(1)

10 0 00

(1)

أربعة أجساد، وأربع بنادق، اختفت في تجويف صخرة عملاقة... أحاطت بها أشجار السدر والرتم وأشواك المواسم وواحة من صخور كثيرة تداخلت قواعدها، وتآخت أطرافها، وانفرجت رؤوسها في الكثير من الأمكنة حتى بدت أكفاً في وجه الليل...

قال أبو العبد بعد أن استدار في المكان: هذا المكان مناسب تماماً، وانفراجات الصخور كافية كما أعتقد لنرى كل الطرقات والمعابر...

عقب سالم الوحش وهو يتفحص مكانه جيداً: حتى لو لم تكن انفراجات أو فتحات كافية، فنحن نعرف كل شيء دون أن ننظر إلى أي اتجاه...

.... الطرقات نعرفها، وحيوانات البر نعرف وقع أقدامها وأنفاسها وهي في حالات لهوها أو استنفارها، وهواء الليل، وحفيف الأشجار تعمر به صدورنا، ولا يمكن لأي شيء غريب أن يخالطها دون أن نحسَّ به، وحركات النجم في مداراتها، وشهب السماء، عشنا معها أيامنا وليالينا، أليس كذلك يا أبو العبد؟.

كيف لا يا سالم وقد أمضيت عمرك صياداً ماهراً، لقد عشت في البراري أكثر مما عشت في دار أبيك. حيوانات البر تعرفك جيداً...

قامتك القصيرة، وخصرك النحيل، ووجهك الأسمر المعروف، وعينيك البراقتين كسراج في ظلام الليل، وفخك الحديدي المسنن.

القصة ليست قصة صيد وعيش في البراري، وأنا لست الوحيد في ذلك.

... كل أهل القرية هكذا، ...

تململ أبو قاسم وهو يحاول عنوةً أن يسوّي مكانه... ثم همس.

والله لا أدري ماذا سنفعل؟ ... العمر كله صار أسود، هذه هي آخر أيامنا... برهوم وسويلم يريدان أن نحارب، لقد نسي برهوم حذاء أبيه الممزق، والرقع الملونة على أردافه، ... ونسي سويلم أبو القمل أنه أمضى عمره خادماً في عريشة البيك، ... معلوم... اليوم صار يلبس الخاكي ويحكي نحوي، ويتآمر على الناس... تفو على الدنيا... قال ذلك وقد بدأ صوته بالارتفاع.

قال أبو العبد: اخفض صوتك يا رجل، هل تظن أنك في المضافة؟ نحن هنا في كمين... يعني لا صوت، ولا همس، ولا سيجارة تشتعل، حتى أنفاسكم يجب أن تقبضوا عليها في صدوركم... كل شيء بمقدار، وبرهوم وسويلم وعبود هم أبناؤنا وإخوتنا، وإذا حاربنا فسنحارب معاً، وسترى... اسكت الآن، لكل منّا عمله ومهمته.

أردف عطا الله هامساً: المسألة ليست مسألة عبود وسويلم وبرهوم، المسألة أكبر من ذلك بكثير، ... نحن أبناء البلاد ونعرف تماماً كيف تجري الأمور لقد مرَّ على رؤوسنا الكثير، ... الله يجيب العواقب سليمة... دخيلك يا رب، الحجر الذي أستند إليه أكل ظهري.

خذ مكانك جيداً، يا عطا الله... اسحب قدمك قليلاً، واحتضن بندقيتك.

هه... أيوه... يارب... الآن ماشي الحال... آخ من فلسطين ثم أغمض عينيه مستسلماً لندى الليل.

تابع أبو العبد: إذا أردت أن تشخر كما هي عادتك فلا تنم.

شخيرك سيفضحنا... انتبه لذلك جيداً.

حاول أن يضحك، لكنه ابتلع أنفاسه، فصارت همهمات متلاحقة ما لبثت أن سرت على شفاه الرجال... فاهتزت أكتاف، واهتزت بنادق، ونفرت دموع، وغابت الهمهمات في الصدور...، أغمض عينيه من جديد... نحن هنا نأكل المر، والراديو في مضافة المختار يحكي على كيفو.... آخ من فلسطين.

بماذا تهذي يا رجل؟ ... إذا أردت أن تنام فلابأس... والله يا(أبو العبد)... اليوم وقبل أن يرتفع الآذان كنت على البيدر أريد أن أنتهي، فمعظم البيادر حولي كفكفها أصحابها، ومعظم المحاصيل دخلت حواصلها...

(الله يعين من ليس له والي).... أنا متعب جداً.

الولد صار عسكري، لا أدري أين أخذوه؟ ... والله يا جماعة من يوم راح صار البيت مثل المقبرة، ... أنا والعجوز كل منّا ينظر في وجه الآخر...

الله يسهل عليه، كان عامود البيت... تركنا وحدنا وراح... وأوصاني وهو يحمل حقيبته أن سميحة ابنة عمه أمانة في عنقي.

يا جماعة والله أتمنى أن أخطبها له اليوم قبل بكره، ولكن ماذا أفعل... العين بصيرة... واليد قصيرة.

الله يرضى عليك يا ولدي أينما كنت الآن...

آه... أخذوا الولد ماشي الحال، أما أنا أعمل كالعسكري؟!.

والله يا جماعة الحمل ثقيل...

يا أبو العبد أنت رجل متعلم... بالله عليك أحكي مع المرشح عبود، قل له تعبنا، قل له، عطا الله من عمر والدك فماذا تريده أن يفعل؟

كلنا مثلك يا رجل، توكل على الله، ... على أية حال لابأس سنتقاسم الليل حتى طلوع الفجر.

هبط الصمت، وهدأت الأنفاس وتوحدت، وأوغلت عينا أبو العبد في عمق الليل.

المنحدرات، والصخور، والمرتفعات، وأشجار الصبار، والزيتون، والتين، تبدو الآن بأشكال أخرى... تارة تبدو كتلاً سوداء ثابتة، وأخرى تبدو وكأن أمكنتها قد تحركت قليلاً، أو أنها أكثر ارتفاعاً أو انخفاضاً من ذي قبل، ... لليل عالمه الخاص، ومقاييسه الخاصة أيضاً حتى المسافات في الليل لها حساب آخر، ... أحياناً تعتقد أن شيئاً ما قريب منك جداً، وحين تدقق يختلف الأمر تماماً، حتى معاني الأشياء تختلف... قبل سنوات كنا نشعر أن الجبال والأودية والأشجار والينابيع هي سر سعادتنا، وها نحن اليوم ننظر من زاوية أخرى، فقد يكون منها مقتلنا وتشردنا، ... حين يدخل الغريب البلاد تختلف الحسابات.

قطع شروده شهاب هوى من قبة السماء، بدا خيطاً من نار، كاد أن يصل الأرض بالسماء، واستمر كذلك إلى أن هوى في قاع البحيرة.

تململ أبو قاسم من جديد... همس... أبو العبد... أبو العبد أرأيت الشهاب الذي خر؟. نعم رأيته، أما زلت مستيقظاً يا رجل؟.

حتى الآن لم أنم رغم تعبي... اللهم استرنا، يقولون: إذا خرَّ الشهاب من السماء فإن ركناً من أركان البلاد سيهوي.

لا علاقة لأركان البلاد بهذا الشهاب، ... حاول أن تنام، ولا تقلق فأنا يقظ تماماً.

قال ذلك ومرَّ بأصابعه فوق أجزاء بندقيته التي بدأت تختزن رطوبة الليل.

... في البحيرة ثمة أضواء حمراء تشع أحياناً وتخبو أحياناً أخرى، ... تكون في وسط الماء، ثم تصير على الأطراف، ثم تختفي، وتعود لتظهر بعد قليل في مكان آخر، وأضواء البيوت في طبرية تنعكس على الشاطئ الغربي وتمتد أحياناً حتى تصل وسط البحيرة، وأضواء المستعمرات تلامس أطراف البحيرة... أضواء حمراء وصفراء، وبيضاء ساطعة...

آه... في وسط المدينة كنت أقطن مع زملائي أيام دراستنا في الكتَّاب.

... هناك، قرب المنارة الناهضة بالضياء، ربما على يمينها قليلاً أو خلفها... المهم هناك، كنا نذهب في كل يوم لتلقي علومنا، ... ثم مرت أمامه وجوه... زملاء وأساتذة وشيوخ... استذكر نبرات أصواتهم، وانفعالاتهم، وأحاديثهم، وذلك اليوم الذي دخل فيه الإنكليز، وما فعلوه بالناس والبيوت، ... قتلوا من قتلوا، وشردوا من شردوا،... وقدموا الأسلحة والعتاد والحماية للعصابات الصهيونية... عندها غادرنا المدينة وعاد كل منَّا إلى قريته... يومها خرجت أنا وعبد الكريم وعوض وتركي ومحمود.... وآخرون، اجتزنا الهضاب والأودية، والطرقات، ومسافات من الأشواك والصخور حتى وصلنا إلى هنا. بينما كانت أعمدة الدخان والحرائق تزحف خلفنا... وها أنا الآن أرقب المدينة من بعيد!!... وهناك في المدن الأخرى والجبال الأخرى لنا أيام وذكريات.

التهم بعينيه خيوط الضياء.

... صفد، والمجيدل، والغوير، وجبال الجليل، والقرى والمزارع والخانات على الطرقات... سمخ... آه يا سمخ... كيف ضاعت لا أدري وكيف سقطت لا أدري؟!.

حين جاءت الجيوش العربية إلى قريتنا والقرى المجاورة، قلنا جاء الفرج وعادت أمجاد البلاد ولياليها المقمرة.

يومها دخلوا قريتنا ليلاً... سبعة جيوش، قادتها وجنودها، وعتادها، وبغالها، وشاحناتها.

قالوا لنا: غادروا القرية فوراً، انقلوا النساء والأطفال والشيوخ إلى الكهوف والأودية المجاورة،... رحلنا جميعاً، القرية كلها رحلت، ناسها، وأغنامها، وأبقارها وخيولها، وكلابها، وفراشها.

انتشر الجميع تحت أشجار البلوط واللوز والبطم والزعرور ولاذوا في الكهوف التي حُفر معظمها بإتقان عجيب في أطراف الأودية والهضاب، صار للأودية طعم القرية وحياتها وجلبتها، وأحلامها، وأنفاس أهلها، وامتزجت الأصوات مع ليل الكهوف، وصدى الصخور في قيعان الأودية البعيدة والقريبة، وصار لبكاء الأطفال ليلاً، صدىً مسربلٌ بأضواء النجوم وخرير الينابيع.

وهدهدة الأمهات، وتعويذات العجائز حول فراش الصغار:

"حوّطتك بالله والشيخ حمد الرفاعي

من كل دبيب وساعي

قريب لايؤذيكم، وبعيد لا يأتيكم"

ودعاء النساء: يا ناصر الستة على الستين.. يارب

اجعل كيدهم بنحرهم... يارب حل عسيرها...

وظلت الجيوش في القرية والمزارع المجاورة لها، كمزرعة عز الدين، ومزرعة العيون، ... اتخذوا من بيوتنا مقراً لقادتهم، ومستودعات لإمدادهم وتموينهم، ... كل شيء بحوزتنا صار لهم، محتويات الحواصل والكروم والدكاكين والبهائم.

في اليوم الأول ونحن جلوس أمام كهف من الكهوف، جاءنا ضابطان التقت على جبهتيهما سمرة الصحراء. قالو لنا: نريد مجموعة كبيرة من الرجال لترميم الجسر المؤدي إلى القرية من جهة الشرق كي تستطيع عربات الجيوش المرور نحو فلسطين فوضعه الراهن لا يسمح بذلك.

في تلك اللحظة نفر الجميع، شباباً وشيوخاً ونساءً، ركضنا خلف الضابطين عبر الأشجار والمنحدرات وقيعان الأودية، وظلت قمم الجبال تردد صدى حناجرنا حتى وصلنا موقع الجسر.

حملنا الصخور، نثرنا السفوح، حفرنا أعماق الأرض، توحدت أيادينا على صخور الجسر، صخرة فوق صخرة، وحصاة فوق حصاة، ... وعلا حداؤنا غضباً وتحدياً وإصراراً وأملاً...، وما إن انتهينا حتى بدأت العجلات بالعبور، وعلى قرقعاتها طارت أحلامنا حتى اجتازت المدى.

عدنا إلى كهوفنا وقد جاشت صدورنا بأعذب الألحان، التي ما لبثت أن احترقت على دوي انفجار عنيف هزَّ أركان الجبال.

ارتفعت ألسنة النيران فبانت أطراف الأودية، وذؤابات الأشجار وتوالد الانفجار حتى صار اهتزازاً عميقاً في بطون الكهوف التي نأوي إليها...

لقد دُمر الجسر، نُسف....؟!.

أحلامنا طارت مع حجارته، وحداؤنا احترق على دؤابات اللهب والدخان، ومع كل ذلك حاولنا أن نقبض على الأمل حين تقدمت جيوش الإنقاذ.

.... انحدروا من كل المعابر، ملأت جلبتهم وأسلحتهم ونعالهم وأصواتهم كل الأودية والهضاب...

قصفوا كل(الكبنيات)... ووصلوا إلى سمخ، كانت عيوننا وآمالنا تمتد وتمتد حتى تصل معهم إلى الأمكنة التي وصلوا إليها، وأهدابنا ظلت مشبعة بألسنة النيران واللهب والدخان والدماء والدموع... ثم ما الذي حدث بعد ذلك لا نعرف؟!.

بقينا أياماً بلياليها ونحن ننقل جثث الشهداء على ظهور البهائم، نفعل ذلك، ونحن نسمع قصصاً وآهات وأوجاعاً.....

... سفينة تحمل السلاح للعرب تم شراؤها من أوروبا، وبقدرة قادر غيّرت وجهتها إلى ميناء في فلسطين؟!

... أسئلة كثيرة كانت إجاباتها واضحة وأخرى لم نجد لها جواباً ربما حتى الآن!!. أينما اتجهنا كنا نشتم رائحة الإنكليز، وكيفما سألنا كنا نشتم رائحة الإنكليز أيضاً.

أما الأميركان فقد كان لرائحتهم طعم آخر، فالطائرة ذات المحركات الأربع التي قصفت دمشق عام 1948 هي طائرة أمريكية، وُضعت بتصرف العصابات الصهيونية... يومها ضربوا المدنيين، ولا زالوا يفعلون ذلك حتى الآن.

وأقسم أنه لولا بعض المتطوعين من الشبان، وبعض طائرات التدريب ذات المحرك الواحد التي قصفت المستعمرات كنجمة الصبح والكرننيتا وروشبينا، وبقايا بعض الأسلحة التي امتلكها السوريون آنذاك لما استطاع جيش الإنقاذ أن يغادر أمكنته.

أضاعوها، وها نحن الآن نحصد زرعهم...! على أية حال هذه الأيام مختلفة تماماً، فرغم بساطير الانقلابيين الذين مرّوا، والتي لم تترك لنا فرصة التنفس، فها نحن نحاول أن نطرد الخوف، ... نحاول أن نحلم من جديد، نحاول أن نتنفس هواءً نظيفاً...

ارتفع شخير(أبو قاسم) من خلفه... نظر إليه، ... قرأ في وجهه كل الأيام التي مرت بذاكرته الآن...، وعلى وجوه الآخرين أوجاع السنين، وخيوط الدماء، وأحلامهم الكبيرة، وأفراحهم التي لم تكتمل يوماً...، وتناهت إليه رائحة السنابل وندى الليل تفوح من أرديتهم وكوفياتهم التي تلف رؤوسهم، مرت بذاكرته وجوه كثيرة لها نفس الطعم، ونفس الرائحة.

ارتكزت عيناه على جبهة سالم الوحش التي بدأت تلتمع تحت نثار القمر الذي بدأ النهوض ليلون أطراف الليل بخيوط فضية هادئة... وضع يده على فمه... تثاءب... ثم طيّر نظراته في فضاء الجبال، وعاد إلى سالم الوحش... وضع يده فوق صدره، هزه قليلاً... ثم همس... سالم... سالم...