(2)
تجفف العرق المنحدر فوق وجهك ... ترتدى النظارة
... وبعد سنوات من الانتظار تنهض من خلف المكتب ..
تتقدم خطوات ناحية الباب .... تفتحه ... تقتحم
الغرفة أصوات الميكرفونات القادمة من المولد
وصفعات هواء رطبة كنت تعشقها فى ليالى الأجازات
الصيفية بعد شهور الدراسة فى المنصورة .. يطل
الليل الأسود عليك ... تحدق فى نجوم القرية كأنك
تراها لأول مرة ... ترقبها مذهولا وأنت ترى القطار
القادم من بعيد يمزق القطعة الحية لألف ألف قطعة
.. ولاتعرف لمن هذه الملامح سوى أن لها فم وأنف
... وكانت أنف أسماء تنزف دماء غزيرة بعد أن فقدت
توازنها وسقطت وهى تلعب فوق شجرة الصفصاف على
الأرض .. ودونما تفكير خلعت جلبابك وأخذت تجفف
دماءها .. وفى نهاية اليوم كان نصيبك علقة ساخنة
لأنك لم تعترف لأمك بمصدر هذه الدماء التى لطخت
ثوبك ..
تغلق الباب خلفك ... تخطو ناحية الشارع .... فى
حذر تشق سواد الليل ... الشارع مظلم .. أضواء
الأعمدة خافتة .. المدرسة الابتدائية على اليسار
منك .. مغلقة هى منذ سنوات .. أصبحت آيلة
للسـقوط .. تحدق النظر فى الفناء والفصول ..
يتراءى لك طفل الأمس وهو يعبث بين جنباتها ....
هنا كنت تلهو مع أترابك
وهنا كنت تلعب الحجلة
وهناك كنت تختفى مع أسماء بعيدا عن عيون الأطفال
لتعطيها نصيبك من الطعام ... وهنا ضربكما معلم
الحساب لأنه ضبطكما تجلسان ملتصقين ... وفى هذا
المكتب المغلق طرقعت عصا حضرة الناظر فوق جسدك .
لأنك لم تسمع الكلام وتعرض عن كتابة هذه الخزعبلات
التى تزعم انها قصص
وهنا ..
وهنا ..
وأصبحت مدرستك آيلة للسقوط ..
.........
وسقط الحزن دفينا فى الأعماق خشية رؤية زبانية
السجن له فيهرولون للأسياد ليبشروهم بالنبأ العظيم
.. لكن الحزن استفحل مثل السرطان حتى نهش كل جسدك
عندما تحركت " العبارة " من نويبع .. لحظتها قفز
قلبك إلى حلقك مضطربا .. فأخرجت أوراقك وتقيأت
آلامك فوق السطور ..
" أشعر بأن قطعة من جسدى تنفصل عنى يا أسماء ..
"..
والشاطر غريب شعر بوحدة وألم فخرج من كتاب
الحواديت مضحيا بعرشه وقصره وودع حاشيته ورعيته ..
وامتطى جواده الأبيض وبدأ رحلته .