ـ 4 ـ

9 0 00

ـ 4 ـ

هذا اليوم يختلف عن غيره من الأيام. عليكَ أن تفيق باكراً. تخرج بعد شروق الشمس، في الليل انتابك قلق، خفتَ ألا تصحو في الوقت المناسب، نومك المتقطع جعلك جاهزاً حتى قبل الوقت الذي قررته.

لفحتكَ ريح باردة، فركت يديك، البخار يخرج من فمك، نظرت يمنة ويسرة لم تجد أحداً، أسرعت لتصل أبكر، وتحصل على شيء من الدفء. السماء عابقة بالغيوم، تختفي الأشعة ولا تظهر إلا لحظة تجاوزت الغيمة وجه الشمس، حبات المطر تصدر لدى نزولها إلى الأرض أو في بركة ماء صوتاً أجوف كاشتعال عود الثقاب، خطوط متكسرة تجوب صفحة السماء، هبوب يحرك الأغصان يغريها بالتمايل، لفتت شجرة الحور انتباهك، لاحظت حركاتها وليونة أغصانها، تذكرتَ خضرة ثوبها حيناً وخلفيته الفضية حيناً آخر، وكيف ترتفع الأغصان في حركة متناسقة مع حركة الريح المغزلية، الأوراق تتوق للانعتاق، تفننت بإظهار حبها للأفق أشبه بفتاة مدت ذراعيها لاحتضان القمر.

تتكرر هذه الحركات بعشوائية. أما من استعصت من الأشجار على الانحناء والميلان فتكون كالمتصوفة تعيش لحظة التأمل والتذكر.

مهرجان من الألوان يغطي وجه السماء، غيوم بيضاء ورمادية وسوداء. تعرض الأخيرة مهارتها وزوابعها، تحول السماء إلى دخان وغبار، والأفق إلى لون سديمي، تلفك نسمات باردة، تسري القشعريرة في جسدك، الغيوم تهرول شرقاً، الرياح تدغدغها. تتناثر أشبه بلاعبي كرة القدم في بداية اللعب. نسمات أكثر برودة تهب. نظرت إلى الساعة إنها السادسة والثلث. تحث خطاك، تهرول، لو رآك أحد لظن بك الظنون، راقبت الطريق وتابعت الركض وما هي إلا فترة قصيرة، حتى وصلت إلى الموقف، وفي نيتك أن سيارة النقل الداخلي تنتظرك، خاب ظنك، نظرت شرقاً لا أثر لأي شخص، ولا لأية حافلة، لا شيء سوى بعض السيارات التي تخفف من سرعتها لدى اقترابها. لكنها تتابع سيرها.

عدت بذاكرتك إلى سنوات خلت لحظة رأيت شاخصة «الترام» الذي كان يمر محدثاً جلبة، يدندن، يصعد الركاب وعلى وقع موسيقاه وتبختره يجدون أنفسهم وسط دمشق في قلب المرجة. نظرت حولك، لم تعد وحيداً، آخرون بدؤوا بالتوافد. بعضهم مسرع وآخرون غير مبالين. يقفون إلى جوارك إن كانت وجهتهم العاصمة. أو على الطريق المقابل كبعض العمال والجنود الذين ينتظرون وسائط نقلهم الخاصة.

تحتضن ذاكرتك الطريق الموصل من بيتك إلى الشارع العام ، على جانبه أشجار الجوز التي تجاوزت شبابها. وعلى الطرف الآخر ساقية على ضفتيها الأشجار المثمرة والورود والعليق. أما اليوم فقد اختفى هذا الجمال، البلدية قررت سقف القناة الزراعية التي لا مياه تجري فيها، بعد أن تخلى الفلاحون عن فلاحة أرضهم وزراعتها. باعوها بالأمتار والقصبات بعد أن ارتفعت أسعارها. فتكومت أكداس البنايات دون رخص. وتحولت الطرق الفاصلة بين البيوت إلى أزقة لا تتسع لمرور أكثر من سيارة صغيرة.

سألت نفسك عن الحسن الذي كان، أين هو؟ أين الأشجار؟ حذاؤك ونهاية بنطالك تلوثا بالوحل. الطريق الظليل الجميل، تحول إلى كومات من التراب والأوحال، ثلاث سنوات والمشاريع تتوالى، مشروع إيصال مياه الشرب إلى البيوت، مشروع إيصال المجاري إلى المصب العام، وكلها لم تنته.

الغوطة تتعرى، سُرق ثوبها المزركش، فلم تعد الغوطة واحة، ولم تتحول إلى مدينة، لعنة أطلقها قاسيون على الإسمنت، وعلى (المجارير) التي توسدت المجرى.

جاءت سيارة النقل الداخلي، وأنت ما تزال تعيش مع الماضي، لم تنتبه لوقوفها، ولا لتدافع الركاب وصعودهم. أحد جيرانك شدك وقال:

- هيا يا حامد.

أغلقت ذاكرتك وأسرعت إلى السيارة قبل أن تتحرك وتتركك على الرصيف.

صعدتَ، خطفتْ نظرك فتاة جالسة في أحد المقاعد الأمامية. أول مرة تراها، جذابة، تفيض أنوثة، البرق يتلامع من محياها، كادت تنفلت منك كلمات ترحيب، انتبهت إلى الموجودين، أحسست بشيء دفعك للتحديق إلى عينيها، عينان عميقتان، أحست بمراقبتك، وميض ابتسامة على شفتيها، خفت عليها، أمثالها يصعدون في حافلة؟! أهي حلم أم شعاع من نجم بعيد؟! تحاصرها الأعين، تنزل حيث تنزل، تقف قريبة منك منتصبة القوام، كل منكما ينظر في عين الآخر. صعدتما الحافلة المتجهة إلى باب مصلى هناك افترق طريقكما، إذ اتجهت إلى حي الميدان، بينما اضطررت إلى متابعة طريقك.

تكرر الصعود والنزول، حاولت أن تحتفظ بملامحها، أن ترسم تقاطيعها، من الصعب نسيانها، في الصف تغزو مخيلتك وتفعل الشيء ذاته في الشارع والبيت. بادلتك الحديث، تحاول أن تقرأ في تعبيرات وجهك وأي الرجال أنت. في عينيها بريق وسحر يصعب عليك التخلص منهما، تحاصرك في النوم، تسهر مع طيفها في انتظار الصباح.

تحاول أن تصفها على الورق، فتاة ذات قوام أهيف. تشرّب الكثير من الحليب مع قليل من الياقوت. عيناها تسرحان في الأفق، شمس مرحة تعانق محياك، شعرت أنك أمام فتاة غير عادية، فتاة خارجة على القانون. كلها فوضى، تسكن مجرة الغوطة، لا تسدل الغطاء على وجهها ولا تلبس قفازات تغطي كفيها، وجهها مرآة وصدرها بستان وحديقة، أحسست بها، توغلت داخلك، قبضتْ على تفكيرك وفؤادك، انجذبت إليها، أنت على استعداد أن تترك دروس ذاك اليوم وتمضي نهارك معها. أن تكتشف كيف تستعير الفصول نقيضها، وكيف تشعل الحرائق في دمك! تخضر صحراؤك، تحولك إلى أسير، تصادر قلبك، أنفاسك، أحلامك. تتوحد الغوطة بطلتها. تطرز الفرح والأغاريد، الأغاني تزفها لروحك، سرحت وفي ظنك أن مجرد التعارف سيهبك اللذة والمتعة! لم تعلم أنها مخلوقة من نار. تكوي لياليك بالحرقة والغصات، تمضي معها دقائق تسميها أحلى الأوقات، تنسف اتزانك، تحاول أن تعود إلى هدوئك، إلى ماضيك، أن تنساها، يزحف بحرها ويرشقك برذاذ ناعم ينسيك المتاعب، لم تعد قادراً على نسيانها، الياسمين يذكرك بقدومها، ودمشق مدينة الياسمين، أنى اتجهت تجده، فكيف تنساها، تنسى فتاة مخلوقة من الياسمين؟ عطرها يملأ ساحات تفكيرك، تراها كل يوم، تحادثها، تفكر بلقائها بعيداً عن الناس. كل ما فيها يغري بالمجازفة، مددت لها وردة، نظرت إليك، تحركت يدها، تناولت الوردة وضمتها إلى دفترها، تذكرت ما سمعته عن الدمشقيات ولغة الورد، وإن مجرد قبول هدية من هذا النوع تفسح المجال لعلاقة مميزة، الورود أفراح تتراقص في القلبين، كل ما فيها من ارتباك يفضحها، غادرت السحب أبراجها وتكومت على شفتيها، قالت:

- أنا لا أملك قلباً لأحب يا حامد!

حاصرتك فرات بهذه الجملة التي استوقفتك طويلاً، أهي حقيقة أم مجرد دعابة وعبث نسائي؟ ظننت أنك قادر على سبر ماضيها، بعد لقاء أو لقاءين، ليس بالضرورة أن تفهم كل شيء دفعة واحدة، تظل عواطفها عصية، تبدل حياتك وتنسفها، لتتحول إلى نقطة مضيئة في مسيرتها، تهب الطمأنينة لروحها، أما ذاتك فمزيد من المتاعب والقلق واستعصاء النوم. الآن تأكدت أنها تحاصرك، تأتيك مع الهواء، مع الماء، مع الأحلام الجميلة، مما زادك إصراراً على نبش حياتها، وإزالة الغمام عن محياها، ليحتفظ وجهها بإشراقته.

ما زال لقاؤكما برعماً، في سماء عينيها سحب كثيفة اتفقتما على اللقاء وخططتما لـه لحظة بلحظة، كنتما سعيدين، سيفتح كل منكما فؤاده للآخر، ستنفث الغيوم إلى الأفق، اصطدمت بصعوبات، لم تتصور أنها عصية إلى الحدِّ الذي يجعل ماضيها حاضراً، تجربتها تلاحقها، وأنت غير قادر على جلب الترياق وتخليصها من السموم التي انتشرت في جسدها، وغطت على خفة روحها! جلستما متقابلين، شعت عيناها، نظرت إليك وشردت، وجهها سحب تحمل الزوابع، نجمة مسورة بليل، جسدها يتمايل وهي جالسة، تهز بأطرافها، انتبهتَ إلى حركاتها، إلى عينيها اللتين تتفحصان وجهك، بادلتها النظرة بمثلها، وردة تسافر في عروقك، في أنفاسك، في نظراتك وأحلامك، تحلم بمستقبل غير قادر على تحديد معالمه، بصماتها العصية على الفهم تجعلك متوتراً، المطر وهبك شيئاً من السكينة، يغريكما بجلسة طويلة، الهطل في الخارج يرسم بصماته الأخيرة على شوارع المدينة وأبنيتها. شتاء سبعة وثمانين غريب الأطوار. قضم الكثير من فصل الربيع، المطر انهمر بغزارة في آذار ونيسان ربما بغزارة كوانين أو أكثر، يلاحق البرد الناس، ينهمر الثلج في آذار، نظرتْ من خلال زجاج النافذة وعلقت: "الحياة لا تطاق يا حامد! أفكر في الرحيل، في ترك الغوطة."

الغيوم تتوالد من جديد في صدرك، وفي سماء مغطاة بالألوان الداكنة، في داخل فرات طفلة مشاكسة، تحاول التخلص من القيود المفروضة، أن تطير كالعصافير، لكن كيف وهي غير قادرة على الحصول على ربطة خبز أو كيس خضار أو فواكه أو قليل من اللحم، ليس لديها طاقة للانتظار أمام المؤسسات، صف النساء طويل، منت نفسها أن أمها ربما استطاعت الحصول على حصتها من الخضار والفواكه، وإذا كان حظها رائعاً تجلب معها علبة سمنة.

تنهدتَ وابتسمت، اعترفت أنها على حق، لكنك لا تستطيع مصارحتها، أنت تحبها ولا تريد أن تخسرها، أنت الرجل لم تستطع الحصول على كيس خضار أو فواكه، تذكرت كيف وقفت في صف طويل، مع اقتراب دورك يتحول الحلم إلى حقيقة، لحظة مددت يدك للحصول على ما تريد من التعاونية، زقزق في داخلك ألف عصفور. تدعو الموظف لتناول النقود وإعطائك ما طلبت، ظننت أن دورك قد وصل، وأن قوتك قادرة على الاحتفاظ به، تمسكت بحديد الكوة، الرجل الذي أمامك أخذ ما أراد، يحاول الخروج، في هذه اللحظة جاء رجال سدوا الطريق، ترنح الصف ذات اليمين وذات الشمال، بقيت ثابتاً مكانك، لكن الشيء الذي لم تضعه في حسابك أنه بعد أن أخذ حصته ولم يجد طريقاً جانبياً للخروج، جرب قوته، فوجد النقطة الأضعف خلفه، كور جسده وبدأ بالتراجع، مما مهد لدخول الذين على يمين الصف ويساره إلى الكوة. وهذا ساعده على تركيز قوته بخلخلة الصف، استمرت حالة الدفع إلى الخلف والأمام والجانبين، كانت حصيلة ذلك أنك ركبت على ظهره وصرت خارج الصف. لم يكتف بذلك بل شتمك ووصفك قليل الذوق! فركت جبينك، نظرت مذهولاً، كيف تفكر بالمؤسسات وفرات أمامك، نظرت إليك نظرة ذات معنى. وقالت:

- نحن هنا!

تأملتها، كل ما فيها ينطق بالنعومة والجاذبية.

الريح تشتد، تتلاعب بشعرها وبأطراف فستانها، تتسلل إلى جسدها إلى أكثر الأماكن حساسية، حنت جسدها، بيدها ردت نهاياته، تشدُّ على وسطها، راكضة عكس الريح، تاركة لـه حرية مداعبة ثيابها ضاغطاً على جسدها مبرزاً مكونات أنوثتها وتفاصيلها، الهواء تمرد، تجاهلته ومشت غير آبهة. تمهلت في سيرها وكادت تتعثر، قبل أن تفترقا لوحت بيدها وأسرعت.

لا تملك فرات فائضاً من الوجد. ظنت أن علاقتكما ستظل مجرد صداقة بريئة، لكن شيئاً ما في داخلها بدأ يخربش، وردة روحها تنتعش. تحاصرها، تستعيد كلماتك، تتخيل شخصيتك وتدقق النظر إلى عينيك، تكتشف أنك موجود في كل ركن من غرفتها، لم تنم تلك الليلة، سهرت وأخذت تلوّن السماء المطرزة بحزام من النجوم، أبعدت السحب، أحست بحيويتها، هرب النوم على وقع الأحلام والذكريات، ترهقها العتمة وأحياناً تؤنسها، طائر يهجع في صدرها يغرد، قلبها يدق على ألحانه طوال الليل، مع تباشير الصباح تنطلق النايات، يطير فؤادها صوب اللحن، تنشد الأغاني، ما زالت غير قادرة على التخلص من ماضيها.

الزمن يعيد برمجة حياتها، تنفتح أمامها كوى، ترصد حاضرها، تنفتح لها الحياة، لكنها تظل أسيرة تجربتها، كلماتكَ الرقيقة تفعل فعلها، تنتظر أن تمنحك الحب، أن تنتصر على ذاتها، تنتظر غيمتها التي قد تمطر في حقلك، ذكراك تفجر شجونها، تأتيها مع الشهيق، مع الماء، مع امتداد النظر إلى الأفق، مع القمر، مع الصباح، تحاصرها، وجودك حاضر في رأسها. يؤرق روحها، تحفر في فؤادها مجرى للفرح، تزرعك في مقلتيها وردة، ياسمينة تحسُّ بالصدمة التي تصيب أيامها، أتستسلم أم تتمرد؟ تفتح الأبواب باباً بعد باب، تشعر بالمرض يدهمها عليها أن تقاومه، أن ترسم بهدوء أيامها وتعيد سيرة أيامها الخوالي، تفرح لطفولتها، وتذرو ماضيها القريب في الهواء، تتخلص من الحمل الثقيل، ومن أسئلة تتردد في صدرها ولا تجد إجابة مقنعة عن بعض جوانبها.

فرات حولتك إلى رجل قلق وحالم، لا ترى من الدنيا إلا طلتها، ولا تتذكر من الأحاديث إلا أحاديثها، وجدت نفسك أمام فتاة ذات ذكاء، تهبك ابتسامتها ودفقة من نيرانها، تحيلك إلى جمر ورماد، تزرع أملاً في فؤادك ينمو ويثمر، وكما يحدث بعد اللقاءات الأولى، تتأجج العواطف ثم تهدأ قليلاً. تسأل نفسها، ماذا بعد؟ عرفت أنها لا تسعى للاقتران بأحد، لكن محطتك دفعتها لإعادة أفكارها، تعيش معك لحظات زمنها كلمع البرق. استطاعت أن تكتشف عواطفك، بات من السهل أن تشعل في هشيمك النار، وسيكون من الصعب أن تعيد التوهج لرماد انطفأت جمراته، لتبرهن أنها تحبك، بدت تائهة، متقلبة المزاج، تداري انفعالاتها بلباقة، أما إذا هبت الريح فلا تملك ما تفعله سوى رفع يديها إلى الأعلى، تبدو ضعيفة لا تملك قدرة لإيقافها ولا لدفعها، تشعر أن لكل علاقة وجهين، هي ذاتها بوجهين، وجه أنثى تتسلق بصحبتك رابية الحب التي في أعلاها الشوك والدموع، ووجه ابنة المدينة التي تنصت إلى أمها، ولا تستطيع قول كلمة تعكر مزاجها، تبحر في المجهول، في طريق السعادة المجهولة، حبها جرة مكسورة لا تنفع للعرض ولا لخزن الماء، كانت ذاهلة، تصطبغ وجنتاها بالأرجوان، هل تخدعك أم في حياتها طعنة؟ اعتذرت وقالت: "غداً نلتقي وأحدثك."

لم يعد القمر ينير دروبها ولا قلبها، اختفى من السماء ومن صدرها، تنظر إلى السماء وإلى الأرض، تبحث عن موطئ قدم في رحاب الصدر الواسع، أما السماء فلن تكون أكثر من لحاف غير قادر على منحها الأمان والنوم.