١
في الساعة العاشرة من الصباح أقبل رجل إلى مكتب المحامي سيمون، وهو شاب جميل الوجه متأنق في لباسه فسأل البواب قائلًا: أليس هنا مكتب المحامي سيمون؟
– نعم، غير أن سيمون قد مات وخلفه في إدارة مكتبه المستر جمس كوكلام.
– إني أحب أن أراه.
– إن هذا محال يا سيدي الآن؛ فإنه يرافع في المجلس.
– لا بأس فسأعود غدًا.
فقال له البواب: إنك قادم في قضية يا سيدي دون شك، فإذا كان ذلك فإن سكرتير المستر جمس كوكلام يقضي لك ما تريد، لأنه واقف على جميع أشغال المحامي.
فتردد الشاب هنيهة، ثم قال في نفسه: لا أجد بأسًا من مقابلة السكرتير وسبر غوره فقد أقف منه على ما يفيدني.
ثم قال للبواب: ماذا يُدعى هذا السكرتير؟
– سلمون بيردت.
– سِرْ أمامي إليه.
فامتثل البواب وأوصله إلى السكرتير.
فوجده جالسًا عند منضدة كبيرة، وهو كبير الشَّارِبَيْنِ كثيف الشعر، وقد ستر عينيه بنظارتين من الزجاج الأزرق.
فحياه الشاب وقال له: إني كنتُ أود — يا سيدي — أن أرى المستر كوكلام.
فأجابه سلمون: إني وإياه واحد؛ لأني أدير جميع أعماله.
– لا شك عندي بما تقول، غير أن القضية التي جئت من أجلها قديمة العهد تتصل بزمن المحامي سيمون.
– هو ما تقول، بل إنها منذ عدة شهور.
فعجب الفتى لقوله، وقال له: كيف عرفتَ هذا يا سيدي، في حين أني لم أذكر لك اسمي، ولم أقل لك شيئًا عن القضية التي جئتُ من أجلها؟
– كنتُ أستطيع أن أجيبك أني من السحرة، غير أني أؤثر أن أقول لك: إني أعرفك، فإنك تُدْعى مسيو بيتافن، وأنت فرنسي، وقد رأيتك أمس في جنازة امرأة فقيرة تُدعى بيتزي، وهي امرأة رجل يُدعى توما، أُعدم شنقًا لأنه قتل اللورد أفندال، وأزيدك على ذلك أنك قادم لمحادثتي في قضية اللورد باميلتون، الذي يُدعى الآن ولتر بريس.
فدُهش الشاب دهشة عظيمة وقال: ولكن كيف عرفتَ ذلك، يا سيدي؟
فلم يجبه السكرتير على سؤاله، وقال: إن بيتزي، التي دُفنت أمس، جاءت منذ ثلاثة أشهر إلى المستر كوكلام، ومعها الأوراق التي تتضمن كسب القضية.
فقال مرميس، وكان هو بعينه: ولكن هذا المحامي أبى أن يتولى القضية.
– لقد كان مصيبًا في رفضه فإن المستر كوكلام لا يزال في مقتبل الشباب وهو فقير لا يستطيع أن يتحمل نفقات هذه القضية الكبرى، ولم يكن لدى بيتزي شيء من المال.
فقال مرميس: ولكن، الذين ينوبون عنها، في مقاضاة أسرة باميلتون أغنياء.
فهز سلمون رأسه وقال: ليس الفقر وحده الذي منعه عن تولي القضية، بل إن هناك سببًا آخر وهو أنه عُيِّنَ مُصفيًا لتركة اللورد أفندال.
فأجفل مرميس لهذا النبأ، وجعل ينظر إليه بحذر.
فقال له السكرتير: وفوق ذلك، فإن المستر كوكلام يخاف مقاومة الجمعية الإنجليكانية، فإن قوتها في إنكلترا تشبه قوة الجزويت في فرنسا.
فنهض مرميس عند ذلك يحاول الخروج، وقال: أسألك العفو يا سيدي فقد أضعتُ وقتك الثمين فيما لا يفيد.
فأوقفه سلمون وقال له: إني غير المستر كوكلام، وبوسعي أن أسديك نصيحة، وهي أنك تخطئ خطأً رهيبًا إذا قاضيت هذه الأسرة أمام المحاكم.
ولكني لا أجد غير هذه الطريقة.
– ثم يجب أن تعلم أن القضايا كثيرة الإسهاب في هذه البلاد.
– إني أعرف ذلك حق العرفان، ولكني شديد الصبر، كثير المال.
– ثم يجب أن لا تنسى أنك تلميذ روكامبول.
فتراجع مرميس منذعرًا إلى الوراء وقال: أتعرف هذا أيضًا؟
– بل أعرف أنك أبله.
ثم رفع نظارته عن عينيه فذهل مرميس انذهالًا غريبًا، وقال في نفسه: إن العينين عينا روكامبول ولكن الوجه غير وجهه، ثم قال له بصوت يتهدج: كلا إن هذا محال … كلا … إنك لست …
– إني لا أزال أشد منك بدليل أنك لم تعرفني.
وعند ذلك سقط شاربه وشعر رأسه المستعار، فلم يبق لدى مرميس شيء من الشك إذ رأى أن الرجل الذي يكلمه هو روكامبول نفسه، وقد كان يحسبه من الأموات.
وكان تأثر مرميس قويًّا، حتى إنه أكب على روكامبول يعانقه ودموع السرور تنهل من عينيه.
أما روكامبول، فإنه أعاد شاربيه وشعر رأسه، ووضع النظارتين على عينيه.
ثم قال لمرميس: كفى بلاهة يا بني، فقد يتفق دخول أحد علينا ونحن في هذه الحال فنفتضح.
وبقي مرميس على تأثره ينظر إلى روكامبول كأنه لا يصدق أنه يراه ويقول: أنت. أنت روكامبول؟
– نعم أنا هو روكامبول الذي يبدأ فيقول لك: إن من كان مثلنا لا يلجأ بأعماله إلى المحاكم.