الفصل الثالث
مستقبل الديمقراطية في مصر
أمسكت الكتاب بيدي وبدأت أتصفحه وإذا بخالي يدخل مكتبه مسرعا ليجري اتصالا هاتفيا،
مراد: أنت هنا يا أحمد، برافو عليك، أنا لن أقول لك أن الكتاب خير صديق، ولكن ما دام ربنا هداك إليها فقد رزقت من غير حساب.
أحمد: طبعا، أنا أحاول أن أكون مثلك،أنت تعرف أن موضوع الكتب هذا أصبح يشغل اهتماماتي في الفترة السابقة وتفتح وعيي بقضية مصر،والثورة التي حدثت.
مراد: عظيم ولكن لم تجد إلا هذا الكتاب الذي على مكتبي؟
أحمد : قتلني الفضول أريد أن أعرف ماذا تقرأ؟
مراد: هذا من أجمل الكتب التي قرأتها وبغض النظر عن أنه جميل فإنه مناسب للظرف الزمني والتاريخي ومتماس مع ما تعيشه مصر، وهو كما هو واضح من عنوانه" مستقبل الديمقراطية في مصر"
أحمد : وهل انتهيت منه يا خالي؟
مراد: نعم قبل أن تأتوا بقليل، وبإمكانك أن تأخذه بل وتأخذ أيضا ما تحب من هذه المكتبة، أنت تعرف أنني أريد أن أتبرع بهذه المكتبة إلى مكتبة جامعتي التي عشت فيها أكثر من بيتي وقضيت فيها أحلى أيام العمر، الشباب والجامعة هم أصدق ما في أوطاننا، وتعبيرهم هو أًدق ترمومتر تريد أن تقيس عليه درجة حرارة الوطن، خذها منّي نصيحة يا أحمد، المعرفة لا فائدة منها إذا ظلت حبيسة للأرفف الأنيقة وشباب الجامعة هم التطبيق العملي لكل نظريات التعليم ولو رأيت أكثرهم لا يغادر كافتيريا الجامعة ويظهر عابثا لاهيا ولكنني أراهن عليهم في القادم من الأيام أنه سيكون لهم دور عظيم في النهوض بجسد هذا الوطن المثقل بالقيود.
ثم تركني معتذرا لرغبته في إجراء مكالمة هاتفية وبدأ يدير قرص هاتفه الأثري و إجراء مكالمته وأنا عدت إلى انشغالي بالكتاب الذي أفرحني جدا، بالفعل هذا ما كنت أبحث عنه، مستقبل مصر والعالم العربي مرتهن بمعرفة الديمقراطية،ما أجمل اقترحاتك يا أمي بالفعل كانت زيارة في وقتها،
خالي ينهي مكالمته ويتوجه إلى مجموعة من الكتب أمامه، وخذ هذه أيضا مجموعة من الإصدارات الحديثة ستنال أعجباك أيضا،
أحمد : شكرا يا خالي.
مراد: بس غريبة والله يا أحمد أن أحد الشباب في هذه الأيام مهتم بالكتب، هل تعلم يا أحمد ما مشكلة مصر بل ومشكلة عالمنا العربي والإسلامي ؟
أحمد : الجهل وعدم الوعي، وتساوي ورق الكتب مع ورق المناديل الرخيص.
مراد: أحسنت وتهانينا على هذا التشبيه وهذا ناتج عن ماذا؟ ارجع إلى المصدر الذي جعلنا بهذه السطحية، إنها الثقافة يا أحمد بمعناها الشامل، وليس القراءة والكتابة فقط، ولكن لذوقيات حضارية انطمست مع الأيام، سر في شوارع القاهرة لترى كيف أصبحت ذوقياتنا، إن إحصائيات القراءة يا أحمد أصبحت مفزعة ومقلقة جدا، وهذه أيضا مشكلة جيلكم الذي لا يريد أن يعترف بها جيلكم يا أحمد يتمتع بتدفق وحيوية ممكن أكثر منا ولكن حيويته وتدفقه الهادر على غير هدىً، ولو صقلتم أنفسكم بالقراءة والثقافة وفهمت ووعيتم لتم حل مشاكل كثيرة جدا ولخشي أي ديكتاتور أن يتصرف معكم بهذه التصرفات التي نراها اليوم ولا نملك لها إلا هذا التفسير والسببية،وللأسف بات الكثير يصفق للجهلاء بمنتهى الحماس في هذه الأيام الخدّاعة التي لا يُعرف فيها أين الحقيقة ؟ هذه الحقيقة التي ضاعت بين سيقان الظلم والقهر، ضف إلى ذلك أنكم جيل يبحث دائما عن الطرق السهلة للحصول على أي شيء،ومنها ثورتكم التي اخترتم فيها أقصر الطرق فضعتم وضاع حلمكم منكم، ولم يعد أمامكم إلا الفيس بوك أو تويتر أو أي موقع تواصل آخر على الشبكة العنكبوتية للتنفيس عمّا في خوالج نفوسكم، هل تصدق يا أحمد أن أحد الصحفيين قد أجرى معي حوارا منذ أسبوعين وقد وجدت أن معظم معلوماته كانت عن طريق النت ولم يكلف نفسه الذهاب حتى إلى المكتبة وشراء مؤلفاتي لعرضها وقراءتها والتطرق إليها في الحوار فبدا الحوار سطحيا إلى أبعد الحدود، وندمت عليه جدا وقررت عدم إجراء أي حوار بعد ذلك إلا بعد أن يقرأ الصحفي المحاور على الأقل أحد كتبي ليخرج الحوار مثمرا للقارئ الذي أحترمه وأن لا يكتفي بالمعلومات التي يضعها موقع الموسوعة" ويكيبيديا" على الإنترنت، ومجموعة المقالات التي لا تغني ولا تسمن من جوع،آه يا أحمد لو كنتم جيلا يقرأ لفهم الكثير ولتذوقتم المشهد تذوقا حقيقيا.
أحمد: ولكننا يا خالي حققنا ما لم تستطيعوا أن تحققوه .
مراد: قصدك ثورة 25 يناير 2011.
أحمد: نعم ألم تكن ثورة لم تحدث في تاريخ مصر، هل خرجت الجماهير من قبل لتنادي بالحرية مثلنا بشكل فاضح، خالي نحن فضحنا مصر بالحرية وبالمطالبة بها أمام العالم وليس هذا فقط بل ونسقط نظاما قمعيا في أيام معدودة.
مراد: تاريخ مصر مليء بالتظاهرات والأشياء التي تفرح القلب وتجعلني على مستوايَّ الشخصي متفائل أن دورات التاريخ مستمرة وأن ديمومتها لن تنتهي ومحيط الحراك الشعبي لن ينقطع أبدا ولكن من قال لك أن النظام السابق كان قويا ؟ لما سقط كما تقول في أيام معدودات وبهذه السهولة، أحمد أنت تعلم أنني كنت وزيرا يوما ما في أحد الحكومات التي حكمت هذا البلد منذ 20 عاما ولم أكن وزيرا فقط بل ومستشاراً أول لرئيس الجمهورية وبالتالي أستطيع أن أتوقع ما حدث ولكن دعني أحدثك بصراحة فعلا ما حدث في 25 يناير لم يتوقعه أحد وهو استثنائي بكل المواصفات وقد كسرتم حاجز الخوف واللامبالاة الذي تشكل عليه جيل وتكوّن على مدار قرون طويلة، وحاولتم بطهارة وطيبة أن تغيروا كيمياء عقل المواطن المصري فلفظكم، وهنا يبتسم خالي ملء شدقيه،
أحمد : ويا ترى ما العمل بعد كل هذا، خالي العزيز لقد حوربنا بكل شيء وبأي شيء، و لم يتركنا أحد إلا وحاربنا، حربا ضروسا، تخيل أنني أريد أن أسقيك ماء وأنت عطشان بل تكاد تموت من العطش وأنت ترفض بشدة بل وتكسر زجاجة الماء فلا تشرب ولا أشرب أنا أيضا بمنطق المعادلة الصفرية،بهذا المنطق أصبحت مصر تعيش!
مراد: لا تحزن،و تأكد أن عملية الحراك السياسي ما زالت مستمرة وأيضا ما زالت شعلة الثورة متقدة ولن يستطيع أحد أن يطفئها وما زال أيضا باب التغيير مواربا ولكن دعني أقول لك شيئا في البداية، ولا تنكر أنكم تعاملتم مع ثورتكم بمنتهى المراهقة وأحيانا أخرى بمنتهى الحمق، أي نعم أنتم ما زلتم صغارا ولكن من يقوم بثورة من المفترض أنه أنضج وأعقل من أن ينصت لكل هاتف يأتيه بضرورة فعل شيء معين أو عدم فعله وكان يجب أن تتمتعوا بهذا النضج والدافعية أيضا في التعامل مع القوى السياسية التي لعبت بكم كثيرا.
أحمد : ولكني قرأت يا خالي أن الثورة في مضمونها هي حالة هيجان ورفض لكل شيء راكد ومستقر في المجتمع، وبالتالي فلا تلوم علينا ذنب المراهقة والحماقة وبعدين حقيقي كل القوى السياسية حاربتنا وحاولت إطفاء شعلة الثورة المقدسة فينا بطريقة الملكيين والجمهوريين.ولكن للأسف صدَّقه بعضنا واعتقدوا أنهم من الممكن أن يخدموا مبادئ الثورة.
مراد: ومن قال لكم أن تصدقوهم، يا عزيزي هؤلاء الساسة متلونون بألوان الوجود وخطوط قوس قزح وتلك الألوان الأولية والثانوية بل هم كل ألوان الوجود اللا متناهية والسرمدية معا، لقد أخطأتم بحسن نيتكم، وأخطئوا هم أيضا بعدم انتماؤهم للحياة الجديدة التي كانت قد بدأت تنسلخ في مصر،
أحمد: طب والأخوان يا خالي هل حقا هم من أضاع الثورة وقدموها لقمة سائغة لأعداء التغيير أو لأنصار القديم وبقاء مصر هكذا عجوز شمطاء ؟
مراد : جيد جدا، سؤال ممتاز، افتح الكتاب الذي أردت أخذه
أحمد : هذا
مراد : نعم هذا الكتاب "مستقبل الديمقراطية في مصر" افتح على ما أتذكر صفحة 34 وأبدأ من نصف الصفحة تقريبا،
أحمد :ها هو الكتاب، صفحة 34 المنتصف " من بداية لقد خُدع.
مراد: نعم، ابدأ بالقراءة.
أحمد : "لقد خُدع كثير من الشباب في اكتشاف الرغبة الدفينة والنوايا الحقيقية لعجائز السياسة في التغيير والذين أبدو تحمسا للعهد الجديد الذي أراد البناء على أطلالهم القديمة ولكنهم في حقيقة الأمر لم يؤمنوا إلا برب واحد وعقيدة واحدة هو رب السلطة وعقيدة الحكم وأخلصوا في العبادة لها وتقديم القرابين التي كان يحبها ويعشق منظرها وهي تتكاثر أمام مائدته اللا متناهية والتي لم يشبع منها أبدا وهي جماجم الشباب وعيونهم الجميلة التي كانت ترى الوطن الآخر الذي يرفضون قيامه، وللأسف الشديد انطلت على كثير من الشباب هذه الخدعة الكبرى وصدّقوا هذا الوجه الذي كان يحمل زهرة الربيع في يده،ويخبئ نصل العداء والخديعة في قلبه الذي لم يكن يروى ولا يسقى إلا بدمائهم الزكية، هذه الوجوه التي لم تكن أبدا إلا وجوه كهنة معبد الاستبداد وسدنته، عجبت لأمرهم كيف غيروا دينهم في يوم وليلة ولا خجل وتقدموا الصفوف ولا خجل، وكيف لفاقد الشيء أن يعطيه، هؤلاء هم الذين لم يؤمنوا أبدا بغير حكم الفرد ولم يحملوا في أيديهم إلا المباخر وأعواد المشانق "
مراد : قف يا أحمد، هل عرفت الآن لماذا ضاعت ثورتكم ؟، وأنا حين أقول ثورتكم فأنا أقصدكم أنتم لأن هذا زمانكم ولا يحق لأي منا التشبث به وإلا لحملنا العار في أيدينا إلى يوم يبعثون.
أحمد : وهل كل ذنبنا أننا أردنا التغيير، هل هذا يا سيدي ذنب نستحق عليه كل هذا القتل والقنص والحبس والسحل، هل محاولة النهوض بمصر لتعود كما كانت جريمة ترتقي إلى درجة الاتجار بالمخدرات والخيانة العظمى؟.
مراد: هو ليس ذنبكم ولكنه ذنبنا أيضا معكم، بل هو ذنبنا جميعا.
أحمد : أذن ما الحل ؟
مراد: الحل أن نقرأ ونتعلم ونفهم، ونستخلص دروس التاريخ لنقف على عبر الزمان الذي مضى حتى لا نقع فيها مرة أخرى، يا أحمد الثورة ليست كلمة تقال في مظاهرة ولا ألوان وخطوط توضع على مترين قماش يعبر فيها عن مكنون النفس وطلبات الفؤاد ولكنها حياة جديدة بكل معنى الكلمة، ومعاني لا يفهما كل من عشق التحدث بلغة القدماء وعاش حياة السابقين التي كانت تنحني فيها رقابهم حين يمر الموكب.
وهنا تأتي "سميرة" زوجة خالي لتخبرنا بصوتها الخفيض أن الطعام جاهز،
مراد : إذن هذا يكفي يا أحمد وسنستكمل حديثنا في وقت آخر، وقمنا وخرجنا إلى غرفة الطعام وخالي يربت على كتفي بحنو ويقول :لقد كبرت يا أحمد ما شاء الله عليك،معقول قليل من الكتب يفعل فيك هذا !
أحمد : الولد لخاله، ألم يقلها القدماء، ولكن لقد عرفت الآن لماذا أبعدوك عن السلطة.
مراد: لا تقلق بالعكس تماما لقد أنقذوا رقبتي، بالله عليك هل هنالك من عاقل ليشارك في هذه المسرحية العبثية والمضحكة والمبكية في آن واحد، يا بني مصر الآن مسرح كبير والكل يحاول أن يمثل فيها دوراً ولكنهم للأسف يتصارعون على دور البطولة الذي تنتظره الجماهير العطشى بمنتهى الحماقة والغباء، من يعمل الآن يا أحمد سياسة فإنه كالذي يحرق شهاداته وكتبه وكل حياته في محرقة نارها موقدة تلتهم كل شيء، العاقل يا بني فقط هو من يخرج من هذا المشهد ويقف مراقبا من بعيد ويرى سقوط الأقنعة.. الحمد لله أن سخر الله لي من يفكر في مصلحتي دون أن أطلب منه ذلك، الحمد لله أنني ابتعدت عن هذا الإعصار القادم من أفق الزمان البعيد، هذا الإعصار الذي حمل معه هموم كل الذين رحلوا و أحقاد كل من عاشوا .