مقدمة

8 0 00

المزيد من الكتب تجدونها في http://www.qnadel.net/

علي المزعل

قناديل الليالي المعتمة

* روايـــــــــــــة*

من منشورات اتحاد الكتاب العرب

1998

تصميم الغلاف للفنان:

الإهداء

- إلى عيون الأطفال التي منعتها قذائف الاحتلال من النوم.

- إلى كل العيون التي أطبقت أجفانها على حلم العودة.

- إلى الفلاحين الذين لازالت الطرقات هناك تحمل آثار خطاهم وأنفاسهم.

نار الذاكرة

ها أنا ذا الآن في ثوب الكهولة.

ومتى كنت غير ذلك؟

يخيل لي أحياناً، أني لم أكن طفلاً أو شاباً قط.، فقد كنت رجلاً منذ مولدي، .. منذ تلك اللحظة دخلت قلب النار... بل يبدو لي أني كنت في قلب النار حتى قبل مولدي...... وأن النطفة التي خرجت من صلب أبي ليست إلا جمرة أشعلتها، سنوات الحزن والموت ومرارة الفقد والضياع....، شأني في ذلك شأن كل الرجال في القرية.

القرية التي لازالت تحتل ذاكرتي بكل ما فيها من صخور وأودية وطرقات، وأشجار، وبيوت حجرية عتيقة.

في كل يوم حين أضع رأسي فوق وسادتي، تلتف جمجمتي بذكراها...، أدخل إليها، أمشي في طرقاتها، أتفقد بيوتها المتخاصرة على أطراف الأزقة الضيقة. ،،، أنادي أهلها، فأسمع أصواتهم كما لو أنهم أمامي الآن.

يؤرقني صهيل خيولها، وجلبة أطفالها... أقف في ساحتها- أتذكر وجوه لداتي جميعاً، .... أبتسم حين أتذكر خيباتنا المشتركة، وأبكي حين يغمرني الحنين.

وعندما يغلبني النوم، تكون أحلامي قد تهادت فوق أمواج بحيرة طبرية التي لازالت تحتفظ بوجوهنا ورائحة أجسادنا.

كيلو مترات فقط تفصلنا الآن عن القرية، فها نحن على الضفة الأخرى، قبالتها تماماً، وبالتحديد في المكان الذي شهد خروجنا، يوم حملنا جراحنا وصرر ذكرياتنا عبر النهر وعبر الأودية والهضاب وأشواك البر.

مشاعر شتى تتنازعني الآن، وسط جلبة الرجال المدججين بالسلاح والترقب والأمل والخوف.

انظر في وجوههم.....، شباب في مقتبل العمر، بعضهم كان جمرة في رحم أمه يوم خروجنا، وبعضهم دخل المخيم عارياً فبنى جسده عنوة تحت حرارة الشمس، وهباب المدن، وثلوج الشتاء والطرقات الموحلة.

فمن قال: إن الكبار يموتون وإن الصغار ينسون!!؟.

ألم يخطر له، أن ذاكرة الناس تتوالد كما الأجنَّة في الأرحام؟.

وأن رماد المواقد القديمة هو حاضنة النيران القادمة؟

يا إلهي.... لحظة المواجهة قادمة لا محالة، ... ساعات فقط، وسنعبر النهر، ..... ساعات فقط وسيسجد النهر تحت أقدامنا.

سنعبر في الاتجاه المعاكس، سيعرف الماء طعم أجسادنا، وستعرف الصخور حرارة أنفاسنا، وصدى لغطنا.

لا أدري لماذا لم يخطر لي حتى الآن، ... كيف سنواجه العدو إذا اعترض سيرنا، رغم كل الخطط التي حفظناها وجهزنا أنفسنا لخوضها!!؟.

الهاجس الذي يغمرني الآن.

كيف سأواجه نفسي عندما نصل إلى هناك؟.

وكيف ستكون مشاعري عندما أشتم رائحة جسدي المجبولة بتراب الكروم والبساتين؟.

وماذا سأفعل عندما أجد نفسي وجهاً لوجه مع البيوت المدمرة- والطرقات التي حملت ملامحي؟

يخطر لي أن أذهب فوراً إلى قبر أبي لأسلم عليه، وعلى كل الذين ذابت أجسادهم في تراب البلاد، فظلوا خميرةً لأحلامنا القادمة.

آخ يا أبي لو تراني الآن....!

صرت مثلك تماماً، رأسي يشتعل بالشيب، وتغضنات وجهي تشي بالشقاء، وبندقيتك التي زغردت يوم موتك ولدت في أعماقي بنادق كثيرة.

يوم مات أبي، اختار عمي أن يودعه بالرصاص.

ففي اللحظة التي ارتفع فيها النعش على الأكُف، وسط تكبيرات الرجال ونحيب النساء،...

ركض عمي إلى حجرة والدي، التي بدت كأنها مهجورة من ألف عام، وخطف بندقيته المعلقة فوق مسمار صدئ خلف النافذة الخشبية، ثم أشرعها في الفضاء...، كانت الطلقات الأولى متلاحقة، ثم تباطأت رويداً رويداً على امتداد الطريق إلى المقبرة.

وداع والدي بالرصاص، أضفى على جنازته شيئاً من المهابة والعظمة، حيث ابتلع دوي الرصاص جلبة المشيعيين وتكبيراتهم، وارتسم في أذهان الجميع حالة خاصة لوداع رجل عظيم.

ورغم حزني الشديد في تلك اللحظة فإن إطلاق الرصاص قد منحني الكثير من الرصانة والهيبة والتماسك، وتعلقت عيناي منذ الطلقة الأولى على بندقيته المشرعة بين يدي عمي المرتجفتين.

كانت بندقية ذات أكرة بيضاء مستديرة لامعة، وقد بدت كأنها خرجت للتو من أيدي صانعيها، ... أو كما كانت يوم تسلمها والدي من مكتب المقاومة الشعبية في القرية. قال الشيخ لعمي: توقف يا رجل، كفى رصاصاً، فها قد اقتربنا من القبر، أجاب عمي: إطلاق الرصاص سيكون راحة لنفسه، ألا تعرف يا سيدي أن جسده مجبول برائحة السلاح؟ ..................

ساعات وتأتي المواجهة، فهل سأكون قادراً على الاحتمال؟.

غاب ناظراي في الغابات والأودية وعلى امتداد الطرقات اللامعة وسط بساط الخضرة، وقد خيل لي أن آثار أقدامي يوم رحيلنا لازالت على الطريق، وبدت لي الأشجار وقد كبرت كثيراً فأخفت خلفها الكثير من المعالم والطرقات.

الشيء الوحيد الذي لم يتغير أبداً... النهر... فما زال حتى اللحظة ينحدر مزبداً بين الصخور، يرتفع هديره كما كان يوم اجتزناه حفاةً تحت وطأة الموت، وسقط الكثيرون منا في مائه وقد أوهنهم الخوف والتعب والجراح ورغبة الصعود إلى الحياة.

استيقظت في داخلي آلام الأشواك التي علقت بأجسادنا يومذاك، والتي لازالت تنزَّ صديداً موجعاً حتى الآن.

تلمست جسدي. شددت قبضتي على صدر البندقية، وتناهت إليَّ من أعماق الصخور والأودية أصوات متداخلة لشيوخ وأطفال ونساء لازلت أذكر وجوههم، وقرأت في عيون الرجال من حولي الكثير من المشاعر، والكثير من الأسئلة.

بدأت الشمس تزل عن قبة السماء، ومعها ارتفع وجيب القلوب ومشاعر الحنين والخوف والتحدي.

تفقدنا الأحزمة، والقنابل، وحقائب الرصاص، ومطرات الماء، ورباطات الأحذية المطاطية، ومخزون الطعام، وتبادلنا الرأي حول المعابر والمخارج، والاحتمالات.

ورغم حرارة اللحظة ظلت ذاكرتي تبحر في البعيد البعيد.

لا أدري لماذا حين يدخل الإنسان دائرة الخطر يصبح الماضي أمامه بكل ما فيه؟

الآن تنداح في داخلي وعلى شفتي كل الأيام التي عشناها هناك، وكل الوجوه التي شكلتها أحداث القرية ومواسمها وأحلامها.

قال أحدهم: ذاكرتك هي وقود اللحظة الراهنة.

حدثنا عن القرية والجبال والأودية والطرقات، وآثار آبائنا، وعندما نصل قل لنا أين بيوتنا؟.نريد أن نراها.... أوصانا الكثيرون من رجال المخيم ونسائه أن نمرَّ على الكروم والبساتين، أن نلامس أشجارها، وأن نحمل لهم صرراً من تراب السهول.............

تتربع قريتنا فوق بساط صخري عَمِلَ فيه منشار الزمن حتى بدا على ارتفاعات شاهقة في معظم أطرافها، ولا سيما تلك المطلة على فلسطين، والمقابلة تماماً لبحيرة طبرية... فمن هناك تنهض الصخور على ارتفاعات يصعب اجتيازها إلا عبر ممرات إجبارية حفرتها الأيام والأقدام حتى صارت معابر سلكها العابرون إلى فلسطين عبر آلاف السنين، ... وتشكل البحيرة بيضة فضية تلتقي في أعماقها ظلال البيوت على الجانبين، وتتعانق فيها خيوط الضياء المشدودة إلى نوافذ البيوت الحجرية العتيقة، كلما أوغلت الشمس في الاختباء خلف جبال فلسطين، تاركة خلفها بقايا النهار تلعب على سطح البحيرة لتندحر رويداً رويداً أمام الأضواء الخافتة المولودة من فراغات النوافذ، وأمام النجوم السابحة التي لا تلبث أن ترتمي في أحضان الماء لتلتف حول القمر الصيفي الذي يختبئ في قعر البحيرة كلما أمعن الليل في الرحيل.

وكثيراً ما تنعكس بيوت طبرية في مرايا بيوتنا الملتصقة بالجدران الطينية العتيقة، حتى تآلفت مع وجوهنا وعَمِرَت بها مآقينا.

ومن جهة الشرق تلتحف القرية بسهول فسيحة لها طعم الحياة، تفوح من تربتها الحمراء رائحة القمح والشعير والذرة البيضاء والسمسم والكتان، والبيقياء، والعدس، والخضار بأنواعها، وتستمر السهول في امتدادها حتى تدخل في حلق وادي مسعود الذي يزنر القرية على امتداد حدودها الشرقية، ولهذا الوادي ارتباط وثيق بحياة القرية وأهلها، ومواشيها وأطفالها وفتيانها، فعلى كل قمة من قمم الجبال المتآخية على جانبيه صدىً لقصة حب، أو موالٍ حزين لعاشق محروم، أو أصداء رتيبة لأجراس المواشي وهي تلج السفوح على أنغام الرعاة وحداء العابرين.

وعلى جنباته أيضاً تبدو بصمات التاريخ عميقة، حيث تنهض الصخور العملاقة والكهوف التي تحمل جدرانها رسوماً وأوشاماً لأولئك الذين تفجرت عبقريتهم فأبدعوا التاريخ وأبدعوا الحياة، رغم كل العواصف التي شهدتها المنطقة، فلا تكاد تلتفت يميناً أو شمالاً حتى تطالعك الكثير من الآثار والأوابد الملتصقة بأشجار البلوط العملاقة، وأشجار الملول واللوز والقندول والسدر والرتم، ... وعلى امتداد مسارات المياه تنبت أشجار الدفلى والعليق البري، تفر منها أزاهير حمراء بلون الدم، ولون الشفاه المترعة بنار شوقها، لتشكل مع ألوان الأزاهير الأخرى بساطاً نادراً يلهب الخيال، .. تحلق به الروح لتجتاز قمم الجبال وتلتحم مع فضاءات مفتوحة إلى عوالم أخرى لا يمكن للمرء إدراكها إلا إذا عاش بنفسه تلك الحالة الخاصة التي شكلت نسيج أهل القرية، والقرى المجاورة لها ولا سيما تلك التي ارتفعت على سلالم الجبال في الشرق، والتي تنام على بساط الخضرة، وأنغام المياه المتدفقة عبر نهر اليرموك إلى فلسطين.

وفي الشمال تتشبث الكثير من الأودية والقلاع بخاصرة القرية حتى بدت جزءاً منها ومعبراً لها نحو خط الصخور الذي يمتد في عمق الشمال ليضعك أينما وقفت قبالة فلسطين بمدنها وسهولها وقراها وجبالها، وفي أحيان كثيرة يخيل إليك أن بحيرة طبرية قد ولدت من رحم الصخور المنحدرة نحو الغرب، والتي تفجرت الينابيع في جنباتها حتى شكلت حزاماً مائياً عذباً وقد حملت هذه الينابيع أسماءها الخاصة وقصصها الخاصة أيضاً وقد ورثها الآباء عن الأجداد.... كعين العرائس، وعين قروح، وعين النسوان، وعين النمر، وعين البيك، وعين البئر، وفي الشرق عين التليل وعين العريض وغيرها.

ولهذه الينابيع عذوبة أهلها وطراوة أرواحهم، فهي تنبجس من أطراف الصخر جداول تترقرق بين أشجار الصفصاف والتين والزيتون والصبار والسدر، شأنها في ذلك شأن كل الطرقات التي تمتد في خطوط متعرجة بين الأمام فتبدو للناظرين من بعيد كأنها الأحلام التي تخترق الآماد كلها وصولاً إلى فلسطين.

ولازالت أطرافها تحتفظ بصهيل الخيول وأصداء السيوف عبر مراحل تاريخية متعاقبة يحفظها أهل القرية أباءً وأجداداً... ولازال الكثير من التلال ينهض على تلك الأجساد التي قبضت على أحلامها رغم موتها، وفي بطون الكهوف لازال صدى الزغاريد معلقاً، ولا زالت همهمات الرجال على أطراف الريح، تحملها شرقاً لتعانق جدران البيوت فوق الصخور، وتحملها غرباً لتمتد صدىً مع أمواج البحيرة، ولتظل في ذاكرة الناس حكايا ومواويل وحداءً وغضباً وأحلاماً.

ويبدو ذلك جلياً في أعراس القرية وطقوسها، فإن اجتمعوا للحصاد انعقدت حناجرهم على التاريخ، وتعانقت أحلامهم وأمجادهم مع صدى مناجلهم وهمهماتهم، .... وإن كان الحزن يمتد خيطاً رفيعاً بلون الدم إلا أن ذلك لا يلبث أن يضيع في أعطاف أمجادهم التي تلوح لهم في كل صباحاتهم المشرقة، رغم الكد والتعب والظلم الذي أحاق بهم تحت سطوة الإقطاع الذي امتد زمناً وتهاوى تحت ضرباتهم في أيامهم التالية.

وليبادرهم طعم النشيد وعذوبة النور الممتد من قبة السماء حتى يذوب في سيقان القش الذهبية المتراكمة، والمتلألئ عرقاً على جباهٍ سُمْرٍ لونتها الشمس، وغبار السهول الملتحمة بالأفق، وفي ذاك الموسم تبدو الخيول راكضة تجر نوارجها على أناشيد الصبية وهرج الرجال، وهم ينهضون من ظلال عرائشهم ليصنعوا حياة أطفالهم وأمانيهم الممتدة في بطون المواسم القادمة.

وما إن تغرب الشمس وتهبط رطوبة المساء، حتى يتحلق الجميع على حكايا أجدادهم، ... بينما تُشد الخيول إلى أوتادها، وهي تذب بذيولها، وكأنها تستولد الهواء الذي يجفف عرقها، ويخفف عناءها الذي يمتد على نهارات الصيف كلها.

وأحياناً تشنف آذانها وكأنها تشارك الفلاحين أحاديثهم، ولغطهم الذي يمتد، ويمتد حتى يغيب رويداً رويداً مع أفول القمر الذي يمضي ليستقدم الشمس، والصباحات الندية الجميلة.

وفي السنوات الأخيرة، ربما تغيرت الطقوس، حيث صار الرجال يغادرون إلى أماكن أخرى يجتمعون مساءً في مكتب المقاومة الشعبية الواقع في منتصف القرية والمؤلف من غرفتين حجريتين يكسوهما الطين المدلوك بالتبن، وتغطيهما دالية الكرمة التي تمتد أغصانها حتى تلامس رؤوس الداخلين والخارجين.

ومن هناك يحملون بنادقهم ويتوزعون على طول الانهدام الصخري المحاذي لبحيرة طبرية في كمائن متجاورة أحياناً، ومتباعدة أحياناً أخرى... ليرقبوا كل المعابر المؤدية إلى القرية، فتختلط فيهم رائحة السلاح، وغبار السنابل، وعرق النهارات المشمسة.... وتنمو في دواخلهم أحلام المواسم القادمة مع أحلام أخرى تحملها فوّهات بنادقهم، وتمتلئ بها حقائب ذخائرهم.

ولئن كانت المناجل تلتمع في ذاكرتهم على الدوام، فهي لا تلبث أن تتوحد مع انحناءات الزناد في بنادقهم...، وإذا كان حداء الحصاد ما يشنف آذانهم نهاراً، فإن هسيس الأعشاب، ورائحة الليل، وصمت الظلام، ودبيب الحيوانات البرية، ونقيق الضفادع، وخرير مياه الينابيع والتماعات النجوم في مداراتها... وكل الأصوات القادمة من بعيد هي ما يداعب آذانهم، وهم يمسكون بنادقهم على طول خط وقف إطلاق النار.

ورغم معرفتهم بكل الأشجار والصخور والطرقات، فإنهم يعاودون تشكيلها... ويرقبون مظاهرها، ويشتمون نسائمها من جديد....

ليعرفوا تماماً أي شيء غريب يمكن أن يداخلها...، ومع بزوغ الفجر يعود الجميع إلى مناجلهم وحقولهم وبيادرهم، وجلبة أطفالهم، وشقاء نسائهم، وهمهمة مواشيهم، وأنغام أجراسها وهي تغادر إلى مراعيها، .... وتظل البنادق عامرة بأحلامهم. وعلى وقع خطواتهم تتجه من جديد إلى كمائنهم المحددة إلى جانب أفراد الجيش المنتشرين على طول الخط الذي فرضته اتفاقات الهدنة الموقعة عام 1949، والتي جاءت بعيد حرب الإنقاذ وفشل الجيوش العربية التي خاضتها ضد العصابات الصهيونية، وخلافاً لاتفاقات سايكس بيكو الاستعمارية وتقرير المبعوث الدولي الكونت برنادوت الذي اغتاله اليهود انتقاماً لما جاء في تقريره من مقترحات لا تخدم أطماعهم... وفي كل الحالات فقد جاءت اتفاقات الهدنة هذه لتقضم أجزاء جديدة من أراضي القرية الواقعة شرق البحيرة.

والمقاومة الشعبية التي شكل الفلاحون قوامها هي محاولة لإنشاء قوة شعبية مسلحة إلى جانب حركة المجاهدين التي تم تأسيسها بعيد حرب الإنقاذ مباشرة، والتي تحولت فيما بعد إلى قوات الحرس الوطني التي شكلت رديفاً للجيش النظامي حتى حرب الخامس من حزيران 1967 .

وثمة ظاهرة ربما تفردت بها قريتنا عن سواها، وهي كثرة الوافدين إليها من أمصار شتى، حيث جاؤوا وهم يحملون قصص حبهم أو ثأرهم، أو تمردهم، .... أو جاءت بهم ظروف وأحداث تاريخية هامة- شهدتها المنطقة برمتها.

وإن كانوا جميعاً يحملون ملامحهم الخاصة وأحلامهم وأحزانهم ومحاولات تفردهم إلا أنهم ما لبثوا أن انخرطوا في حياة القرية، يساعدهم على ذلك الكثير من العوامل المشتركة التي صنعها التاريخ والجغرافية، حتى أصبحوا جزءاً منها وعاملاً أساسياً في صنع أحداثها... والقرية من هذه الناحية صورة صادقة عن المنطقة كلها حيث شكلت عبر التاريخ خلاّطاً بشرياً حضارياً تمازجت فيه الهجرات والأفكار ثم انتشرت من جديد وهي تحمل جذرها العربي الأصيل.

والكثير من هؤلاء الذين وفدوا إلينا نسينا قصص مجيئهم... وقد كانوا جميعاً ذاكرة القرية وسجل أحداثها.

ولعل الوجه الذي لن أنساه أبداً وجه المرشح عبود النايف الذي كان وصوله لقريتنا حدثاً هاماً. حيث تسلم قيادة المقاومة الشعبية فيها، ولازلت أذكر تلك اللحظة التي عرفته فيها للمرة الأولى....

كنت أنا وسالم الوحش وقد عدنا للتو من رحلة صيد في وادي مسعود. لازلت أذكر تفاصيلها كما لو أنها الآن.

يومها هبطنا حلق الوادي، فداهمت أنوفنا رطوبة الأشجار والصخور وفوح الأزاهير التي بدأت تلتمع تحت فضاء فضي زاحف من قمم الجبال في الشرق- حيث ولدت للتو بيوت القرى على أدراج التلال، فبدت كتلاً رمادية في بحر الخضرة الداكنة وتعرجت في بعض جوانبها خيوط هادئة لدخان المواقد التي أشعلت نارها من قلب رماد قديم، وبدأت تصل إلينا أصداء متداخلة لأصوات استيقظت من عمق الفجر.... أجراس ناعسة لمواشٍ يسربلها الندى، وتراتيل مقطعة من مآذن بعيدة.... بعيدة.

ومن السفوح التي بدأنا بولوجها انفجرت لوحات آسرة لشدو الطيور وتغريدها، وكان أشدها وقعاً أصوات الأحجال وهي تهبط نحو الينابيع المنبجسة من طيّات الأودية وانهداماتها، وتغريد البلابل فوق أشجار البلوط والسدر والقندول والبطم.

.. نصمت حيناً، ثم نتابع المسير، مخترقين الغابات والآكام نحو مبتغانا، ونحن نسبر الطرقات والمعابر بحثاً عن آثار حيوانات البر التي اعتدنا اقتناصها، إلى أن قادنا القصّ إلى وكر معتم في ضفاف صخرة عملاقة، وهناك جثونا نسوي المكان، حيث سنغرس فخاً حديدياً له شكل دائري مسنن أشبه ما يكون بالفك في حالات إغلاقه وانفتاحه اشتراه سالم الوحش من الحداد يوسف في مركز المنطقة حيث دفع ثمنه مداً من القمح المغربل.

وبعد أن سوّينا الأرض تماماً غرسنا الفخ في التراب وأرسينا وتده الحديدي، بعد أن موّهنا جنازيره بأوراق الأشجار وبقايا الأعشاب اليابسة.

درنا حوله مرات عديدة بحثاً عن علامات المكان المميزة...

ثم اختفينا بين الصخور، وغرقت أنظارنا في بحرٍ من الصمت والترقب والأمل.

وحين أشهب الأفق، بدت لنا قمم الجبال وأشجارها أكثر زهواً وشموخاً على صدر الشرق، وعلى أطراف الصخور وأغصان الأشجار التمعت أجنحة الطيور مذهبة بنثار الشروق، ومن الهضاب البعيدة تناهت إلينا أصداء مقطعة للفؤوس التي بدأ أصحابها بالاحتطاب، وثغاء الأغنام التي امتلأت بأعشاب الأودية ومياهها.

وما أن لامست وجوهنا خيوط من الدفء، حتى نهضنا وقد تنازعتنا هواجس الأمل والخيبة في آن واحد، مخلفين وراءنا بقايا الأعشاب اليابسة التي انحنت تحتنا، وأطراف الصخور التي طار نداها مع حرارة أنفاسنا، وربما ظلت أهدابنا على مرآة التلال في الأفق.

عدنا إلى المكان محملين بثقل الانتظار والترقب والحذر، نمشي حيناً، ونقف أحياناً، وتدور آذاننا في فضاء الصباح. ثم نجفل فجأة حين تطل علينا بعض حيوانات البر من أعالي الصخور فتفر مذعورة تحت هول المفاجأة.

قال سالم: لسنا وحدنا نبحث عن الصيد، الثعالب والضباع، والثعابين وكل حيوانات البر تبحث عن صيدها.... الكل يريد أن يأكل.

ثم انقطع حديثنا على صلصة الجنزير الحديدي الذي موّهنا قبل قليل...، أسرعنا الخطا، أشرقت وجوهنا بالأمل... ركضنا، قفزنا فوق الصخور، راقبنا المكان جيداً ثم اقتربنا،... كانت أسنان الفخ تنطبق على رجل ثعلب، وهو يحاول الإفلات بكل ما أوتي من حيلة، يقفز في الفراغ، ثم يهبط، ويخر على الأرض، يشد رجله، يسحب الفخ يميناً وشمالاً، يعض الجنزير الحديدي، ويرفع رأسه نحو السماء، وقد انكشفت أسنانه، وعلا عواؤه، وسال الزبد من شدقيه

ثعلب!!!، وما عسانا أن نفعل بك؟

لعنة الله عليك، لقد جرعتنا الخيبة، نحن نريد أن نأكل أيها اللعين.

ناوشناه من بعيد، كشر عن أنيابه، واحمرت عيناه، وضاع جهده في الاتجاهين، ....تارة يهاجمني، وأخرى يهاجم سالم، يندفع، فيشده الجنزير خلفاً، فيكبو...

استمر في محاولاته، حتى بدا أن اليأس قد خالجه، فارتمى على الأرض، وقد امتلأت عيناه شرراً ودموعاً، ... صارت خيبتنا مشتركة.

حاولت الاقتراب منه أكثر، ... ناوشته بحذائي، فناوش قدمي من بعيد، ... درنا حوله مرات عديدة...

كانت عيناه تغمضان حيناً، وتنفتحان أحياناً، حتى بدا وكأنه على حافة الموت. فأثار شفقتنا.

اقترب سالم أكثر، واقتربت أنا أيضاً،... طباع الثعالب نعرفها، لكنه فعلاً على حافة الموت... سنطلق سراحك أيها اللعين، ... مددت يدي نحو مفتاح الفخ، تحركت أهدابه قليلاً، تململ منهكاً، فتراجعت ثم هب كالسهم، فارتمينا معاً نحو الخلف، وحين سقط على الأرض عاد ليعض الجنزير من جديد، وازداد الشرر في عينيه، وأطلق عواءه نحونا.

..... فأمطرناه بحجارتنا حتى هرسنا رأسه تماماً.

داس سالم على مفتاح الفخ، ... وألقاه جانباً مضرجاً بالدماء.

حملنا حقائبنا المغلقة على أمالنا الضائعة، واستدرنا نحو الطريق، وقد انكشفت ظهورنا تحت أشعة الشمس، وبدأت الدماء على أسنان الفخ تميل نحو السوّاد الملون بالزغب.

بدت أمامنا طريق العودة ملتوية بين الصخور والأشجار، وتعاكست أقدامنا مع آثار مجيئنا في الأجزاء الترابية من الطريق وعلا هرجنا متناغماً مع هرج الآخرين وجلبتهم في عمق الأودية.

حيث ارتفعت مواويل الرعاة، وزغاريد الفتيات المنطلقة من عمق الحناجر، وهن يجمعن الحطب في أماكن متفرقة من حولنا، وازدادت أعمدة الدخان على صفحة الخضرة الداكنة. تتكاثف حيناً، ثم ترق رويداً رويداً حتى تنقطع عن مواقدها وترحل في الفضاء.

كان الطريق صعوداً، لم نأبه لمتاعبه عند قدومنا، بدأت خطواتنا تضيق، وأحاديثنا تنقطع تحت وطأة لها ثنا وحرارة أنفاسنا، حتى حقائبنا تضاعف وزنها، وراحت أيدينا تعبث برؤوس الأعشاب اليابسة التي تحف بسراويلنا وأطراف أرديتنا في المنعرجات الضيقة.

وكلما أوغلنا في الصعود، تبدو خلفنا الأودية والوهاد سحيقة وقد لفتها غلالة رقيقة بيضاء لامعة تحت خيوط الشمس.

وما أن أطلت رؤوسنا من فتحة الوادي حتى تراءت لنا سهول القرية بساطاً من ذهب.

ارتمينا على أطراف الصخور وبدأت نسائم ناعمة تجفف عرق جباهنا.

أرحنا الحقائب جانباً، ورمى سالم الفخ الحديدي فوقها فأحدث جلبة سريعة، وأشرعنا سجائرنا مع هدوء أنفاسنا، وغرقنا في بحر السهول المترامية، وطارت أبصارنا فوق السنابل المتماوجة، وقد أثقلها الغلال... حتى مرتفعات الحمة جنوباً حيث تنغمس أطراف السهول في ضفاف اليرموك المزبد دائماً في طريقه إلى فلسطين.

ثم لا نلبث أن نمسح المكان مرة أخرى فتبدو لنا نهايات السهول وقد انحدرت غرباً عبر الانهدامات الصخرية المطلة على شواطئ طبرية.

مجَّ سالم سيجارته، سوىّ جلسته قليلاً...، جالت عيناه المكان... آه ... بعد أيام سيمتلئ فضاء السهول بحداء الفلاحين، وأصداء مناجلهم، فالزرع قد استوى ثم تنهد... متى ستصبح المواسم ملكنا؟.

ومتى سنقبض ثمناً لشقائنا؟.

قلت: أنا أثق أن ذلك سيحدث ولو بعد حين.

علت وجهه ابتسامة فاترة، ورمقني بنظرة متعبة ولم يعلق.

نهضنا من جديد، اتسعت خطواتنا قليلاً، وبدت آثار أقدامنا أكثر وضوحاً على بطن الطريق الترابي المنبسط حتى ساحة القرية، وكلما اقتربنا تضيع ظلالنا في أسيجة حواكير الزيتون والتين، والكرمة، وتندغم أصواتنا مع أصوات الخارجين من القرية أو الداخلين إليها...

حتى غابت تماماً وابتلعها هدير سيارة عسكرية، سارت خلفنا... أفسحنا لها الطريق فلفّنا غبارها، وعلى أطرافها تعلقت أنظارنا.

... كانت سيارة جيب مغطاة بقماش خاكي مهترئ.

وقد تآكلت بعض أطرافها.

كان في داخلها شابان لم نتمكن من اجتلاء ملامحهما جيداً، حاولنا اللحاق بها يدفعنا الفضول... أسرعنا قليلاً، اقتربنا منها....

كان السائق يضع مرفقة على حافة النافذة، والآخر يبدو ساهماً.، وفي الساحة الرئيسية هبط شاب ربع القامة، يرتدي بدلة عسكرية منشاة وعلى أكتافه شريطتان خضراوان، وفي ملامحه شيء من التهيّب.

كان في استقباله العريف برهوم والعسكري سويلم وبعض الرجال الذين تصادف وجودهم في ساحة القرية وقد عرفنا فيما بعد أنه المرشح عبود النايف الذي جاء آمراً للمقاومة الشعبية في القرية.

حيث باشر مهمته في اليوم الثاني لوصوله.

يا فلاحين يا أهل البلد

كان المختار لا يزال يشد أطراف قنبازه ويسوي عقاله وكوفيته وهو يقف أمام المرشح عبود النايف في مكتب المقاومة الشعبية، حيث يجلس خلف منضدة خشبية قديمة كادت أن تخفي وراءها جسده كاملاً لولا أن قام مرحباً......، وعلى أطراف سرير عسكري قديم يجلس العريف برهوم والعسكري سويلم يحدقان في وجه المختار، ويختلسان النظر إلى وجه المرشح عبود ينتظران ما الذي سيقوله الآن، حيث لفت نظرهما قبل قليل حديثه مع مركز القيادة عبر سماعه الهاتف اليدوي الذي يرتكز على طرف الطاولة.

وبعد صمت قصير... مشحون بالترقب... قال المرشح عبود:

يا مختار نريد أن نجتمع مع فلاحي القرية مساء اليوم وعليك إبلاغ الجميع فوراً...

حاول المختار مداراة ارتباكه... الفلاحون يا سيدي في حقولهم وعلى بيادرهم وفي حواكيرهم، ولا يعودون إلى بيوتهم إلا مع حلول الظلام...

أعرف ذلك تماماً... عليك إبلاغهم وانتهى الأمر.

بلع المختار ريقه، واستدار مسرعاً، وقبل أن يندفع خارجاً أردف المرشح عبود: أبلغهم أن يحضروا أسلحتهم معهم... لا تنسَ ذلك...

كان ظل المختار يلتصق به تماماً، وهو يخب بقنبازه كانساً خلفه الأزقة التي بدت نثاراً ناعماً من التراب الممزوج بروث الحيوانات، ومن تحت كوفيته تنز حبات العرق لامعة تحت أشعة الشمس اللاهبة التي قضمت ظلال الأشجار وأسوار البيوت الطينية العتيقة، وعلى منحنيات الأزقة بدت بعض الحيوانات الهزيلة وهي تحاول عنوة الالتصاق بما تبقى من ظلال البيوت.

وفي بطون الأشجار الساكنة حركات بطيئة لعصافير تنتظر رطوبة المساء، تتساقط على إثرها وريقات ذابلة لا تلبث أن تستقر على الأرض ثم تلحق قليلاً بأطراف قنباز المختار وتستلقي دون حراك تحت وهج الهاجرة.

وحين دلف المختار مسرعاً إلى مضافته التي ترتفع على صخور عملاقة امتدت أطرافها لتدخل الفضاء المفترج نحو طبرية...

تململ كلبه متباطئاً من تحت خابية الماء التي كان يلوذ برطوبتها... تمسح بأطراف قنبازه وأقعى قبالته لحظةً ثم عاد إلى مكانه وهو يحاول إغماض عينيه من جديد.

غمغم المختار وهو يعلق كوفيته وعقاله على مسمار خلف الباب الخشبي... وقبل أن يلقي بجسده فوق الفراش أرسل في طلب الحارس(أبو سويد).

ذلك الرجل الطويل النحيف الأسمر الذي بدت عروق عنقه وكأنها خارج جسده تماماً، وفور حضوره، شرح له مهمته مؤكداً على إبلاغ الجميع.

باشر أبو سويد مهمته على الفور.

انتفخت أوداجه، وجف لعابه على زوايا فمه، وهو يحاول المرة تلو الأخرى إيقاظ السكون الذي يلف القرية في مثل هذه الأوقات.

..... كان صوته يرتفع مبحوحاً مقطَّعاً....

يا فلاحين... يا أهل البلد...

يا فلاحين... يا أهل البلد...

اجتماع المقاومة الشعبية في مدرسة القرية مساء هذا اليوم...

وبعد أن يبتلع أنفاسه يتابع... وأسلحتكم معكم... ثم ينفخ من جديد في فم صفارته الصفراء التي تآكل فمها وذاب لونه عبر شفاهه التي أحرقتها نار التبغ الهيشي حتى صار لها لون السواد... ويتابع السير وهو يمر بأصابعه فوق أزرار سترته الإنكليزية الصفراء التي رقت في الكثير من جنباتها وانتشرت فيها الرقع في أكثر من مكان... نداء... وصافرة... ومحاولات متكررة لشد أطراف كوفيته نحو الأمام درءاً لوهج الهاجرة.

تفتح بعض النسوة نوافذ البيوت الخشبية الهرمة... تصمت صفارته قليلاً وتمتد إليه كؤوس الماء. وأكواب الشاي الغامقة... يبلع ريقه من جديد ثم يتابع:

يا فلاحين، يا أهل البلد...

ومع نهاية النداء يستدير مسرعاً لطرد الصبية الراكضين خلفه وهم يرددون النداء ذاته... يا فلاحين يا أهل البلد.

يشد بنود بسطاره التي ضاعت ألوانه بتقادم الزمن، ثم يتابع، فتردد الصخور صدى صفارته الممتلئة بقطرات اللعاب وحرارة اللهاث المتصل. وصدى صوته المبحوح بالشقاء وتعب السنين.

وبعد أن يطمئن تماماً إلى أن صوته وصل إلى كل البيوت، يخترق الحواكير والطرقات المتربة أحياناً والمحصاة أحياناً أخرى متجهاً إلى بيادر القرية حيث تبدو أكداس القش من بعيد خياماً صفراء من ذهب، أو أسنام جمال تعبر سراب السهول، وتبدو له الخيول الراكضة تحت سياط الصبية وهي تسحب نوارجها وكأنها في سباق لا ينتهي.

بينما يمسك الرجال شواعيبهم الخشبية والحديدية يسوّون أطراف بيادرهم، ويدفعون بأكوام القش تحت أسنان النوارج الخشنة، ... وفي العرائش يستظل كبار السن يستذكرون شبابهم وأيام شقائهم، ... وبعض النسوة اللاتي وصلن للتو وهنّ يحملن صرر الطعام وجرار الماء الصغيرة وأرغفة الخبز السمراء الطازجة.

وحين يدرك أنه اقترب، يرخي عنان صفارته من جديد، ويمتد النداء طويلاً طويلاً مقطَّعاً.... يا فلاحين يا أهل البلد....

ويستمر النداء إلى أن يصل ظلال العريشة الأولى فيلقي بجسده منهكاً وهو يمص شفتيه ثم يمسحها بأكمام سترته الصفراء المهترئة، ... يستل من جيبه علبة تبغه... يلف سيجارته وهو يواصل ابتلاع ريقه، وتجفيف اللعاب الأبيض المتراكم على زوايا فمه، بينما يواصل الفلاحون التفافهم حوله لاستطلاع الأمر.

قال أحدهم بعد أن ارتمى إلى جواره: دعك من سجيارتك، خذ هذه جاهزة... ثم أمسك بقداحته ذات الفتيل المبتل بالكاز، نفضها جانباً، دلكها بين يديه، وأطلق شرارها.

مجَّ أبو سويد سيجارته بعمق، رفع عقاله قليلاً، وحدق في الفضاء:

أمرني المختار أن أبلغكم حضور الاجتماع في مدرسة القرية، ولا تنسوا أن تجلبوا أسلحتكم... فقد يكون هناك تفتيش على نظافة البنادق كما هي العادة ... قال ذلك وهو يعبَّ نفسه الأخير وقد التصقت بقايا سيجارته بسواد شفتيه.

تناهض من جديد وهو يتلمس خيط صفارته الأسود الذي يشدها إلى عنقه متابعاً السير فوق ساقين متباعدتين إلى أطراف البيادر الأخرى.

قال عبد الرحيم الهايش وهو ينفض بقايا التبن من حذائه وقد بدت عليه علامات انفعال واضحة:

بعد أن انتهت حرب الإنقاذ ووُقعت الهدنة قلنا سنرتاح قليلاً من التعب ولعانة الوالدين، ولكن أين نحن من الراحة؟.

والله ما دام اليهود في فلسطين فلن نرتاح لحظة واحدة.

شد حزامه جيداً ثم اندفع مسرعاً ليغيب بين أكوام القش وهو يتمتم بكلمات غاضبة تناغمت مع حركة ساقيه الطويلتين.

استمرت صفارة الحارس أبو سويد في إطلاق صراخها وتراخت حركة الخيول إلى أن انعدمت تماماً في الكثير من الأحيان، وعلا الهرج وامتلأت العرائش بالفلاحين. وقد ازدحمت وجوههم بالكثير من الأسئلة والكثير من الترقب.

وما أن اقتربت الساعة المحددة حتى خلت البيادر والحقول والحواكير أو كادت إلا من الصبية والنساء، أو بعض الفلاحين الذين لم يصلهم النداء، أو بعض الشبان الذين أُرسلوا لإبلاغ آبائهم في الحقول البعيدة.

كانت رطوبة المساء قد بدأت بامتصاص حرارة النهار، وامتدت ظلال الأشجار والجدران رويداً رويداً نحو الشرق، وغرقت خيوط الشمس في بحيرة طبرية، بينما تكور قرصها خلف جبال فلسطين ناشراً حوله هالة حمراء كالدم،.... وبوابة المدرسة التي نسجت على قضبان خشبية متصالبة فُتحت على مصراعيها... وبدأت جماعات الفلاحين تنفر من الأزقة الضيقة، ومن خلف أشجار السرو التي تلتف سوراً حول باحة المدرسة وعلى أكتافهم أطلّت فوّهات بنادقهم لامعة تحت ذيول النهار، ومن حولهم تقفز بعض كلاب القرية مستنفرة تارة ومتمسحة بأذيال أصحابها تارة أخرى. وجماعات الصبية الذين بدؤوا يتقافزون خلف نوافذ المدرسة يستذكرون خيباتهم ومراراتهم أمام السبورات السوداء الملتصقة بجدران الصفوف، والتي تبدو الآن مقطَّعة عبر شبك النوافذ المهترئ.

كان أول الداخلين إلى المدرسة الحاج عواد الذي انحصرت مهمته منذ مطلع شبابه بصناعة المحاريث وتجهيزها في المواسم المحددة، حيث يمضي معظم أوقاته متوغلاً بين أشجار البلوط والملول التي تغطي سفوح الجبال ومنحدرات الأودية لاختيار أفضل الأغصان التي تصلح لمهنته... أسند ظهره للجدار، بعد أن أراح بندقيته فوق ركبتيه، وراح يلامس أجزاءها بأنامله الخشنة بينما طارت عيناه إلى جماعات الفلاحين وهم يدخلون المكان... بعضهم اجتاز بوابة المدرسة، وبعضهم جاء من اتجاهات أخرى بعد أن قفز فوق الأسلاك أو عبر تحتها في محاولة للوصول في الوقت المحدد، وشيئاً فشيئاً بدأت الدائرة بالاتساع وتلاصقت أكتاف الرجال حتى صاروا عقداً واحداً تزينه البنادق التي تلامست أعقابها في أكثر من مكان،... وكلما جاء قادم جديد اهتزت الأكتاف وتلاصقت أكثر، وامتزجت رائحة الأجساد.

فتضوعت بعبق البيادر والحقول، وتوحدت الأنفاس والمشاعر وطارت العيون في فضاء المساء تحمل أحلامها وتوجسها، وحين دخل وضاح الأعمى يدب على عصاه ضحك بعضهم، وارتفع اللغط لبرهة من الزمن، قام بعضهم ثم عادوا للجلوس وهم ينفضون التبن من ثنايا سراويلهم، ويسوون أمكنتهم جيداً يتقدمون حيناً، ويتأخرون أحياناً... يميلون يميناً أو شمالاً ويقذفون بعض الحصى الصغيرة جانباً... حتى استوت مقاعدهم وسط جلبة ما لبثت أن هدأت مع قدوم المرشح عبود ومن خلفه العريف برهوم، والعسكري سويلم، وبعض الرجال يحملون صناديق خشبية تفوح منها رائحة الرصاص، وقد علقت على أطرافها عيون الفلاحين وأسئلتهم.

وقف المرشح عبود وسط دائرة الرجال... أطرق قليلاً، مرَّ بيديه فوق حزامه الكتاني الأخضر، ولامس أطراف سترته الخاكية المنشاة، تناهض على كعبيه ثم غرق في الوجوه بعينين تطفحان بالمشاعر.

.... ارتكزت عيناه قليلاً على وجه وضاح الأعمى، ثم تابع متفحصاً الوجوه وقد علت وجهه ابتسامة وانفرد شارباه قليلاً.

أطلق صوته مرحباً... أحس لبرهة أن صوته لم يصل... أعاد العبارة ذاتها... وحين همَّ بالمتابعة قاطعه وصول حمدان الطافش الذي ترجل عن ظهر فرسه الشهباء المحجلة... شدها إلى جذع شجرة السرو المعمرة المحاذية لبوابة المدرسة، ثم دفع بطنه فوق ساقين عريضتين، وبدا ظله مكوراً وهو يحاول الدخول ضمن دائرة الرجال... فلم يجد له مكاناً، تنحى جانباً وجلس...

رمقه المرشح عبود بنظرة سريعة ثم قال: أين بندقيتك؟.

ابتسم حمدان ابتسامة واثقة...

سأحدثك فيما بعد يا سيدي.

طارت عينا المرشح عبود في الأفق الذي بدأ يتشح بندى المساء، وبدا كما لو أنه كظم في صدره مشاعر كثيرة ليس الآن وقتها. ثم واصل حديثه كما لو أنه بدأ للتو... أنتم أيها الأخوة، ستكونون رديفاً لجيشنا في حماية البلاد وعليكم سنعتمد في تنفيذ الكثير من المهام، ولا سيما الدوريات والكمائن المتقدمة، فأنتم من يعرف الأرض، مداخلها، ومخارجها، وصخورها، وأشجارها وناسها، وأنتم أصحاب المصلحة الحقيقية في حماية الأرض، ولا يحرث الأرض إلا عجولها كما يقال.

تنحنح بعضهم وهم يلتهمون أوداج حمدان الطافش المنتفخة، وعينيه الغائرتين في لحم رأسه المستدير. ثم أنصتوا من جديد للحديث عن السلاح وأهميته وأشياء أخرى لم يفهموها وإن كانوا قد أحسّوا بها من خلال عيني المرشح عبود المتوقدتين.

وفور الانتهاء من الحديث باشر العريف برهوم مهمته في تفحص السلاح وجاهزيته.

أمسك البندقية الأولى، حاول رفعها قليلاً، سحب مغلاقها سريعاً، أدار فوهة البندقية نحو الفضاء، صرَّ عينيه وأسلم الأخرى فوهة النور، ثم تمتم بكلمات متلاحقة... نظف السلاح أكثر، ... بندقيتك لم تشتم رائحة الزيت منذ زمن

حمل الأخرى واستدار نحو الفضاء... صرَّ عينيه وأسلم الأخرى فوهة الفضاء... ثم قال: أنت لا تستحق حمل السلاح... منذ متى لم تقم بمسح بندقيتك؟‍.

هذه بندقية يا أخي وليست عصا‍‍‍!!

ومع ارتفاع جلبة المغاليق وقرقعتها تصاعدت حركة الرجال وجلبتهم، بعضهم مدَّ رجله نحو الأمام، وبعضهم مال بعجيزته في محاولة لتسوية وضعه، وآخرون رفعوا بنادقهم في الفضاء في محاولة لمعرفة حالها قبل وصول العريف برهوم، وهمس بعضهم... الله يلعن الزمن الذي صار فيه برهوم يأمر وينهي.

وزمَّ البعض شفتيه امتعاضاً، بينما تابع برهوم مهمته في تفتيش السلاح وقد بدت عليه علامات تعب واضحة، لم يعد قادراً على رفع البندقية كما كان في بداية مهمته... علق عبد الرحيم الهايش قائلاً... أراهنكم أن بندقيتي أثقل وزناً من العريف برهوم حتى وهو يلبس طاقيته، ضحك بعضهم وبلع الآخرون ألسنتهم حين حدجهم المرشح عبود النايف بنظرة آمرة... وعلت قسمات برهوم علامات الغضب وهو يحاول عنوة سحب المغلاق الذي بين يديه... رفع البندقية قليلاً... شد المغلاق بكل ما يملك من قوة... ثم أعاد خفضها وأعاد شد المغلاق من جديد... فطفح وجهه بالحمرة... ثم حاول مرة أخرى...

بندقيتك صدئة وأنا أحلف أنها لم تذق طعم الزيت منذ استلامها واستمر في مهمته حتى آخر البنادق المتآخية في أحضان الرجال ثم عاد إلى مكانه بعد أن رمق حمدان الطافش بنظرة سريعة ومرّ بكمه فوق شاربيه.

وعلى الفور بدأ العسكري سويلم ومجموعة من الرجال بتوزيع أمشاط الرصاص الإضافية على الحضور،... كانت صفراء لامعة لها رائحتها الخاصة، ولصوت احتكاكها إيقاعه الخاص أيضاً. كانت عينا العريف برهوم تنتقلان شيئاً فشيئاً مع أمشاط الرصاص وهي تستقر في أحضان الفلاحين... يمرط شاربيه اللذين نفرا للتو وشكلا خطين متقابلين فوق شفة عريضة منتفخة.

ارتفع لغط الرجال وعلت همهماتهم، والتصقت بعض الأفواه بآذان جوارها لتفضي بأشياء كثيرة، تمنى المرشح عبود لو يعرفها أو يمسك بأطرافها.

قال بعضهم: نخشى أن نعود إلى أيام السخرة والبهدلة ولعانة الوالدين، وقال آخرون: كيف يمكن أن نعمل نهاراً ثم نحرس الحدود ليلاً؟.

ومنهم من قال: جيوش عربية طويلة عريضة هزمت، وبلع لسانه وسكت.

وقالوا أشياء كثيرة تتعلق بحمدان الطافش وأمثاله.

رفع المرشح عبود يده... أطرق قليلاً ثم قال:

يا إخوان، نحن هنا لنسمع كل الآراء، فمصيرنا واحد، وأوجاعنا واحدة، والأصوات الخافتة التي لم ترتفع قط، والهمس الذي لم يتجاوز أطراف الشفاه هما سبب بلائنا وخيباتنا. وبعد صمت قصير نهض محمود، الشاعر الشعبي الذي تعرفه القرية جيداً، وعليه تنعقد مجالس الفلاحين في مواسم الشتاء، وعلى لسانه تفيض الكثير من الحكايات التي يطربون لها، وهو ذاكرتهم التي لا تنسى شيئاً من أيامهم...

... اتكأ على بندقيته، سوى عقاله جيداً وأطلق لسانه:

سيدي، نحن معكم في كل ما سمعنا، ولكن هل تستطيع هذه البنادق أن تواجه العدوان؟.

فيما مضى جلبتم لنا البنادق الفرنسية القصيرة، لعلكم تعرفونها جيداً...

.... طلقة أو اثنتين وتكون الثالثة في حضن حاملها.

ثم البنادق البولونية الطويلة التي انفجر معظمها عند الطلقة الأولى، وها نحن الآن نمسك بالبنادق(36) الفرنسية الصنع ذات الطلقات الخمس... جميعنا يعرف أنها لا تصلح حتى للصيد، ثم رفع بندقيته، وشد مغلاقها بصعوبة بالغة،... نعم سيدي هذه بنادقكم.

أعتقد أنها ليست صالحة منذ الحرب العالمية، وأنتم تعرفون ذلك بلا شك... سامحني يا سيدي... هذا وجعنا ولا مفر من قول ما قلت.

ثم نهض أبو العبد وهو رجل ربع القامة، أسمر الوجه، له قدرة جسدية بادية التفّت أصابعه الغليظة حول بطن البندقية... صمت قليلاً... جاس بعينه وجوه الرجال...

سيدي قد أقول كلاماً يخيل للبعض أنه خارج عن موضوع الاجتماع ولكنه في صلبه كما أعتقد... بدا المرشح عبود وقد استنفرت حواسه جميعاً ثم أومأ برأسه...

توزيع الأراضي سيدي، هذا أمر يجب أن يؤخذ على محمل الجد، بعضنا لا يملك شيئاً حتى الآن، نحن نطالب بتعديل قانون الإصلاح الزراعي،... صحيح أن بعضنا قد استفاد من هذا القانون ولكن أراضي البيك مازالت واسعة، وهي تكفي للجميع...

تنحنح حمدان الطافش واحتقن وجهه رغم محاولاته إخفاء ذلك...

اسأل حمدان هذا الذي جاء بلا بندقية... اسأله كم من الدونمات يملك صاحبه البيك... قل يا حمدان... أنت وكيله منذ زمن...

قال ذلك وقد بدت عليه علامات هياج واضحة.

حاول العريف برهوم التدخل... أشار إليه بطرفة عين اختلسها من خلف المرشح عبود... عاود الكرة مرة أخرى... حاول أبو العبد أن يمسك هدوءه... ليس لدي أكثر من ذلك يا سيدي... هذا ما عندي... ومقاومة العدو لا تتم بالبنادق وحدها، ... وباختصار شديد، ... عندما تكون العرائش على بيادرنا بارتفاع واحد نكون جميعاً بخير، ثم جلس وقد حبس في صدره كلاماً كثيراً خشي عواقبه.

هبط الصمت، وتعلقت عيون الجميع على شفاه أبي العبد التي احتجزت خلفها كلاماً كثيراً، إلى أن بدأ وضاح الأعمى بالتململ... تناهض قليلاً، ثم هبط مكانه، ثم عاد للنهوض على عصاه من جديد، وقد بدا أن من بجواره يشدون أطراف قنبازه لمنعه من الحديث.

يا بني... أنت كما يبدو واحد من أبناء الفلاحين، هذا ما فهمته، من حديثك وهذا يعني أنك ستفهم ما نقول...

يجب أن نتعلم مما فات وإلا سنظل في المكان.

نحن في هذه القرية حاربنا كثيراً ولا زلنا... أيام الثورات في فلسطين، كل الثوار الذين تعرفونهم عبروا من هنا... أكلوا خبزنا، وشربوا ماءنا وركبوا بهائمنا وقاسمونا بيوتنا... نعم سيدي... كنا نحمل البنادق على ظهورنا، ونجتاز الطرقات الوعرة والأودية السحيقة إلى فلسطين، وكانت نساؤنا تخفي السلاح في حزم الحطب على ظهورهن إلى أن يصلن أطراف فلسطين... واستمر في حديثه إلى أن بدأ اللعاب يتطاير مع حركة لسانه وشفتيه واستقرت عيناه في فضاء المساء.

حاول المرشح عبود مداعبته... أنت الذي فعلت ذلك يا وضاح أم أهل القرية...؟ ارتفع صوت وضاح أكثر:

أنا وأهل القرية جميعاً..... تشهد علينا الجبال والصخور والأشجار والطرقات وحيوانات البر في كل الأودية.

وارتفعت عصاه في الفضاء لتحمل إصراره وتوقده وصدق انفعالاته.

أحس المرشح عبود أنه أمام موقف جدي تماماً لم يكن يتوقعه... تراجع إلى الخلف بخطوات متباطئة حتى التصق بالعريف برهوم الذي همس له:

سيدي هذا الرجل يعرف كل شيء... الطرقات والأودية والصخور والناس وتاريخهم وأبواب بيوتهم وأسماءهم، يسير في كل الأزقة دون أن يتعثر، وله حكايات كثيرة في الذهاب إلى فلسطين والعودة منها...

هزَّ المرشح عبود رأسه وتابع الاستماع.

وقبل أن ينفض الاجتماع ارتفعت أصوات كثيرة تطالب بتوزيع الأراضي وتحسين الأوضاع وتحديث السلاح...

وكان آخر المتحدثين شيخ القرية الذي انتهز فرصة الاجتماع لينبه الفلاحين إلى ضرورة دفع مستحقاته في نهاية الموسم مذكراً بأن ولده قد طرد في مرات سابقة عن الكثير من البيادر وعاد جرابه فارغاً...

قال المرشح عبود بعد أن شكر الجميع:

عبء ثقيل سنتحمله معاً... وكل ما سمعته الآن سيكون موضع الاهتمام قال ذلك وقد رق صوته. واشتعلت عواطفه على نحو أدخله قلوب الجميع.

انفض الفلاحون وعادت للطرقات جلبتها كما كانت، وامتلأت صدور الرجال بالاحتمالات القادمة، وقد أدركوا جميعاً أن مصائرهم ارتبطت بفوهات بنادقهم التي ترتفع على أكتافهم الآن.

إشارة أولى:

الحارس أبو سويد هذا الرجل الطويل الأسمر المعروق، هو الحارس الثاني في القرية منذ أن استحدثت هذه الوظيفة، حيث سبقه في ذلك رجل حليق الذقن والشاربين يميل لونه إلى الصفرة الدائمة، ولم يبرح مهمته إلا بعد أن أرهقته السنون ولم يعد قادراً على إعلاء صوته. والصافرة ذات الفم الأسود المتآكل والخيط المتسخ التي يستعملها الحارس أبو سويد هي ذاتها صفارة الرجل. ويُختار الحارس عادة من الرجال العاطلين عن العمل والذين ليس لهم أراضٍ تشغلهم عن القيام بواجباتهم وهم كما يبدو لهم مزاجهم الخاص في مجالسة الناس وطقوس حياتهم وأوقات نومهم، وسمرهم.

والحارس هو التابع أبداً لمختار القرية ينفذ أوامره التي يتلقاها عادة من أجهزة الدولة المختلفة، ويرافق رجال الدرك في الكثير من مهامهم وتحرياتهم.

أما أجرته فيتقاضاها في نهاية الموسم، وفق مقادير محسوبة من الحبوب، شأنه في ذلك شأن المختار ذاته وشيخ القرية الذي يرفع الآذان في أوقاته المحددة، وحارس2 الزرع الذي اصطلح على تسميته(المخضِّر).

ويعرف جميع أهل القرية أن الحارس(أبو سويد) يعشق الغجرية مريوم التي تحط رحالها عادة مع أهلها على أطراف القرية، وما غاب لحظة عن القرية ومجالسها إلا وكان هناك، يلاطفها وتلاطفه، يبلع ريقه وتمتص شفتيها، يوقد نارها، وتوقد ناره... يبعث فيها نار الأنوثة وتشعل فيه نار الأمل.

مرَّت أيام والمرشح عبود يقيم في مكتب المقاومة لا يغادره إلا لتلبية الدعوات التي وجهت إليه من معظم شبان القرية، وقد كانت البداية في بيت المختار كما هي العادة دائماً، وفي بعض الأحيان كنا نذهب إليه في مكتب المقاومة، ونمضي معه ساعات طويلة، تستمر أحياناً حتى طلوع الفجر،... نسامره، ونتحدث إليه عن همومنا.

وخلال هذه الفترة القصيرة صار قريباً إلى قلوب الجميع، وغادرت وجهه ملامح التهيب التي لاحظناها يوم قدومه، وقد استطاع بسرعة بالغة استيعاب مشاكل الفلاحين وقضاياهم، ومصطلحاتهم، وهمومهم، وبدا واضحاً التصاقه الشديد بنا، واحترامه لمشاعرنا وأحلامنا ومعرفته الأكيدة لشؤون الفلاحة والحصاد، وطقوس البيادر والمحاصيل.

إلى أن جاء اليوم الذي انتقل فيه إلى دار العم أبو الزين حيث استأجر غرفة بعشر ليرات شهرياً.

كانت غرفة من الحجر السوري الأزرق، وسقفها من أعواد القصب وأشواك البلان، ولها نافذة خشبية تطل على طبرية مباشرة، وفي صدرها مرآة كبيرة التصقت بالجدار وهي واحدة من غرفتين تتألف منهما دار العم أبو الزين، وإلى جانبهما إسطبل كبير للمواشي.

حمل العريف برهوم والعسكري سويلم حقيبة المرشح عبود وبعض الأمتعة واللوازم التي تم تأمينها من دكاكين القرية...

... صحون، وملاعق، وبابور كاز، وإبريق وكاسات شاي، ومصباح كاز نمرة(4)، وبعض اللوازم الضرورية الأخرى.

دخلنا معه أرض الدار، فاستقبلنا أهلها كأحسن ما يكون الاستقبال، رحبوا به كثيراً كواحد من أبنائنا...

تناولنا معاً كأساً من الشاي في أرض الدار، تحت عريشة العنب التي امتدت أغصانها لتغطي فناء الدار الذي انتشرت في جنباته الكثير من الصخور العملاقة، وعلى أطرافها نامت بعض الوريقات المتساقطة من العريش.

كان الوقت مساءً... وقد بدأت رطوبة الليل تحمل رائحة الدار، التي امتزجت فيها نكهة خاصة لروث المواشي وأوراق العنب المنداة المتدلية...

تبادلنا أحاديث كثيرة، دار معظمها حول صاحب البيت وضيفه الجديد، حتى انكشف كل منهما للآخر، عبر مشاعر المحبة والاحترام.

وحين هممنا بالانصراف، دخل المرشح عبود غرفته الجديدة راداً خلفه باباً خشبياً، صرّ صريراً خشناً متباطئاً.

... طارت عيناه في زواياها، أعاد ترتيب بعض الأشياء، وقف أمام النافذة، أوغلت عيناه إلى فلسطين التي بدت كتلة من لهب وسط ليل دامس... شاقه المشهد كثيراً، ... هاجت به الذكرى،... حاول أن ينام، فتح حقيبته لإخراج منامته،... تفحص الكثير من أشيائه التي وضعتها والدته يوم قدومه، ... طالعته صورة جميلة لخطيبته هدى، فاشتعلت ذاكرته أكثر... قرر الكتابة إليها:

هدى حبيبتي:

كان من المفترض أن أكتب إليك فور وصولي، لكن ظروف كثيرة حالت دون ذلك، ... وأرجو أن تصدقيني أن وجهك كان يسابقني عبر سراب الطريق منذ اللحظة الأولى التي توجهت فيها إلى هذه القرية الجميلة من قرى الجبهة... كان وجهك يبدو لي راكضاً على السفوح وذؤايات الأشجار وأطراف الصخور.

حين وصلت يا هدى تنازعتني مشاعر كثيرة من الخوف والتهيّب والوحدة، لأول مرة أجد نفسي مع العدو وجهاً لوجه، ولأول مرة أشعر أن مهمتي صعبة، ولكن الآن وبعد مضي هذه الأيام، أصبحت في وضع أفضل، بل صرت واحداً من أهل القرية، أعيش كما يعيشون، وأحلم كما يحلمون.

اليوم يا هدى انتقلت إلى غرفة في دار العم أبو الزين، لاحظي هذا الاسم... أبو الزين... وهي تقع قبالة طبرية، من نافذتها يمكنك أن تشاهدي فلسطين كلها... فلسطين جميلة يا هدى، آه لو تكوني معي الآن.

تصوري يا حبيبتي وأنا أكتب لك، الآن تبدو أضواء فلسطين في مرآة غرفتي.

والعم أبو الزين الذي أقطن في داره الآن، رجل عجوز يعيش مع زوجته وابنته فقط، وهو أعرج يتوكأ على عصاه حين يمشي، وقد عرفت أن لغماً قد انفجر به في منطقة الحدود، أما ابنته فاطمة فهي فتاة جميلة(لا تغاري) وقد خُطبت لشاب منذ سنوات ولم يتزوجا حتى الآن بانتظار المواسم القادمة حتى يستطيع إيفاء مهرها.

المهر هنا كما هو الحال عندنا، نقود، أو مواشي أو كميات من الحبوب، وكل ذلك يرتبط بالمواسم والمحاصيل.

كل الأيام الماضية أمضيتها بين الفلاحين،... وجوههم يا هدى كوجه أبي... ووجوه نسائهم وجه أمي.

أما وجهك يا حبيبتي فأراه في وجوه فتيات القرية كلها وعلى أجنحة طيورها وأشجارها وأزاهيرها.

هدى:

سأكتب لك في الرسالة القادمة تفصيلات أكثر....

أرجو أن تكتبي لي عن كل صغيرة وكبيرة...

وأرجوك رجاءً حاراً أن تزوري أهلي كلما سنحت لك الفرصة... قبلي أمي... قبلاتي لكِ.

المخلص عبود.

* * *

رجال مع الفجر

مجموعات من الرجال، ومجموعات من البنادق، ومجموعات من الرؤوس الملتفة بكوفياتها، وأشباح متتابعة تمر سريعاً أمام أضواء النوافذ الخشبية العتيقة فتبدو ظلالها على الجدران هالات كبيرة متداخلة، ثم تعود كما كانت في ثوب الليل الذي هبط للتو... وصدور عامرة بأحزانها وأحلامها وخيباتها ومراراتها وحقدها ولهاثها، وأصوات أبواب تُفتح وتُغلق، تصرُّ قليلاً ثم يغيب صريرها، ونوافذ تنسرب أضواؤها ثم تختفي بعد إغلاقها وهمهمات رجال، وهمسات نساء مسربلة بندى الليل... (مع السلامة، دير بالك على حالك، انتبه جيداً، نحن بانتظارك... أغلقي الباب جيداً، لا تنسي عشاء الثيران، تفقدي حظيرة الأغنام، لا يصيبكم إلا ما كتب الله عليكم، ... سنعود في الفجر، توكلي على الله لا يفلح الأرض غير عجولها، ... لن نرتاح ما دامت البلاد والعباد على ناب ذئب... تصبحون على خير....).

أصوات أحذية، بساطير فرنسية قديمة توّقّع لحناً خاصاً على حصى الطرقات والأزقة، وأحذية كاوتشوكية لها دبيبها المميز وحفيف معاطف وسراويل، ولغط عميق... عميق تردده خيوط الليل،... ثم يغيب كل ذلك بعيداً بعيداً في تجاويف الصخور ومداخل الطرقات ومنعرجاتها، وفي بطون الأودية، والشعاب الوعرة وعلى جنبات السواقي والينابيع، إلى أن تصبح كل العيون في اتجاه واحد وإن اختلفت مواقعها.

العريف برهوم والعسكري سويلم يقطعان صمت المرشح عبود خلف منضدته في مكتب المقاومة الشعبية.

سيدي... لقد التحق كل الرجال... عشر مجموعات، توزعوا جميعاً من الكمين(1) وحتى الكمين(10).

نعم سيدي في الأماكن المحددة تماماً.

هذا يعني أن المنطقة كلها صارت تحت أعين الرجال...

نعم سيدي كما أمرت.

* * *