(4)
حين زلَّ القمر عن قبة السماء كانت مجموعة من الرجال، ومجموعة من البنادق داخل تجويف صخري تغطي أطرافه أشواك البلان والأعشاب البرية، وأعواد القصب التي امتصت رطوبتها الأيام والشموس الحزيرانية اللاهبة.
ومن أمامه تمر ساقية الماء التي ولدها نبع عين أم العظام المتدفق من خاصرة القرية وعلى بعد أمتار فقط من المنطقة المحرمة التي تفصل القرية عن فلسطين المحتلة، ومن فتحات الصخور تبدو أمامه بحيرة طبرية كبساط فضي تغتسل على جنباته أضواء البيوت وظلال الجبال في عمق فلسطين يشع على أطرافها الضياء، صفد وسمخ والمجيدل والغوير....
أنفاس وآهات وأوجاع وبنادق وعيون تكاد تفر من محاجرها تحنو على الصخور الآن.
كانت عينا عوض المسعود تبرقان وسط الظلام الذي خلفه غياب القمر.
....يرتفع حاجباه قليلاً تنفتح أهدابه فيصل إلى قمم الجبال التي بدت كخيام سود على صدر الأفق الغربي. أو كقافلة جمال تركض نحو الضياء الناهض على جنباتها، ثم يستدير قليلاً ليمشط بناظريه كتل الصخور والأعشاب والمعابر التي عرفها جيداً، وفي كل الحالات ينتهي به المطاف إلى مياه الساقية التي ولدّها النبع والتي تنحدر غرباً راكضة عبر تعرجات الصخور...
مياه لها صفاء العين، ورقة الروح تلتمع رغم ظلال الليل.
ظل يراقب الماء، امتد به النظر حتى كاد إن يسبق الساقية، وما إن يصل إلى حالة انعدام الرؤية حتى يعود من جديد ليغمس ناظرية في مياه الساقية ويصيخ السمع ليدقق الأصوات المرافقة لخرير المياه.
كثير من الحيوانات البرية وردت المياه، شربت وتمطّت ولعبت ثم نزحت إلى أعالي الصخور، وكثير من الضفادع تقافزت فأحدثت صوتاً خاصاً لا يمكن لأحد أن يحس به إلا من يعيش هذه اللحظة تماماً.
ليل ومياه ومعزوفات وحيوانات برية، وأعصاب مشدودة وآذان تلتقط كل الأصوات،.... تفرزها، تحللها، تعيدها إلى أصولها،... وعيون استولدت دمعها نسائم الليل ونداه، وأضناها السهر، والتعب، والعشق، والانتظار.
تمنى عوض المسعود لو يستطيع النهوض قليلاً ليشرب براحتيه شيئاً من ماء الساقية كما كان يفعل من قبل،... أحس بالعطش، امتص شفتيه، سوّى مكانه جيداً، أراح عجيزته وانبطح على صدره، صار أخمص البندقية ملاصقاً لوجنته،...
ثم تململ من جديد، رفع رأسه قليلاً، وعاد إلى وضعية الاحتراس... أطلق ناظريه في الاتجاهات كلها، ليستقر أخيراً كما في كل المرات السابقة على سطح الساقية.
آخ... ماؤنا صار حراماً علينا!؟.
أنا عوض المسعود الذي عاش في هذه القرية كما عاش أبوه وجده... لحم أكتافي من الأرض، ودماء شراييني من مائها، أنا الآن لا أستطيع النهوض لأملأ حفنتي من ماء النبع الذي يحتفظ بصورة وجهي كما كل الوجوه في القرية!!.
خطر له أن أحداً ما على الطرف الآخر يحاول الآن أن يشرب من نهاية الساقية، تمنى لو يستطيع في هذه اللحظة، أن يمنع المياه من المسيل، تمنى أن يجففها الآن، أو يحوّل مسارها شرقاً... أو يعكر صفوها على أقل تقدير.
أمسك حصاة صغيرة ورماها في قلب الساقية، أحدثت صوتاً ناعماً ضاع مع سقسقة المياه، ونقيق الضفادع، أحس بشيء من الارتياح، انتابه شعور بأن هذه الحصيّة قد عكرت صفو الماء ولو للحظة واحدة.
تداخلت في رأسه الكثير من الأفكار، والكثير من الوقائع، والكثير من التساؤلات...
أليس كارثة أن يحتلوا أرضنا ويشربوا ماءنا؟.
أليس مصيبة أن لا أستطيع النهوض الآن لأروي جوفي من ماء بلادي!؟.
أنا الذي تعرفني الصخور والآكام والأشواك والطرقات وتراب الأرض.....!
ما الذي حدث لهذا العالم؟.
إنهم الآن يمتلكون الطائرات والصواريخ، والدعم الأمريكي، ولكن هل يستطيعون ذبح شعب بأكمله،... هذا مستحيل.
الأميركان بكل قوتهم، لم يستطيعوا قهر الشعب الفيتنامي.
والغريب في الأمر أنهم لم يستفيدوا من دروس التاريخ، مازالوا يعتقدون أنهم قادرون على ذبحنا بل حتى وإزالتنا من الوجود.
.... حين حاولنا تحويل روافد نهر الأردن قصفوا بطائراتهم أعمال المشروع، وحين حاولنا إقامة سد على نهر اليرموك فعلوا ذلك أيضاً،... إنهم يدركون أننا لو نجحنا في ذلك لماتوا جفافاً... حربنا معهم حرب مياه، وأرض، وتاريخ، ووجود، وكرامة، والأمر الذي يحزن أن إخواننا العرب اكتفوا في كل مرة بإصدار البيانات وبرقيات الاستنكار والغضب،
لماذا لايقاتلون معنا؟.
لماذا يتركوننا في وجه الغول وحدنا؟.
هل يعقل أنهم لم يدركوا حتى الآن أطماع العدو ومخططاته؟.
جبهتنا لم تهدأ منذ حرب الإنقاذ، بل وحتى قبل ذلك بكثير،....
في كل يوم اشتباك، وفي كل يوم قصف متبادل،... معركة التوافيق التي قاتلنا فيها جنباً إلى جنب مع أشقائنا المصاروة أيام الوحدة، ومعركة تل النيرب، واشتباكات الطيران والاشتباك اليومي مع الجرارات المعادية التي تحاول فلاحة الأرض في المنطقة المحرمة... إلى هذه اللحظة التي نحياها الآن... ألم يدرك العرب بعد، أن من أراد أن يأكل الحديد يجب أن تكون أسنانه من فولاذ؟.
وفولاذ العرب وحدتهم وتضامنهم.
لامس زناد البندقية، وشدّ كوفيته حول رأسه جيداً، وابتلع أنفاسه وعادت هواجسه من جديد...
ساعات الفجر هي الأكثر خطورة، هكذا علمتنا التجربة، في مثل هذه اللحظات يهجم النوم، وتسترخي الأجساد، وتمتد الأحلام، وترق الروح وينكشف ستار الليل،... هم يعرفون ذلك كما نعرف نحن تماماً.
حاول استنهاض همته كما كانت في اللحظات الأولى لمهمته، استنفر حواسه، حاول مقاومة الشرود،.... أرسل عينيه في بحر الصخور الذي يمتد ويمتد حتى يصبح سهلاً فسيحاً على أطراف البحيرة،... كل الصخور يعرفها، وكل المعابر خطاها بقدميه مرات عديدة في الأيام الماضية، وكل الأعشاب البرية يعرف أسماءها وطعمها،.... البسباس، والعكوب، والخبيز، والقريص، والسنارية، والخرفيش، والدريهمة، وأشواك البلان والسدر، والرتم، والقندول، والشومر، وحجارة البازلت والصوّان، والحوّار والكهوف، والأودية، والمداخل والمخارج ومراتع المواشي، وأوكار الحيوانات البرية، وآثار خطاها، وأنفاسها، وحالات نفيرها، وهجعتها، ولون جلودها، وبريق عيونها، وفصول تكاثرها، وأوقات اصطيادها .... كلها في ذاكرته الآن.
تمنى لو يركض حتى شاطئ البحيرة، ليغتسل كما كان يفعل في الماضي.. هاجت به الذكرى، وازدادت حواسه استنفاراً، واتقدت أكثر حين لاحت له من بعيد أشباح سوداء، ترتفع حيناً وتنخفض أحياناً مع ارتفاعات الصخور وانحناءاتها،... دقق النظر، ساورته ظنون كثيرة، بدا متردداً إلى حين،... رد كوفيته قليلاً، فبانت أذناه، أحس بشيء من رطوبة الليل... التصق بالصخور، وضع يداه على الزناد، أحس برودة البندقية، ارتجفت يداه قليلاً،... شدد قبضته أكثر...
دبيب أقدام متباطئة حيناً، ومسرعة أحياناً، وما إن تغيب برهة حتى تعود من جديد، أحس بجسده يرتعش، كل مسامات جلده صارت مستنفرة الآن، اعترته قشعريرة لم يشعر بمثلها من قبل إلا في لحظات خاصة جداً، انتصبت كل شعيرات جسده، جلدة رأسه كادت أن تغادر جمجمته،....
اقتحمته أنفاس غريبة، عزز وضعية الاحتراس، اتسعت حدقتاه إلى أقصى حد ممكن، ارتفعت أشباح، ثم غابت، ثم ظهرت من جديد، لكنها هذه المرة أكثر قرباً... خيّل إليه أن وجهه قد احترق، أدرك بتجربته أن الخطر قادم لا محالة،...وقد عزز ذلك التماعات الأسلحة التي فضحتها بقايا النجوم، وخيوط الفجر الآتية من بعيد، والتي ستولد بعد قليل.
امتدت يداه سريعاً إلى أجساد الرجال النائمين خلفه...
تململ بعضهم. ثم حاول النوم من جديد، لامس وجوههم، أشعل اليقظة في أجسادهم، حتى تناهضوا مذعورين أمام إصراره المتصل، أشار بيده، همس،... تنفس في آذان البعض،... تداخلت جلبتهم، وأنفاسهم، وحفيف أرديتهم وهم يأخذون مواقعهم المحددة.
ضغط على الزناد، فدوّى الرصاص ليثقب آخر ستائر الليل، وامتد الصدى طويلاً مقطعاً، تبتلعه الصخور، ثم تشكّله من جديد.
طلقات متلاحقة انصبت ناراً على المكان من كل الكمائن المنتشرة على طول المكان، تعززها نيران الرشاشات التي أطلقتها كمائن الحرس الوطني المحاذية لكمائن المقاومة الشعبية على امتداد الصخور.
... رصاص، وأضواء كاشفة، وحيوانات برية تقفز مذعورة بين الصخور، وصرخات استغاثة، وأشباح تفر نحو الغرب، وخيوط رفيعة جداً تفصل بين الموت والحياة.
وحين لاحت أعمدة الفجر كانت رصاصات متفرقة لا زالت تطلق من هنا أوهناك.
نفر الرجال عبر الصخور والأشواك، وظلال الآكام، والممرات الوعرة، إلى حيث العيون الناعسة التي أيقظها الرصاص، واضناها الخوف، والانتظار، خلف الأبواب والنوافذ الخشبية الهرمة، تاركين خلفهم حرارة أجسادهم، وأعقاب سجائرهم التي احترقت تحت الأغطية، أو بين الأصابع الخشنة التي تكورت حولها، لتمتص بصيصها،... والكثير من الفوارغ النحاسية التي خلفها الاشتباك، والكثير من الآهات، والأوجاع، والأحلام، والهمهمات، والمشاعر، وحين بدأ صوت المؤذن يأتي مع ندى الفجر، شجياً، حنوناً مقطّعاً، كانت أبواب البيوت المتخاصرة على جنبات الأزقة تستقبل الرجال والبنادق، بينما بدأت الخيول المشدودة إلى أوتادها في أطراف البيوت تصهل صهيلاً رخيماً ناعماً طلباً لكلئها،.... ومن خلف أبواب الخانات المغلقة ارتفع خوار متقطع خفيف لعجول وأبقار، وهمهمات لخراف وادعة أيقظتها جلبة أصحابها وشوقها لمراتعها على السفوح وعلى أطراف الأودية،... وارتفع صياح الديكة في الأمكنة كلها.
وبعد أن استراحت البنادق على المسامير المغروسة في جدران البيوت، أو في طيّات الفراش، وخلف الأبواب، وفي الزوايا المعتمة، وهي لا تزال تعبق برائحة البارود، بدأت الأحاديث تلوّن ساعات الفجر، ومع تفاصيل الاشتباك وتهدجات الأصوات استعادت العيون المتعبة صحوها ويقظتها وأحلامها.
وفي مكتب المقاومة كان قادة المجموعات ورجال آخرون يتحدثون بالتفاصيل ذاتها للمرشح عبود النايف، يحيط به العريف برهوم والعسكري سويلم وقد تنكبوا مسدساتهم الرشاشة من نوع (سومبال) وقد بدت على وجوههم جميعاً ملامح التعب، ومالت عيونهم نحو الحمرة، والانتفاخ وبين الفينة والأخرى، كان جرس الهاتف اليدوي الأسود القابض على طرف الطاولة الخشبية المتآكلة ينهي لغط الجميع ويشعل يقظتهم من جديد:
آلو.... حاضر سيدي، أنا المرشح عبود.
الجميع بخير، لحظات فقط وتكون كل التفاصيل بين أيديكم.
نعم، نعم... كما أبلغتكم سابقاً.
حاضر، حاضر... سأبلغهم تحياتكم.
يتابع أبو العبد:
سيدي هذا الاشتباك كما أعتقد هو مقدمة لاشتباكات قادمة، ربما تأخذ مسارات جديدة، وهو متابعة لاعتداءاتهم السابقة.
ومحاولة التسلل التي حدثت اليوم لها مخاطر كثيرة ينبغي التنبه لها جيداً.
.... مجَّ سيجارته، .... أراح بندقيته جانباً...
الموقف كما أراه سيدي... غاية في الخطورة، أتمنى أن تدرك الحكومة هذا الأمر.
الحكومة يا (أبو العبد) تفهم ذلك جيداً.
سيدي النواي الطيبة وحدها لا تكفي، وماهو موجود على الأرض لا يكفي،... طبيعة الصراع معقدة، أنت تعرف ذلك.
ومايخيفني سيدي... الوضع العربي... نحن وحدنا... قد نصمد أياماً وربما أشهراً... لكن النتائج قد تكون مروعة.
نحن وحدنا قد نقاتل، وسنقاتل حتماً لكن من الصعب أن نستمر.
على أقل تقدير يجب أن تكون معنا مصر والأردن باعتبارهما دولاً مجاورة، ولهما جبهات طويلة مع فلسطين.
قلت لك يا(أبو العبد): الحكومة تدرك ذلك جيداً.
سيدي أنا أعبر عن مخاوفي فقط، ... مخاوفي التي ولّدتها التجارب السابقة.
وما أقصده أن نفهم جميعاً أن الأمريكان والإنكليز والغرب كله ضدنا... هذا يعني أن الخطر أكبر مما يتوقع البعض.
تمتم عبد الرحيم الهايش بعد أن سوّى عجيزته على طرف السرير العسكري الصدئ.
(مابيجي من الغرب إلي يسر القلب).
أردف المرشح عبود :
الروس معنا، وهم يزودوننا بكل شيء كما أعرف.
قال عوض المسعود:
عفواً سيدي، هذا صحيح... ولكن يجب أن نفهم أن طبيعة علاقتنا مع الروس تختلف تماماً عن طبيعة علاقة العدو مع الغرب والأميركان. وإن لم نستفد من قدراتنا الذاتية فسيكون المستقبل مظلماً... العرب إن لم يقاتلوا معنا فلن تكون النتائج مرضية....
بدأ عبد الرحيم يمج سيجارته بعمق وهو يرمق (أبو العبد) وعوض والمرشح عبود ووجوه الرجال المتعبة.
سيدي: أنا لم أعد أفهم ماتقولون، دعني أتحدث وأنصرف فأهل البيت بانتظاري والمواشي يجب أن تخرج لمراعيها الآن...
هات ياعبد الرحيم... قال المرشح عبود بينما أسند مرفقيه فوق الطاولة وأشعل اليقظة في عينيه من جديد.
أنا سأقول كلاماً قد لا يرضيكم، أو قد تضحكون عليه... ماحدث معي هذه الليلة ياسيدي اللهم صلي على النبي: قبل الاشتباك بوقت قصير وقد كنتُ كما أظن بين الصحو والنوم كبست على رأسي أوهام كثيرة... خيّل إلي أني أرى أشباحاً كثيرة، وأسمع أنيناً وصراخاً،... ولا أنكر ياسيدي أني بدأتُ أفكر بالغول والجن،... كانوا يقولون لنا إن الغول يظهر بأشكال كثيرة، وأن الشهداء والقتلى يخرجون ليلاً... يصرخون وينادون، ويطالبون بأخذ الثأر، وفي منطقتنا الكثير من هؤلاء، فقد استشهد الكثيرون، وقُتل الكثيرون أيضاً...
كل هذه الأفكار كبست على دماغي دفعة واحدة، حتى فكرتُ في كثير من الاحيان إيقاظ الرجال الذين ناموا بعد أن انتهت مهمتهم، إلا أني خشيتُ من سخريتهم، وحاولتُ التغلب على مخاوفي فقرأتُ آيات القرآن التي أعرف، ووضعت أصابعي على الزناد مرات عديدة، وبقيت بين الوهم والحقيقة إلى أن دوّت الطلقة الأولى... نعم ياسيدي الطلقة التي دوت أنهت كل مخاوفي،.... كل الأوهام انتهت حين سمعت الرصاص، وحين ضغطت على الزناد شعرت وكأني أولد من جديد،.... وكما تلاحظ لم يبق في جعبتي ولا في بطن بندقيتي طلقة واحدة، أطلقتها جميعاً، ثم رفع بندقيته وشد مغلاقها وسط مداعبة الرجال وابتساماتهم المتعبة.
.... هذا ماحدث ياسيدي،... الله يلعن الحرب ويلعن الغرب، ويلعن الأيام التي صنعت لهم دولة ومدافع وصواريخ.
والله ياسيدي: (عدو جدك لا يودَّك) وعلينا أن نعرف ذلك ولا ننساه لحظة واحدة.
شد أطراف سترته وأحكم كوفيته على رأسه جيداً واضعاً طرفها تحت زاوية العقال...
رشف آخر ماتبقى من كأس الشاي الموجودة أمامه وسحق عقب سجارته بكعب حذائه الكاوتشوكي المهترئ وهم بالوقوف.
قال المرشح عبود مداعباً: كم متسللاً قتلت يابن الهايش؟
والله لا أعرف سيدي.... المهم أن بندقيتي كانت تتجه غرباً... قال ذلك وقد تأهب للإنصراف.
استطراد
لوضاح الأعمى قصة يعرفها أهل القرية جميعاً.
هذا الرجل الذي ينهض على ساقين طويلتين وصدر ممتلئ، أحب الوطفاء ابنة عمه،... أحبها زمناً طويلاً حتى صارت حلماً يراوده في كل لحظة، وفي الليلة الأولى لزواجه الذي جاء تتويجاً لأفراح القرية التي استمرت سبعة أيام بلياليها، أوقدت فيها النيران، وذبحت الخراف، وعلا صوت المزامير، وأطلقت النسوة زغاريد رددت صداها صخور الجبال، وتعالى حداء الرجال حتى طاول النجوم، وتقافز الصبية حول أواني الطعام وهي مازالت فوق نيرانها، وتسابقت الخيول الأصيلة على امتداد السهول، وارتفعت أصوات الفرسان بالتحدي ولاسيما أولئك القادمين من القرى المجاورة.
في تلك الليلة، وبعد أن تلاشت ضوضاء القرية، وظلت أصوات الرجال والنساء والصبية في ذاكرة الوطفاء، وفي أعماق وضاح... لم يعد يسمع سوى أنفاسها، ووقع خطوّها من حوله.
قال لها ياوطفاء: لقد تأخر زواجنا كثيراً، وطال انتظارنا، ولم أعد قادراً على الاحتمال، ذاب جسدي وهمدت روحي، ولولا أملي بهذه اللحظة لجننت.
نعم ياوطفاء، لقد صرت على حافة الجنون أو الموت.
في ليلة ياوطفاء... وكان الليل قد أتى على القرية فأخمد صوتها، اشتعل صدري شوقاً... خرجتُ، مشيتُ طويلاً بين الأزقة، وقفتُ أمام نافذتك، درت واستدرت حول بيتكم، أحرقتني أنفاسك وأنت نائمة، تمنيتُ لو أجتاز الجدران لأصل إليك، وانتهى بي المطاف إلى أطراف الصخور العالية عند مدخل الوادي هناك ياوطفاء، لا أدري ما الذي حدث..؟ قررت أن أموت أحرقني الشوق، لم أعد أحتمل....، ألقيت بنفسي من فوق صخرة عالية، لكني نهضت، نهضت كما أنا الآن، وبيدي عصاي، وكأن شيئاً لم يكن... صخر البلاد حنون ياوطفاء...
آه ياوطفاء، مرة أراك حمامة بيضاء تطير وتطير ثم تعود لتهبط فوق سقفي، ومرة أخالك ظبية تنفر عن النبع إلى أعالي الصخور، ومرة أخالك قمراً يعيد إلي نور عيني.
وبعد أن نثر جوارحه بين يديها رفضت وصله، ركضت أمامه... ركض خلفها، راوغته كثيراً، لم تعد تحدثه، لم يعد يسمع صوتها، أنفاسها فقط ورائحة جسدها وعطرها ونداوة روحها، وحفيف أقدامها.، هذا ماكان يحس به أينما تحرك في حجرته الطينية العتيقة.
ظل طوال الليل ناثراً جوارحه، وحلاوة لسانه، ونار جسده، وأحزانه حتى غابت عنه تماماً.
قالت بعض النسوة يومها: إن الوطفاء طارت إلى سقف البيت ثم سحبت السلم نحوها.
وقال هو: رغم بعدها عني ظللتُ أحس بها تضيء المكان، وظل نور عيني طيّ صدرها.
ومنذ ذلك اليوم صار لوضاح عالمٌ خاصٌّ من الحزن والتأمل والرقة ولطافة الروح ونفاذ البصيرة، ويذكر بعض أهل القرية، أن وضاحاً بعد هذه الواقعة وحتى اللحظة... كان إذا مرّت الوطفاء في أزقة القرية وحواريها تنبه إلى خطوها، فيرفع جبينه، ويضرب الأرض بعصاه، ويظل كذلك إلى أن تبتعد، فيعود للحلم من جديد.
وثمة واقعة أخرى في حياته يرددها أهل القرية،.... يقول بعضهم:
إن وضاحاً وُلد ضريراً، ولم يرَ النور قط، إلا نور قلبه وعقله المتوقد دائماً.
ويجمع بعض كبار السن أن وضاحاً كان مبصراً كغيره من خلق الله، يروح، ويأتي، ويغني، ويرقص مع الراقصين...
وحين جاءت أيام السفر برلك دهن وجهه وعينيه بمستحلب لبعض الأعشاب التي لا يعرفها إلا هو، فذهبت بنور عينيه وتركت ندباً على وجنتيه.
وقال يومها:
إن هذا أهون علي من الخروج من القرية، إذا خرجت سأموت،... إذا خرجتُ سيذهب نور عينيَّ ولو كنتُ مبصراً.
وثمة قصص كثيرة حول وضاح تداني الخيال في بعض حالاتها.
حبيبي عبود:
وصلتني رسالتك في ساعة متأخرة من يوم الخميس وحين جلبها لي آذن المدرسة، كدتُ أطير فرحاً، لم أنتظر حتى وصولي البيت، فتحتها في باحة المدرسة، وقرأتها مرات متلاحقة والأطفال يتقافزون من حولي.
لم أكن أتصور أنك ستبتعد عني لحظة واحدة.
منذ أن غادرتنا ياعبود، وأنا أحلم بك كل يوم، تارة أراك في قلب المعركة، وسط النيران والدخان فأبكي كثيراً، وتارة أراك جالساً في مكتبك، وتارة أراك تمسك رشاشاً....
أنا أخاف عليك كثيراً،... انتبه ياعبود، عدونا غادر.
حبيبي:
لقد مررتُ أمس إلى بيتكم، أهلك جميعاً بخير، وقد وعدني عمي أنه سيبني لي بيتاً في الكرم الشمالي إذا كان الموسم جيداً هذا العام،..... وأمك تقول: علينا أن نتزوج هذا العام،... قبلّتها كثيراً حين قالت ذلك، وهي في غاية الشوق إليك، تدخل غرفتك في كل مساء، تدعو لك وتبكي.
عبود:
أرجو أن تكتب لي باستمرار،.... اكتب لي عن أحوالك لا تنسَ شيئاً،... اكتب لي عن فاطمة، والعم أبو الزين وعن القرية كلها.
الزملاء هنا جميعهم بخير، وهم يذكرونك دائماً، والمدير أبو عاطف كما تعرفه لم يتغير أبداً...
في كل يوم قصة جديدة، وتعليق جديد، قال لي منذ أيام... لا حل أمامك ياهدى إلا أن تذهبي إلى هناك، وتكوني إلى جانب عبود... وبدأ يرسم تصوراته الكاريكاتيرية لي وأنا أحمل الرشاش، وكيف سأهرب عند أول طلقة، وماذا ستقول عني نساء القرية، وكيف سيكون حال عبود.
.... سيهرب ويتركك هناك....
واستمر في تعليقاته حتى بدأ كرشه يهتز، وظل يضحك حتى غابت عيناه، وأسكتته الحشرجة... وقال أخيراً... سلمي على عبود والله أحبه من قلبي.
حبيبي:
أتمنى أن أزورك، .... فأنا لا أعرف شيئاً عن المنطقة إلا ماقرأناه، وماسمعناه.... أتمنى أن أرى فلسطين عن قرب، فهي حتماً جميلة ويزداد جمالها حين تكون في مرآة بيتك.
المخلصة هدى.
أحْرُثْ وادْرُسْ لبطرس
عجيب لهذا العمر كيف يمضي، تعب وشقاء، وركض وراء الرغيف، نركض ولا نلحق، في كل عام نرسم أحلامنا من جديد، نقول إن الدنيا ستكون بخير، وإن الناس كل الناس سيكونون بخير أيضاً، وإن رزق الله سيكون لعباده جميعاً، لكن الذي يحدث، أن الفقير يظل فقيراً، وأن الغني يزداد غنىً، والذي يحزن أن هؤلاء يعيشون على أكتافنا،..... نعمل ليلاً ونهاراً، نخرج مع الفجر، ونعود مع الليل، ننام وعرقنا لم يجف، نحلم بالزرع والمناجل، والمحاريث، والبنادق، وأهدابنا لم تغمض بعد.
وإذا أغمضت فإنها تغمض على هموم العيال، وحاجاتهم، وهموم الديون، ومطالبة الدائنين. قال أبو العبد: مالك يا محمود؟.... أنت شاعر والشاعر لا يعرف اليأس،... يحلم حتى لو صارت الدنيا كلها سواداً، الأمل يامحمود سلاحنا الذي لا يموت، وإذا قُتل الأمل فينا فلن نعيش لحظة واحدة.
أردف المختار: توكل على الله يارجل، كل شيء سيكون أحسن إن شاء الله،.... بعد أيام ستأتي لجنة من الحكومة، لتوزع الأرض من جديد، نعم سيتم توزيع الأراضي من جديد بعد أن صدر تعديل قانون الإصلاح الزراعي، كل فلاح في القرية سيكون له نصيب، وستكون الأحوال أحسن بإذن الله.
صحيح يامختار إن هذا سيحل جزءاً من المشكلة، وهو أمر هام بلا شك، لكن هناك الكثير من المشاكل التي يجب أن تُحل... العلاقات الزراعية، حماية الفلاحين وحقوقهم وتسويق منتجاتهم، و تحديث أدوات العمل، وغير ذلك كثير...، تصور يامختار أنه بعد تعب وشقاء عام كامل لم يبق لي من الحصول مايؤمن مؤونة العيال.
فها قد انتهت البيادر وامتلأت حواصل الدكنجية بالحبوب...
القمح، والشعير، والكرسنة، والسمسم، والعدس.... كلها في حواصلهم، والمصيبة الأكبر أن كل مادفعناه لا يسد إلا الجزء اليسير من ديوننا ويظل الباقي مدّوراً للعام القادم، وحين نحتج على ذلك يقولون:
كل أيام السنة وأنتم تأخذون ماتشتهون، وعند السداد تقولون لم نأخذ شيئاً... والمشكلة أن طول المدة ينسينا فعلاً ما اشتريناه، وطلبات العيال كثيرة لا تنتهي، ماهذه المصيبة.
كل الحبوب التي اغتسلت بعرفنا نُقلت يوم أمس من حواصل الدكنجية إلى حواصل التجار في المدن،... البارحة مساءً اصطفت سيارات شاحنة كبيرة للعطار والسبيني، وحملت كل شيء... والله كاد قلبي يتقطع وأنا أرى العتالة يضربون شناكلهم الحديدية في بطون أكياس الحبوب. والله... كأنهم يضربونها في بطني ياجماعة...
أولاد الـ.... ينهضون بها وكأنها ملكٌ للعطار والسبيني، منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها باطن الأرض؟!
... نقلوا كل الحبوب، أخذوها، ازدادت أموالهم على ظهورنا،.... ضرب محمود كفاً بكف وأردف قائلاً:
عرقنا صار هناك، وأنفاسنا صارت هناك، وأحلامنا صارت في جيوبهم، ومستقبل أطفالنا مات هناك.
هذه حياتنا... إلى متى ستستمر؟
أطرق قليلاً.... ، صمت الجميع، وفي عيونهم، السؤال ذاته، إلى متى ستستمر؟
استند عبد الرحيم وجثا على ركبة ونصف، بعد أن وضع جانباً وسائده التي يتكئ عليها.
ياجماعة الخير، ماذا سيكفي البيدر؟.
حصة للمختار هذا الذي نجلس في مضافته الآن، وحصة للحارس، هذا الذي يجلس أمامكم، وقد رقت شفاهه من تلك الصافرة التي تقلق راحتنا كل يوم، وحصة للشيخ، الذي لا يجد من يصلي وراءه في كثير من الأحيان، وخاصة في مواسم الحصاد،.... وحصة للمُحضِّر الذي يحرس الزرع، والباقي للدكنجية... الموضوع لا يحتاج للحساب ياجماعة...
منذ أيام ذهبت إلى دكان الحاج أنور، ورأيت العجب، طار عقلي يا إخوان،... أخذ كل محصولي...
فتح دفتره الأسود الكبير الذي تعرفونه جميعاً، وأمسك بقلم الكوبيا المربوط في زاوية الدفتر بخيط مصيص وسخ، وراح يكتب، ويشطب، ويتمتم، ويعد على أصابعه حيناً ثم يكتب من جديد، بعد أن يبل القلم بلسانه، ويرفع الحزام الساحل على كرشه، ويتطلع في وجهي حيناً ويعود للدفتر من جديد، ثم يستغفر الله، ويكتب...
إلى أن قال:
بقي في ذمتك ياعبد الرحيم... اللهم صلِ على النبي...
حوالي العشرين مداً من القمح.
طار عقلي ياجماعة، والله يا أخوان، لم أعد أرى أمامي شيئاً... عشرين مداً يا أنور؟!! ألا تخاف الله؟ من يسمع هذا الكلام، يقول إن عبد الرحيم، وعياله يأكلون المحشي كل يوم...
صرخت في وجهه، قلت له:
قل ماذا أخذنا من دكانك حتى وصلت ديوني إلى هذا الحد... قال: طيب سترى ياعبد الرحيم، ثم بدأ يقرأ:
- باكيت شاي البنت عدد (2).
- باكيت دخان جيشي عدد (2) بيد ولدكم صالح.
ثم أردف: أسأل صالح وتأكد... يومها نفش هنا أمامي أكثر من خمس سجائر.
- 4 كيلوتمر بيد ابنتكم صبحة.
- كروز دخان جيشي بيد عبد الرحيم.
- علبة حلاوة بيد زوجتكم حسنة.
- بنطال عدد (5) للأولاد يوم جاء الحزم من الشام شتاء العام الماضي.
- جزمة ربَّاطية بيد عبد الرحيم.
- عقال مرعز أبو شرشوبتين.
- حبل ليف أبو أربع جدلات بيد عبد الرحيم أيضاً.
- قشاط أبو بزيمين بيد صالح.
- شورة بوّال... وربما هذه التي تلبسها الآن ياعبد الرحيم.
وقرأ أشياء كثيرة، والله ياجماعة، لم أرها ولم أذق طعمها.
وحين حاولت التفاهم معه، صرخ في وجهي قال:
هذا الدفتر أمامك، وأنا لا أقول شيئاً من عندي.
قلت له: ياحاج، قد يكون أحد من الأولاد لعب بالدفتر.
قال: أعوذ بالله.. وهل تحسب أن أولادي، مثل أولادك؟.
هنا ياجماعة كان فيّ عقل!!، ...الديوث يعتقد أن أولاده أحسن من أولاد الآخرين، ونحن الذين نعرف أصله وفصله!!.
كلكم تعرفون، حين جاء إلينا. كان يأكل ويشرب في بيوتنا، ابن اللعين ظل يتمسّكن حتى تمكّن، وصارت له دكاكين وحواصل.
المهم ياجماعة... هجمت عليه فلاذ وراء النصبة وبدأ يتمسكن... وحد الله ياعبد الرحيم، نحن أهل ياعبد الرحيم، لا تغلط ياعبد الرحيم، وهل نسيت الخبز والملح ياعبد الرحيم؟.
قلت: الله يلعن الشيطان وساعته، تراجعت نحو الخلف وجلست فوق شوال الملح في زاوية الدكان، أعوذ بالله من الشيطان، الله يلعن الطفر ويلعن أيامه... أشعلتُ سيجارة وصمت.
وهل تعرفون ماذا قال بعد ذلك؟.
قال: ستدفع ياعبد الرحيم ولا فائدة من كل ماقلت ثم رمى في حضني باكيت دخان جيشي، وصبّ لي كأساً من الشاي الغامق،.... والله ياجماعة سيجارة جيشي مع الشاي الغامق تعادل خمسين شوال قمح.
ثم ضحك وعاد إلى جلسته.
عقّبَ محمود الشاعر:
الذي حصل معك ياعبد الرحيم، حصل لنا جميعاً، والمصيبة يا إخوان أن كثيراً من الشبان تأجلت أعراسهم للمواسم القادمة،... سيقتلهم الانتظار،... فتيات بعمر الورود ينتظرن، وشبان مثل الذهب ينتظرون، وآباء وأمهات يأكلون حسراتهم وأوجاعهم وتنهداتهم وضجرهم، وشكواهم.
ماذنب هؤلاء؟.
الحب صار مرتبطاً بالمحصول!! والزواج صار مرتبطاً برحمة الدكنجية التي لن تأتي يوماً!.
والله لا أدري ماذنب هؤلاء؟
ظللنا نسمع بالمثل حتى رأيناه وعشناه:
(احرث وادرس لبطرس).
حتى في الأحلام يلاحقنا الشقاء والحظ العاثر يا إخوان:
منذ أيام، الخير والصلاة على النبي رأيت فيما يرى النائم:
إني مقبل من بعيد على جدار صخري عالٍ، عالٍ جداً يشبه إلى حد كبير هذا الحزام الصخري الذي يطوق القرية من الغرب،... ومن هذا الجدار المرتفع تنفر المياه غزيرة،... ينابيع تتفجر من قلب الصخور، وأمامها يقف حارس أشقر طويل اختلطت زرقة عينيه بالدماء، وعلى رأسه تاج من الذهب أو اللؤلؤ، وعلى أكتافه، نياشين، وشراشيب كثيرة، وفي قدميه بسطار من حديد معشق بالفضة، ويمسك بيده عصا طويلة لامعة لها لون النحاس...، ومن بعيد تخاله شبحاً من تلك الأشباح التي نسمع عنها.
اقتربت منه، بادلته التحية، فحياني.
قلت له وماذا تفعل هنا؟.
قال: أحرس الينابيع التي تراها، كي لا يعبث بها أحد، كي تظل كما هي تماماً...، كما تشاهدها الآن.
نظرت، دققت النظر أكثر... نبع متدفق غزير يكاد رذاذه يصل وجوهنا.
قلت لمن هذا النبع؟
قال: للعطار.
وأشرتُ إلى نبع آخر يماثله في غزارته واندفاعه.
قلت: ولمن هذا؟
قال: للسبيني.
وتابعت السؤال عن كل الينابيع، ... وهو يقول لي: هذا لفلان، وذاك لعلان،... كل وجهاء القرية لهم ينابيع متدفقة، وإن كانت متفاوتة في غزارتها.
وحين نظرت في طرف الجدار الصخري، رأيت نقاطاً صغيرة من الماء لا تكاد تظهر إلا عنوة، تندفع واحدة، فتضيع على سطح الصخور، وبعد فترة تظهر أخرى، تلتمع قليلاً ثم تخبو... قلت للحارس الأشقر الطويل: وهذه لمن؟.
قال: هذه لك يامحمود، ألست أنت محمود الشاعر؟.
قلت: نعم.
كرر قائلاً: هذه لك.
ابتسمت، ضحكت، حتى كادت أحشائي تنفر من حلقي ولا أدري كيف تحول ضحكي غضباً، وتحدياً؟... هجمت عليه، حاول منعي بكل الوسائل، لكن إصراري، وغضبي كانا أكبر من طوله وجبروته... صرخت:
سأصل إليه... إلى نبعي، سأضع إصبعي في فمه، حتى يصبح أكثر اتساعاً، وأكثر تدفقاً.
تسلقتُ الصخور، أنشبتُ أظافري بأطرافها،... شدني من الخلف،... عاودتُ الصعود، ضربني بعصاه، صرخ:
لا تفعل، لا تفعل،.... تابعت الصعود، رغم ضرباته الموجعة، وإصراره المتصل. وحين اقتربت من الوصول قذفني بالحجارة، وتابع الصراخ، لا تفعل...
واستمر عراكنا إلى أن وصلت...، عندها وضعت إصبعي هذا، ورفع سبابته،... نعم هذا وضعته في فم النبع الصغير... ودفعته بكل قوتي...
أطرق قليلاً وقال: وهل تعلمون ما الذي حدث بعد ذلك؟
حين اندفع إصبعي في فم النبع، نهضت من فراشي مذعوراً متألماً، ورأيته في وضع مخجل ثم أشار بيده..... ضحك، وضحكوا جميعاً حتى البكاء.
* * *
تلمظ المختار على آخر قطرة من القهوة المرة رشفها من فنجان صيني، أبيض معرق، هبش رأسه، وأسهم قليلاً خلف حلقات الدخان المتصاعدة من سيجارته وسجائر الآخرين...
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ياجماعة شو قصة الأحلام هذه الأيام؟.
ليلة الجمعة الماضية يا إخوان،... الخير والصلاة على النبي...، اللهم أعني على الصدق...، كنتُ أغط في نوم عميق، لا أدري أين سرحت روحي؟. نمت يومها متعباً، حيث عدت من مركز المنطقة مشياً على الأقدام بعد أن انتهى اجتماع المخاتير، فما أن وضعت رأسي على الوسادة حتى وجدتُ نفسي في عالم آخر، كنت ملتذاً بنومي لولا أن أيقظني صراخ زوجتي وهمهماتها،... نهضت خائفاً مرتبكاً مذعوراً، نظرت حولي، تعوّذت من الشيطان،... نظرت في وجهها...، لا زالت نائمة...، تصرخ وهي نائمة، تئن، تكز على أسنانها، تمسك بيديها أطراف الفراش، وكأنها تخشى أن تطير، ... بدأ العرق يتصبب على جبينها حتى كاد يغرق وجهها،... لامست جبينها، خطر لي أنها محمومة، ناديت بأعلى صوتي... خلايج... ياخلايج، خلايج، فلم تجب، قرأت سورة الحمد، وسورة الكوثر، والكثير من الأدعية، إلا أنها ظلت غارقة في كابوسها، هززتها هزاً عنيفاً، استيقظي ياخلايج، انهضي ياامرأة، ماذا حل بك الآن؟!. يارب سترك...، ومالكم بطولة الحديث،... وبعد جهدٍ جهيد نهضت كمن مسه الجمر،... ألقت لحافها جانباً، وقفت، نظرت حولها، ثم عادت إلى الفراش، وهي تنظر في وجهي ذاهلة وكأنها لم ترني منذ ألف عام حوقلت وبسملت، وهمهمت، ثم انهمرت دموعها...
لا أكتمكم ياجماعة الخير أني خشيتُ عليها كثيراً، حتى خيل إلي أن الجن قد مسّها،... أحضرت لها كأساً من الماء،... شربت، ثم غسلت وجهها، وتابعت النظر في وجهي...
أشهد أن لا إله إلا الله، اللهم اجعله خيراً، يارب دخيلك قالت ذلك واستوت في جلستها وكأن حملاً قد زلّ عن ظهرها.
عندها انفرجت أساريري... كيف لا... وهي أم العيال...
قلت لها مابك يا خلايج؟.
تمتمت بكلمات لم أفمهما عاودني الخوف، لولا أنها تابعت الكلام...
قالت: لقد رأيتُ شيئاً أرعبني يامختار... الخير والصلاة على النبي...
رأيتُ نفسي أنا وكل أهل القرية، نطير في الفضاء،... نحن والبيوت والمواشي والحواصل، وحجارة الطرق، وسناسل الحواكير، وأعمدة الكهرباء، والفوانيس، وخوابي الماء والسمن والعسل، وكواير المؤونة، وكل شيء في القرية، ريح قوية يامختار عصفت بنا جميعاً، الدنيا كلها تبرق وترعد ثم تهب الريح، إنها ريح صرصر التي نسمع عنها، ظلت تدور بنا وتدور،... كلما اقتربنا من الأرض، ارتفعنا، وكلما ارتفعنا عدنا نحو الأرض، حتى لم نعد نعرف أين نحن؟... ضعنا يامختار، وضاع كل شيء،... صراخ وبكاء وعواء وناس ضاعت وجوههم، ونساء طارت شالاتها فانكشف سترها، ورجال طارت سراويلهم فانكشفت عوراتهم.. ثم بدأت تنشج من جديد.
قلت لها: اهدئي يا امرأة، صلِ على النبي، تعوذي من الشيطان،... تماسكت قليلاً، وتابعت: رأيت فيما رأيتُ يامختار ياحفيظ العمر والسلامة.
أن أوراق المخترة، وختم المخترة، والقنباز الأبيض الصيني المخطط الذي تلبسه حين تذهب للولائم والاجتماعات، والعقال المرعز المشرشب... رأيتها جميعاً تطير، الختم يامختار كان يتدحرج حيناً ثم تحمله الريح حتى لا يكاد يظهر،... وفيما رأيتُ يابعد عيني، طاقية المرشح عبود، وسترة العريف برهوم، وبسطار العسكري سويلم... رأيتها جميعاً تطير، ثم حدثتني عن أشياء كثيرة لم أفهمها، حتى ولا هي عرفت كيف تقولها...
ومنذ ذلك اليوم يا إخوان وأنا محتار في تفسير هذا المنام، وخاصة طيران الختم وأوراق المخترة، والقنباز الصيني المخططـ، ثم مد يده إلى زيق قنبازه...
مرة أقول: ولا تؤاخذوني بهذا الكلام، إن أحدهم طامع في خلافتي، ثم أعود للقول: لا يمكن أن يحدث هذا لأن كل الشبان في القرية يلتفون حولي، وكل الفلاحين يدفعون حصتي من الحبوب في الوقت المحدد، ثم استغفر الله وأقول:
إن زوجتي خلايج بهلولة وهي تهلوس وتهذي من تعب البال ولعانة الوالدين،... ولكن يا جماعة ما الذي جعلها تفكر بالختم؟...
يارب سترك ورضاك.
هدى حبيبتي:
وصلتني رسالتك، وقد كنتُ مرهقاً للغاية، حيث أمضيتُ الليلة الفائتة في حالة تأهب واستنفار، لم تذق أجفاني طعم النوم.
لاشك أنك سمعت في الراديو أنبار الاشتباكات مع العدز....
كانت تجربة ياهدى لايمكن أن يشعر بها إلا من اكتوى بنارها،... ما أصعب أن يشعر المرء أن حياة الآخرين وقفٌ على بندقيته!
هل تصدقين ياهدى أن وجهكِ لم يفارقني لحظة واحدة.
كما كل وجوه الأهل والأحبة؟.
في بعض لحظات الضعف كان يخيل لي أنهم سينجحون في اختراقنا،... وما إن أتصور أنهم سيدخلون بيوتنا ويقتلون أطفالنا، حتى أستجمع قواي من جديد وأمضي في مهمتي كما لو أني بدأتُ للتو.
لقد حاولوا دخول القرية ياهدى،... هل تعرفين معنى ذلك؟.
لكن الله كان معنا... فتصدينا لهم... الجيش، والحرس الوطني، والمقاومة الشعبية،... استمر الاشتباك حتى ساعات الصباح.
وأحمد الله أن الجميع بخير.
لا تخافي عليَّ، فقد أصبحت واحداً من أهل القرية، وصار صوت الرصاص شيئاً مألوفاً لدي،... حاجز الخوف ياهدى يسقط مع أول رصاصة، وأنا أثق لو كنتُ معي لانتابك الشعور ذاته.
قولي للمدير أبو عاطف هذا الكلام،... قولي له أن عبود لن ينهزم... طبعاً سيهتز كرشه ويضحك كثيراً ويعود لتركيب حكايات جديدة. ...
حبيبتي هدى:
بعد هذه التجربة الحارة التي عشتها قائداً للمقاومة الشعبية في هذه القرية، ومالاحظته من إيمان الفلاحين وقدرتهم على المواجهة.. يلح عليّ السؤال:
لماذا حين نتحدث عن الحروب الصغيرة أو الكبيرة فإنما نتحدث عن الجنرالات فقط؟!!.
لماذا ننسى هؤلاء البسطاء الذين يصنعون في كل لحظة معجزة، وهم يمسكون بمناجلهم وبنادقهم في اللحظة ذاتها؟!..
فهل حقاً لا يتسع التاريخ للجميع كما يقول البعض؟.
أيامي تسير كالمعتاد، عمل متواصل، وأحاديث مستمرة حول المنطقة وشؤونها، وحول المواسم، ومتاعب الفلاحين وحقوقهم وأحلامهم.
لأحاديث الناس هنا.. طعم آخر...
يتحدثون عن المقاومة، وتحرير فلسطين، وتاريخ الصراع مع اليهود.
في كل يوم أسمع قصصاً جديدة تهز الوجدان، وتجعل المرء يتأمل كثيراً عظمة شعبنا... ماذا سأروي لكِ؟.
البارحةِ حدثني فلاح اسمه عبد الرحيم، وهو رجل غاية في القوة، وغاية في البساطة، كل مايعرفه في هذه الدنيا أننا قادرون على طرد اليهود من فلسطين ولو بالعصي ويردد باستمرار: بلاد ليست لهم، فلماذا لا يعودون إلى بلادهم ويتركوننا نعيش بسلام؟.
قال لي:
كنت يومها شاباً في مقتبل العمر، وكانت ثورات فلسطين على أشدها...
وذات صباح كانت شمس حزيران قد بدأت ترخي على التراب والصخور ضفائر من لهب...
طارد الإنكليز عبر الحدود ثائراً اسمه سعد المرسال، وسعد هذا نعرفه جيداً، شاب أسمر طويل، له خصر غزال، لم نره يوماً وإلا وهو يتنكب بندقيته ويزين صدره بأمشاط الفشك... كان يمر بنا كالحلم، كالطيف الذي نحبه كثيراً...
كنا مجموعة من الرجال نرقب عملية المطاردة من أعالي الصخور المطلة على فلسطين، ونحن نمسك قلوبنا بأيدينا وماهي إلا لحظات حتى لعلع الرصاص في مضائق الصخور المفضية إلى القرية، عرفنا عندها أن سعد المرسال قد استشهد.
جرّوا جثته وألقوها في ساحة القرية، وظل سعد مبتسماً وهو يفتح ذراعيه لشمس حزيران حتى المساء.
طلبوا منا أن نتعرف إليه للإيقاع بنا،.... لكي يعرفوا علاقتنا مع الثوار، وحين أفلسوا أمرونا بدفنه، وكنت واحداً من الذين حملوا الجثة.
وأقسم أنه رغم وجود الجثة تحت لهيب الشمس طوال النهار إلا أن رائحة سعد ظلت مسكاً وعنبراً والدماء التي بللت ثيابنا أكسبتها نكهة خاصة لا أستطيع وصفها.
دفناه على أضواء القناديل... وودعناه بدموعنا وغضبنا.
هذه ياهدى قصة من قصص كثيرة نسمعها هنا في كل لحظة... وإذا قدر لكِ أن تأتي فستسمعين تفصيلات كثيرة لا يمكن ذكرها في الرسالة.
حبيبتي:
العم أبو الزين وزوجة وابنته فاطمة يهدونك السلام، وقد طلبوا مني أن أدعوك لزيارتهم.
... فاطمة لا زالت تنتظر المواسم القادمة والعم أبو الزين بدأت أعرفه أكثر... ذاكرته عامرة بكل أحداث المنطقة،... ورغم أحزانه البادية إلا أنه يمتلئ رقة وحناناً، ولا أكتمك أني استفدتُ من تجربته كثيراً،... يبدو أن قراءة الكتب وحدها لا تكفي ياهدى في كل يوم يحدثني عن أشياء كثيرة، عادات الناس، تقاليدهم صراعهم المستمر مع العدو والإقطاع وتعب السنين وشقاء الأيام...
يبدو أني أطلت كثيراً ياحبيبتي، وبودي أن أظل أحدثك، أكتب لك عن كل شيء،...
أرجو أن تحددي لي وقتاً مناسباً للقدوم إلى هنا ولو ليوم واحد....، أخبري والدي وهو سيتولى ترتيب الأمر مع أهلك، وسأكون في استقبالك في مركز المنطقة، إذا رغبتِ في المجيء...
فقط أخبريني بالموعد المحدد.
سلمي على الجميع
المشتاق عبود.
إشارة ثانية:
جف عرق الخيول، وارتاحت النوارج، والشواعيب، والمذاري في زوايا البيوت والخانات، ولم يبق في البيادر إلا دوائر حمراء متربة، تسوّرها بقايا القش والتبن تلتهمها الحيوانات السارحة،... وبدأت قوافل الغجر والبدو بالرحيل، طلباً لمواسم أخرى في بلاد الله الواسعة.
سارت الحمير والجمال والخيول وهي تحمل على ظهورها الخيام وبيوت الخيش والشعر وأعمدتها الخشبية التي علقت على أطرافها أتناك الكاز والزيت وصرر المؤونة، وحزم الدجاج التي أحكم ربطها، وبدت الديوك التي نبتت أجنحتها وأعرافها على بقايا المحصول وهي تحاول الإفلات دون جدوى، وارتفع صياحها ورفرفة أجنحتها على نحو يستنفر الدواب ويحثها على مواصلة السير.
واعتلى الصبية وصغار السن ظهور الدواب تحيط بهم أمتعة كثيرة ذات ألوان وأشكال متنافرة.
حمير وجمال وخيام وكلاب وألوان تمتد وتمتد على الطرق الترابية تاركة خلفها آثار مواقدها، وفضلاتها، وأنفاسها، وضجيج رحيلها.
كان آخر المودعين الحارس (أبو سويد)... وقف في منتصف الدائرة الترابية، التي خلفتها خيمة الغجرية مريوم، دار حول نقرتها الممتلئة برمادها، ثم أرسل ناظريه في أفق الشرق، ظلل عينيه براحته، وهو يحاول عنوة الاحتفاظ بطولها، وألوان ثيابها، وجرس صوتها، وكلما تضاءلت، وتضاءل الركب تضيق حدقتاه، يصر عينيه، يفتحهما، يحاول أن يراها،... أن يضعها جانباً بعيداً عن الراحلين، الذين صاروا الآن كتلة متحركة في أفق الشرق،... تمتلئ مآقيه بالدموع، يمسحها، يتابع النظر حتى يغيب الركب في سراب السهول، يحاول مرة أخرى، فتضيع عيناه في سراب متكسر يأكل العيون.... يحاول من جديد، لا شيء في الأفق. إلا غلالات متلاحقة من غبار الطريق خلفتها مواكب الراحلين،... يخفق قلبه، وتخور قواه،... يجلس في الدائرة الترابية التي كانت قبل قليل خيمة لمريوم وأهلها، والتي مازالت تقبض على رائحة فراشها ووقع خطوها وأنفاسها، وصدى رطانتها....
يناجيها، يأتيه صوتها رخيماً صافياً، وتنداح رطانتها ولكنتها في أعماقه وهي تحمل جرسها الخاص... آه...
البارحة حين جئت لوداعها ليلاً قالت لي: يا (أبو سويد) أعلمك الكار، وأتزوجك، على أن ترحل معنا.. أنسَ كل شيء وتعال معي. وستكون في قلبي وبين أهدابي ماحييت... تعال معي يا(أبو سويد).... أعلمك الكار، ونفخ النار وملاحقة المواسم، ومداواة الخلق، ورطانة الغجر، وطقوس الرحيل، وأنغام الرقص.. قالت كل ذلك وهي تبكي... لا أستطيع يا مريوم، لا أستطيع،... أنا أحبك حتى الجنون هذا صحيح، لكني لا أستطيع الخروج من القرية... أنا يامريوم مثل سمك طبرية، إذا خرجت سأموت... سأموت يامريوم.
ولا حل أمامي إلا أن أدوس على قلبي وأبقى هنا... أنتظرك في المواسم القادمة، إن كانت لنا مواسم... فمن يدري؟.
تحامل على ساقين مرتجفتين، دار في المكان،... ظلل عينيه، عاود النظر في الأفق، صرّ عينيه مراراً، لم يعد يرى شيئاً، طار الركب، وطار غباره، وظلت الطريق تسبح في سراب الهاجرة.
عاود الدوران في المكان،... تحسس صفارته، تمنى لو يصرخ الآن، لو يطلق العنان لصافرته، ليعلن النفير العام في القرية.
يافلاحين... يا أهل البلد... أحس أن صراخه ظل في داخله ثم عاد أدراجه وقد رقت روحه، ولانت خطواته، حتى كاد أن يظل في المكان.
المرشح عبود:
وضع يده على طرف الطاولة الخشبية الهرمة، ثم تحسس جهاز الهاتف اليدوي الأسود. دارت عيناه في أرجاء مكتبه المتواضع، حتى استقرتا على وجه العسكري سويلم.
اعتقد سويلم أن خللاً مافي هندامه قد لاحظه المرشح عبود، مرَّ بيده فوق أزرار سترته، ثم رمق سريعاً بنود بسطاره الأسود المتآكل، وأزرار أكمامه، إلى أن بدد حيرته سؤال المرشح عبود مداعباً:
كيف ترى الدنيا ياسويلم؟.
كيف ترى أحوالنا ياسويلم؟.
ابتلع سويلم ريقه وتمتمت شفتاه وكأنه يبحث عن إجابة مناسبة، ثم قال:
كما تراها أنت ياسيدي.
كما أراها!!.
ألقى بجسده فوق سريره العسكري المركون بجانب الطاولة، أحدث صريراً ألفه منذ زمن، وضع رأسه بين يديه.
... آه ياسويلم، متى كانت الدنيا كما أراها أنا؟.
معك حق، كلنا هكذا حين نُسأل، لا نستطيع أن نقول رأياً.
أنا نفسي قلت ذلك، حين سألني العقيد منذ أيام.
قلتُ له: الدنيا كما تراها أنت ياسيدي،...هذه مصيبتنا.
امتدت يده إلى أزرار سترته، حلها جميعاً، لامس شعر صدره المبتل بالعرق، أحس بشيء من عنفوان الشباب، تذكر هدى وأيام الدراسة، ووجوه الأصدقاء، والصديقات، والجيران والجارات، ووجوه تلاميذه في مدرسة القرية، تناهى إليه صوت جرس المدرسة من أعماق الذاكرة...
آه لو بقيتُ معلماً، كنت أتمنى ذلك، لكن مصلحة البلد اقتضت أن نلتحق جميعاً نحن أبناء العمال والفلاحين بصفوف الجيش لنحمي مصالح الفقراء من أبناء شعبنا... لستُ نادماً على كل حال.
تابع النظر في أرجاء حجرته، قلب سقفها خشبة إثر أخرى، توقف مرات عديدة في زاوية من زوايا السقف حيث تناثرت الأتربة الناعمة على السرير المقابل له تماماً إثر حركة سريعة أحسها وراقبها باهتمام.
...ربما كان ثعباناً أو جرذاً... لا أدري،... على أية حال يقولون في هذه القرية، إن الحيّة إذا جاورت لا تؤذي، كل الفلاحين الذين تعيش الحيّات في سقوف بيوتهم الخشبية يقولون ذلك، ... لا أدري كيف وصلوا إلى هذه القناعة،... أنا أعرف أن الحية حيّة إذا جاورت أو لم تجاور.
ثم مر في ذاكرته الكثير من قصص الفلاحين التي تؤكد جميعها أن الحية إذا جاورت لا تؤذي.
... غريب مايجري في هذه القرية... هناك الكثير من المتناقضات، بعضهم لا زال يؤمن بالأساطير وحكايا الغول والجن والشياطين، وخروج القتلى بعد موتهم وصراخهم ومطالبتهم بالثأر... يتحدثون عن ذلك وكأنها حقائق واقعة ومؤكدة، بل يذهب الكثيرون منهم إلى الحديث عن وقائع وقعت لهم...
سمعوها... وشاهدوها حتى أنك لا تستطيع مناقشتهم في مثل هذه الأمور،.... وفي الوقت ذاته في القرية الكثير من النابهين الذين يعرفون كل شيء. ويلتقي الجميع على قيم وعادات أصيلة يندر أن تجدها عند الآخرين،... كرم، وشهامة، وصدق، وتمسك بالأرض،... كثير من الفلاحين أرى في تهدجات أصواتهم وملامحهم... أصوات أهل قريتي حتى وضاح الأعمى هنا يقابله صطوف الأعمى في قريتنا، ولكن شتان بين الاثنين، صطوف قريتنا يوظف ذكاءه في البحث عن الولائم والأعراس، ووضاح هنا له اهتمامات أخرى... يحدثك عن الثوار والسلاح وفلسطين والعرب، والطرقات والمعابر والمستقبل.
.... يبدو أن الظروف تصنع الإنسان كما تشاء... الإنسان ابن حقيقي لظروفه ومعاناته.
قبل أن آتي إلى هنا كنتُ أسمع الكثير عن أهل المنطقة، كنت أعرفها على الخارطة فقط، أتابع أخبارها في الراديو أو من خلال الزملاء الذين أمضوا خدمتهم العسكرية هنا، إلا أن الوضع تغير الآن، ليس من يسمع كمن يرى، هنا الناس نضجوا على نار الحرب، نضجوا على نار فلسطين، فلسطين في مرايا بيوتهم منذ زمن بعيد.
وفي كل يوم معركة، وفي كل يوم اشتباك، وفي كل لحظة محاولة لتسلل الأعداء،... حياتهم كلها حرب،... حرب مع العدو، وحرب مع المواسم، وحرب مع بقايا الإقطاع، وحرب مع الرغيف، وحرب مع الدكنجية وتجار الحبوب...
قطع شروده رنين متصل للهاتف اليدوي الذي يقع على امتداد يده تماماً...
ألو... نعم سيدي... هز رأسه مراراً... نعم، هذا ماسيكون،... أربعون رجلاً يوزعون على عشرة كمائن، نعم... أمرك سيدي، كما تريد.
تناول قائمة كانت موضوعة أمامه على المنضدة، مرَّ على الأسماء الموجودة فيها مروراً سريعاً.... وضعها جانباً ثم عاد لشروده من جديد...
الأوضاع الآن ليست على مايرام،... المسألة كما يبدو ليست مسألة اشتباكات عابرة، هناك محاولات يومية للتصعيد،... وما أخشاه، أن نكون وحدنا في المعركة، وخططهم دائماً الاستفراد بكل جبهة على حدة...
والإخوة العرب، كما يبدو لم ينتبهوا بعد رغم كل التجارب السابقة، والمصيبة أن بعضهم لا زال يعتقد أن تحرير فلسطين يمكن أن يتم خلال أربع وعشرين ساعة... معظمهم يجهل حتى الآن أو يتجاهل تركيبة المؤسسة العسكرية الصهيونية، وطبيعة تحالفاتها الدولية ولاسيما مع الإمبريالية الأمريكية،... والمحزن أيضاً أن بعض الحكام العرب أصدقاء للأمريكان حتى هذه اللحظة، كما كانوا أصدقاء للإنكليز من قبل،... ألم يدركوا بعد أن هؤلاء هم أسباب الكارثة!؟.
العدو يعتمد دائماً على الحرب الخاطفة، وعلى الاستفراد بنا جبهة أثر أخرى.
آه.... والله لا أدري ماذا أفعل... أرجو ألا تكون مخاوفي في محلها... المشكلة حتى الآن لا يوجد شيء على الأرض بالقدر الذي نطمح إليه، وميزان القوى كما أعتقد ليس في صالحنا ولاسيما بعد صفقات الميراج والسكاي هوك الأخيرة، وصواريخ الهوك الأمريكية التي غطت معظم مساحة فلسطين...
صحيح أن لنا مواقع حصينة ورجالاً يأكلون الصخر وقد أثبتت الاشتباكات الأخيرة أن كل طيار من طيارينا يعادل عشرة طيارين من رجال العدو...
الشهيد غازي الوزوازي ورفاقه قاتلوا طائرات العدو وأغرقوا زوارقه بأجسادهم في مياه البحيرة... وفي المعارك الأرضية أيضاً برزت الكثير من البطولات الخارقة، حتى على مستوى الفلاحين البسطاء رجال المقاومة الشعبية.
الكثيرون منهم يصلون في كل يوم إلى شاطئ البحيرة دون أن تهتز لهم خاصرة،...سالم... منذ أيام دخل مزارع الخواجات وأتلف شبكة الري ثم عاد سالماً، حتى أنه غدا مادة لغناء الفتيات في الأعراس... أغنية جميلة سمعتها منذ أيام:
مطلعها: ياسالم ياشايل الرشاش... أتمنى لو أستطعت حفظها...
أنا أثق أنه لا تنقصنا الشجاعة ولا الحماس... النساء في هذه القرية ألقين القبض على بعض المتسللين... الحاجة فطيم منذ أيام ألقت القبض على أحدهم... اقتادته إلى هنا، إلى مكتب المقاومة بعد أن أدمت رأسه، وقفت أمامي كفارسة من فارسات العرب، وهي تقص على مسمع الجميع ماحدث لها في ذلك اليوم.
... شعبنا مقدام يمكن أن يعطي كل شيء، ولاسيما في اللحظات الحاسمة لكن ذلك لا يكفي، الحماس وحده لا يكفي... يجب أن يستند إلى قوة وخبرات عملية، وفهم علمي لموازيين القوى، وتحليل منطقي لشبكة العلاقات الدولية، وقدرة كافية لاستخدام تقنيات العلم والتكنولوجيا، والأهم من كل ذلك: وجود حد أدنى من التضامن العربي، وحد أدنى من الاستعداد لأية مفاجئة، يجب أن يفهم العرب أن عنصر القوة الأساسي لعدونا هو (فرقتنا وتمزقنا) ومثل هذا متوفر الآن... وهذا مايخيفني.
خطر لي مراراً أن أقول أشياء كثيرة في اجتماعاتنا مع القيادة، أن أقول ذلك بصوت عالٍ، لكني خشيت أن لا يسمعني أحد أو يفسر كلامي على غير ما أريد... فصمت... آه... الصمت أحياناً يصل إلى مرتبة الخيانة... نعم مرتبة الخيانة، اهتزاز الثقة وعدم احترام الرأي الآخر سيكون سبباً في تدمير مستقبلنا...
أحس بشيء من التوتر، نهض من سريره، الذي بدأت حفرته بالارتفاع شيئاً فشيئاً كلما تداخل صرير متقطع خفيف لحلقاته الحديدية الصدئة...
راح يذرع الغرفة جيئة وذهاباً...، يفرك جبينه، يصفق بيديه... يبدو أني أحمل الأمور أكثر مما تحتمل،... على كل حال ما أعرفه أنا، يعرفه الآخرون، وأعتقد أن كل مايمكن قوله لن يكون جديداً عليهم، فهم يحدثونا كثيراً عن تجارب الشعوب الأخرى، وحرب الشعب وغير ذلك...
ما شأني بذلك؟.
أنا مسؤول عن المقاومة الشعبية فقط، ... أنا رديف للجيش ولن أقصر إذا وقعت الواقعة... الآن صار بين أيدينا بنادق جديدة،... البندقية الفرنسية ذات عشرِ الطلقات، ومسدسات السموبال الرشاشة ذات الأربعين طلقة، وبعض رشاشات الهوجكيس، ورشاشات خفيفة من أنواع مختلفة... هذا أفضل من الوضع السابق وإن كان ليس كافياً... ما أستطيع فعله هو مواصلة التدريب، ورفع الروح المعنوية لدى الفلاحين في القرية صحيح أنهم لا يقصرون لكن الأمر يحتاج إلى الكثير من العمل، حتى أولئك الذين يتأففون من أعمال الكمائن والدوريات فإنما يفعلون ذلك لتعبهم وشقائهم،... في النهار عمل متواصل في الحقول، وفي الليل سهر متواصل على الحدود،... كان الله معهم.
من واجبي أن أبحث عن كل السبل التي توصلني إلى قلوب الفلاحين وعقولهم... هناك شبان يتفهمون الوضع تماماً، ويمكن أن يساعدوني في ذلك.
أبو العبد وعوض المسعود، يتحدثان كسياسين محترفين بل كعسكريين محترفين أيضاً، يمكن أن أعتمد عليهم في الكثير من القضايا.
حتى إني بدأت أشك أنهما يتلقيان تدريبات عسكرية وسياسية بطريقة ما، ولاسيما بعد أن عرفتُ مؤخراً أن سيارة لاندروفر حكومية تأتي إلى بيوتهم في ساعة متأخرة من الليل لتأخذهما إلى حيث لا يدري أحد... وقد تعززت شكوكي أكثر حين علمت من بعض الأصدقاء في القيادة أن هناك محاولات تدعمها الحكومة لتشكيل فرق فدائية على طريقة حرب العصابات... وهذا يدفعني للاعتماد عليهما أكثر من أي وقت مضى.
ووضاح الأعمى هذا الرجل المدهش يجب أن أظل قريباً منه، فهو روح القرية وجرس إنذارها.... وفي تاريخنا الكثير من أمثاله الذين أبدعوا الكثير كطه حسين وأبو العلاء المعري.
ومحمود هذا الشاعر الشعبي اللطيف له من خفة الروح وصوابية الرأي ماجعله رجلاً محترماً بين الجميع، حتى لا تكاد سهرة من سهراتهم تخلو من أشعاره وحكاياته... هؤلاء جميعاً يمكن أن يساعدوني في تصريف الأمور.
أحس بشيء من الدّوار، فرك جبينه، ثم نفض فتائل سوداء صغيرة علقت بأطراف أصابعه، شد طرفي سترته، أحكم أزرتها جيداً، توجه نحو الباب، طارت عيناه في فضاء القرية وأزقتها.
.... سحب نفساً عميقاً ثم استدار ليلقي بجسده مرة أخرى فوق سريره العسكري... صر السرير صريراً متلاحقاً يتناغم مع حركاته المتكررة ليكون جسده في وضع أفضل...
تثائب، وضع يده على فمه، فابتلت بندى صدره، عاوده التثاؤب من جديد، قلب يده فوق شفتيه، اغرورقت عيناه بدموع التعب والنعاس. همهم للنوم... لولا أن أطل العسكري سويلم والعريف برهوم... اجتازا عتبة المكتب...
هانحن هنا سيدي...
مسَّ وجهيهما بنظرة جانبية منداة بدموع النعاس...
طيب ياشباب... صمت برهة، .... تثاءب...
بعد أيام يجب أن يجتمع عناصر المقاومة في حقل الرمي لاختبار البنادق الجديدة، ولإجراء التدريبات المعتادة التي تعرفونها وعلينا أن نجهز كل مايلزم لذلك... الأهداف،... الأعلام الحمراء، الفشك، والبطاقات الخاصة بشؤون التدريب...
والأمور الأخرى التي تعرفانها...
أمرك سيدي،... كل شيء سيكون جاهزاً في الوقت المحدد، وسنبدأ الآن.
تناهض متباطئاً، وأسلم خطواته لفضاء الزقاق الموصل إلى منزله.
جلس العريف برهوم خلف الطاولة، دفع صدره قليلاً نحو الأمام وراح يداعب سماعة الهاتف بعد أن تأكد تماماً أن المرشح عبود قد أوغل في تعرجات الزقاق.
بينما بدأ العسكري سويلم يدك وابور الكاز الأصفر المتسخ ليغلي كأساً من الشاي الغامقة كدم الرعاف التي اعتاد أن يقدمها للعريف برهوم ليرشفها مع سيجارة الجيشي بعد أن يبلها بلسانه ويمر بها بين شفتيه.
الجيشي إذا طاله الندى صار أطيب من دخان (ستار).
أفهمت ياسويلم؟.
دك الوابور.. دك.
يدكُ سويلم الوابور، فيرتفع هديره، وتتعالى تارة حتى تطال مقبض إبريق الشاي الأسود...
ودكي وابورك على يالله ويالله.
مثل وابورك ماخلق الله.".
اخرس ياولد، أنت في المكتب، ولست على البيدر، قال العريف برهوم... ثم انقلب على ظهره واضعاً أقدامه على أطراف الطاولة، حتى بانت جلدة بسطاره المنفرط، ثم أطلق صوته بالعتابه...
أوف... حبيبي...
حبيبي هات رشيشك تعبِّيه
من عظم ضلعي إن عزّ الفشك لعبِّيه
أوف... حبيبي...
وتداخلت قرقرة الشاي وهدير الوابور مع الغناء والعتابا إلى أن بدأ الصبية يطلون برؤوسهم، ثم يفرون وقد خلفوا وراءهم سيلاً من القهقهات.
عوض المسعود
حين أقبل باص الطيب الأخضر من بعيد تنفسنا الصعداء، وزالت مخاوفنا في التأخير عن الاجتماع الذي دعينا لحضوره في مركز المنطقة، أنا وأبو العبد وسالم، ومحمود الشاعر وآخرون...، ورغم ذلك فقد مرت الدقائق الأخيرة ثقيلة مضنية... الباص قادم من بعيد، لكنه لا يكاد يتحرك من مكانه، وكأنه قد التصق بإسفلت الطريق، أو غرق في سراب السهول الذي يبدو أمامنا الآن لامعاً كالمحيط.
قال أبو العبد:
باص الطيب هرم ياجماعة علينا أن نصبر قليلاً، ومادام قد اجتاز مرتفعات الحمة فسيصل حتماً،... هذا الباص ياجماعة كان يعمل فيما مضى على خط يافا-القدس، وهاهو يتابع العمل هنا... وماذا نفعل إذا كان هو الباص الوحيد الذي يأتي إلينا؟.
تبادلنا أحاديث كثيرة إلى أن ضاقت المسافة بيننا وبينه،... صار هديره يصل إلينا مقطّعاً حيناً، ومتصلاً أحياناً، إلى أن صرَّت عجلاته أمامنا صريراً ساخطاً خشناً، نهض على إثره الجميع... صعد بعضهم على سلمه الخلفي المرتجف، وارتفعت الأمتعة، والخراف الموثقة، وحزم الدجاج، والسلال، وحزم الفراش، وأطباق القش، وأتناك معدنية ملأى وفارغة، وصرر قماشية أُحكم ربطها، وشوالات منتفخة بالحبوب،...
ومع ارتفاع صوت المحرك، وارتجاف الباص المتسارع ارتفعت جلبة الناس ونداءات الصبية:
هاتوا لن خبزاً أبيض،... هاتوا عجوة وحلاوة...
أريد بنطالاً يا أبي، وصندل جلد، والله هذا الذي ألبس قد تخزق حتى بان لحمي... أنظر... أنظر.... وأريد حزام جلد أبو بزيمين، وكركاع نحاس للبقرة الصبحاء،... لا تنسَ يا أبي.. الكركاع يا أبي...
وقبل أن تدور العجلات دورتها الأولى... ارتفعت صيحات ونداءات وتلويحات لرجال وصلوا للتو وكادت أن تفوتهم فرصة الركوب...
استمر تدافع الناس، رجالاً ونساءً وصبية تزحمهم السلال والصرر بأحجام مختلفة، وكوفيات علق بعضها، وزلّ بعضها عن رؤوس أصحابها، فانكشفت الهامات الخشنة التي تلاقت على أطرافها خطوط الزمن، واستمر صراخ الصبية:
يا أبي.. يا أبي...
تقول لك أمي لا تنسَ أن تشتري لها ملفّعاً من الجورجيت الأسود من عند الدكنجي أبو نصوح...
يا أبي: تقول لك الخياطة الجمحاوية:
هات لها كراكر خيطان أسود وأبيض للماكينة.
وستخيط لك سروالك مجاناً كلما انفرط.
وتقول لك أمي: لا تنسَ أن تذهب لعند المجلخ لسن السكين وساطور الحطب، وإذا ظل معك مصاري اشتر لها الغرض الذي أوصتك عليه.
صرخ الطيب بعد أن رمى قدمه على دعسة البنزين:
خالص، يالله ياولد، يالله ياولد.. انصرف.
يالله ياميسر الأمور...
ركض بعض الصبية على الجانبين وواصلوا الصراخ...
ومن خلف الزجاج المهشم، والنوافذ العارية اهتزت رؤوس، ونهضت ابتسامات ولوّحت أيدٍ...
وكنتُ آخر الصاعدين.
والذي أغضبني وجعل الدنيا تقلب في عيني أن حمدان الكلب يجلس في المقعد الأول، ويضع رجلاً على رجل ويهز جزمته اللامعة حتى تكاد أن تلامس وجوه الصاعدين على عجل.
قلت له:
إلى أين ياحمدان؟.
قال: أنا ذاهب معكم للاجتماع... اليوم سنبحث توزيع الأراضي.
قلت: وماشأنك بذلك؟.
قال: اخرس ياولد وتأدب،’ منذ متى صرت رجلاً؟.
ومنذ متى صرت وصياً على الحكومة؟.
قلت له: أنا أسأل فقط.
قال غاضباً:
هل نسيت ثوب أمك المرقع؟.
وهل نسيت أنها لا زالت تزحف على ركبتيها لكي تؤمن لك سم الهاري؟.
ثم ارتفعت عقيرته بالسباب والشتائم...
لو كان معك أكثر من السرتفيكة، ماذا ستفعل يابن اللعين؟.
اذهب واكشف عن ظهر أبيك،... مازالت السياط على ظهره حتى الآن.
منذ متى ياعوض الزفت صرت تحكي باسم الحكومة؟.
لو كان لك طول الرجال لخربت الدنيا يابن الديوث؟.
ألم ترّ وجهك في المرآة يابن الهليك؟.
أنت والحمار ثمرة لخصية واحدة.
وهل نسيت مداس أبوك يابن ....؟
ها... المداس الذي لم يغيره منذ أيام آدم...
حاولت إسكاته بشتى السبل دون جدوى...
تابع السباب وتابع الشتائم:
والله عال ياجماعة، (حكم ولاد، وشيخة كراد) عوض الذي لم يشبع الرغيف في حياته صار زلمة!!.
على مين... على حمدان...!!.
صار عوض يحل ويربط....(رباط عجلي صار رَجلي).
تفه على ها الأيام...
قال كل ذلك على مسمع الجميع...، عندها طق عقلي يا إخوان رغم محاولتي ضبط أعصابي.
صرخت في وجهه:
لن تذهب معنا،... والله لن تذهب إلا إذا كنتُ ميتاً ياحمدان الكلب.
نهض من مقعده، رفع عصاه في وجهي، ...هجمت عليه ولكمته، قام العديد من الشبان، ولكموه أيضاً، وتصالبت فوق رأسه الكثير من الأيدي، والكثير من شراشيب عقل المرعز التي التفت على رأسه ووجنتيه.
صرخت بالطيب صاحب الباص، قلت له:
والله لن تتحرك قيد أنملة مادام هذا اللعين هنا.
واستمر العراك حتى ألقيناه خارجاً.
وحين دارت عجلات الباص كان الكلب ينهض عن الأرض وهو ينفض التراب عن عجيزته، ويأكل الباص بعينيه المنتفختين اللتين نبتتا في وجه كوجه شيطان.
سار الباص بطيئاً لاهثاً وبدأ يعوي وهو يحاول الصعود بعد أن تجاوزنا انحدار الجسر الذي ينتصف الطريق الإسفلتي الضيق المؤدي إلى مركز المنطقة.
في هذه الأثناء، كان حمدان يعدو على ظهر فرسه، وهو يحاول اللحاق بنا،... رأيته بأم عيني، وأنا أنظر من الزجاج الخلفي للباص.
قال سالم ضاحكاً:
أخشى أن تنجح فرس حمدان في سباقها مع باص الطيب ياعوض.
قلت: حتى لو حدث ذلك سأضربه مرة أخرى، ولن يدخل الاجتماع إلا على جثتي.
قلت ذلك متردداً: وقد بدأتُ الخروج من فورة الغضب... تذكرت ماقاله لي وضاح الأعمى ذات مرة.
قال: ياعوض انتبهوا، الشجرة عندما ترتفع في السماء تكون أكثر عرضة للرياح العاتية،... وجسر الخشب مهما كان قوياً فهو في كثير من الأحيان، يحمل سوسه في داخله...، حتى جسر الحديد، يظل معرضاً للصدأ إن لم يجد من يصونه ويحميه...
انداح في داخلي صوت وضاح... لذت بالصمت وفي داخلي ثارت أسئلة كثيرة:
أيكون لحمدان الكلب علاقة ببعض الشباب؟.
وهل هناك من يتعاطف معه حتى الآن؟.
تذكرت وليمته الأخيرة... يومها وَقَفْتُ أمام عمارته سيارات كثيرة، ذات أشكال وأحجام مختلفة....
أحسستُ أن رأسي يمتلئ بالصراخ، وضاعت عيناي في بطون الجبال، والأشجار، والأودية، والسهول التي تركض بطيئة على الجانبين.
هرج، وجلبة، وأصوات رجال ونساء وأطفال، ورؤوس تندفع من النوافذ للتأكد من ثبات الأشياء على ظهر الباص، ثم تعود سريعاً لهرجها ومرجها الذي ازداد مع دخولنا مركز المدينة.
ومالكم بطولة الحديث... فقد دخلنا قاعة الاجتماع، وتحدثنا عن أشياء ومواضيع كثيرة،... تعديل قانون الزراعي، وتحديد سقف الملكية، وتشكيل لجان توزيع الأراضي. وتحديث أدوات الرزاعة.
إذ لا يعقل أن تعتمد القرية كلها على جرارين فقط رغم اتساع السهول ووفرة المحاصيل... وحتى في قرى أخرى لا يوجد ولا جرار واحد،... تحدثنا كذلك عن محو الأمية، وتوزيع الأسلحة على عناصر المقاومة الشعبية، وتحدث بعضهم عن تجارب الشعوب الأخرى في الثورة الزراعية، وحرب العصابات وقضايا كثيرة تحدثنا عنها أيضاً... كانت عيناي، واحدة داخل الإجتماع، والأخرى على مدخل القاعة، وفي داخلي مرجل يغلي، ماذا لو دخل حمدان الكلب؟.
ماذا سأفعل؟... كيف سأتصرف...؟
وحين انتهى الاجتماع عدنا سيراً على الأقدام وقد طوّينا طول الطريق، وغيّبنا التعب بنقاشنا المتصل وأنفاسنا، وأصواتنا التي ظلت عالية حتى دخولنا ساحة القرية.
رصاص في فضاء الصخور
لأول مرة يشعر أبو سويد أن الهواء في صدره لا يكفي لإطلاق صافرته، وأن الأنفاس في حنجرته لا تكفي لإنهاض صوته الذي عرفه الجميع مدوّياً...
صوته الذي يستنفر عليه الجميع، والذي يعرفه الجميع، يبدو الآن وكأنه حبيس أضلاعه، أو كأنه أضاع دروبه السابقة.
فم الصافرة بين شفتيه يبدو جافاً يابساً وكأنه يمسك بها لأول مرة،... ومع ذلك فهو يحاول الآن إطلاقها، فالأوامر تقضي بذهاب الفلاحين إلى حقل الرمي صباحاً كما هي العادة في المرات السابقة.
كان الفلاحون قد خرجوا إلى مصاطبهم الحجرية أمام بوابات بيوتهم الهرمة حيث صارت الظلال تقبض على تباشير الندى الذي حملته ساعات المساء.
مصاطب حجرية صارت ملساء بمرور الزمن، ثياب الفلاحين، وأجسادهم آباءً وأجداداً وأحفاداً أكلت نتوءاتها، فأكسبتها شيئاً من الألفة والحنان، وصارت شاهداً على أجيالهم المتعاقبة، في حالات سمرهم واسترخائهم، وأحاديثهم، ومشاجراتهم، وشكواهم، وبوحهم.
...في هذه اللحظات تماماً، كانت الصافرة اللأولى على عتبة بيت المختار، وكان النداء الأول على زاوية الزقاق المؤدي إلى ساحة القرية، حيث يجلس وضاح الأعمى وثلة من الفلاحين.
حاول أبو سويد أن يسترجع قدرته على إطلاق صوته كما كان سابقاً... يا فلاحين، يا أهل البلد...، غداً صباحاً...
التواجد مع أسلحتكم في حقل الرمي.
وما إن استكمل النداء حتى عمرت حنجرته بالسعال:... الذي جاء جافاً جارحاً مؤلماً، ... ابتسم وضاح الأعمى وضرب عصاه في التراب :
مابك يا (أبو سويد)؟!
صوتك اليوم ذاوٍ كأنه يخرج من بئر عميق، وصافرتك بالكاد تطلق صراخها.
قال أبو سويد:
آخ ياوضاح .. ماذا أقول ؟
ذبلت الروح، وجفت الشفاه، فماذا أفعل؟
مريوم راحت ياوضاح، ولم يبق إلا عجاج الطريق، وحجارة المواقد، والأمل بالمواسم القادمة.
ومن يدري فهل تأتي المواسم؟
قال وضاح:
المواسم القادمة يا (أبو سويد) علمها عند الله، ومالنا سوى الصبر،... أخشى يا(أبو سويد) أن تفقد كل شيء، صوتك هذا ، وصفارتك هذه ، من يدري؟
قد يأتي وقت لايسمعها،... ليس صوتك فقط، أصواتنا جميعاً قد تضيع،... لاأدري لماذا تبدو الدنيا مثل كحل العين؟
الدنيا ياوضاح ، ياخوي مثل خرم الإبرة، ضاقت كثيراً حتى لم أشعر بطعمها...
قال ذلك وهو يحاول ابتلاع ريقه، حيث ارتفعت تفاحة عنقه وانخفضت سريعاً وهو يطلق صوته:
يافلاحين... ياأهل البلد...
صوته ، وصافرته وندى المساء، ولغط الفلاحين، وجلبتهم على مصاطبهم الحجرية. وأسراب من الطيور تدف فوق البيوت ثم تابع مسيرها نحو أشجار الكروم.
يغيب الصوت ثم يرتفع من جديد عبر تعرجات الأزقة، والدروب الضيقة التي حفظها جيداً، وارتسمت في داخله صوتاً متصلاً منذ زمن بعيد.
وأسئلة وأجوبة تتردد على حواف الطريق، وصبية يركضون خلفه، يرددون صدى صوته... يافلاحين... يا أهل البلد...
وما إن توقف نداؤه عند آخر بيت في القرية، حتى التوى في الطريق المتربة إلى بيادر القرية.
كان يعرف أن البيادر أقفرت، ... لكنّ النجوى والحنين تدفعانه عبر الطريق الذي اعتاده في الأيام الماضية.
وقف، أجال النظر في فضاء السهول، والدوائر الترابية التي كانت يوماً تحتضن أكداس القش وخيام الراحلين عبر دروب القرية وشعابها.
استدار نحو خيمة مريوم،... خيمتها التي أدمت ذاكرته وابتلعت صدى صوته، وعبير أنفاسه.
أحس أن صوته عاد كما كان، قوياً مدوياً...
كانت مريوم تطل من خيمتها عند سماع الصافرة... أما الآن فلا أحد... صورتها فقط، ظلالها، صدى ضحكاتها، وحجارة المواقد، وحنان الأرض التي كانت تحتضنها يوماً.
حاول أن يصرخ، يافلاحين....، مات الصوت في داخله ابتلع حرارة الدمع، وماء الأنف، ولاك لسانه في بحر من العلقم.
استدار نحو المكان، ثم طارت عيناه في فضاء الطريق، فبدت أمامه قوافل الراحلين.
ماذا لو ذهبت معهم؟.
ماذا لو تعلمت الكار وصرت واحداً منهم؟.
أسئلة كثيرة تنازعته الآن... أعادت إليه صحوه وتماسكه.
لا لن أخرج من القرية، الخروج من القرية موت.
ومن يقبل أن يموت؟.
ثم استدارت قدماه ليدخل القرية من جديد...
يافلاحين... يا أهل البلد...
وراح صدى الصافرة يندمج مع صدى الصوت ليُنهضا معاً همم الفلاحين، واستعداداتهم للقاء في صباح اليوم التالي.
صباحاً كانت الأعشاب اليابسة لا زالت تحتفظ بندى الليل والطرقات المتربة تعود إلى يباسها كلما ارتفعت الشمس قليلاً من خدرها المشرقي،... وحواف الصخور لا زالت تحنو على دوائر الندى الآخذة بالتبخر، أو الاختباء حتى حلول المساء، وقطعان الماشية تجر أطرافها على أنغام أجراسها وزجر رعاتها، ونباح كلابها، وأسراب الطيور تفر من شقوق الصخور، ومن بين الأشجار لتتجه إلى بقايا المحاصيل في أطراف القرية وسهولها.
في هذه الأثناء كانت الأعلام الحمراء تخفق على امتداد الطريق المحاذي تماماً لحقل الرمي، حيث يشكل الانهدام الصخري الحاد صدراً متيناً لاستقبال الرصاص، وأصوات تندّ من هنا وهناك لتحويل المارة إلى طرقات أخرى بعيداً عن الخطر المحتمل لرصاصات طائشة في فضاء الصخور.
وفي الطرقات الوعرة التي تمتد متعرجة بين حواكير الزيتون والصبار والعنب والتين، بدت جموع الفلاحين تتجه نحو المكان، وبدت فوهات البنادق لامعة تحت شعاع الشمس الذي بدأ يمتد حيّياً عبر خضرة الحواكير، وألوان الصخور الرمادية الداكنة.
بعضهم يضع البندقية على كتفه، وبعضهم يضعها على ظهره، وبعضهم يحملها بيده، ثم ينقلها لليد الأخرى، وأصوات متداخلة يصعب فرزها... قهقهات، وتعليقات، وأصوات أحذية تعارك حصى الطريق، وغلالة من الغبار الناعم تضيع فيها خيوط دخان السجائر التي لفظتها أفواه هرمة وشابة ويافعة، وكوفيات تشكل خطوطاً بيضاء متعرجة ومتداخلة، فتبدو من بعيد كنوارس تدخل في خضرة البساتين، وبحر الصخور، في البعيد بدأت نوافذ البيوت في طبرية تلتمع أحياناً، ثم تخبو أحياناً أخرى، وثمة خطوط بيضاء متعرجة تركتها طائرة الاستطلاع المعادية التي يعرفها الفلاحين (بأم كامل) والتي تحفظ الوجوه، والطرقات والصخور في صباحاتها وأمسياتها ولياليها المقمرة، وساعات نفيرها ونومها.
قال بعضهم: أم كامل تستعد لتصويرنا يا إخوان.
وقال آخر: المشكلة ياجماعة أنه لا يوجد شيء يبيّض الوجه...
معظمنا قد لا يرى الأهداف، وطلقاتنا قد تضيع في شقوق الصخور.
قال عبد الرحيم:
آخ لو تقترب أم كامل قليلاً، والله سأفرغ في بطنها مشطاً كاملاً وليكن مايكون، ... قال ذلك وهو يصر عينيه ويلتهم الأفق الغربي فوق بحيرة طبرية، التي بدأت زوارقها تلعب فوق أمواج هادئة تحركها نسيمات الصباح الطري البليل.
ومن الطرقات البعيدة بدت مجموعات المسلحين القادمين من المزارع المجاورة كتلاً سوداء متحركة يعقبها غبارها، وتسبقها أصداء أصواتها فتلتقطها الصخور حتى تظن أنهم أوشكوا دخول المكان،... وحين تدقق النظر تعرف تماماً أنك مخدوع بالصدى، ولا زالت الطريق أمامهم.
في المكان المخصص للاجتماع، تبدو لك الصخور، وقد اكتسبت أشكالاً جديدة، حيث تطاول بعضها، وصار لبعضها ألوانٌ تختلف عن ألوانها، وما أن تقترب حتى ترى الكثير من الفلاحين وقد أراحوا أجسادهم فوق أطرافها، وكلما جاء قادم جديد تكتسب الصخور أشكالاً متبدلة إلى أن تأتي لحظة البدء...
بينما بدا المرشح عبود، والعريف برهوم، والعسكري سويلم، وأبو العبد وعوض المسعود، ومحمود الشاعر وغيرهم وهم يتفقدون الأهداف،... يغرسونها في الأرض، يثبتونها، يحرصون على ظهورها،... ينظرون إليها من بعيد، ثم يعدلون أوضاعها، ويركضون نحو المساند الترابية التي ستنام فوقها البنادق، وتختفي خلفها وجوه الرجال،... يعدونها، ويزيلون الحصى الكبيرة من أمام مسارات الرصاص المفترضة، ويحسبون المسافة بينها، .... ثم يجتمعون من جديد، يتبادلون الرأي، ويعدون أمشاط الفشك، ويستعرضون معاً قوائم الأسماء، ومفردات اللوائح الخاصة بالتدريب.
وخلف المساند وعلى بعد أمتار فقط تجمهر الصبية والرجال في حلقات متداخلة...، ومن بعيد بدا وضاح الأعمى يغذ السير مسرعاً يضرب بعصاه أطراف الصخور، وتند عنه همهمات متلاحقة إلى أن اقتعد صخرة وتحلق حوله العديد من الرجال والصبية.
لماذا جئت ياوضاح؟
أنت لا تحمل بندقية!؟.
قال وضاح: أنا لا أحمل بندقية، لكني أعشق صوت الرصاص، سأرى الآن أولئك الرجال الذين يتحدثون كثيراً عن السلاح، والحرب والكمائن، والاشتباكات... سأرى أين سيكون رصاصهم؟.
في شقوق الصخور، أم في الأهداف المحددة؟.
صرخ العريف برهوم:
يا إخوان، ياشباب، ياسامعين الصوت...
اجتماع... اجتماع... هيا تحلقوا هنا، وأشار بيده إلى المكان... اجتماع يا إخوان...
وأردف العسكري سويلم... يا إخوان، كل واحد يبلع لسانه ويتحرك فوراً، ثم اتبع ذلك بصافرة طويلة تقطع صداها في بطون الصخور وأطرافها.
تقافز بعض الرجال عن حواف الصخور، بعضهم قفز سريعاً، وبعضهم وقف على مهل، ثم استدار ليتناول البندقية التي أراحها في الظلال.
.... وبعضهم نفر من خلف الصخور العالية وهو لا يزال يربط حزام سرواله بعد أن بلل التراب، أو الشقوق التي لاذ خلفها، وآخرون وصلوا للتو فتسمروا في المكان، وعلى امتداد الطرقات بدا البعض يركضون نحو المكان، وقد كبسوا أيديهم فوق كوفياتهم وعقلهم التي طارت شراشيبها فوق أكتافهم.
وقف المرشح عبود فوق صخرة وسط الدائرة التي شكلتها أجساد الفلاحين وبنادقهم، حاول التناهض قليلاً كي يراه الجميع..
امتص شفتيه بانتظار العسكري سويلم الذي تحرك بين الصفوف، يشير أحياناً، ويهمس أحياناً أخرى، ويشد البعض من أكتافهم لتسوية الصفوف،..
تنحنح مرات متلاحقة، ثم بدأ مرحباً بالجميع، أحس أن صوته لم يصل للجميع، فكرر العبارة ذاتها، بعد أن أعطاها مزيداً من هواء صدره وصلابة حنجرته... ثم تابع القول:
البنادق بين أيديكم جديدة، فهي بالكاد خرجت من شحمها، ولدى كل منكم معلومات كافية حول استخدامها وآلية عملها،.. تدريبنا اليوم أمر هام جداً، إذا نجحنا الآن، سننجح غداً في ساحات القتال،... العدو على بُعد أمتار كما تلاحظون..
سرت همهمات وحركات لرؤوس وأرجل وأجساد، أحدثت جلبة خفيفة ما لبثت أن تلاشت حين تابع المرشح عبود حديثه..
.. النظام والانضباط ملح المقاومة.. صمت برهة..
ارتفعت طقة واضحة لقداحة بنزين قديمة، ثم تبعتها غلالة من دخان، .. مدّ المرشح عبود عنقه قليلاً، تحامل على رؤوس أصابعه،..
يا إخوان بلا دخان الآن، اصبروا قليلاً، ماذا جرى لكم؟
سيدي.. دخيلك، صار رأسي بوزن الذبابة، لم أعد أحتمل..
قال عبد الرحيم.
تابع المرشح عبود بعد أن تلاشت همهمات وقهقهات مخنوقة..
المطلوب معرفة الهدف قبل كل شيء، ثم التأكد من وضعية الجوار، وصلاحية المسند، ووضع البندقية، وعدم إطلاق النار إلا بإيعاز.. صمت برهة.. حين تطلق الصافرة يعني.. نار.. صمت مرة أخرى.. ثم كرر من جديد عندما تطلق الصافرة يعني.. نار..
أمسك الصافرة، ونفخ.. ومع صوت الصافرة. انطلقت رصاصة من الصفوف الخلفية.. طاخ..
ركض العريف برهوم والعسكري سويلم، وصرخ المرشح عبود:
يا أخي، يا أخي، نحن نشرح الآن،..
عفواً سيدي: أنت قلت، صوت الصافرة يعني نار،
ولك يا أخي انتبه لما نقول أرجوك، ثم ومن أين جئت بالرصاص، ألم نقل إن البنادق يجب أن تظل فارغة حتى نبدأ التنفيذ.
قال العريف برهوم وقد بدت عليه علامات السخط والانفعال:
العمى،.. شوها الأمة، ما حدا فهمان عحدا..
همس أحدهم: برهوم صاير زلمة.. تفو..
حاول برهوم تحديد مصدر الصوت فلم يستطع.. كظم غيظه وتسمر مكانه حين تابع المرشح عبود:
الآن سنجري تمريناً أولياً يعرف كل منكم دريئته ومسنده دون أن نطلق النار.. أكرر: دون أن نطلق النار،
.. إطلاق النار سيأتي في الخطوة اللاحقة.. هيا..
حسب الأسماء والأرقام.. ثم بدأ بالقراءة:
المسند رقم (1) إبراهيم الزين.
المسند رقم (2) عواد أبو عتابا.
المسند رقم (3) ذيب الخلف
المسند رقم (4) جبر الصحن.
هيا يا جبر.. تحرك.. خذ مكانك.. قلت رقم (4) فلماذا تذهب بعيداً.. قلت رقم (4) يا أخي..
المسند رقم (5) أحمد الشواهين.
عوض الشيني، أحمد القصقيص، ضيف الله العودة، سرحان السرحان، عبد الله القزق، محمود المصري، خليل العليوة، محمد النهار، عبد الرحمن العالم،.. علي أقون، محمد الفنطولي، مزعل الدرويش، رجا الرهبان، خزعل الفاعوري، هلال البشتاوي، مرشد المشتولي،..،..
ومع كل اسم جديد بدأ الرجال يقفون على خط واحد مستقيم وهم يمسكون أعناق بنادقهم بانتظار اللحظة الحاسمة.
وفي الخلف بدا وضاح الأعمى متحفزاً مستنفراً، وقد رد كوفيته حتى بانت أذناه تماماً، وارتفع حاجباه، وبدت عيناه وكأنهما تقبضان على الفضاء الذي سيحترق بعد قليل برصاص الفلاحين ونيرانهم، وأنفاسهم وبريق عيونهم.
جاء الإيعاز الأول:
وضعية الرامي منبطحاً.
هبط الرجال، تطاولت قاماتهم خلف مساندهم، وتوازت الرؤوس والبنادق، وتدلت بعض أطراف الكوفيات وشراشيب العقل حتى لامست الأرض، وانكشفت الكثير من الجباه.. بينما تفاوتت الأرجل في أوضاعها وأطوالها،.. بعضها ناف عن الجوار وبعضها لاذ خلف قامات الجوار، وبدت المداسات العتيقة وجزمات الكاوتشوك المهترئة، والشواريخ التي شدت إلى أقدامها بمطاط أسود قديم، ونعال مثقوبة باتت من خلالها بطون الأرجل الميتة،.. وتفاوتت الأرداف في ارتفاعها وانخفاضها، وبدا بعض الرجال وقد ضاقوا بكروشهم.. تارة يميلون نحو اليمين، وتارة يميلون نحو الشمال، وبعضهم صار مثل نشافة الحبر المعدنية، وهو يحاول عنوة تثبيت جسده خلف مسنده، وظهرت.
أطراف القنابيز المشكولة تحت أحزمة الجلد المهترئة.
بينما كان المرشح عبود والعريف برهوم، والعسكري سويلم يتفقدون أوضاع الرجال، في حركة دائبة مستمرة خلف الأرجل المقذوفة خارج أجسادها.
تتابعت الإيعازات.. واقفاً.. منبطحاً.. واقفاً.
ثم جاء الإيعاز الأخير:
.. نار..
تداخلت أصوات الرصاص، حتى أن الصخور لم تعد لديها الفرصة الكافية لابتلاع الصدى وترجيعه.. طاخ.. طاخ..
طخ طاخ طخطاخ..، وتوحد الصوت مع الصدى في دوّي متصل، اهتزت له أكتاف الرجال ورؤوسهم، وفوهات بنادقهم، وثار الغبار، وتحرك الكثير من الحصى ومالت سيقان القش اليابسة أمام المساند، وقد احترقت ذؤاباتها وترمّدت.
كان المرشح عبود ومجموعته يقفون على بُعد أمتار خلف الرجال حيث يجلس وضاح الأعمى متحفزاً يميل بأذنيه قليلاً نحو صدى الرصاص، ثم يعاود ضرب عصاه في التراب أو فوق الحجارة الصغيرة المتناثرة أمامه.
ويغلق الصبية آذانهم بسبابات أصابعهم، وهم يتضاحكون ويتقافزون، يقتربون حيناً، ويبتعدون أحياناً..
ركض صبي حافي القدمين، يكاد قميصه لا يستر صدره، رغم الأزرة التي بدت وكأنها تحاول الإمساك بأطراف القميص من خلال خيطان سود استطالت قليلاً وتقطع بعضها..
قال:
يا عمي برهوم، خليني أقوّس طلقة.. مشان الله.. نهره العريف برهوم.. اذهب يا ابن.. قال ذلك على استحياء وهو يكز على أسنانه.
عاود الصبي مرة أخرى: يا عمي برهوم، مشان الله، بس فشكة واحدة. قال برهوم متحفزاً: ألم أقل لك أغرب عن وجهي؟
أبوك قبل أن يموت لم يكن فيه خير.. أنت الآن،
.. ماذا ستكون؟
مدّ الصبي لسانه، ثم فر أمام برهوم الذي جرى خلفه وهو يحل زناره الكتاني الأخضر الباهت..
بدي ألعن أبوك، ابن الداشر..،
صرخ وضاح: اترك اليتيم يا برهوم، أصلاً لو كنت تفهم أنت والأكبر منك لعلمتم الصغار قبل الكبار، ولكن من أين يأتي لكم الفهم، وأنتم لا ترون أبعد من أنوفكم؟
قال ذلك وهو يدرك أن المرشح عبود مصغٍ إليه تماماً،
.. ثم أردف.. بعد قليل يا برهوم سنرى نتائج تدريبكم...، أقسم أن معظم الرصاص قد جاوز الحاجز الصخري وضاع في الفضاء.
سأل المرشح عبود: وكيف عرفت ذلك يا وضاح؟
يا بني.. يا سيادة المرشح: نحن أهل البلاد، وقد مر على رؤوسنا الكثير،.. الرصاص حين يصب في قعر الصخور له صدىً نعرفه جيداً، وحين يطير في الفضاء له أصداء أخرى نعرفها أيضاً، بل حين تصيب الرصاصة هدفها لها صدىً خاصٌّ حفظناه بالتجربة.. أقول لك، معظم الرصاص طار في الفضاء.. الله يجيب العواقب سليمة... يا رب سترك ورضاك.
طاخ.. طخطاخ.. طاخ.. حاول المرشح عبود أن يصيخ السمع أكثر، استنفر حواسه كلها، وهو يراقب رؤوس الرجال، وأكتافهم، وأردافهم، وحركة أقدامهم، وصدى رصاصهم.
.. رفع حمدان يده..
استعصاء، استعصاء.. خربت البندقية..
همس برهوم: لعنة الله عليك، والله أنت خربتها يا ابن الحمار، ثم صاح آخر بعد أن ثارت أمامه زوبعة من تراب كثيف..
دم سيدي.. دم.. يسيل من وجهي..
وقال ثالث: خلص الفشك يا جماعة..
وعلق آخر: لو كانت أم العيال خلفي الآن لزغردت لي ولكم..
طاخ.. طاخ.. طاخ.. ط.. اخ
ثم توقف الجميع، وفي الفضاء ظلت دائرة الصدى تركض نحو منتهاها نهضوا.. تراجعوا خلف مساندهم.. وهم ينفضون الغبار عن صدورهم، وأطراف قنابيزهم.. ويسوون كوفياتهم، وأحزمتهم..،
ركض سويلم وهو يحمل كتلة من القطن، وزجاجة الدواء.. نحو الحاج محمد..
خذ يا حاج.. خذ، هذه.. ضعها فوق جرحك.
ضعها فوق الجرح تماماً.. أصلحك الله يا حاج.. كان يجب أن ترفع البندقية قليلاً يا رجل...
قال الحاج محمد:
لا أريد دواءً، سأضع تراباً ناعماً،.. نعم التراب يا سويلم منه خلقنا وإليه سنعود، قال ذلك: وهو يهز بين راحتيه حفنة من تراب..، ترابنا يا سويلم أكثر طهارة من الدواء، ثم كبس يده على الجرح، ودفع خطاه خلف الرجال الراكضين نحو الأهداف وهم يحملون دفاترهم وأقلامهم، وتوقعاتهم وقبل أن يصل بادره خليل العليوة:
شو يا حاج، كأنك لم تقوس ولا مرة في حياتك!!
ما الذي جرى؟
لا والله يا خليل، قوست كثيراً..
يوم الجمعة الفائتة الله وكيلك قوّست فوق رأس العريس ابن الشيني مشطاً كاملاً، حتى أن الفرس جفلت، ورحنا نخسر الولد، أي والله.
وفي مرة سابقة قوست أكثر من مشط على الطيارات التي مرت فوق القرية.. ألا تذكر؟
وآخر مرة قوست فيها اللهم صلي على النبي.. على الولد الداشر ابن عيوش،.. يوم نط على سياج الكرم وهو يملأ صدره عنباً وتيناً، وأشياء أخرى.. ويومها، الله كتبه من السالمين،.. لكني أجزم أن لن يجوز على أنثى في حياته كلها.
لا والله يا خليل.. ليست تلك المرة الأخيرة.. فقد قوست كثيراً يوم انهالت عشائر القرية على بعضها، ألا تذكر ذلك اليوم؟
.. رفعت بندقيتي في الفضاء، وظللت أقوس حتى فرّ الرجال بين أشجار الحواكير.. الله يلعن الشيطان، ويلعن ساعته، والله لا أدري لماذا يتقاتل الناس، وهناك من يريد قتلنا جميعاً؟!
ثم تتابعت مجموعات الرماة.. الرشاشات الخفيفة، ورشاشات الهوجكيس، ومسدسات السموبال، وظلت طائرة الاستطلاع (أم كامل) ترسم خطوطاً دخانية متعرجة في فضاء المنطقة حتى أوغلت الشمس في صحن السماء.
صراخ في فضاء الليل
حين صاحت فاطمة المحمود والدة عوض:
هابين الريح وين راحوا.. كان عوض المسعود مكتوف اليدين، وقد ألقي على وجهه وامتلأ فمه بالتراب.
صراخ فاطمة في عتمة الليل لم يسمعه أحد، لولا تلك القدرة الهائلة التي ولدها الخوف في جوفها، ودفع صراخها ليجتاز النوافذ المغلقة في الحارة الجنوبية من القرية،.. دخل صوتها بيوت الجوار رغم نومهم العميق ورغم تعب أجسادهم الغارقة في ساعات نومها الأخيرة من تلك الليلة المظلمة.
صراخ فاطمة ظل يدق مسامع الليل كلما ارتفع أنين عوض، وصراخه المكتوم بالتراب.. حتى جاءت الطلقة الأولى من بندقية عزيز السعيد، الذي أطلقها وهولا يكاد يفتح عينيه...، أطلقها في فضاء الصراخ قبل أن يعرف الأمر.. وألحقها بطلقات كثيرة في فضاءات الجنوب،.. وصل دويها إلى كل البيوت في القرية وجاء الجواب سريعاً من كل البيوت، ومن كل الحارات،.. من فوق الأسطحة، ومن فوق أسيجة الكروم، ومن تحت البوابات الهرمة، ومن فتحات النوافذ التي لا زالت مرتجة على أنفاس الصغار..
.. من القرية كلها انطلق الرصاص نحو الجنوب حيث بيت عوض، وحيث دوّت الطلقة الأولى، وكلما ازداد الصحو في البيوت ازداد الرصاص ضائعاً في فضاء الجنوب.
وبين الدوي والصدى امتلأت الأزقة، وأسطحة المنازل وبوابات البيوت بالهمهمات، والهمس، والصراخ، والنداءات، وتداخلت الأصوات، والأجساد المرتجفة على هول المفاجأة.
ما هي القضية؟
ولماذا إطلاق الرصاص؟
ومع كل الأسئلة ظلت البنادق تطلق رصاصها.. إلى أن وصل عزيز السعيد، صاحب الطلقة الأولى إلى مكتب المقاومة:
.. صراخ فاطمة أيقظني،
صراخ فاطمة هزني، أشعل نخوتي فأطلقت النار قبل أن أرى أحداً، وحين وصلت رأيت عوض المسعود موثوقاً ووجهه في التراب، ولا زال حتى هذه اللحظة يا سيدي.
نعم يا سيدي.. فمه مملوء بالتراب، ويداه موثوقتان إلى ظهره.
.. هذا ما رأيت.
ومع كلماته الأخيرة، كان العريف برهوم، والعسكري سويلم، يركضان في الأزقة المعتمة وهما يصرخان بإخراس البنادق.
ومع آخر الطلقات كان المرشح عبود وأبو العبد، وسالم، ومحمود والمختار، وعبد الرحيم، وعدد كبير من الفلاحين قد بدأوا بالوصول إلى الحارة الجنوبية، حيث عوض موثوقٌ كما وصفه عزيز السعيد، وحيث شفاه فاطمة لا زالت تنفرج أحياناً وتلتصق أحياناً أخرى، وقد استحال صراخها فحيحاً مبحوحاً جافاً، وبدت عيناها وكأنما توقفت أهدابها عن الحركة.
تناهض عوض على أذرعة الرجال، وطارت عيناه المغبرتان المذهولتان في وجوههم،.. يغمضهما حيناً، ويفتحهما أحياناً. بينما تحاول شفتاه المكتنزتان التخلص من التراب الذي يلفظه لسانه بصعوبة بالغة.
أسئلة كثيرة انهمرت عليه في لحظة واحدة..
لم يتكلم.. لم يجب، كأنما لم يسمع شيئاً، أو كأنه في عالم آخر.
علق بعضهم:... الولد على حافة الموت.. الله يستر.
وقال آخر: لا يعقل أن يكون هذا عوض الذي نعرف!؟
مسكين صار كالديك الذي خرج للتو من عراك خاسر!!
وهمس بعضهم همساً ربما لم يتجاوز حناجرهم..
معلوم.. عوض صار أفندي،.. صار يحكي نحوي، كأنه بالع راديو الحكومة لنرى ماذا سيفعل الآن.؟
وبلع آخرون ألسنتهم خشية الوقوع فيما لا تحمد عقباه.
وقبضوا على أعصابهم بانتظار معرفة الأمر.
صرخ عبد الرحيم:
عوض..، يا عوض.. قل شيئاً يا رجل.
ما الذي جرى؟
ولو يا رجل، أنت عوض، هل نسيت حالك؟
حاول عرض أن يهز رأسه، وقد بدت على ملامحه محاولة باهتة لإطلاق ابتسامته.
تنهد عبد الرحيم... وتابع:
أقسم أن الذي فعل ذلك هم اليهود، لا أحد يفعلها سواهم
.. أولاد الفاطسة فعلوها،.. ولكن والله لو بقي من العمر يوم واحدٌ، لن يفلتوا من العقاب.. آخ من العرب.
آخ..
رد برهوم. بعد أن رمق المرشح عبود الذي بدا متوتراً وقد أقلقه الإنتظار..
وحد الله يا عبد الرحيم.. من أين يأتي اليهود، والكمائن في كل الطرقات والمعابر؟
هذا صحيح يا برهوم، لكن النوم يغدر أحياناً..
النوم سلطان يا برهوم..
وبمرور الوقت، وتشعب الأحاديث، واختلاط الأسئلة والتوقعات، وعودة البعض إلى دفء فراشهم، وحرارة أنفاس زوجاتهم،.. ومحاولات عوض المتكررة للتماسك مع كل شراب ساخن جديد يقدم إليه.. انطلق لسانه متباطئاً بكلمات الشكر والإمتنان،.. ومع كل كلمة جديدة كان المرشح عبود يحاول التقاط الخيط الذي طال انتظاره..، وأبو العبد متحفزاً مستنفراً، وهو يعاين المكان تارة، ويتفحص ملامح عوض، ويقرأ الوجوه تارة أخرى.
وبدا محمود الشاعر ساهماً شارداً متأملاً في سقف البيت الخشبي العتيق، والمختار يحاول عنوة مقاومة النعاس الذي لا زال عالقاً بدفء قنبازه..
قال عوض وقد انتظمت أنفاسه قليلاً، وراق الدمع في مآقيه:
مجموعة من الرجال، ليس لهم ملامح واضحة.. ثلاثة أو أربعة، ربما أكثر لا أعرف.. حاولت المقاومة فلم أستطع..،
ومع كل تفصيل جديد كان الصحو يثب في عينيه، وحركات يديه، ومخارج الحروف على شفتيه.
أسئلة كثيرة حاول الإجابة عليها، نافياً حيناً، ومتيقناً أحياناً.
هز أبو العبد رأسه، وأومأ للمرشح عبود.. بحركة سريعة، خرجا على إثرها عائدين إلى مكتب المقاومة.
قال أبو العبد وهو يحاول أن يظل على توازنه المعهود:
أنا أجزم أن أقارب حمدان الكلب هم الذين فعلوا ذلك.
المسألة ليست مسألة متسللين، ولا مسألة يهود.
أقارب حمدان هم الذين فعلوها.
منذ أن وقع الشجار في باص الطيب توقعت هذا..،
إن ما وقع ذلك اليوم كان خطأ جسيماً رغم أني تورطت كغيري من الفلاحين.. استخدام العنف لتصفية الحسابات السياسية أمر مرفوض..
كان علينا أن نفهم أن حمدان وأمثاله سيسقطون أمام التحولات القادمة..، حمدان بالذات سيسقط عندما توزع الأراضي على الفلاحين، ولم يكن مبرراً لنا أن نستخدم العنف.. أخطأ عوض، وأخطأنا جميعاً. وها نحن نحصد النتائج.. كان علينا أن نفهم أن هناك من الفلاحين من يتعاطف مع حمدان، رغم السياط التي ألهيت ظهورهم.. هم يفعلون ذلك بحكم رابطة الدم، ولأنهم لم يدركوا بعد مصالحهم الحقيقية.. كان علينا أن نتصدى لهذه المسألة، وأن نفهم طبيعة المرحلة التي نعيش.. قال ذلك وقد ارتفع صوته، وبدا وكأنه يخرج عن طوره للمرة الأولى.
.. من أراد تغيير الناس عليه أن يفهم الناس أولاً عليه أن يفهم طبيعة التركيب الاجتماعي والاقتصادي وإلا فلن ينجح.
الرصاص الذي أطلق في الفضاء.. لمصلحة من؟
ما حدث لعوض.. لمصلحة من أيضاً؟
آلاف الطلقات ضاعت في فضاء الجنوب، وهناك على بُعد آمتار فقط من يريد التهام الأرض،.. ومن يريد ذبحنا جميعاً.. كيف يمكن أن نفهم هذا الإطلاق العشوائي للرصاص؟!
نخوة الرجال؟!.. حماسهم، إندفاعهم!؟
جهلهم!!، كل ذلك لا يمكن أن يكون مقنعاً.
صمت برهة..
ما حدث في باص الطيب كان خطأ، رغم نبل المقاصد، علينا أن نعترف..، وعلينا أن نفهم أن تعميق وعي الناس هو وحده الكفيل بإسقاط حمدان وأمثاله..
ابتلع لسانه، وأطبق شفتيه على نار ثورته، وراح ينتظر ما سيقوله المرشح عبود الذي ظل يقلب الأمر تاركاً الباب مفتوحاً لكل التوقعات والاحتمالات.
وثائق التراب
الولد الداشر ابن عيوش. ذاك اليافع الأمرد الذي يرتفع على ساقين نحيلتين وقدمين لهما لون التراب، يبدو الآن وقد صار له شأن آخر..
فها هو يحوم حول جموع الفلاحين التي انتشرت على أطراف السهول، يقترب منهم متوجساً، ثم يبتعد، ولا يلبث أن يستقر إلى جانب أمه التي وقفت مع نساء أخريات في انتظار اللحظة القادمة.
ينظر في الوجوه، يتملاّها جيداً، تلوب عيناه في آفاق السهول، وقد بدا مستنفراً كأرنب مذعور.. يشد زناره الكتاني المتآكل،.. يحاول ستر صدره بأطراف القميص الباهت المهترئ وتطير عيناه على أطراف السهول التي تبدو ملتحمة بالسماء..
.. في الأيام السالفة كان عرضة لتأنيب الجميع وعباراتهم الجارحة...
يا داشر يا ابن الداشر.. أنت الذي أكلت عنب الكروم وسرقت تينها، أنت الذي يقفز ليلاً فوق أسيجة الحواكير ليعبث بمحاصيلها، وأنت الشبح الذي يمر بنوافذ الناس ليلاً.. وأنت من يفك أوتاد الخيول والثيران لتغادر زرائبها إلى السهول المزروعة.. حمدان بيك قال له مرة: ستموت يا ابن الداشر إن اقتربت من الحقول شبراً واحداً..
أما في هذه اللحظة.. تبدو الأمور على غير عادتها.. حتى حمدان بيك الذي ملك القرية بأرضها وناسها وحيواناتها، وامتص عرقَ فلاحيها ودماءهم يقف الآن بعيداً عن جموع الفلاحين، ذابلاً باهتاً، ولا يكاد يحاول رفع ناظريه، حتى وجهه المنتفخ بالحمرة يبدو الآن مثل حذاء محروق، وجسده الضخم الذي عهدناه متكوّراً فوق ساقين تزينهما جزمة جلدية لامعة لها أقواس حديدية في مقدمتها ومؤخرتها.. يبدو الآن رخواً كجسد وعل مهزوم.
والأمر الذي أدهش الولد ابن عيوش أن بعض الفلاحين ربت على كتفه وطيّر بعضهم ابتساماتهم في وجهه الذي أحرقته الشموس..
أحس بشيء من الألفة لم يعرفه من قبل... أنفاس الناس.. ابتساماتهم.. لغطهم.. وتوجسهم. أفراحهم التي بدأت تملأ مساحات الوجوة، ومآقي العيون التي تلتهم الطريق المؤدي إلى القرية الذي بدا ملتوياً بين الهضاب، لامعاً تحت ندى الصباح..
تناهض بعضهم... ومال البعض يميناً أو شمالاً.. ووقف بعضهم فوق نتوءات الأرض المرتفعة، وارتفعت الراحات الخشنة لتظلل العيون.. وهي ترقب اللحظة القادمة..
وحين برزت مجموعة من سيارات الأندروفر الحكومية وهي تنحدر سريعة نحو القرية دب الهرج والمرج، وارتفعت أصوات، وخفقت قلوب، وجفت شفاه، ودمعت عيون، وارتفع الدعاء.. وساد بعض التوجس والخوف.
بعضهم بدا واثقاً مما سيحدث الآن، وبعضهم لا زال يعتقد أن الأمر لن يتم.. وهم في كل حالاتهم يقبضون على أعصابهم المستنفرة كلما اقترب هدير السيارات والتمع زجاجها تحت أشعة الشمس التي صارت على ارتفاع العيون.
هبط الرجال، وهبطت معهم لفائف الحبال وبكرات القياس وسجلات وأوراق، ومكبرات الصوت اليدوية، وعلب الدهان الملونة.. وعلى رؤوسهم ارتفعت طواقي كتانية لها أشكال مختلفة، وكوفيات حمراء وبيضاء مخططة، وعلى أنوف البعض التمعت نظارات عاتمة، وفاتحة، ومستديرة، وبيضوية، وخلف آذان البعض امتدت أقلام ذات أطوال وألوان مختلفة.. ومن خلفهم سارت جموع الفلاحين لتنتشر في كل السهول المحيطة بالقرية.
وبعض النسوة بدأن ربما لأول مرة يتوسطن جميع الرجال.. يتأخرن قليلاً ثم يتقدمن بخطئ ثابتة رغم نظرات بعض الرجال المسروقة من تحت أطراف الكوفيات المتدلية.. لأول مرة لا يجرؤ أحد من الرجال على أن يتساءل عن سبب وجودهن بين الجموع.. والكل يعرف أن وثائق التراب ستقلب حياة الناس وبعد وقت قصير جداً.. بعض كبار السن يحاولون الوثوب خلف المجموعات المتحركة عبر محاور السهول الفسيحة، وبعض الصبية تلونت أقدامهم العارية بحمرة التراب وهم يتقافزون متفحصين الوجوه والطواقي والنظارات وآلات القياس ومكبرات الصوت اليدوية والأوراق التي بدأت أطرافها تغازل نسائم الحقول.
وما أن ارتفع الضحى، حتى كان الكثير من الأسماء تلهج بها حناجر الجميع.. أسماء لأول مرة تدخل فضاء السهول على هذا النحو الذي تدخله الآن..
الآن صار للأسماء طعم آخر، صار لها تراب وسهل وحجر وحدود مرسومة وأوراق تحملها لتنقلها إلى عوالم أخرى...
الكثير من الأسماء صار لها صدىً جديدٌ.
الأرملة هليل راحت تدفن وجهها في التراب، ثم ترفع عقيرتها بالدعاء.. وتبكي.. ترفع التراب بين يديها.. الآن صار لي تراب، الآن تخلصت من العمل في حواكير الناس، الآن صار لأولادي مساحة من الأرض، يركضون فيها دون أن ينهرهم أحد...، الآن أنا هليل بدمي ولحمي... ها أنا أقف بينكم.. أين حمدان الكلب؟
كنت أعمل ليلاً ونهاراً بليرة أو نصف ليرة، الآن صار لي تراب، ثم تذرو التراب بين يديها، وتعود لتدفن وجهها من جديد في حمرة السهول.. الله ينصر الحكومة.
رجا الخليل صار يرقص، ثارت حوله زوبعة من غبار، أمسك الكوفية والعقال هزهما، ثم رماهما في حضن السماء، وضحك.. ضحك حتى البكاء، ثم انبطح على التراب وراح يتمرغ وهو يصرح.. أنا رجا الخليل سيكون لي محراث وفدان وبيدر واسم في دفاتر الحكومة، أين حمدان الكلب؟
ثم راح يركض وهو يضع الحجارة الكبيرة والصغيرة على حدود التراب الذي صار ملكاً له الآن، وينادي الرجال والنساء ليكونوا شهوداً على فرحته وبكائه ووثيقة التراب التي تسلمها الآن.
محمود الشاعر الشعبي الذي عرفته القرية صوتاً نقياً مؤثراً.. بدا متجهماً وقد غرقت عيناه بالدموع، وهو يمسك القلم ليضع توقيعه على وثيقة التراب التي ارتجفت بين يديه.. حرك القلم وعيناه تطيران في أفق السهول، ثم خنق بكاءه وهو يحاول الجلوس على التراب.
الحاج عواد صانع المحاريث، كان كلما سمع إسماً جديداً يضع في جيبه حصاة.. حتى إذا مر الوقت انتحى جانباً ليعدها.. يعدها ويضحك..، وهو يمرط ذقنه النابتة،،.. آه.. المحاريث ستكون كثيرة، والرزق سيكون وافراً..
يا رب سترك..
كل هذا والولد ابن عيوش يحوم حول أمه ينظر في وجهها، ووجوه الرجال من حولها.. يبتعد قليلاً ثم يقترب.. يعاود النظر من جديد... يستجمع حواسه كلها.. ماذا سيقولون له الآن.. سيقفز.. سيقفز سريعاً كما في المرات السابقة..
الآن اقترب كثيراً، شاهده الجميع.. لم يسمع كلمة، لم يقل له أحد.. يا داشر يا ابن.. حين غمست أمه عيوش بطن باهمها في علبة الحبر الأزرق ووضعتها على الورق وقف على رؤوس أصابعه مدّ رأسه من تحت إبط الرجل الذي يحمل السجل.. راقب باهتمام تلك المساحة الزرقاء التي خلفها باهم والدته نظر في وجهها.. أمسك باهمها.. وضعه أمام عينيه سحبت يدها سريعاً.. مرت بها فق شعره المتناثر وهي تداري دموعها.. أمسك باهمها من جديد.. وضغط باهمه فوق المساحة الزرقاء.. وحين انتقل إلى باهمه شيء من لون الحبر.. استيقظ في داخله ذاك الطفل الذي نسيه منذ زمن.. دواس.. دواس المحمود الذي كان شاهداً على موت أبيه تحت سياط حمدان بيك ورجاله.
أحس برغبة شديدة لثدي أمه تمنى أن يرضع الآن وينام على صدرها الذي صار مثل صدر الحقول.
زغاريد وحداء ودموع امتلأت بها السهول:
"تايه الشور يللي تحاربنا
حنّا قبلك بنينا الحرايب"
وامتد الصدى إلى البيوت التي بدأت تحتضن سكانها العائدين، وقد تطاولت أحلامهم، ورقت أصواتهم وهم يحملون أفراحهم وأمنياتهم للمواسم القادمة..
وفي الأيام التالية شهدت السهول حلبات كثيرة لتدريب العجول الشابة وهي تجر المحاريث الوهمية استعداداً لدخولها معترك التراب حين تجود السماء بخيرها.
عبود.. حبيبي
أحمد الله على سلامتك أولاً،... وأرجو أن تظل دائماً بخير..
يا الهي كم كنت خائفة، حين سمعت أنباء الاشتباك..
لا أدري ما الذي حدث لي،.. انتابتني مشاعر كبيرة..
كدت أصرخ.. أن أقول للتلاميذ.. عبود هو الذي يقاتل الآن على الجبهة.
تابعت أنباء الاشتباك لحظة بلحظة.. أنا وكل أهل القرية، كما في كل الاشتباكات السابقة،.. تجمع الناس هنا في البيوت التي يمتلك أصحابها أجهزة الراديو، وتوحدت مشاعر الجميع، وارتفعت الحناجر بالدعاء لكم. وأقسم لك يا عبود أني لم أنم لحظة واحدة، بل راودتني نفسي في أحيان كثيرة أن أذهب إليك، أن أدخل قلب النار، لأعيش معك تلك اللحظات، فإما أن نموت معاً أو نحيّا معاً.. هكذا كانت مشاعري يا عبود، ومشاعر أهل القرية جميعاً.
آه، لو كنت ترى عيني عمي في تلك اللحظات..
... كان يحدق في وجهي، فأقرأ في عينيه مشاعر لا أستطيع وصفها.
قال لي: سيكون عرسكم من أجمل الأعراس في القرية.
أكتبي لعبود أن يأتي.
قلت له: عبود يدعوني لزيارته هناك..
فرح كثيراً، ووعدني أن يرتب سفري حين تعطل المدرسة.. فقد آتي إليك في حزيران ثم نعود معاً إلى هنا..
لقد طال انتظاري يا عبود..
الجميع هنا بخير، وهم يسألون عنك دائماً..، الزملاء في المدرسة يتابعون أخبارك باستمرار..
سلامي لفاطمة، والعم أبو الزين وزجته.
أرجو أن تخبرهم أني مصممة على زيارتهم إن شاء الله..، لقد أحببتهم جميعاً لأنهم أحبوك..
حبيبي:
نسيت أن أقول لك شيئاً، وأرجو المعذرة: منذ أيام ذهبت إلى بيت أهلك، ودخلت غرفتك وفتحت خزانتك..، فعلت ذلك بدافع الشوق إليك، لاشتم رائحة ملابسك...،
وقع في يدي البوم صور، ورزم الرسائل التي تبادلناها معاً.
لقد عشت معك لحظات من الشوق والحنين.. بكيت يا عبود، بكيت كثيراً وأنا أقرأ رسائل تلك الأيام.. هزني الشوق إليك،.. يا إلهي كم نحن سعداء..!؟
شاهدت الكثير من صور الرفاق الذين عاشوا معك أيام الدراسة، والكثير من النشرات وقصاصات الصحف التي تحمل أخبار الفلاحين ومظاهراتهم.
وقد سرني كثيراً أنك أفردت مكاناً خاصاً لصورتي فأحببتك أكثر.. عبود.. فاتني في المرات السابقة أن أكتب إليك عن توزيع الأراضي في القرية...، لقد غمرت الفرحة بيوت الجميع، ورقص الفلاحون في الطرقات والساحات، وهتفوا، وتعاهدوا على المضي معاً.. ومنهم من أطلق النار في الهواء...
هل تتصور يا عبود أن البهلول صبوح. رقص في ساحة القرية رقصاً جنونياً ثم تمرغ بالتراب أمام الجميع، وهو يصرخ بالشتائم للشوباصي أبو كاظم...؟!
بالمناسبة هذا الكلب.. غادر القرية في نفس اللحظة التي وصلت بها لجان توزيع الأراضي.
على أية حال عندما تأتي ستعرف الكثير من التفاصيل وستكون مسروراً حتماً..
أليست هذه أحلامنا
واسلم للمشتاقة هدى
وإلى اللقاء في حزيران القادم إن شاء الله.
محمود الشاعر
في ذلك اليوم الذي امتدت به أفراح الناس إلى عمق الليل، حتى تحولت البيوت، والساحات إلى حالة من الحلم في عمق المواسم القادمة.
رأيت وضاح الأعمى وهو يجلس على مصطبته الحجرية أمام بيته، ويلقي بظهره إلى جدار حجرته التي شهدت موت أحلامه يوم زواجه من ابنة عمه الوطفاء وقد لفه صمت عميق، وبدت أهدابه كأنما تحتضن الفضاء بكل ما فيه.
قلت: ما بك يا وضاح.. القرية كلها في حالة من الفرح، وأحلام الفلاحين قد تحققت، ووثائق التراب صارت طي صدورهم، والمواسم القادمة ستكون شاهداً على فرحنا ووهج أحلامنا وأعراس أبنائنا المؤجلة.
قال وضاح:
الفرح والحلم شيئان جميلان،.. المهم أن نعرف كيف نحافظ عليهما، علمتني التجربة يا محمود أن أحلامنا تطفو سريعاً ثم تخبو كزبد السيول التي تجتاح الأودية والصخور ثم ما تلبث أن تستكين بانتظار الأمطار القادمة.
أنا وضاح الذي أجلس أمامك الآن، طار فرحي وانتهى في الليلة ذاتها التي اعتقدت فيها أن حلمي قد تحقق.. طار فرحي ولم أستطع الحفاظ عليه، عاد حلماً أركض إليه من جديد.
وفي أيامنا الغابرة، كانت لنا أفراح كثيرة، ثم ما لبثت أن طردتها الأحزان،.. أحلام كثيرة بنيناها بدمائنا وعرق أبنائنا سرقت أمامنا ولم نستطيع الحفاظ عليها.
ألا تذكر يا محمود أيام الوحدة؟
فرحنا كثيراً وتطاولت أحلامنا حتى السماء، صارت سدوداً، وقطارات، وجيوشاً تجتاح فلسطين، ثم ما لبثت أن انهارات يوم الإنفصال.
.. يوم بكينا جميعاً،.. ذهبت الوحدة، طارت يا محمود، ولم يبق في ذاكرتنا إلا دماء المصاروة الذين قاتلوا معنا بالسلاح الأبيض في معركة التوافيق وغيرها...، وأعلام الوحدة التي طويناها في صدورنا كي لا تضيع ألوانها.
وقبل ذلك فرحنا كثيراً حين أصبحت قناة السويس ملكاً لنا، وجرت مياهها في عروقنا سهولاً خضراء وخبزاً أسمر، فما الذي حدث بعد ذلك؟
هجم اليهود والفرنساوي والانكليز، وجرى ما جرى، سالت الدماء، ودمرت بيوت، وصار فرحنا ممزوجاً باحزاننا... وكان لنصرنا ثمنٌ غالٍ دفعناه من قوت يومنا وأجساد أبنائنا.
وحرب الإنقاذ يا محمود.. ألا تذكر تلك الأيام؟
كدنا نطير فرحاً، امتدت أحلامنا إلى عمق فلسطين، وظلت الأعلام والبنادق ترقص على حدائنا.. وماذا كانت النتيجة؟
وفي الماضي البعيد، أنت تعرف، كما أعرف أنا تماماً، كيف كانت أحلامنا يوم انطلقت الثورة العربية الكبرى، ورحل الأتراك عن بلادنا.. ولا زالت الرايات تخفق في ذاكرتي حتى هذه اللحظة.. وماذا كانت النتيجة؟
حتى فرحنا بالمحاصيل كان ينتهي على أوراق دفاتر الدكنجية، أو حين تأتي شاحنات العطار، والسبيني، لتنقل محاصيلنا وعرقنا إلى بطون الآخرين وجيوبهم، ورخام قصورهم العامرة.
أفراحنا يا محمود لا يمكن أن تستمر إلا إذا استطعنا حمايتها، لأنهم لا يريدونا أن نفرح، أو نحلم.. وما دام اليهود وشركاؤهم على بُعد أمتار منا، ستظل أحلامنا وأفراحنا مؤجلة، ستظل مسيجة بالخوف من الأيام القادمة، بل من الساعات القادمة..
وحتى حين نضحك، لا ندري هل سيكتمل ضحكنا؟
قال ذلك، ثم سوى جلسته واضعاً مقبض عصاه بين يديه، وصمت قليلاً عبر غلالة الدموع في مآقيه:
لا أدري يا محمود، أهي هواجس تنمو في داخلي؟
أم أن ما رأيته حلمٌ؟
يوم أمس استيقظت مواجعي ورأيت فيما يرى النائم، أو فيما يرى الساهر وجعاً.. الخير والصلاة على النبي:
أن سهولنا قد امتلأت بالمحاصيل، وأن السنابل قد تطاولت حتى وصلت رقاب الخيل، وقبل أن يهم الناس بالحصاد، اشتعلت النيران فأكلت كل شيء، واستحالت السهول إلى رقعة سوداء، تطاير رمادها حتى غطى بيوت القرية كلها، وارتفع صراخ الناس حتى ضاع وسط النيران وهي تلتهم سيقان القش.
ورأيت الوطفاء، وهي ترتفع في السماء بثوبها الأبيض الزاهي، ترتفع قليلاً، ثم تهبط، وكلما اقتربت منها ألسنة اللهب ارتفعت أكثر، وظلت هكذا إلى أن غابت عن ناظري... وأحمد الله أن ألسنة اللهب لم تطلها، وظل ثوبها زاهياً مرفرفاً إلى أن غابت بعيداً، لم أعد أراها يا محمود..، صارت لوحة في خيالي، فازداد تعلقي بها من جديد، وكأني أعرفها الآن وكأني أراها لأول مرة في حياتي،.. تجدد حبي لها كما كان أيام شبابي وشبابها.
عادت حلماً جميلاً كما كانت، أركض خلفها، أشتم أنفاسها، أحاول النهوض ثم أسقط، فأحاول مجدداً.. وها أنا الآن أحلق معها.
تهدج صوته وامتزج بنار أحزانه، ونفرت عروق وجنتيه وطارت عيناه في فضاء القرية.. ثم لفه الصمت من جديد.
انتقل إلى حزنه ودموعه، وأحلامه... تحسست وثيقة التراب في صدري ومضيت مسرعاً.. تذكرت أن مهمتي اليوم ستكون في الكمين (10) وعلي أن أكون جاهزاً في الوقت المحدد.
الكمين (10)
صارت بيوت القرية خلفنا وقد لفها غبش المساء برائحة الصيف، وكلما ابتعدنا قليلاً تتداخل أشكال البيوت في الظلال الداكنة للصخور والأشجار، فتبدو كتلة واحدة وقد تراقصت من جوانبها المطلة على طبرية ذبالات الأضواء الباهتة وهي تلوح لنا كنجوم ولدت للتو على صدر الليل، أو كأنها صدىً للنجوم التي بدأت تطل حيية من صحن السماء.
وأمامنا بدت الطرقات والمعابر ظلالاً سوداء ملتوية تختزن أطراف العتمة التي تشكلت الآن تحت أقدامنا، وظلال الأعشاب البرية اليابسة الموشاة بكوفيات الرجال وحرارة أنفاسهم والتماع بنادقهم التي بدأت تختزن ندى البحيرة.
وكلما انحدرنا قليلاً تبدو أمامنا جبال فلسطين وقد انفلقت قممها إلى نصفين فلامست أطراف السماء على صدر الأفق، وارتمت في قاع البحيرة ظلالاً متكسرة تنوس على جنباتها حزم الضياء المنبعثة من المدن والقرى والمستوطنات المتشبثة بأطرافها، وبين الفينة والأخرى تمر في قعر البحيرة أضواء راكضة لسيارات تخترق السفوح فتطير معها قلوبنا إلى حيث المدن والقرى التي لا زالت تحتفظ أجسادنا وصدى أصواتنا.
وبدأت الحيوانات البرية تفر أمام جلبة الرجال وحفيف أرديتهم، وتطلق أصواتها في بحر السكون الذي بدأ يلتف بالسواد، ومن أطراف الصخور البعيدة تستجيب حيوانات أخرى فتلتقي الأصوات وتتداخل أصداؤها على وقع أقدامنا.
ها قد اقتربنا من المكان، الزحف على البطون هو المطلوب الآن،..
قال عبد الرحيم:
لا زال الطريق أمامنا يا محمود فلماذا نبدأ الزحف الآن؟
العدو على بُعد أمتار، ولا مجال للمناقشة، هيا..
ارتكزت البنادق فوق سواعد الرجال، وفتحت أجسادهم خطوطاً وطرقات جديدة بين الأعشاب البرية اليابسة وفوق حصى المعابر المعتمة..
تارة ترتفع الرؤوس، وتهبط تارة، فتبدو كوفيات الرجال كسرب من طيور تلج أوكارها.
صار الكهف على مرمى العيون، وبدت فوهته رقعة معتمة في جسد ليل معتم. دخل محمود وتبعه الآخرون، وتوحدت الأنفاس والأجساد والبنادق والعيون، واستدار الرجال في أمكنتهم بحثاً عن فراغ أجسادهم وبنادقهم وحمالات ذخائرهم، وصارت العيون حزماً من ضوء يجتاز بوابة الكهف إلى حيث فضاء الليل المحمل بوهج المدن والقرى والمستوطنات والتماع المياه، والأضواء التي بدأت بالظهور على أطراف البحيرة التي بدت وكأنها تحتضن فوق شطآنها فلسطين كلها وعيون الرجال، وقلوبهم المتعبة.
استمرت حركة الرجال بالتباطؤ حتى استقرت أجسادهم في فراغاتها المناسبة.
همس محمود: أنا الآن سأتولى المهمة، ولينم الجميع استعداداً لمهماتهم القادمة، ثم تلوى جسده قليلاً حتى صار رأسه في فضاء الليل، سحب بندقيته قليلاً نحو الأمام، صارت على امتداد ناظريه تماماً، بدأ يسوي المكان، ويضرب برفق رؤوس الأعشاب البرية النابتة في حلق الكهف في محاولة لاتساع مدى النظر إلى حيث فلسطين، التي أصبحت الآن في عمق الأهداب العامرة بالحذر والترقب.
صارت أجساد الرجال صخوراً في قلب الكهف لولا أنفاس وهمهمات ابتلعتها عتمة الليل، وأحلام تعلقت على فوهات بنادقهم التي تلامس وجوههم الآن.
تعلقت عينا محمود فوق ضياء صفد ثم جالت الجبال شمالاً وجنوباً وفي عمق البلاد، واستقرتا أخيراً على ضفاف البحيرة حيث الأضواء الحمراء الخافتة تلتمع بين الأشجار ومن خلف التلال الصغيرة، وهدير الآليات كعادته يولد إهتزازات متلاحقة في عمق الصخور، وثمة ومض في أفق البلاد ينبعث خلف هدير الطائرات التي تعبر فضاء الليل.
آه.. تدريباتهم وحشودهم، وجلبتهم في أزياد، والأيام القادمة ستحمل المزيد،.. يبدو أنهم لن يكتفوا بما فعلوه حتى الآن، قصف يومي، واشتباكات يومية، حتى وصل بهم الأمر إلى قصف ملاجئ المدنيين، كما فعلوا في نيسان الماضي بملجأ المدنيين في قرية سكوفيا المجاورة،.. عْرق ربيع البلاد بحمرة الدماء، وامتدت المقابر لتأكل خضرة السهول في أطراف القرية.
كيف لنا أن ننسى وجوه الأطفال التي استحالت رماداً أسود؟
وكيف لنا أن ننسى أجسادهم التي التصقت بالجدران؟
وكيف يغيب عن ضمائرنا الكثير من الرجال والنساء الذين خرجوا من قلب الدخان وهم يركضون بلا رؤوس، وبلا أكتاف، وبلا سواعد؟!
بعضهم زحف وقد طارت أقدامه، وانتشرت خيوط الدماء في كل معابر القرية وطرقاتها، وتصدعت البيوت ونفقت الكثير من المواشي؟!
كيف لنا أن ننسى تلك القبور التي فتحناها مرات متلاحقة لأنّا كنا نعثر في كل يوم على أشلاء جديدة متناثرة في أطراف القرية وسهولها؟!
آخ:، ما ذنب هؤلاء الأطفال الذين لم يدخلوا الحياة بعد؟!
وما ذنب النساء اللاتي صرن ثكالى أو شهيدات، أو مشوهات في غمضة عين؟
عجيب لهؤلاء، أليسوا بشراً مثلنا؟
وإن لم يكونوا كذلك فماذا يكونون إذن؟!
وحوش، نازيون جدد، حيوانات لا تملك عقلاً؟!
يبدو أنهم كل ذلك، جاءوا من أصقاع شتى، تركوا بيوتهم هناك ليحتلوا بيوتنا هنا!!!
انهمرت دموعه فوق وجنتيه، سالت حتى غسلت شفتيه بعد أن توحدت مع سيل أنفه -أحس مرارتها.
... شد قبضته فوق بطن البندقية، مسح دموعه بطرف كوفيته المتدلي فوق صدره،.. ثم سرحت عيناه الغائمتان بالدموع فوق الأكام والأشجار والطرقات.
بدت الأضواء أمامه، وقد اغتسلت بالدموع، فرك عينيه من جديد..
هؤلاء، لا يمكن أن يفهموا إلا لغة الرصاص، دخلوا فلسطين بالقتل والتدمير، ولن يخرجوا إلا بالطريقة ذاتها.
وإلا ستضيع أحلامنا وأحلام البشرية كلها كما قال وضاح
.. معك حق يا وضاح، يبدو أنك ترى ما لا نراه..
ستضيع أحلامنا إن لم نجيد الدفاع عنها، وسنفقد كل شيء إذا لم نعرف كل شيء.
مد يده إلى جيب سترته الداخلية، تحسس وثيقة التراب أحس بشيء من الإرتياح، وانتابه شعور خاص، لا يمكن لأحد أن يتصوره إلا من عاش سنوات الشقاء والحرمان والعرق والكد.
تمنى لو يطلق النار الآن، لو يركض نحوهم لينفجر بينهم، ليفعل بهم كما فعلوا تماماً بالمدنيين في ملجأ سكوفيا.
والله يا ناس لا أحب لون الدماء، ولكن ما العمل إذا كان هؤلاء يعشقون قتلنا، وتشريد أطفالنا.؟
نظر خلفه، كانت دائرة من ضوء القمر المتسلل عبر فوهة الكهف قد ارتسمت فوق أجساد الرجال.. يبدو أننا أوغلنا في قلب الليل، لا أدري كيف مر الوقت؟
طارت عيناه مع أهداب القمر الذي بدأ بالارتفاع نحو قبة السماء.. هدأت أنفاسه قليلاً، وراح يتمتم بمطالع الكثير من القصائد الشعبية التي نسجها في مناسبات عديدة..
يوم معركة التوافيق أنشد لأبطالها:
يا سالم يا شايل الرشاش
يا منْحدر عتّوافيق"
آه.. سالم ذاك الشاب الذي كان بطلاً من أبطال معركة التوافيق ليس سالم وحده، كلهم كانوا أبطالاً، مصريين وسوريين، رجالاً ونساءً... ما أحوجنا اليوم لمعركة أخرى مثل التوافيق، ولكن هيهات،.. مصر صارت في جانب ونحن الآن في جانب آخر، يبدو أن ما قاله وضاح ليس عبثاً، الفرح يحتاج إلى حماية، والحلم يحتاج إلى سياج من قوة، هم لا يريدوننا أن نفرح، ولا يريدوننا أن نحلم.. ولكن رغم ذلك سنظل نحلم إلى أن يتحقق الحلم.
عبد الناصر الآن ورغم كل الخلافات يحاول أن يكون معنا، وبوادر اللقاء كما أراها تلوح في الأفق، حتى أنه قد يطرد قوات الطوارئ كما يقول البعض، .. يا ريت تعود الأيام كما كانت أيام الوحدة لا أمل لنا إلا بها، ولا انتصار لنا إلا بها. فهل فهم الحكام العرب؟
اختزن بين أهدابه شيئاً من خيوط القمر، ثم عاد ليجوس المكان من جديد، مستنفراً آذانه، وذاكرته، وقلبه، ونور عينيه..
.. الأضواء الحمراء الخافتة في ازدياد، تلتمع ثم تنطفئ،.. وهدير الآليات والطائرات في ازدياد أيضاً على نحو يفوق المرات السابقة،.. وارتجاج الصخور بدا واضحاً وكأنها تحمل في طياتها نداء.. يا فلاحين يا أهل البلد.
وفي البحيرة ثمة أصوات لقوارب تشق الماء على أطراف القمر المتدلية من أطراف السماء، وبين هذا وذاك يتصاعد الومض في أفق البلاد.
هل يفعلونها الليلة؟
ربما.. فهذه الحشود لم تأت اعتباطاً،
وقد يكون ذلك تلويحاً بالحرب لا أكثر...، أو ربما يخططون لعملية محدودة كما فعلوا في مرات سابقة،.. يوم تسللوا عبر البحيرة وضربوا بعض الكمائن المتقدمة لقواتنا.
وما الذي يمنعهم من ذلك؟... إذا كانت مواشي القرية لم تسلم من بطشهم؟!
يومها كانت قطعان الأغنام تلج السفوح على أنغام أجراسها، وثغاء طلائها، وناي راعيها يتردد شجباً في شقوق الصخور، وبعد لحظات بدأت رشاشاتهم تعوي مسعورة من خلف التلال.. كانت مجزرة بشعة خسرنا فيها الكثير من المواشي.
فياض السالم خسر نصف مواشيه، وغالب الحمد لم يبق له شيء منها، ورجا الرهبان صار على الحصير تماماً، والأرملة هليل خسرت نعجتها الوحيدة.
وحين هرعنا لإنقاذ المواشي المتبقية كانت رائحة الصوف المحروق، ورائحة البارود تزكم الأنوف،... وعلى مقربة منا كان كبش جريح يجرجر أطرافه، وقد أطلق لسانه بالثغاء حتى خر صريعاً وهو يرتجف، وعيناه شاخصتان نحو القرية وبيوتها.
ووليد صغير ارتفع ثغاؤه وهو يحمل نصف جسده فقط بينما أودى الرصاص بنصفه الآخر،.. حتى اللحوم التي حاول البعض أكلها تسللت إليها رائحة البارود وأفسدتها.
إذا كان هذا شأنهم مع المواشي فما عسى أن يفعلوا بنا نحن الذين نحمل البنادق دفاعاً عن وجودنا ومستقبل أطفالنا، وتاريخ أجدادنا؟!
اشتعل جسده بالحذر واليقظة،.. رمق أجساد الرجال النائمين خلفه داخل الكهف، حيث بدأت دائرة النور التي رسمها القمر تضيق وهي آخذة بالإنسحاب.
بعضهم يتنفس بعمق، وبعضهم ينام نوماً قلقاً، والبعض الآخر لا زال يغالب النعاس.
رفع عبد الرحيم رأسه، حاول أن يشير بيده، ثم همس:
محمود..، محمود...، ألم تتعب؟ أنا جاهز الآن.
مد محمود رأسه داخل الكهف وهمس: لا بأس حين أتعب سأوقظك وما زال لدي بعض الوقت لإنهاء مهمتي.
حاول أن ترتاح، ولا تنسى أن المناجل في انتظارك عند الصباح.
أرخى عبد الرحيم رأسه فوق راحتيه في محاولة يائسة لاقتناص أطراف النوم.. آخ من العرب إلى متى سنظل هكذا؟
الحرب هي الحرب،.. فلنحاول، وليكن ما يكون، ملايين العرب يحيطون بهؤلاء الأوباش فلماذا نسكت إذن؟
هل ننتظر حتى يحدث لنا ما حدث لعرب فلسطين؟
يومها قلنا أن العرب لم يكونوا مستعدين، واليوم ما هو عذرهم..،
وقد صارت السكين فوق رقاب الجميع؟!
أقسم أنهم لو تركوني الآن لذهبت وحيداً إلى فلسطين..
تململ قليلاً، حاول مرة أخرى أن يغيّب هواجسه ولو إلى حين، لكن أهدابه ظلت تقبض على تلك الأيام التي عاشها في هذه المنطقة.
.. استدارت عيناه في أطراف الكهف، تفحص سقفه، وجوانبه المظلمة،
.. هنا في هذا الكهف كنا نرتاح ساعات طويلة حين كانت تحاصرنا الأمطار ونحن نرعى الماشية. أو نحن في الطريق إلى فلسطين، كنا نشعل النيران، ونشوي اللحم والخبز.. الآن صرنا ندخل متسللين خائفين!!،.. لعنة الله على هذه الأيام التي صار فيها أبو الحصين يحل ويربط.. اليهود صار لهم دولة؟!
وها أنت يا عبد الرحيم تختبئ في جوف الكهف، ولا تستطيع أن ترفع صوتك.. جاءوا من بلاد الله الواسعة ليسرقوا كل شيء..
وها أنت يا عبد الرحيم لا تستطيع أن تسعل أو حتى تتنفس على راحتك!!
أحسن برغبة بالسعال، تمنى لو يشعل سيجارة ليخمد بها نار شهوته التي بدأت بالإشتعال.. حاول عنوة أن يبتلع قلقه فأصدر همهمة مكتومة..
التفت إليه محمود، أدرك أنه لم ينم حتى الآن..
مسكين عبد الرحيم، لا زال يعتقد أن اليهود كما عرفهم سابقاً.
آخ يا عبد الرحيم، لو تعلم أية قوة يمتلكون، وأي دعم يتلقون.
.. الإنكليز والأمريكان والغرب كله معهم، كلهم يطمعون في خيراتنا.
.. عبد الرحيم شجاع، لكن الشجاعة إن لم يضبطها العقل، سيكون لها نتائج أخرى.
التفت نحوه مرة أخرى وأشار إليه هامساً..
ثم التوّى داخلاً، بينما ظهر رأس عبد الرحيم من عتمة الكهف وهو يفرك عينيه ويدفع بندقيته نحو فضاء الليل،.. انفتحت أهدابه ثم ضاقت..
التهم الجبال والأضواء، وأطراف الصخور، والأشجار التي تختفي خلفها الحشود والتحصينات. ثم راح يمسح المكان من فوهة الكهف وصولاً إلى شاطئ البحيرة، فبدت أمامه البلاد على نار ذاكرته المشتعلة بكل أيامها ولياليها..
أشجار الدوم تبدو الآن كتلاً سوداء متناثرة بين الصخور...
الدوم.. الذي كان غذاء طيباً لذيذاً.. ليتني أستطيع الوصول إليه الآن...، إلى جانب تلك الصخرة العالية بئر عميقة، كنا نضع فيها الأسلحة لثوار فلسطين، وفي هذه البئر القينا يوماً جثة الضابط الإنكليزي الذي اعتدى على نسائنا في موسم الجني.
سلمت يداك يا (أبو العبد).. يومها ناوله خنجراً في خاصرته واستولى على بندقيته بعد أن حذره مراراً من سوء أفعاله..
.. دفعناه إلى حافة البئر وألقينا به كجيفة نتنة ويومها خرج الإنكليز بعسكرهم، وكلابهم، وخيولهم، وبنادقهم واعتقلوا المئات من أبناء القرية، حتى شيوخها لم يسلموا من بطشهم.
أخذونا جميعاً إلى مقر الحاكم العسكري الإنكليزي في طبرية، وهناك قتلوا من قتلوا، وعذبوا من عذبوا.
الحاج جابر ظل مربوطاً بالحبال، ورأسه يتدلى على صدره، وقد سالت دماؤه إثر طلقة مسدس أفرغوها في رأسه، رحمك الله يا جابر، لقد مت وارتاحت نفسك، وتركت الشقاء لنا.
.. أنت قتلك الإنكليز، وقد كانت لهم صولة وجولة في ذلك الوقت.. أما نحن الآن فقد يقتلنا أولاد الفاطسة،
.. اليهود الذين لم نعتقد يوماً أنهم سيكونون هكذا كما نراهم اليوم.
آخ على أيام زمان.. هذا العكروت اليهودي ابن الكبي كان يعيش معنا، يحضر أفراحنا، ويشارك في مواسمنا، لم نؤذه يوماً، كان يأكل ما نأكل، ونعطيه كل ما يريد،.. كان واحداً منا...، وحين صار لليهود دولة اختفى ابن الديوس،.. ومن يدري ربما هو أو أحد أبنائه من يقابلني الآن على الطرف الآخر؟!
ومثله اليهودي ابن مطرود كان ينام بيننا، ويأخذ نصيباً من محاصيلنا..
كيف لم ننتبه لهم من قبل؟.. كانت قلوبنا نظيفة كماء الينابيع،.. لكن آخ لو يدور الزمان مرة أخرى.
قطع شروده صوت مرعب لطائر البوم، وهو يدف بجناحيه حول الكهف ثم وقف على صخرة مقابلة وهو ينعب..
سترك يا رب، اليوم إذا نعب فنعيبه شر،.. حاول أن ينهض قليلاً ليبعده فما استطاع...، أمسك حصاة صغيرة، ألقى بها في فضاء التشاؤم، الذي ابتعد تاركاً خلفه صداه يتردد في أعماق الكهف.
حاول أن يستنفر ذاكرته مرة أخرى، طارت عيناه في وهج النجوم المزدحمة في السماء.. درب التبانة، وسهيل، نجمة الصبح، والقمر الذي كفكفت أطرافه الآن.. وندى الحصاد المعقود على صحو النجوم وظهورها في مآقي الفلاحين الساهرين على أطراف الحقول..
"يا نجم يلي بالسماء واسمك سهيل
سلم على حبيبي بديرة حوران"
حوران بلاد الخير، تذكر ذاك الشاب الذي استشهد فوق دبابته في مزرعة عز الدين المجاورة..
الشاب الحريري رحمه الله.. لم أعد أذكر اسمه الآن، قالوا يومها أنه من حوران..،... في ذلك الإشتباك ظل الحريري ورفاقه يقاومون العدو حتى ساعات المساء، حين جاءه صاروخ فأحرق دبابته، وتدلى جسده فوق برجها وقد فاحت منه رائحة الشواء،.. نضج لحمه،.. نضج على نار الحديد.
من تتذكر يا عبد الرحيم الآن؟
شباب بعمر الورد من كل أنحاء البلاد دماؤهم هنا، ويعلم الله متى سنلتحق بهم؟ فالأيام القادمة أدهى وأمر.
ماذا سنفعل إذا هاجمنا العكاريت؟
هل سنهج إلى الأودية كما كنا نفعل في كل مرة؟
ماذا سنفعل بالأطفال والنساء والمواشي؟
وهل سنترك الجيش وحيداً في المعركة؟
معاذ الله أن نفعل ذلك،..
سنقاتلهم حتى الموت، وأرجو من الله أن يقع بين يدي واحد منهم،.. أقسم أني سأثأر لكل الذين استشهدوا..
كيف لنا أن ننسى كل ما فعلوه بنا؟
أنا أبوك يا صالح.. والله سيشهد على ما أقول.
آخ.. الصخور أكلت عظامي...
حاول أن يسوّي وضعه من جديد، بينما غرقت عيناه في ظلال الطرقات والمعابر والتلال..
حين وزعت الأراضي، وأخذنا حقوقنا، وخلصنا من حمدان الكلب، وسيده مدحت بيك، وقلنا سنرتاح من عناء السنين، ولكن من أين تأتي الراحة، وهؤلاء على مرمى عيوننا؟!...
مدحت بيك، لعنة الله عليه أينما حل، وأينما كان وجهه الآن...، كان ابن الكلب حين يدخل إلى بيت أحد الفلاحين يأمر بوضع الفراش، فرشة فوق أخرى، حتى يرتفع بجلسته إلى الحد الذي يجعل جزمته في الفراغ، ثم يقوم رجاله بذبح الخراف أو الدجاج، ويوضع الطعام أمامه، فيلتهمه وحيداً،
.. يأكل حتى ينتفخ، والجميع وقوفاً أمام ناظريه.
وكان إذا انتهى، يغسل يديه بالماء والصابون فوق ما تبقى من الطعام حتى لا يأكل منه أحد، ثم ينصرف بعد أن يكون رجاله قد خرجوا ونهبوا كل شيء.
ذاك الكلب، ما الفرق بينه وبين هؤلاء الذين يريدون ذبحنا كل يوم؟
يا رب جيب العواقب سليمة،.. نظر خلفه حيث أجساد الرجال وأنفاسهم، وغرق من جديد في بحر اليقظة والترقب، بينما زاغت عيناه في مواجهة الأنوار الكاشفة التي شقت ظلمة الليل وراحت ترقص مذعورة فوق الصخور بحثاً عن أهدافها.
إشارة أخيرة
في الآونة الأخيرة تلاشى أبو سويد،.. تلاشى تماماً، لم يعد أحد يسمع صفارته، أو صوت ندائه: (يا فلاحين يا أهل البلد) صار ظهوره نادراً، يكاد يقتصر على مضافة المختار وفي أيام محددة، أو على الطرقات المؤدية إلى بيادر القرية.
قال بعضهم: إن صوت أبي سويد وهواء صافرته قد تلاشيا أمام مكبرات الصوت الجديدة التي دخلت مسجد القرية.
وأمام صافرة الإنذار نصف الآلية التي تعمل بحركة دائرية من مناويل يدوي، والتي وصلت مكتب المقاومة الشعبية في الآونة الأخيرة...، حيث لم يعد أحد بحاجة إلى صوته وهواء صافرته..
ورغم تصريحات بعض الفلاحين المتكررة بأن لا بديل لصوت أبي سويد، لأنه صوتنا، إلا أن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً، فقد تلاشى جسده، حتى أنه لم يعد قادراً على إطلاق صوته ولا سيما بعد أن فقد دربته التي اعتادها زمناً طويلاً، الأمر الذي جعل بعض الفلاحين يشطبون اسمه نهائياً من قائمة المختار وشيخ القرية والمحضر عند نهاية مواسمهم.
أما هو فلم يأبه لذلك، ولم يحدث أحداً بهذا الشأن، حتى علاقته مع المختار صارت فاترة،.. وحين يُسأل عن سبب تلاشيه وهزاله يجيب:
أنا أنتظر المواسم القادمة،.. أنتظر مريوم التي أراها في كل يوم، وقد أسلمت خطوها للطرقات القادمة إلينا.
لست الوحيد في ذلك.. الطرقات المتربة، والسهول والسنابل، وينابيع المياه، وسمر الناس، وضحكاتهم، وأحلام العاشقين، ونبض قلوبهم، وساحات الأعراس.. الكل ينتظر المواسم القادمة.
حين أدرك عبد الرحيم أن طلقات بندقيته لا تصل للطائرات المعادية حيث استمرت في ذهابها وإيابها دون أن يهتز لها جانب،.. ركض في ساحة القرية وأزقتها وهو يصرخ:
اليوم يومكم يا أولاد الفاطسة،.. أني أبوك يا صالح، طاب الموت يا عرب، ثم رمى كوفيته وعقاله في فراغ الظهيرة الحزيرانية اللاهبة وهو يصعد إلى أعلى بناء في القرية ويواصل إطلاق النار في فضاء منهوب بهدير الطائرات ودوي الانفجارات.
صرخ المرشح عبود وصوته مبتل بالدموع:
لا تغامر يا عبد الرحيم، اهبط سريعاً،.. العدو غادر..
صرخ عبد الرحيم وقد جحظت عيناه، وتورمت أوداجه بالغضب:
.. لا تخف، اذهب واتركني إذا شئت.. والله لن يدخلوا إلا على جثتي.. بقي لدي مشط واحد وبعدها ليكن الموت.. طاخ.. طاخ.. طخطاخ.. صرخ المرشح عبود، وصرخ عبد الرحيم، وصرخ آخرون ثم غاب الصراخ في قلب الانفجارات المتلاحقة التي حملت أشلاءهما مع حجارة البيوت الطينية العتيقة..
وفي الفضاء أسراب من عصافير تفر مذعورة من ظلال أشجار الحواكير.. ترتفع قليلاً ثم تتفرق وسط سحب الدخان التي غطت القرية وحواكيرها في الإتجاهات كلها، ثم تعود مرة أخرى لأسرابها في بقع الفضاء التي لم يطلها دخان الحرائق، وما أن تحاول العودة إلى أعشاشها حتى تضيع وسط سحب الدخان وألسنة الحرائق.
وفي الأزقة المجاورة، لا زالت أجزاء مختلفة لأجساد آدمية ترتجف وهي تودع آخر خيوط الدماء التي امتزجت بالتراب ولوّنت أطراف الحصى.
وبين رماد البيوت بدت بنادق عديدة، وقد تقوست وهي تلفظ خيوطاً من دخان أسود يتصاعد متعرجاً من أطرافها الخشبية التي تفحمت بعد أن خمدت نارها.
وفي بعض الزوايا الضيقة تجمعت طيور الدجاج وقد ارتفعت أعناقها، وانتصبت أعرافها محمرة مستنفرة وقد بدت عليها علامات القلق والحيرة والترقب وانفتحت أهدابها في فضاء الحرائق.
وعلى الطريق الترابي المؤدي إلى بيادر القرية كان أبو سويد يحاول دفع خطوه وسط ذيول الدخان، وهباب الحرائق.
رفع رأسه، حاول الصراخ.. يا فلاحين يا أهل البلد..
تباعدت شفتاه، ثم التصقتا من جديد على جفاف لعابه، ظل صوته حبيس أضلاعه، لم يسمعه أحد، ثم تكوم على الأرض جثة هامدة، وفي أعماقه ينداح النداء:
يا فلاحين يا أهل البلد..
وظلت عيناه تلوبان في فراغ السهول، وعلى الطرقات المؤدية إلى القرية، وشفتاه تتباعدان تارة وتلتصقان تارة أخرى..
يا فلاحين..
تعقيب أخير
آب اللهاب والرؤوس التي تركت ظلالها تذوب في الهاجرة.
آب اللهاب، والخيام قطعان هاجعة في سراب السهول المحيطة بالمدن. وفي فضائها تبدو من بعيد غلالات متكسرة من غبار السهول، وهباب المدن وعرق الأجساد المنهكة. وصراخ الأطفال الذين ما زالت أقدامهم تحتفظ بأشواك الرحيل.
تداخلت أوتاد الخيام، وانكشفت أسرار الناس، وتوحدت ملامح الجميع،.. صار لأطعمتهم لوناً واحداً، ولأحاديثهم أصداء واحدة، ولفضلاتهم رائحة المعونات الدولية، وحين تجود السماء بشيء من نداها يخرج كبار السن إلى أطراف السهول التي تحتضن المخيمات، حيث تجتر حناجرهم أيام الموت والرحيل، وأحلام العودة، وذكريات السهول والينابيع، وأصداء الرصاص التي لا زالت تدوي في رؤوسهم، وعليها تتعلق أسئلتهم ومشاريعهم القادمة، وحين يعود الجميع إلى خيامهم، ليلتفوا بغربتهم ونار أشواقهم، يظل وضاح الأعمى على أطراف السهول، وهو ينثر بعصاه، تراب الأرض، ويلوب بعينيه المغمضتين فضاء الذكريات.
وحين يحاول البعض انهاضه، يرفض النهوض،.. وهو يصرخ، دعوني أذوب مع التراب، إذا دخلت الخيام سأموت، ساتعثر بأوتادها، سيتلاشى النداء في داخلي..
النداء الذي لا يزال يشعل يقظتي..
يا فلاحين، يا أهل البلد.
هبط الليل على سيل الذاكرة، وبدا الكون بحراً من ظلام، وصار خرير النهر صراخاً يهز أعماقنا كلما اقتربنا..
وفي عمق البلاد انتشرت على السفوح أضواء خافتة، تخبوا أحياناً وتشع أحياناً أخرى، وعلى الطرقات الملتوية بين الجبال، تبدو بين الفينة والأخرى حزم الأضواء المنبعثة من صدور الكشافات المعادية تجوب المكان، فترمي أضواءها على قمم الجبال وسفوحها.. ثم لا يلبث الظلام أن يلف أهدابنا.. فتبدو عيون الرجال قناديل في عتمة الليل.. وفي الأعماق ينداح اللهب.
وحين اقتربنا لاحت لنا بيوت القرية ركاماً معتماً وبدت بساتينها بساطاً من حنين وشوق.
وفي عمق الليل رأيت وجهي طفلاً يلوح بحفنة من تراب الكروم.. يعجنها بالماء، ويبني بيوتاً تحت أهداب الشمس.
لعلع الرصاص، ودوّت الانفجارات..
وصار الليل برتقالياً..
وفوق التراب ارتسمت ظلالنا من جديد.
تمت
صدر للمؤلف
- شهادات على جدران الوطن. قصص 1987
- ندى الحصاد -قصص- اتحاد الكتاب العرب 1992
- أبي خارج القبر -قصص- اتحاد الكتاب العرب 1994
- أسرار وجه -قصص- اتحاد الكتاب العرب 1997
الفهرس
الإهداء
نار الذاكرة
يا فلاحين يا أهل البلد
إشارة أولى:
رجال مع الفجر
استطراد
حبيبي عبود:
أحْرُثْ وادْرُسْ لبطرس
هدى حبيبتي:
إشارة ثانية:
المرشح عبود:
عوض المسعود
رصاص في فضاء الصخور
صراخ في فضاء الليل
وثائق التراب
عبود.. حبيبي
محمود الشاعر
الكمين (10)
إشارة أخيرة
تعقيب أخير
صدر للمؤلف
رقم الايداع
قناديل الليالي المعتمة : رواية / علي المزعل- دمشق؛
اتحاد الكتاب العرب ، 1998- 123ص ؛ 24سم.
1- ز ع ق 2- ز ع ق
3- العنوان 4- المزعل
ع-4/1/1999 مكتبة الأسد
هذا الكتاب
تتناول هذه الرواية هماً من همومنا الوطنية المؤرقة، حيث تخنار الجولان جغرافية وبشراً وقيماً للحديث والمعالجة، فتصوّر نضال أبناء الجولان ومقارعتهم لقوات الاحتلال الصهيوني قبل عام (1967) كما تجول في القيم الإنسانية الصافية التي تسود حياة الناس في الريف الجولاني، وحرارة تعامل الناس مع القضايا الوطنية والقومية . وكل ذلك بأسلوب مأنوس فيه الكثير من الحميمية والعاطفة الصادقة.
( يا سلام السما شعل لهب ناره
مثل لمع البرق ورعود شتوية
زغردي يا مليحة يا أم السواره
زغردي للبواسل يا عروبية) .