-1-
دهم القلق قلبكِ، أفقت مذعورة، سافرت أحلامك، تجري النيران في دمك، لا تعرفين من أين جاءك هاجس الخوف، جسدك الملفوف بالظلال والعتمة فرض إيقاعاته وتناويحه، بدت أيامك كالزوابع التي تلف صدرك، كالعجاج الذي تعصف به الخماسين داخل جمجمتك، نحل جسمك وبت تشكين من صداع دائم، تتحول أيامك إلى كآبة، متفردة في آلامك، في تفسيراتك، غير قادرة على النسيان، حاولت أن تنسجمي مع مخاوفك، أن تبدي طبيعية، ظلت سماؤك ملبدة، ماذا تفعلين وأنت لا تثقين بالآخرين، الوحيدة التي يمكنك أن تضعي رأسك في حضنها وتسردي ما حل بك فرات.
ماذا بوسع فتاة رقيقة أن تفعل؟ سألتِ نفسك هذا السؤال وغيره، ومع ذلك، لابد من شخص تقذفين أمامه ما في صدرك، جففت دموعك، أدركت أن الحديث في أمور تخصك يحتاج إلى شجاعة، وأنت لا تملكين ذرة منها، مترددة، أطياف الماضي تلاحقك، همسات مفعمة بالطعنات تتسلل إلى فؤادك.
- هيا يا هلا جئت أسمعك!
تفاجئك بكل جديد و رائع، أثبتت عمق صداقتها وإنسانيتها. كل ما فيها يشع ألقاً. اقتربت وقبلتكِ. مشطت الأفق بنظرها، ابتسمت ووضعت يدها بيدك، كيف لهذه الفتاة المعجونة بالحلوى مثل هذه اللفتات والمواقف الرائعة؟! نخلة سامقة عصية، ستبادلها هذه اللفتة بمواقف جميلة، وستمنحها نهارات مليئة بالورد، أمكنة عدة ستدعوها إليها، حيث سترميان همومهما وسط الجمال، تعودان كطفلتين تحلمان.
تشرعين صدرك للنسيمات. أنت بحاجة لأن تنطلقي، الطبيعة التي تصورتها زنزانة، تهبك المرح وما لم تحلمي به، تبدو الحياة مرحة، العطاء يجري في أشجارها وورودها، تنفض عنك الغبار والدخان، تفردين جناحيك، يكفيك من الجنون ما حدث، لقد بت تؤمنين أن عكل فرد يستحق في ظرف ما شيئاً من الجنون. النيران التي اشتعلت وقضمت كالوحوش لياليك، لم تغيّر لب أفكارك، فالحياة بقدر ما تأخذ تعطي، وبقدر ما تقدم من غدر وطعن تمنح الفرص، هذه المقولة لم تكن في يوم سوى ترف لا علاقة لـه بواقعك، تتبدل زاوية الرؤية، النظرة إلى الكون والإنسان، وكما تتعاقب الفصول وتضيع، ضاعت منكِ الدروب وأنت تبحثين عن ذاتك، غير مرة اضطررت أن تبحثي، وعندما تتوه الدروب وتحلمين بالأساطير والحب يأتيك الخريف ثانية. مقدر عليك أن ترتدي السواد، لم تشكين؟ ثمة من هو قادر أن يحول ضعفك إلى قوة، وقوتك إلى تصميم وعناد، ستثقين به ما دامت فرات تثق به، تحتاجين إلى أصدقاء، لا حل أمامك سوى مصارحتها وطلب المساعدة.
يهوي جسدك تحت ثقل الواقع، الوجه شاحب والعينان جامدتان سرق الليل أنوارهما، المطر بلل رموشك، تلاشت الألحان وباتت ليس أكثر من قرع على حجر أو وعاء معدني. نسفت الصورة التي رسمتها في مخيلته، ويوم توقع أنه أول إنسان تحادثينه وأنه أول حبيب، لم يتوقع أن ماضيك على هذا القدر من الغرابة. سألك:
- لماذا لم تصارحيني؟
كانت إجابتكِ طعنة أخرى، ندمت على صراحتك، والحديث عن خصوصياتك، تساءلت عن جدوى ذلك وأنتما تعيشان الحاضر! لكنك أقررت أن الفتاة زجاجة، ماضيها يلاحقها، ولا أحد يغفر، الذكرى تدخل أدق تلافيف دماغك، تصير جزءاً من مكوناتك، حقيبة تحملينها أنى ذهبت، تطاردك في النوم واليقظة.
مزيج من الذكريات المؤلمة تلف رأسك، جف قلبك بما ذرف من مطر، لقد غدا غير قادر على الفرح ولا الحزن، عيناك خاويتان تتغرغران بالدمع، تذرفين كبرياءك وحياتك والإنسانية والحب، فارقك المرح، فارقت النعومة بشرتك، لا شيء تتزينين لأجله، نظرات الشكوك والصمت تلاحقك، تركت الأقدار تسيرك، عافت معدتك الطعام، سنبلة تنحنين، عودها يتقصف لأقل نسمة، الغمام غطى وجهك، قلبك غاف لا يحسُّ بالحياة، تحزنين على ثقتك بالآخرين. أرسلت بصرك إلى البعيد، غشاوة غطت عينيك، تدورين في حلقة مفرغة لا تؤدي بك إلا إلى الانزواء والشعور بالظلم، تحدقين، الماضي يتقافز، عيناه ترجوانك كشف المستور، أو تكذبين كل ما سمع، تدركين أنك جازفت. الحزن يبرعم في جوفك، أيفيدك البكاء؟ من يمسح دموعك ويواسيك؟ تستجدين عزة النفس، لا تريدين أن تكوني متعة، لم تفكري بأن حياتك أكذوبة، يذهب النهار والشمعة تفقد ضوءها.
كم أحببتِ الأغاني التي تطلقها الحناجر! كم أحببت البنفسج والياسمين والورود! كم أحببت الطبيعة وشاركتها مرحها! كم حلمت أن تأخذي من الشمس حزمها الضوئية ومن الليل نجومه وأقماره! تراقبين الغروب، تدفنين النور في صدرك، تفرشين حناء الشمس مع آخر خيط من خيوطها على الدروب، تمردت على النوم، عفت الطعام، ضمر عودك، وجهك شاحب ويداك ترتجفان، وجفناك تلونا بخطين داكنين، بدأت تكثرين من شرب الشاي والقهوة، كل شيء خامد، العواطف، الأحاسيس، القلب، العينان، الفم.
جاء دورك لتسمَعي صديقتك، فرات ليست بلا متاعب، منذ تركت دمشق وسكنت في الغوطة، تسرب اليأس إلى حياتها، سكنت مع أمها في شقة، وأختها هدى في شقة مجاورة، أين ستسكن إن تزوجت؟ وأين سيسكن أخوها المسافر؟ أليس لهما الحق في البيت كما لأختها؟! تنازلت عن حقوقها مقابل أن توافق أمها على الإنسان الذي أحبته، أغلقت باب غرفتها تستعيد تحذيرات أمها، تخرج لتلتقي بمن ارتاحت إليه ذابلة العينين متوترة، يسألها فتحكي قصة صديقتها التي تتعذب، في النهاية تشكو حالها، تتصور أن الأنثى لم تخلق في الشرق إلا للعذاب.
تخلد إلى الصمت، ظلت أياماً لا تحادث أحداً. تجيب بهزة من رأسها. تذهب إلى غرفتها أو إلى شقة أختها التي تتعاطف معها، أما هي فتعد ضحية وفاة والدها المبكرة، الذي كان نبع حبها. تتذكره. يشجعها على الدراسة والتسجيل في الجامعة في الفرع الذي تختاره. تدمع عيناها. تناجي صورته. تحدثه. يهبها الصبر ويدلها على الطريق، تستشهد بأقواله فتجن أمها، وتجيبها: إن الأموات لا ينطقون!
تعزي ذاتها، ما زالت خاضعة لسيطرة أمها، شجعتِها على المقاومة ونسيان الماضي، تحترم رأيك وإصرارك على الإقناع، طلبت إليك أن تتدخلي وتقنعي أمها بضرورة سفرها إلى أخيها. نقاشاتك صرخة في واد.
تحاولين أن تكوني قوية. أن تتغلبي على ضعفك، بحاجة إلى طبيب يشخص حالتك، لم تتوقعي أن كلام الطبيب سيكون القشة التي قصمت علاقتك واستقرارك. جاء الكشف صدمة جديدة وقعت على مسامعك، أنت ذاتك غير قادرة على التكذيب، كان طلب إعادة الفحص والتدقيق فيما قاله الطبيب إحراجاً وورطة للطبيب ذاته، الذي لم يفعل شيئاً، بل أكد كلامه وبدأ يشرح أشياء لا أحد يرغب بسماعها.
عدت وحيدة إلى بيت فرات، حدثتها بما حصل، وطالبتها أن تبحث لك عن سكن مستقل، لن تحتاجي بعد الآن إلى أحد، أيامك معدودة، عليك أن تلتزمي الفراش ولا تغادريه إلا إلى القبر.
الآن تشعرين أنك عارية، لا شيء يسترك، كل ما أخذته في الحب والأخلاق من دروس ليس أكثر من أكذوبة، السماء رمادية كما الرماد الذي يجثم على صدرك، جسدك ينتفض، ترددين وأنت ساهمة أمثالاً وأقوالاً عن الغدر والحزن والحياة.