالإمكان إمساك أسماك جراد البحر النائمة باليد .

كان الهواء خفيفاً والبحر هادئا وصافياً حتى أن فلورنْتينوأَريثَا رأى نفسه معْكوساً في الماء ، وبعد التجديف لمدة ساعتين من الجزيرة الكبرى وصلا الى موقع الغرق .

أشار فلورنْتينوأَريثَا المحتقن بالشمس الجهنمية في ملابسه المأتمية على أُكليديس أن يحاول النزول الى عمق عشرين متراً وجلب أي شيء يجده في القاع .

لقد كان الماء صافياً لدرجة أنه رآه وهو يتحرك في الأسفل مثل سمكة قرْش متسخة بين أسماك القرش الزرْقاء التي تمُر الى جانبه دون أن تمسه ، ثم رآه يختفي في عِرْق مرجاني ، وعندما فكَّر بأنه لم يعُد لديه أي قدْر من الهواء سَمِع الصوت وراء ظهره ، كان أُكليديس واقفا في القاع ويداه مرفوعتان والماء يغمره حتى خصره ، وتابعَا البحث على هذا المِنْوال عن أماكن أعمق متوجهَين دائما نحو الشمال ومُبْحِرَين فوق أسماك المَتاراتا الدافئة والحَباري الهيابة وورود الظلُمات الى أنْ أدرك أُكليديس بأنهما يضيعان وقتهما .

فقال له : إذا لم تقُل لي ما الذي تريدني أن أجده فلست أدري كيف سأتمكن من العثور عليه ؟

لكنه لم يخبره .

عندئذٍ اقترح عليه أُكليديس نزع ملابسه والنزول معه ولو لمجرد رؤية هذه السماء الأخرى للكون التي في الأعماق المرجانية ، لكن فلورنْتينوأَريثَا اعتاد على القول بأن الله إنما خلق البحر لنراه من النافذة ، ولم يحاول يوما أن يتعل العَوم .

بعد ذلك بقليل أصبح المَساء غائما وصار الهواء رَطِباً وبارداً وأظلمت الدنيا بسرعة ، مما اضطرهما للاسترشاد بالفَنَار ليصلا الى المرفأ ، وقبل أن يدخلَا الخليج رَأَيَا عابرة المحيطات الفرنسية التي تمُر قريبا جدا منهما وجميع أنوارها مُضاءة ، كانت ضخمة وبيضاء وخلَّفت وراءها أثراً من رائحة لحم طازج مطبوخ وقرنابيط يغلي .

لقد أضاعَا ثلاثة آحاد على هذا الحال ، وكانا سيضيعان جميع أيام الآحاد لو لم يقرر فلورنْتينوأَريثَا مشاركة أُكليديس في سره ، فقام هذا عندئذٍ في تعديل خطة البحث كلها ، ومَضيَا للإبْحار في القنال القديم الذي كانت تَسْلُكُه السفن والذي كان يبعد أكثر من عشرين فَرْسخاً بحْرياً الى الشر من المكان الذي خمنه فلورنْتينوأَريثَا .

وقبل انقضاء شهرَين في مَساء يوم بحْري ماطِر بقي أُكليديس وقتا طويلا في القاع ، وكان الزَورق قد انحرف كثيرا مما جعله يسبح حوالي نصف ساعة للَّحاق به حيث أن فلورنْتينوأَريثَا لم يستطع تقريبه بالمجداف ، وعندما تمكن من الإمساك بالزَورق أخيرا أَخرج من فمه قطعتَي حُلي نسائية وعرضهما بإحساس المُثابِر الفائز .

إنما رواه حينئذٍ كان آخّاذاً مما جعل فلورنْتينوأَريثَا يقطع على نفسه عهداً بتعلم السباحة والغوص الى حيث يستطيع ليتأكد من ذلك بِعينَيه فقط .

روى أنه توجد في ذلك المكان وعلى عمق ثمانية عشر مترا فحسب أعداد من السفن الشراعية القديمة جاثية بين الصخور المرجانية ، وأنه يستحيل عليه حصر عددها ، وأنها موزَعة في مجال فسيح لا يحيط به البصر ، وروى أن أكثر ما فاجأه هو أنه لا يوجد قارب واحد بين القوارب الكثيرة الطافية في الخليج أحسن حالاً من السفن الغارقة ، روى أن هناك عدة سفن شراعية مازالت أشْرعتُها في حالة جيدة ، وأن السفن الغارقة كانت تبدو للنظر في الأعماق كما لو أنها غَرِقت بمكانها وَزَمانها حتى أنها مازالت مضاءة بشمس الساعة الحادية عشرة من صباح يوم السبْت التاسع من حُزَيران الذي غَرِقت فيه ، وروى مختنقاً باندفاع حياله إن أسهل سفينة يمكن تمييزها هي سان خوسيه التي يبدو اسمها للعيان مكتوباً على مقدمتها بحروف من الذهب ، لكنها في الوقت ذاته السفينة التي لَح؟ِق بها أكبر ضرر من مَدافع الإنجليز ، وروى أنه رأى بداخلها أُخطبوطاً عمره أكثر من ثلاثة قرون تخرج مَلامِسُه من فتحات المَدافع ، وأنه قد تضخم كثيرا في صالة الطعام لدرجة أن إخراجه يستوجب تفكيك السفينة ، وروى أنه رأى جسد قبطان السفينة بزيه الحربي طافياً على جانبه في الحوض المائي المُتشكِل في مقصورة القيادة ،

وقال إنه إذا كان لم ينزل الى عنابر الكنز فلإن هواء رئتَيه لم يكْفِه لذلك ، وهاهي الأدلة ، قرط به زمرُّدة وميدالية عليها صورة العذراء مع سلسلتها المتآكلة بفعل الأملاح .

هكذا ذكر فلورنْتينوأَريثَا الكنز لأول مرة في رسالة موجهة الى فرْمينا داثَابعثها إليها في فونسيكا قبل عودتها بقليل .

لقد كانت قصة السفينة الغارقة مألوفة لديها ، إذ سَمِعت بها عدة مرات من لورينثو داثَا الذي أضاع وقتا ومالا في محاولة لإقناع مؤسسة غواصين ألمان للتعاون معه لاستخراج الكنز الغارق ، وكان سيلح على المهمة لولا أن عددا من أعضاء أكاديمية التاريخ أقنعوه بأن أسطورة السفينة الغارقة ابتدعها أحد حكّام المستعمرات اللصوص الذي استولى بهذه الوسيلة على ثروات التاج ، وكانت فرْمينا داثَاتعرف على أية حال أن السفينة تجثم على عمق مائتَي متر حيث لا يستطيع كائن بشري الوصول إليها وليس على عمق عشرين مترا كما يقول فلورنْتينوأَريثَا ، لكنها كانت معتادة جدا على شطحاته الشاعرية لدرجة أنها احتََفَلَت بمغامرة السفينة على أنها واحدة من أكبر شطحات خياله ، ولكن حين توالى تلقيها لرسائل أخرى تتضمن تفاصيل أكثر غرابة مكتوبة بجدية تضاهي جديَة وعوده في الحب ، اضطرت للاعتراف أمام هيلْدا براندا بمخاوفها من أن يكون خطيبها المخبول قد فقدَ عقله .

كان أُكليديس قد خَرج في هذه الأيام بأدلة عديدة على أسطورته بحيث لم تُعد القضية هي متابعة اللعب بأقراط وخواتم مُبعثرة ما بين الصخور المرجانية ، وإنما تمويل عملية ضخمة لاستخراج الخمسين سفينة مع الثروة البابلية التي تحملها في جوفها ، حينئذٍحدث ما كان سيحدث عاجلا أو آجلا إذ طلب فلورنْتينوأَريثَا من أمه أن تساعده للوصول بمغامرته الى نهايتها الطبيعية ، واكتفت هي بعَضِّ معدن الحُلي بأسنانها والتمعن بالأحجار الزجاجية أمام الضوء لتُدرك أن هناك من يتعيش على سذاجة ابنها .

وأقسم أُكليديس لفلورنْتينوأَريثَا وهو جاثٍ على رُكبتَيه أنه لا وجود لأي شائبة تَشُوب أعماله ، لكنه اختفى من ميناء الصيادين في يوم الأحد التالي ، ثم اختفى نهائيا ولم يعُد يظهر في أي مكان .

الشيء الوحيد الذي بقي لفلورنْتينوأَريثَا من كل تلك المغامرة الفاشلة هو ملجأ الهوى في الفَنَار ، كان قد وصل الى هناك في الزوْرق مع أُكليديس في ليلة فاجأتهم فيها العاصفة وهما في عرْض البحر ، واعتاد منذ ذلك الحين الذهاب في المَساء لتبادل الحديث مع عامل الفَنَار حول عجائب البر والبحر التي لا حصر لها ، والتي كان عامل الفنَار يعرفها ، وكانت تلك بداية صداقة عاشت متجاوزةً التبدلات الكثيرة التي طرأت على الدنيا .

وتعلَّم فلورنْتينوأَريثَا هناك تغذية ضوء الفنَار بشحنات من الحطب أول الأمر ثم ببراميل الزيت قبل أن تصلها الطاقة الكهربائية ، كما تعلَّم توجيه الضوء ومضاعفته بالمرايا ، وكان يحرس لَيل البحر من أعلى البُرج حين يحول عائق دون قيام عامل الفنَار بعمله ، فتعلَّم التعرف على السفن من أصواتها ومن حجم أنوارها في الأفق ، وصار يحس بأن شيئا منها يصله عائدا مع ومضات الفنَار .

أما المتعة أثناء النَهار فكانت شيء آخر وخصوصا أيام الآحاد ، ففي حي الياريس حيث كان يعيش أثرياء المدينة القديمة كان الشاطئ المخصص للنساء مَفْصولا عن الشاطئ المخصص للرجال بجدار من الطين ، شاطئ الى يمين الفنَار وآخر الى يَساره ، وقد نصب عامل الفنَار مِنظاراً يمكن بواسطته وبدفع سنْتافو واحد مراقبة شاطئ النساء ، ودون أن يُعلمُهن أنهن مراقَبات .

كانت آنسات المجتمع الراقي يعرضن خير ما لديهن في ملابس الاستحمام ذات الكشاكش الكبيرة مع أحذية خفيفة وقبعات تُخفي الأجساد كما ملابس الخروج تقريبا ، إضافة الى كونها أقل جاذبية .

وكانت الأمهات تقُمنَ بالحراسة من الشاطئ وهن جالسات على كراسي الخيزران الهزازة تحت الشمس بنفس الملابس وقُبَّعات الريش والمظلات التي يذهبن بها الى القُدّاس الكبير خوفا من أن يُغوي بناتهن رجال الشاطئ المجاور من تحت الماء .والحقيقة أنه لم يكن ممكنا من خلال المِنظار رؤية أي شيء أكثر إثارة مما يمكن رؤيته في الشارع ، لكن زبائن كثيرين كانوا يتهافتون كل يوم أحد متنازعين المِنظار لمجرد اللذة التافهة ، بتذوق ثمار ما هو غريب ومُحَرم .

وكان فلورنْتينوأَريثَا واحدا منهم دافعه الى ذلك الملل أكثر ما هو اللذة ، دون أن يكون هذا الدافع الإضافي هو السبب في توطيد صداقته مع عامل الفنَار ، فالسبب الحقيقي هو أنه بعد صد فرْمينا داثَا ، وعندما عاكس حُمَا الحب المُبدَد في محاولة لاستبداله لم يعش أسعد الساعات في مكان آخر سوى الفنَار ، ولم يجد عزااً أفضل منه لمحنته .

كان الفنَار مكانه الأثير حتى أنه حاول خلال سنوات إقناع أمه أولا ثم عمه ليون الثاني عشر لمساعدته في شِرائه ، إذ كانت فنَارات الكاريبي في ذلك الحين ملكية خاصة ، وكان أصحابها يتقاضون حق العبور الى الميناء بحسب حجم السفينة ، فاعتقد فلورنْتينوأَريثَا بأنها الوسيلة الشريفة الوحيدة لأداء عمل مناسب الى جانب الشعر ، أما أمه وعمه أيضا فلم يكونا ليفكرا بشيء من هذا .

وعندما أصبح بإمكانه شراء الفنَار من موارده الخاصة كانت الفنَارات قد انتقلت الى ملكية الدولة ، ومع ذلك لم يضع أياً من هذه الأحلام سدى ، فأسطورة السفينة الغارقة ثم قصة الفنَار فيما بعد خففت عنه من غياب فرْمينا داثَا، وعندما لم يعُد يفكر في ذلك كثيرا جاءه خبر عودتها ، وفعلا كان لورينثو داثَا قد قرر العودة بعد إقامة طويلة في ريوهاجَا .

لم يكن الوقت الأنسب للسفر في البحر بسبب رياح كانون الأول الموسمية ، فاللسفينة الشراعية التاريخية الوحيدة التي تتجرأ على مثل هذه الرحلة قد تجد نفسها عند الفجر عائدةً الى المرفأ الذي خرجت منه مدفوعة برياح معاكسة ، وكان هذا ما حدث .

كانت فرْمينا داثَا قد أمْضت ليلة من الاحتضار مُتقيئتة الصفراء ومقيدةً الى سرير قُمْرة تبدو وكأنها مرحاض حانة ، لا بسبب ضيقها الخانق فقط وإنما بسبب النتانة والحَر أيضا ، وكانت حركة السفينة عنيفة حتى خُيل إليها عدة مرات أن أحزمة السرير ستتقطع ، وكانت تصلها من سطح المرْكب نُتَف من صرخات مَحزونة تبدو وكأنها صرخات غرقى ، وشخير والدها في السرير المجاور الذي يشبه شخير النمر كان عنصرا آخر من مكونات الرعب .

وللمرة الأولى منذ ما يقارب الثلاث سنوات أمْضت ليلة كاملة دون أن تُفكر لحظة واحدة بفلورنْتينوأَريثَا ، بينما كان هو مُؤَرَقاً في أُرجوحة النوم في الفِناء الخلفي ، يحصي الدقائق السرمدية التي تفصله عن موعد عودتها دقيقةً فَدقيقة .

وعند الفجر توقفت الرياح فجأة وعاد الهدوء الى البحر وتنبهت فرْمينا داثَاالى أنها قد نامت رغم آلام الدوار إذ أيقظها صخَب سلاسل المرساة .

نزعت عنها الأحزمة حينئذٍوتطلعت من خلال الطاقة آمِلَةً برؤية فلورنْتينوأَريثَا في فوضى الميناء ، لكن ما رأته كان عنابر الجمارك بين أشجار النخيل الذهبية بفعل أول أشعة الشمس ورصيف ميناء ريوهاجَا ذي العوارض الخشبية المَنخورة التي أبْحرت منه السفينة في الليلة الماضية .

انقضت بقيت النَهار كالحلم في البيت نفسه الذي كانا فيه حتى يوم أمس يستقبلان الزوار ذاتهم الذين ودعوهم ويتحدثان معهم في الأمور نفسها .

وذُهِلت لإحساسها بأنها تعيش للمرة الثانية جزءً من الحياة كانت قد عاشتْه ، وبعثت تلك الإعادة الأمينة للأحداث قشعريرة في فرْمينا داثَالمجرد تفكيرها بأن رحلة السفينة ستكون كذلك أيضا لأن ذكراها كانت تُسبِب لها الهلع لكن الاحتمال الآخر الوحيد للعودة الى البيت هو في قضاء أسبوعين على مَتْن بَغْلة فوق نُتوءات الجبال وفي ظروف أشد خطورة من المرة الأولى لأن حربا أهلية جديدة كانت قد نشبت في ولاية كاوكَا في جبال الأنديز ، وأخذت تتسع منتشرة في مقاطعات الكاريبي .

وهكذا انطلقت الى المرفأ ثانيةً في الساعة الثامنةليلا برفقة موكب الأقارب الصاخب نفسه وبدموع الوداع نفسها والصُرَر المتنوعة نفسها التي تضم هدايا اللحظة الأخيرة والتي لا تتسع لها القُمْرات .

وفي لحظة الإبْحار ودَّع رجال العائلة السفينة بإطلاق النار في الهواء معاً ، فردَّ عليهم لورينثو داثَا من سطح السفينة بإطلاق رصاصات مسدسه الخمس .

وما لبِث قلق فرْمينا داثَاأن تبدد سريعا لأن الريح كانت مواتية طوال الليل ، وكانت للبحر رائحة زهور ساعدتها على النوم نوماً هادئا دون أحزمة الأمان .

حَلُمَت بأنها ستعود لرؤية فلورنْتينوأَريثَا وأن هذا قد نزع الوجه الذي رأته به دوما لأنه كان قناعاً في الحقيقة ، لكن الوجه الحقيقي كان مطابقاً .

استيقظت باكراً مفكرةً بأُحْجية الحلم ووجدت أباها يتناول القهوة مع البراندي في مقصورة القُبطان ، وقد حرَّف الكحول عينه إنما بقدر قليل لا يشير الى وجود شك في العودَة .

كانوا يدخلون الميناء وكانت السفينة تنزلق في صمت عبر متاهة القوارب الشراعية الراسية في خليج السوق العام الذي تصل رائحته النتنة الى عدة فَراسخ في البحر ، وكان الفجر مُشبَّعاً برذاذ خفيف ما لبِث أن تحوَّل الى وابل غزير .

تعرَّف فلورنْتينوأَريثَا الذي كان قابعاً على شُرْفة مكتب التلغراف على السفينة وهي تَعْبُرخليج لاس أنيماس بأشرعة أخمدها المطر وترسو مقابل مَرفَأ السوق ، لقد انتظر في اليوم السابق حتى الساعة الحادية عشرة صباحا عندما عرف من خلال برقية عابرة بتأخر السفينة بسبب الرياح المعاكِسة ، وعاد للانتظار في ذلك اليوم منذ الساعة الرابعة صباحا ، وتابع الانتظار دون أن يرفع نظره عن الزوارق التي تحمل الى الشاطئ قلة من المُسافرين قرروا النزول الى البر رغم العاصفة ، وقد اضطر معظمهم الى مغادرة الزوارق التي توقفت في رمنتصف المسافة والوصول الى الرصيف متخبطين في الوحل .

وفي الساعة الثامنة بعد انتظار لا طائل منه لتوقف المطر تقدم حمّال زنجي غاطس في الماء حتى وسطه وأنزل فرْمينا داثَاعن حافة السفينة وحملها بين ذراعَيه حتى الشاطئ ، لكنها كانت مبتلة الى الحد الذي لا يستطيع معه فلورنْتينوأَريثَا التعرف عليها .

لم تكن هي نفسها تعي كم نَضُجت خلال الرحلة الى أنْ دخلت البيت المُقفَل وبدأت العملية البطولية لإعادته صالحاً للمعيشة بمساعدة غالا بلاثيديا الخادمة الزنْجية التي عادت الى موقعها السابق كعبدَة بمجرد أن أبلغوها بالعودة .

لم تعُد فرْمينا داثَاهي الابنة الوحيدة ، مدللة أبيها وضحيته في الوقت ذاته بل أصبحت ربَّة وسيدة مملكة من الغُبار ونسيج العنكبوت لا يمكن إنقاذها إلا بقوة حب عصي على الهزيمة ، لم تخَف لأنها أحست بأنها مُلهَمَةً بروح صعود كافية لجعلها قادرةً على تحريك العالم .

وفي ليلة العودة بالذات ، وفيما هم يتناولون الشوكولاتَا مع فطيرة الجبن على طاولة المطبخ فوَّضها أبوها السلطات لإدارة البيت ، وفعل ذلك بِطقوس كَطقوس عمل قُدْسي قائلا لها : إني أُسَلِّمُكِ مفاتيح البيت .

تولت المسؤولية بحزم مع إكمالها السبعة عشر عاما من العُمُر واعيةً أن كل شبر من الحريَة المُكْتسبة إنما حصلت عليه بقدرة الحب .

وفي اليوم التالي بعد ليلة من الأحلام الكابوسية عانت للمرة الأولى كآبة العودة عندما فتحت نافذة الشُرْفة ورأت من جديد رذاذ الحديقة الحزين وتمثال البطل مقطوع الرأس والمقعد الرخامي حيث اعتاد فلورنْتينوأَريثَا الجلوس مع كتاب الأشعار ، ما عادت تُفكر فيه كخَطيب مستحيل إنما كزوجها الذي عليها الارتباط به تماما ، وأحست كم كان ثقيلا الزمن الضائع منذ ذهابها ، وكم يكلفها بَقاؤها على قيد الحياة من جهد ، وكم من الحب يلزمها لتُحب رجلها كما يشاء الله .

فوجئَت بأنه ليس في الحديقة كما كان يفعل في أحيان كثيرة غير عابئ بالمطر ، وبأنها لم تتلقَ أية إشارة منه بأي وسيلة ولا حتى بالإحاء ، وفجأة فكَّرَت أن يكون قد مات ، لكنه استبعدت فكرة الشؤم في الحال لأنها في احتدام برقيا الأيام الأخيرة وأمام اقتراب موعد العودَة نَسيَتالاتفاق معه على وسيلة لمتابعة الاتصال عندما تعود .

والحقيقة أن فلورنْتينوأَريثَا كان يظن موقناً بأنها لم ترجع بعد الى أنْ أكد له عامل التلغراف في ريوهاجَا بأنها قد أبحرت منذ يوم الجمعة في السفينة ذاته التي لم تصل في اليوم السابق بسبب الرياح الغير المواتية .

وهكذا أمضى نهاية الأسبوع مُتَرصِداً أية علامة حياة في بيتها ، وفي مَساءيوم الاثنين رأى من خلال النوفذ ضوءاً متنقلا ما لبث أن انطفأ بعد الساعة التاسعة بقليل في حجرة النوم المطِلَّة على الشُرْفة .

لم ينم تلك الليلة وطاردته الأشواق الهائجة نفسها التي أقلقت ليالي حبه الأول .

نهضت ترانسيتو أَريثَا مع الديوك الأولى مذعورةً لأن ابنها قد خَرج الى الفِناء ولم يعُد للدخول منذ منتصف الليل ، ولكنها لم تجده في البيت ، لقد أمضى يتسكع هائماً على حائل الأمواج ، وراح يلقي أشعار الحب على الريح ويبكي طرَباً حتى مطلع الفجر .

وفي الثامنة صباحا كان يجلس تحت قناطر مقهى الباروكية ، وقد أفقده السهر توازنه محاولاً ابتداع طريقة يوصل بها ترحيبه بقدومِها ، حين أحس بهزة مُزلزلة تمزق أحشاءه ، كانت هي تجتاز ساحة الكاتدرائية برفقة غالا بلاثيديا التي كانت تحمل سلال المشتريات ، وللمرة الأولى رآها تسير بملابس غير الزي وتبدو أطول مما كانت عليه عند ذهابها وأكثر كمالا ونضوجا وبجمال مصفّى بقدرة امرأة واعية .

كانت ضفيرتها قد نمت مجددا ، لكنها لم تكن تُسْدلها على ظهرِها وإنما تتنكبها فوق كتفها الأيسر ، ولقد نزع عنها ذلك التغيير الطفيف كل أثر للطفولة .

وقف فلورنْتينوأَريثَا في مكانه مصعوقاً الى أنْ اجتازت مخلوقة الحلم الساحة دون أن ترفع بصرها عن طريقها ، ولكن القوة التي جَمَّدته هي نفسها هي التي دفعته بعد ذلك للإسراع في إثْرها حين انعطفت عند زاوية الكاتدرائية وضاعت في زحمة السوق التي تبعث على الصمم .

لاحقها دون أن تراه مستكشفاً الحركات اليومية والنضج المبكر وظرافة أكثر الكائنات محبةً في هذا العالم ، والتي كان يراها لأول مرة وهي مُنطلِقَة على على سجيتها ، أذهلته السهولة التي تشُق بها طريقها وسط الجموع ، فبينما كانت غالا بلاثيديا تصطدم بالناس وسلالها تتشابك وتضطر للرَكْض كي لا تضيع أثرها ، كانت هي تُبْحِر في فوضى الشارع بجَو خاص بها وزمن مختلف دون أن تصطدم بأحد وكأنها خُفاش في الظلام .

لقد خرجت مرات كثيرة الى السوق من قبل مع العمَّة أسْكولا أَسْتيكا ولكن المشتريات كانت ضئيلة القيمة ، فوالدها كان يتولى شخصياً مسؤولية تزويد البيت بالمُؤَن وليس بالأثاث والمأكولات فحسب بل وبالملابس النسائية أيضا ، ولهذا كان خروجها الأول ذاك مُغامرةً آخّاذة تمثَّلَتها أحلامها كطفلة .

لم تُعِر اهتماما لِتَسَرُع المشعوذين الذين كانوا يقدمون لها إِكسيراًللحب الأبدي ولا لِرجاء المتسولين المستلقين في الدَهاليز بقروحهم المُدخَّنَة ولا للهندي رالمُزيف الذي يحاول بَيعها تمْساحاً أليفاً .

لقد قامت بِجولة واسعة ومفصَلة دون مسار مدروس وبتوقفات لا سبب لها سوى متعة عدم التَسَرُع في روح الأشياء ، ودخلت في كل زُقاق يوجد فيه شيء للبيع وفي كل مكان وجدت شيئا غَذَّى رغبتها في الحياة ، تمتَّعت بحفيف أزهار الأقمشة في الصَناديق الكبيرة المُزخرفة ، ولفت نفسها بالحَرير المُزيَّن بالرسوم ، وضحكت لضحكتها ذاتها وهي ترى نفسها متشحة بالملابس الشعبية مع مشط زينة ومِروحة مُزَيَنة بِرسوم أزهار مقابل مرآة كبيرة في محلات السلك الذهبي .

وفي دكان البحرِيَات رفعت غطاء برميل يحتوي أسماك رينغا في ماء مملح ذكَّرها بليالي الشمال الشرقي وهي طفلة صغيرة في سان خوان ديلاثييناغا ، وقدموا لها سُجُقاً من الياكانتي لتتذوقه فكان له طعم العِرق سوس فاشترت قطعتَين منه لفطور يوم السبت كما اشترت بضع شرائح من سَمَك القد وقطرَميز مشمش مع الخمر ، وفي دكان البهارات ومن أجل التمتع بالرائحة فقط عصرت بين كفَيها أوراق مرامية وسعتر واشترت حِفنة قرنفل ذي رائحة وحفنة يانسون مطحون وحفنات أخرى من الزنجبيل والعَرعَر ، وخرجت مبللة بدموع الضحك لكثرة ما عَطَسَت من روائح فُلفُل كايينا ، وفي البوتيك الفرنسي وبينما هي تشتري صابون روتير وعطر البان الهندي وضعوا لها وراء أذنها لمسة من عطر كان شائع الاستعمال في باريس يومها ، وأهدوها حبة مزيلة للرائحة تستعمل بعد التدخين .

كانت تلعب لعبة الشراء حَقاً ، لكنها كانت تشتري ما هي بحاجة إليه فعلا بلا مُواربة وبمقدرة لا تسمح بالظن بأنها إنما تفعل ذلك للمرة الأولى ، فقد كانت مُدركةً أنها لا تشتري لنفسها فقط وإنما له كذلك ، اثنتي عشرة ياردة من من الكتان كشراشف لمائدتهما معاً ونسيجاً قطْنياً لشراشف سرير الزِفاف ولتهتكهما معاً عند الصباح ، ومن كل صنْف ما هو أكثر رَوعة لِيتمتعا به معاً في بيت الحب .

كانت تطلب تخفيضا وتتقن طلبه وتجادل بظرافة ووقار حتى تحصل على أفضل الأصناف وتدفع بِمَسكوكات ذهبية يقوم الباعة بتجريبها للاستمتاع فقط بِسماع رنينها فقط على مرمر الطاولة .

كان فلورنْتينوأَريثَا يراقبها مَبْهَوراويلاحقها مقطوع الأنفاس فاصطدم عدة مرات بسلال الخادمة التي كانت ترد بابتسامة على اعتذاراته ، وقد مرت هي نفسها قريبا جدا منه حتى إنه شم نسيم رائحتِها ، وإذا كانت لم تَره حينئذٍفليس لعجزها عن ذلك وإنما لشموخ طريقتها في المشي .

كانت تبدو له جميلة جدا ، فاتِنَة جدا ومختلفة جدا عن الناس العاديين بحيث لم يدرك كيف لا يختلَّ الآخرون مثله بِصِناجات كعْبَيها على بلاط الشارع ولا تضطرب قلوبهم بهواء تنهدات كِشْكِها ولا يُصاب العالم كله بالجنون حُبّاً بحركة ضفيرتها وطيران يديها .

لم يضيع حركة واحدة من حركاتها ، ولا علامة واحدة من علامات طبعها ، لكنه لم يكن ليجرؤ على الاقتراب منها خوفا من أن يُفسد السحر ، ولكن عندما ولَجَت زحمة زقاق الكَتَبَة العموميين تنبه الى أنه يخاطر بتبديد الفرصة التي تشوق لها خلال سنوات .

كانت فرْمينا داثَاتُشاطر زميلاتها في المدْرسة الفكرة الغريبة السائدة ، بأن زقاق الكَتَبَة العموميين هو مكان ضياع وأرض مُحرمة على الآنسات المحترمات طبعا .

كانت عبارة عن رِواق ذي قناطر مقابلة ميدان صغير حيث تتوقف عربات الأُجرة وطَنابر الشحن التي تجُرها الحمير ، وحيث تصبح التجارة الشعبية أكثر زخماً وَصَخَباً /.

اىسمه موروث من أيام المستعمرة ، فهناك كان يجلس منذ ذلك الحين الكَتَبة المكفهرون ذوي السُتر الالكتانية والأكمام المنفصلة التي تصل حتى المرفقَين ، والذين كانوا يكتبون جميع أنواع الوثائق بأسعار بائسة ، مُذكِرات اتهام أو استرحام واستدعاءات قانونية ، وبطاقات تهنئة أو تعزيَة ورسائل حب في أي سن كان ، وليسوا هم بكل تأكيد سبب سوء السمعة التي لحقت بذلك السوق الصاخب ، وإنما الباعة المتجولون المُحْدَثون الذين كانوا يقدمون من تحت طاولاتهم جميع أنواع الحِيَل الغامضة التي تصل تهريبا في السفن القادمة من أوربا ابتداءً من بطاقات صور الداعرات والمَراهِم المُهيِّجة وحتى واقيات الحمل الكتلانية الشهيرة ذات الأعراف العضائية التي تتحرك أثناء العملية أو تلك التي تنتهي بأزهار تتفتح أوراقها حسب مشيئة المنتفع .

لقد ولجت فرْمينا داثَاعديمة الخبرة في الشوارع ذلك الزُقاق دون أن تنتبه الى أين هي ماضية ، باحثةً عن ظل يُخفف عنها وطأة شمس الساعة الحادية عشرة ، غرقت في ضجة ماسحي الأحذية وبائعي العصافير ، عارضي الكتب الرخيصة ومشعوذي التداوي ، ومُناديات الحلوى اللواتي يعلن بصراخ أعلى من الضجة عن حلوى كوكادا الأناناس للصَبَايا وحَلوى جوز الهند للحَمقَى وحَلوى السُكَر بالعجين لميكائيلَا ، ولكنه كانت تسير غير مبالية بالصخب ، وفتنها على الفور عرضاً لأنواع من حبر الكتابة السحري ، حبر أحمر له لون الدم وحبر ذو بريق حزين لبطاقات التعزية وحبر فسفوري لقراءته في الظلام وحبر خفي ينكشف ببريق الضوء .

كانت تريد من كل الأنواع لتلعب مع فلورنْتينوأَريثَا وتذهله باستنباطها ، ولكنها بعد عدة تجارب قررت شراء زجاجة حبر ذهبي ، بعد ذلك مضت الى بائعات الحلوى الجالسات وراء صَناديقهن الزجاجية الكبيرة ، واشترت ستة قطع حلوى من كل صنْف مشيرة الى ما تريد بإصبَعِها من وراء الزجاج لأنها لم تكن لتتمكن من إسماعهن ما تريد بسبب الضوضاء ، ستة قطع من شَعر المَلاك ، وستة قَوالب صغيرة من حلوى الحليب وستة مكعبات سمسمية وستة قطع من كعكة أليكا وستة أقراص من الشوكولاتَا وستة قطع من البسكويت المحشي وستاً من لقمة الملِكة ، وستة من هذا وستة من ذاك ، وستة من كل شيء .

وكانت تضع كل ذلك في سلال الخادمة بظرافة لا تقاوَم غير عابأة بسحابة الذباب السوداء الهائجة فوق المُرَبّىَ وغير مبالية بالتعفن المتواصِل ، وغير مبالية برائحة العَرق الزَنِخ الذي يلمع في الحَر القاتل .

أيقظتها من هذا الخدر زنجية سعيدة تضع خرقة ملونة على رأسها المكور والبديع ، قدمت لها قطعة أناناس مغروسة في رأس سكين جزار ، فتناولتها ودستها كاملة في فمها ، تذوقتها وكانت تتذوقها ونظرها شارد في الجموع عندما سَمَّرَتها اختلاجة اضطراب في مكانها ، فوراءها وقريبا جدا من أذنِها بحيث لم يسمع أحد في الضجة سواها الصوت الصوت الذي قال لها ليس هذا بالمكان المناسِب لرَبَّة متوجَة .

التفتت ورأت على بُعد شِبرَين من عينَيها العينَين الأخريَين الجامدتَين والوجه الأزرق الضارب الى السواد والشفتَين المتصلبتَين خوفا تماما كما رأتها في زحمة صلاة منتصف الليل عندما كان قريبا منها لأول مرة ، ولكنها لم تشعر بهَيَجان الحب كما في المرة السابقة وإنما بهاوية خيبة الأمل ، وبلحظة واحدة انكشف لها حجم الورطة التي أوقعت نفسها فيها وتساءلت مَذعورة : كيف استطاعت أن تحتضن طوال هذا الوقت وبكل هذه القسوة حرقة قلب كتلك .

وبالكاد استطاعت أن تُفكر : رباه ، يا للرجل البائس .

ابتسم فلورنْتينوأَريثَا ، وحاول أن يقول شيئا ،حاول اللحاق بها .

لكنها مَحَتْه من حياتها بحركة من يدها قائلةً له : لا ، أرجوك انسَ كل شيء .

في مَساء ذلك اليوم وبينما والدها ينام قَيلولته بَعَثَت إليه مع غالا بلاثيديا رسالة في سطْرَين : عندما رأيتك اليوم أدركت أن ما كان بيننا ليس إلا وَهْماً .

وحملت إليه كذلك الخادمة برقياته وأشعاره وأزهار كاملياه الجافة ، وطلبت منه أن يعيد الرسائل والهدايا التي بعثتها إليه ، كتاب صلوات العمَّة أسْكولا أَسْتيكا وأوراق النباتات المجففة والسانتمتر المربَّع من مسوح سان بيدرو كلافير ومِداليات القديسين وضفيرتها وهي في الخامسة عشرة ر مع شريط الزي المدْرسي الحَريري .

فكتب في الأيام التالية وهو على حافة الجنون عددا كبيرا من الرسائل اليائسة ، وحاصر الخادمة لتحمل تلك الرسائل ، لكن هذه نفَذَت التعليمات الصارمة بعدم استلام أي شيء سوى الهدايا المُعادة ، وأصرت على ذلك بحسم جعل فلورنْتينوأَريثَا يعيد كل شيء ما عدا الضفيرة التي لم يشأ إعادتها ما لم تستقبله فرْمينا داثَاشخصياً ليتحدثَا معاً ولو للَحظة واحدة ، ولم يتمكن من ذلك .

ونزلت ترانسيتو أَريثَا عن كِبريائها خشية أن يتخذ ابنها قرارا قاتلاً ، وطلبت من فرْمينا داثَاأن تمنحها خمس دقائق من وقتها ، فاستقبلتها للَحظة واحدة في دهليز البيت واقِفة دون أن تدعوها الى الدخول وبلا ذرة وهْن .

بعد يومين من ذلك ومع انتهاء مشادة مع أمه نزع فلورنْتينوأَريثَا عن جدار غرفة نومه العُلبة الزجاجية المُغْبَرة حيث كان يعلق الضفيرة كأنها أيقونة مقدسة ، وأعادتها ترانسيتو أَريثَا بنفسها في علبة المخْمل المُطَرَّزة بخيوط ذهبية .

ولم تُتح الفرصة لفلورنْتينوأَريثَا أبدا لرؤية فرْمينا داثَاعلى انفراد ، ولا التحدث إليها أثناء لقاءاتهما الكثيرة في حياتهما الطويلتَين إلا بعد انقضاء إحدى وخمسين سنَة وتسعة شهور وأربعة أيام ، عندما كرر لها يمين الوفاء الأَبَدي والحب الدائم في ليلتِها الأولى كأرملة .