٣

6 0 00

٣

وكانت خلاصة هذه المذكرة كما يأتي:

إن المجنون ولتر بريس والمجنون إدوار كوكري، يعيشان في أتم ولاء، ويختليان سرية وهما يذكران في بعض الأحيان بصوت منخفض اسم بيتزي.

وأنتم تعلمون أن بيتزي قد هربت من المستشفى.

ومن المرجح أنهما لا يعرفان هذه المرأة، ولكنهما واثقان أنها استولت على إقرار برسي.

وقد ختمت هذه المذكرة أنهم بحثوا بحثًا دقيقًا في منزل بيتزي بعد موتها عن هذا الإقرار فلم يجدوا له أثرًا.

فلما أكمل روكامبول تلاوة هذه المذكرة نظر إليه الأسقف، وقال له: ماذا ترى؟

– أرى أنه قد يتفق أن يخطر للادي باميلتون، أن تتفق مع اللورد وليم، شقيق زوجها، على مبلغ معين من المال، فيتنازل لها تنازلًا قانونيًّا لا يرد.

– وبعد ذلك يخرج اللورد وليم من المستشفى فيكون لنا عدوان بدلًا من واحد.

– ألا تجد سبيلًا لاتقاء هذا الخطر؟

– لديَّ طريقة صالحة للتفريق بين اللورد وامرأة أخيه، فلا يجتمعان إلى الأبد؟

– كيف يتيسر لك ذلك؟

– إن حبس اللورد وليم لم يذهب بصوابه، كما كنتَ تتوقع، لأني موقن أن إحدى أخوات السجون تقابله وتطمئنه على امرأته وولديه، وعندي أنه يجب أن نسهل له أسباب الفرار من المستشفى.

– وبعد ذلك؟

– نعطيه خمسة آلاف جنيه، ونرسله إلى أستراليا مع باخرة يجد فيها امرأته وولديه.

– إن إطلاق سراحه سهل ميسور لديَّ، فلماذا تريد أن نسهِّل له أسباب الفرار؟

– لأنهم لو أطلقوا سراحه كما تقول، شكك في نياتنا، واتفق مع إدوار على إزعاجنا، أما إذا أيقن أنه خرج من المستشفى هاربًا فلا يبقى له إلا السعي لإيجاد امرأته وولديه.

– ومتى بات مطلق السراح أتظن أنه يوافق على السفر؟

– إني أتعهد بتسفيره.

– كيف تصنع؟

– أحمله على التوقيع على تسوية مزورة بينه وبين اللادي باميلتون.

– وهذه التسوية أيكون لها شأن؟

– على الإطلاق.

– ويسافر إلى أستراليا؟

– بحوالة مزورة على أحد صيارفة سدني، لأن مفاد هذه التسوية المزورة أن يقبض في أستراليا مدى الحياة خمسة آلاف جنيه في كل عام.

– وهذا الإيراد السنوي أيدفع له؟

– يدفع مرة واحدة في العام الأول فقط، وأما في العام الثاني فإنك تكون قد نلت من أموال هذه الأسرة ما أردت، ومتى بلغت قصدك فليفعل اللورد وليم وامرأة أخيه ما يريدان.

– الحق أنك من كيال الرجال، فقل لي الآن كيف تمهد وسائل الفرار للورد وليم.

– بكلمة بخطك تكتبها إلى مدير المستشفى، فهل تأذن لي يا سيدي الأسقف أن أملي عليك فتكتب؟

– أفعل.

ثم أخذ معدات الكتابة، وأملى عليه روكامبول ما يأتي:

رئيس الرسالة الإنجليكانية التي أنت أحد أعضائها السِّرِّيين يدعوك إلى مساعدة حامل هذه السطور في كل ما يريده.

فلما أتم كتابتها قال: وَقِّعْ عليها الآن بتوقيعك الخاص.

فكتب الأسقف في ذيل الرسالة الحرف الأول من اسمه، ورسم تحته شكل صليب وثلاث نقط، فأخذ روكامبول الرسالة ووضعها في جيبه.

فقال الأسقف: متى تذهب إلى المستشفى؟

– لا أذهب أنا بل أرسل رجلًا أثق به كل الثقة.

– ومتى نتقابل؟ وأين؟

– هنا بعد غد.

– ألا يكون هنا المحامي كوكلام؟

– كلا بل يكون في المجلس للمرافعة.

فنهض الأسقف وحاول الذهاب فمشى خطوة إلى الباب، ثم رجع روكامبول فقال: ألم يبلغك شيء عن الرجل العبوس؟

– الشائع أنه غرق.

– أتظن الإشاعة صحيحة؟

– إني لا أصدق شيئًا من هذه الإشاعات، ولا أزال أخشى الرجل العبوس، فإن توما لقيه في سجن نوايت، وأخبره بكل شيء، ولذلك لا هَمَّ لي الآن إلا أن أرى قريبًا، اللورد وليم وعائلته مسافرين إلى أستراليا.

– لقد أصبت يا سلمون، فإن الرجل العبوس هو الرجل الوحيد الذي أخشاه.

– وأنا أيضًا.

– أما عرفت تاريخ هذا الرجل الغامض؟

فقال روكامبول: إن ملخص ما عرفته عنه أن أمه كانت نورية، من أخبث أهل الشر والفساد، وأن أباه كان فرنسيًّا من أهل السلامة والخير فخرج في بدء أمره شريرًا فاسد الأخلاق كأمه، ثم رجع إلى أخلاق أبيه بعد أن ملأ الأرض شرورًا، وتاب توبة صادقة، فبات من أصدق أهل الصلاح.

– ألا تزال أمه في قيد الحياة؟

– كلا فقد ماتت في أواخر عهد الثورة أفظع موت.

فتنهد الأسقف وقال: إذن، أسرع ومهد سبل الفرار للورد.

– كن مطمئنًّا يا سيدي فما رائدنا إلا النجاح.

فودعه الأسقف وانصرف.

فلما بات خارج المكتب فتح روكامبول باب الغرفة التي كان فيها مرميس ودعاه إليه قائلًا: أسمعتَ الحديث؟

– لم تفتني كلمة منه فأعجبت بك كما أعجب بك الأسقف، غير أنه أشكل عليَّ أمر مما قلته للأسقف حين سألك عن الرجل العبوس فهل كانت أمك حقيقة من النور؟

– نعم فقد كانت من أفظع النساء وجميع ما قلته عنها أكيد، وسأخبركم بتاريخ هذه الأم الهائلة.

– أما الآن وقد سمعت حديثي مع الأسقف فقد علمت بلا ريب أني سأرسلك أنت بدلًا مني إلى مستشفى بدلام.

– أنا؟ ولكني لا أعلم شيئًا عن هذا المستشفى، ولم أفهم شيئًا من أسرار المهمة التي تعهد بها إليَّ.

فابتسم روكامبول وقال: سأعطيك التعليمات اللازمة.

ثم أقفل الباب بالزلاج كي لا يدخل إليهما أحد.