مقدمة

5 0 00

هذه الرواية:

أحفاد أورشنابي

التأريخ ذاكرة الزمن، – لا مراء، ولا جدال فيها، ولا مناص من تقبلها باعتبارها حقيقة ثابتة -، هذه بديهية مكرسة. والأدب، بكل أجناسه سواءً كان بالأسطورة المتداولة المتناقلة عبر الأحقاب شفاهاً أو على الرقيمات أو الرقوق أو الصحائف، حاول أن يتماهى مع التأريخ ويسّطر الأحداث بشفافية ومصداقية، فأفلحت بعض الأساطير والقصص والروايات والأشعار الملحمية، فسجلت لنفسها مكانة في المشرق من السرد القصصي والشعري المدون وتناقلته الأجيال تلو الأجيال، فيما ذهبت الأخريات التي تعمدت تزييف الوقائع أدراج الرياح والإهمال والنسيان، فلا عجب أن تبقى بعض الأساطير والقصص والسير، مثل العنقاء تحترق وتولد برمادها، عبر الزمن، متجددة متسريلة بالحياة.

وتأسيساً على هذا الفهم، نسجت روايتي (أحفاد أورشنابي) حين نقلت وبكل أمانة، أحداث قرية في شمال وطني العراق، أيام الحرب العالمية الأولى، التي اكتوى بنيرانها أبناء العراق والشام وحوض الأردن، وأرض العرب في شمال أفريقيا، حين سيق أولادها وشبابها، رجالها وكهولها ليكونوا حطباً لنيران أشرس حرب ضروس إستعّر أوارها لأربعة أعوام، والتي أطلق على هذه الممارسة الشنيعة (السفر برلك) أي (السفر براً)... وتجولت عبر ذاكرة شيخ في حوله الثمانين بتفاصيل تلك الأيام الممهورة بالحزن والفجيعة والموت، لضيعة هاجعة هادئة في شمال وطني، والتي ثكلت بالاحتلالين، العثماني الذي اقتطع من الزمن أربعة قرون ونيّف وحوّل ربوع هذا الوطن الثري الأصيل إلى خراب ينعب في جنباته التخلف والفاقه والجهل. ورديفه الآخر، الاحتلال البريطاني عقب الحرب التي تكللت بمعاهدتي سايكس بيكو وسان ريمو اللتين رسفتا بموجب تفاصيلهما بلداننا تحت نير الانتداب.

وتزخر أحداث الرواية التي لم ألتزم في كتابتها بالطرائق الكلاسيكية السردية (البداية، الذروة، الخاتمة) بل أنشأتها بطريقة من يقوم بوضع كرة من خيوط مبعثرة في علبة، ثم يسحب الخيوط رويداً رويداً، حتى تتشكل بالتالي معالم طرفي الخيط، وحاولت في نحت لغتها أن أزاوج بين اللغة المعاصرة بكل إرهاصاتها وبنيويتها التركيبية المعقدة، وبين طريقة (الحكواتي) ودكته الأسطورية، جاعلاً من القارئ أنفاساً متقطعة تتماهى في فضاء مقهى الذاكرة، وبذلك – برأيي – لم أقطع مع المتلقي سبل التلاقي والتسامي.

(أحفاد أورشنابي)....

ذاكرة زمن، لما يزل حياً في وجدان شعب حي.

أحفاد أورشنابي (*)

رواية

هيثم بهنام بردى

(*) أورشنابي: هو ملاّح "أوتونبشتم" الذي عبّر ملك أوروك "كلكامش" بطل الملحمة المسماة باسمه، بزورقه في مياه الموت، قبل وبعد حصول كلكامش على عشبة الخلود.

الفصل الأول: قال جدي

الفصل الثاني: النفق

الفصل الثالث: رجال المقلوب

الفصل الرابع: الوصية

الإهداء

في تلك العينين الزيتونيتين الألقتين المعلقتين في أعلى الوجه الحنطي الناحل الذي تتهادى من نهايته لحية ذات شعيرات بيضاء مضمخة بالحناء، في تلك القامة المشدودة المتسربلة بعباءة رمادية، والمقتعدة أبداً -منذ الأزل- دكة طينية رطبة في أفياء شجرة السرو العملاقة التي تفرض سيطرتها على الفضاء وتضم بين جنحيها الكوخ الطيني الآيل للتداعي والتنور المتفرد المقرور. في كل هذا الجو القروي الفريد كانت الحكايات تنتشر نابعة من ذلك الرأس ثم تذهب الأحجية مسافرة في المراعي والحقول وفضاءات القرية الموبوءة برائحة البيبون والدمن ودخان التنانير وثغاء الشياه وقأقأة الدجاج وصياح الديكة ونهيق الحمير وهديل الحمائم المنتشرة في فضاءات القرى كأشرعة بيضاء. وكانت تلك الحكايات ترحل عبر العصور في تواريخ القرى الجبلية النائمة بهدوء ودعة الأطفال على كتف جبل المقلوب تكتب تأريخها المضمخ بصليل السيوف والرماح والبنادق والرجال الذين تلفعوا الليل والنهار وصارعوا الزمان والمكان من أجل أن تبقى ((ب)) حية عبر العصور.

جرجيس، ذلك الشيخ الذي عاش حياته حتى النصف الثاني من عقده الثمانيني، كان يمسد رأسي الملقى في حجره الدافئ في ليالي الصيف المقمرة والمثقبة بالنجوم الوامضة يحشو ذاكرتي الغضة بحكايات عبقة برائحة القرى:- خبزها، وكرومها المنتشرة في حنايا البساتين، وسفح الجبل، والنساء المتسربلات بالحكايا السرية المدهشة وفي أحشاءهن تتولد أجنة لأبطال ينسجون ويكتبون تاريخ القرى، والساقية الجارية أبداَ صيفاً وشتاءً، ليلاً ونهاراً، تلك القرية التي استيقظت ذات صباح تشريني لتعلن ذلك الانطفاء الخاطف في عيون جدي، أيقظ في الذاكرة الفتية، تلك الحكايا المخبوءة في أعطاف الرأس، فكانت رواية ((أحفاد أورشنابي)).

إلى جرجيس بردى الذي قال ذات ظهيرة: الحياة حكاية.

أهدي هذه الرواية.

الفصل الأول

قال جدي

لم لا اكتب رواية؟ أية رواية، رديئة أو جيدة، قبيحة أو جميلة، سوداء أم بيضاء… المهم أن أكتب، أن أطرد حنادس الخمول والخواء اللذين يقرضان رأسي كجرذ لا يستكين، إنه لرأي حسن، أن أكتب… ولكن كيف أبدأ. ما أصعب البدايات، إنها كالولادات العسيرة، مخاض طويل وصعب، طلق موجع مترقب، ثم الألم، ألم قاتل ولكن لذيذ كالشهد، فيه ترقب ولهفة واستعداد متأهب للفرح، كيف أبدأ؟ كيف…؟

يقال أن مفتاح الإبداع، أي إبداع إنساني يتوقف قياس نجاحه الباهر من المفتاح، أو بمعنى آخر من البداية، من أول كلمة، من أول فعل… لأجد إذن بداية متماسكة لهذه الرواية لكي توصف بعد ذلك بالرائعة، أو المتميزة أو البديعة… الخ، وشملت غرفتي المؤتلقة بالضياء الحليبي بنظرة فاحصة وقلت لنفسي..

- لتكن البداية سردية

وأنشأت أكتب

(كان الليل المقمر يشمل جوانب القرية الصافنة والمحتفلة بالكرنفال الكلبي، غالباً ما أستلذ بالسيل المتواصل من النباح الممزوج بالعزف الهادئ والسلس لسمفونية بتهوفن السابعة الآتي من جهاز التسجيل، فأذهب في تزجية جميلة وأنا أحاول أن أمزج السمفونيتين، تناغم نباح الكلاب، والاتساق العجيب للأنغام.

كتب عليّ أن أعيش في القرى موظّفاً في الصحة يسعى لطرد المرض عن الناس، وأنا المبتلى بالأمراض الصاعدة والنازلة، والظاهرة والمخفية، والصادقة والكاذبة، وأقضي ليالي القرية الطويلة والمملة في غرفتي المنزوية في طرفها الشمالي أحاول أن أسري عن نفسي المعذبة والتواقة إلى التطواف في عوالم ومدن غير مرئية ولكن محسوسة، فأحدق في الكتب الكثيرة التي تحتل ثنايا الدولاب الحديدي الصدئ المنخور القابع قرب النافذة فأرى همنغواي بلحيته السمحاء وهو يرتكن الى صخرة يحدق في البحر وثمة في عينيه عوالم زاخرة بالغموض، وأعاين ماركيز وهو يطارد ماكوندو بأخيلتة الجامحة في الحي اللاتيني بباريس ، ويجفلني المتنبي وهو يمرق كالسهم ممتطياً صهوة فرسه يسافر إلى مفاوز مجهولة…)

ولكن مهلاً، ما هذا التزويق والثرثرة غير المجدية، هذه ليست مقدمة جميلة تشد القارئ، أين الرابط..؟ أين..؟

أنت فعلاَ كتبت شيئاً معقولاً.

همست.

كيف…؟

وقبل أن أنخرط في النقاش، شعرت -فجأة – بأني وحدي في غرفتي، والوقت بعد منتصف الليل، فإنذهلت ونبرت بتساؤل.

من يكلمني…؟

فسمعت صوت ضحكة ليست غريبة عليّ، حاولت أن أتقصى في مدى هذا الرأس الموحش، ولكن دون جدوى.

- أنا جدك خضر، تستطيع أن ترفع طرفك وتراني.

ففعلت، ولشدة دهشتي، كان يجلس في الطرف المقابل للمنضدة، حدقت فيه متمعناً… نفس الملامح التي رأيتها ساعة كان مَسجياً في تابوته في غرفة بيتنا، الوجه الأبيض، اللحية بيضاء، والعينان صقريتان، شيء واحد اختلف… هناك، في التابوت كان يرتدي كفناً، والآن يرتدي صاية بيضاء ثلجية، مددت يدي كي أصافحه فقال.

- لا أستطيع، لأني غير محسوس.

- ولكني أراك؟!.

- صحيح، ولكنك لن تستطيع أن تلمسني…

ثم بعد صمت قصير.

- دعنا من هذا الآن وخبرني، كيف أنت…؟!

- الحمد لله.

- جيد، لنعد إلى موضوعك، أرى الحيرة تكتنف وجهك… أهربت الفكرة من رأسك؟

- ليس لدي أية فكرة، ولكن بي رغبة شديدة للكتابة.

- هنا الخطأ يا بني، في محاولتك للكتابة دون أي هدف تكون مثل ذلك البليد الذي حاول أن ينقل الماء بالغربال.

كيف؟

- إنّ به رغبة صادقة لنقل الماء، ولكنه أخطأ الاختيار، وأنت أيضاً بك رغبة للكتابة ولكن لا تملك الفكرة، وقد جئت الآن من أجل مساعدتك.

- كيف…؟

- أحاول أن أذكرّك ببعض الحكايات التي كنت أكلمك عنها، عن يوسف والرجال.

قلت باعتزاز.

- وقد كتبتها.

- نعم فعلت هذا ولكن فاتك الشيء الكثير، وكنت في عملك مثل ذلك الذي أثنى على جمال البيت - أي بيت جميل – وذوق الفنان المهندس الذي خططه ناسياً البنّاء، والحجّار، والعمال... إنك نسيت حكايا كثيرة من الحكايات التي سبق أن سردتها عليك.

- والعمل…

- ركز تفكيرك وستتذكر… وقد أساعدك.

- حسناً، أنا مستعد..

قال بحزم.

- سأحاول أن أعطيك المفتاح، ثم تتولى أنت بنفسك نسج كيان الأحداث ولكن لا ضير في المشاورة في شأن عصي، أو حادث لا تذكر تفاصيله بدقة.

- اتفقنا..

اعتدل على كرسيه وقال:

- أكتب.

قاطعته فجأةً…

- ولكن مهلاً، ألم تقل قبل قليل، أنك تكتب ما عشته؟

- طبعاً.

- إذن عليك أن تتولى المهمة.

قال في تساؤل.

- ماذا تقصد…؟

- أن تصبح أنت الكاتب.

- ولكنها ليست مهنتي.

- جرب فقط.

صمت قليلاً، سها في لحظة خاصة، ثم رمقني بنظرة حب وقال مشهراً سبابته في وجهي.

- قبلت ولكن شرط ألاّ تقاطعني مثلما كنت تفعل وأنت صبي.

- اتفقنا… ولكن كيف ستشكل نسيج القصة، أقصد بأية طريقة ستكتب أبالسرد، أم بضمير المتكلم أو الغائب، أم بتيار الوعي…

- هذه التسميات لا تهمني، سأسرد على طريقتنا القديمة، سأصبح أنا الحكواتي، وأنت السامع… هل ترفض..؟

- بل أوافق..

- اكتب إذن.

كان يا ما كان، وليس أحسن مما كان، وعلى الله عز وجل التكلان، كان هناك ضيعة إسمها (ب) على قدر كبير من الأبهة والجمال، ترتكن - كبدر البدور – بكل جلال، وبهدوء واتزان على كتف تلٍ عالٍ، وتشرف بكل سرور على غدير ذات ماء قراح… وذات حول من الأحوال، وليس أبهى وأطيب من تلك الأيام حيث تنعقد سنابل الحنطة والشعير وتثمر الغلال، وتكتسي الأرض بكل الألوان، في تلك الأيام من تلك الأعوام ولدت أربع نساء هن: سعدية، شمسة، بهية، ومريم أربعة أولاد هم: يوسف، خضر، فاضل ويونس… وكأنهم فرخ النعام، أو أشبال صغار، وعاش هؤلاء الأطفال طفولة ومراهقة، إلى أن كتب الله لهم تلك الحياة الضاجة وعدم الخذلان، واقتحام المصاعب والأنام.

جدي يعرفني بالرجال:

وبعد، يا سادة يا كرام، سأحدثكم عن الرجال… فخضر ولدته أم تقية ورعة في ليلة ربيعية صقيعية ولا غرابة أن يسميه والده بالخضر، ولم تأتِ تسميته صدفة أو اعتباطاً، ولكن عن دراية وتصميم تيّمناً بذلك التقي الصالح الذي أحب الماء حد أنه اتخذه مأوى له يقضي بها حياته الرخية الورعة… فالخضر لا يزال يتذكر كلمات أمه…

فجر ولادتك هطل المطر كالأنهار وارتوت الأرض حتى الثمالة وسالت المياه في الوديان، في هذا الجو البديع من احتفال السماء والأرض أطللت فجر ذلك اليوم وصاحت الجدة التي أولدتك مذهولة.

- رباه... أنه يضحك!.

وفعلاً، سمعتك تكركر بصوت ناعم ملائكي، فطرب أبوك وتعتعهُ الفرح وهتف.

- إنه الخضر… الخضر.

ومع الأيام، وكأن الإرادة الربانية تحاول أن تخلق من الصالحين أشباهاً فقد نموت دمث الطبع، تميل إلى الهدوء، لا تهاب الليل والعفاريت، وفوق ذلك محب -حد الجنون- للماء، حيث تخوض في ساقية القرية صباحاً ومساءً، صيفاً وشتاءً.

و يونس هذا العفريت الصغير الذي لو تسنى لحوتٍ بائس أن يبتلعه فلن يبقى في أحشاءه ثلاثة أيام قط، فهو لم يبق في رحم أمه سوى سبعة شهور، وتسميته بهذا الاسم كانت تلبية لرغبة جده في إحياء اسم - والد يونس – الذي قتله عصمت أغا… لا زلت أذكر جده، ذلك الشيخ الجليل الذي يتفيأ الجدار الشرقي لدارتهم الكبيرة ساعات القيلولة التموزية وهو يحدق أمامه بعينيه الذاويتين ويستطرد…

- إن أباك قتل غدراً يا بني..

فيسأله يونس .

- كيف قتله يا جدي…؟

فيسرح الجد في البعيد، يقول.

- أنا لم أعاين، ولكن أحد الرجال الذين كانوا ينظرون عن بعد دون أن يلحظهم حرس عصمت آغا هو الذي قال بأن الآغا بعد أن بصق على وجوههم صرخ بغضب.

- أنتم بهائم، خسارة الرصاص فيكم.

وكان الرجال المنكودون منكسي الرؤوس إلا يونس فقد كان ينظر في عيني الآغا تماماً.

قال عصمت آغا..

- لكني سأرأف بحالكم.

توالت الهمهمات من الرجال إلا أباك فقد ظلّ كما هو رافع الرأس ثاقب النظرات.

- سوف أعتقكم إذا فداكم أحدكم.

ران الصمت وغلف الإستسلام الوجوه الأربعة إلاّ وجه يونس الذي ظلّ على جلده وثباته بيد أن قدميه تحركتا إلى أمام وفمه هتف.

- أنا الذي أفديهم.

- وبعد يا جدي…

دارى الجد حسرة عميقة وقال في صوت آسر حزين.

- قتل الآغا الفدية، ثم قتل بقية الرجال.

… وإن كان ثمة ما يميز فاضل عنا كلنا فهو فضيلته وعفافه، وكأن القدر هو الذي الصق به هذا الاسم، فهو فاضل حقاً وشاء أبوه أن يسميه فاضلاً، كان ذا صوت شجي يطربنا في ساعات الخلوة والسمر في الليالي الصيفية المقمرة تحت سقائف العنب، أو نلعب (الحالوسي*) في بستان الضيعة.

ولكن الحديث عن يوسف يأخذ طابعاً أكثر حرارة، فأية صفة تتكلم عنها حتى تعرج إلى خصال أخرى أجلّ وأعظم فتأخذنا الحيرة في المفاضلة بين صفاته فهو وسيم حد الكفر يسبي قلوب العذارى حين يمشي في أزقة القرية المتربة وهو لطيف مثل الأنسام الربيعية، وهو متواضع وخجول… وكان يوسف يتحلى بصفة أخرى ميزته عن جلّ شباب القرية ورجالها. كان مقداماً لا يهاب المبارزة والعراك والمكاتفة، طرح وهو صبي أربعة صبيان أرضاً وبارز وهو في الرابعة عشر الفرسان الشباب، ولما نبت له شاربان قام بالمستحيل… والمستحيل في (ب) تحدي شاكر، الأسطورة التي نسجت حوله الحكايات المهولة والبطولات الخارقة، فنازله، كان ذلك اليوم من أيام (ب) التي لا تنسى فقد ظل البطلان بين كرّ وفرّ، وإقدام وإدبار، وفكاك وصدام حتى العصر، فما تعب البطلان واستقر رأي الفرسان على تعادل البطلين فأخذ الرجال يعانقون شاكر على فتوته وقوته وهو في سن الخمسين وحملنا يوسف على الأكتاف وكانت ليلة على غير ميعاد، أكل الرجال الخراف السمان ولعبوا بالسيوف والصفاح وعندما دجا الظلام تفرق الناس إلى المنام، وذهبنا نحن شلة الشباب إلى البستان وجلسنا عند البستاني حميد الكهل الستيني الذي أطنب على قوة يوسف، ثم فجأة قال…

- سأقص عليكم إحدى حكايات شاكر

ثم اعتدل في جلسته وأنهى لف سيكارته، أشعلها، مجّ منها نفساً وقال ( كان الوقت ليلاً، إحدى ليالي الشتاء القارصة، كنت منهمكاً في تغذية الموقد بالحطب حيث تتعالى أسنة النار البرتقالية وتشيع في الغرفة الطينية دفئاً يبدد أسياخ البرد ويمضي ضياؤه مجتازاً زجاج النافذة ومنفرشاً على أغصان العريشة الجرداء، حين نما إليّ، أو هكذا خيل إليّ، أن ثمة صرخة رجل مكبوتة وقد ترددت في الأرجاء، فتيقظت حواسي وأخذت أنصت، ثم تهيأ لي سماع قرقعة السيوف فقلت وقد أوشك اليقين أن يحتويني.

- كيف يدخل اللصوص (ب) وشاكر موجود…؟

وفكرت في السرقات التي وقعت في الآونة الأخيرة… فلخمس ليالٍ متتاليات تستيقظ القرية على صراخ رجل ملتاع وهو يزف الخبر الفاجع بقلب مقهور، لقد سرقت البقرة…؟ أو النعاج.. أو حتى الدجاج، فأصبح أمرها شغل أهالي (ب) الشاغل، وأخذوا في التمامهم في مقهى القرية يحدقون في شاكر بعتاب، أو من يطلب نجدة، ويبدو أنه قرر أن يفعل فاخذ يلبد كل ليلة في الروابي أو حذاء التل، أو عند الساقية ولكن دون جدوى – حيث عرفنا بعد الحادثة أنه كان يبقى حتى الفجر ساهراً ينتظر اللصوص، ولكنهم كانوا يدخلون ويظفرون بالغنيمة، وربما لأنه كان وحيداً، أو قد يتجنبوه – كانت القرية تستيقظ في الصباح على سرقة جديدة ولكنه لم ييأس ويبدو أنه الآن في حالة التحام صميمي مع اللصوص – لم أفكر جدياً بهذا رغم علمي اليقين بأن شاكر لن يقف مكتوف الأيدي حيال الأمر، خرجت بعد أن تمنطقت بسيفي وابتلعنني العريشة في ظلمة الهجيع الأخير، اتجهت صوب الحائط الموازي لسفح التل… ارتقيت الحائط، كانت الأصوات تأتيني جلية الآن، وصوت شاكر ينبثق كزئير أسد هصور، فتملكتني الحمية فارتقيت الحائط وحالما أصبحت فوقه تماماً لمحت شاكر – تحت ضوء القمر – كالضيغم، يتعارك بسيفه وقدميه وقبضته وحتى برأسه، وكان ثمة جسدان يفترشان الأرض دون حراك والدم يغسل ملابسهما، والأربعة الآخرون يحاولون النيل منه ولكنه كان كالزئبق لا يستكين ولا يتطاوع ولاتطاله ضرباتهم الماحقة، فهتفت، وقد سافر الدم إلى رأسي كالينابيع الحارة.

- أبشر يا أبا يوسف.

هتف دون أن ينظر، وقد عرف صوتي.

- حياك الله يا حميد، لا داع للتكلفة سأنتهي منهم حالاً.

ولكني قفزت فوق رأس أحدهم، وقع وأنا فوقه أمسكه من زلعومه وأعصر بكل قواي حتى إنتفض أخيراً بعنف ثم أخلد إلى السكون ولما نهضت منه سمعت صرخة حادة مؤلمة، فحدقت بلهفة وإذا بشاكر ينظر – للحظة قصيرة -إلى رسغ يده الأخرى وقد تدلت راحة يده إلى الأسفل ولم يبق بين الكف والرسغ إلا طبقة خفيفة من الجلد فصرخت في أسف.

- لا عدمتك (ب) يا زين الفرسان.

كان قد انقلب إلى وحشٍ ضارٍ، فقفز نحو الرجل المتبقي مثل الصاعقة، تناوشه بيده السليمة ووضع رقبة الرجل تحت إبطه وإعتدل في وقفته فطار جسد الرجل متأرجحاً في الهواء - لجهامة قامة شاكر – أخذ الرجل المخنوق يلبط قدميه ويضرب بهما الهواء حتى تدلتا بالتالي دون حراك، فألقاه شاكر إلى الأرض وإذا هو يستكِين فوق العشب، لحظت ثمة إزرقاقٍٍٍ طاغ في وجهه وقد خرج لسانه من فمه، حدقت في شاكر… أمسك رسغه ثم تناول يشماغه وقال.

- شد الرسغ بقوة يا حميد.

ففعلت وأنا أتمتم.

- بسيطة إنشاء الله.

فسمعت صوته كصفير الرياح الغاضبة في غابة جرداء.

- لقد إنتهت يا حميد، لا يجدي معها إلاّ القطع.

فجمدت في مكاني مأخوذاً…

- شاكر، ماذا تقول..؟

- لا جدوى يا حميد، إن العصب مقطوع.

ثم قال بعد برهة تفكير.

- هل أجد عندك دهناً؟

- نعم، لدي منه القليل.

قال في لا مبالاة عجيبة.

- هيا إلى الداخل.

ولما أصبحنا في الغرفة قال في لطف.

- أحم الدهن حتى يحترق.

- ماذا ستفعل؟

- سترى.

لما أزّ الدهن في المقلاة، عمد – في وهلة خاطفة لم أع منها سوى المنظر الخاطف الرهيب – إلى السيف وبضربة واحدة وقعت الكف أمامي على التراب ثم وضع طرف الرسغ النازف المبتور في الدهن الملتهب… شممت رائحة اللحم المحروق ثم رفع رسغه ولفها في قطعة قماش، وقال.

- عطشان.

ناولته الماء فلما ارتوى آل إلى الصمت وأحسست في وجهه آثار السهر والتعب والألم فقلت له.

- تستطيع أن تأخذ قسطاً من النوم.

- على شرط أن توقظني بعد ساعة لكي ندفنهم وندفن هذه أيضاً.

وأشار إلى الكف الملقاة أمامه…

- وأن لا تقول لأحد، ما حدث…

قلت في تعجب..

- لماذا؟

- لأنهم من رجال عصمت آغا، القرية ليست في حاجة إلى مشاكل مع هذا الظالم.

- قد يكشفون الأمر.

قال بثقة وعيناه تومضان ببريق خاطف.

- ننكر هذا، ليس لديهم ممسك علينا.

وفعلنا ما اتفقنا عليه في الفجر المتأخر، وانتشر خبر يده المقطوعة في (ب) وعلم الرجال – رغم عدم تكلم شاكر – إن الرجل فقد كفه دفاعاً عن القرية.

ولما انتهى حميد من سرد الحكاية قال في توسل.

- يا أولادي، بحق الله، لقد زلّ لساني وأفشيت السر، ولكن أرجوكم ألا تخبروا أحداً بهذا، إنه عهدي لشاكر وقد أودعته صدوركم.

ونحن نقسم له بالكتمان لمحت ثمة في عيني يوسف أشبه بدمعة وهو يحاول جاهداً أن يكبح جماح عواطفه، وفي قسماته علائم الندم على تحدي هذا الصنديد… ولكن على أية حال، بقي الجبلان شاهقين، لا ينهزمان، وتبقى الريح مهما بلغت من قوة تتكسر على صخورهما مثل مياه الغدران…

أما سليمان وداود وجمعة وحاتم فكانوا يكبرونا بخمس سنين تقريباً، ولكن رغم هذا البعد الزمني في الكبر إلا أنهم آثروا أن يكونوا من الخلان والأحباب والأصحاب.

جدي يقول: الآغا رجل لا ذمة له ولا ضمير.

وبعد يا ولدي…

إن عصمت آغا الظالم حاول في يوم ما أن يسري عن نفسه المضطربة فماذا فعل…؟ وأية تسرية جميلة كانت، ولكن قبل أن أسرد عليك الحكاية، ربما تتساءل، من يكون عصمت آغا هذا..؟ وما علاقته بقريتنا وما أصله؟.. الخ، لم يكن الآغا من (ب) بل من ضيعة لا تبعد عنها أكثر من ثلاث ساعات ونيف، وكانت لديه حظوة كبيرة عند والي الموصل التركي، لذا فقد كان يفعل ما يحلو له من آثام وجرائم دون وازع من ضمير أو خوف من سلطة، كان له أتباع مدججون بالسيوف والبنادق ويسكن مع نسائه الأربع في قصر منيف مبني من الحجر والجص في (ك) وكان له كلبة بيضاء كأنها الذئب، وكان يعزها كثيراً ويحبها بجنون حتى أشيع عنه بأنه كان يحبها أكثر من أولاده، لم يسلم رجال (ب) من أذيته حيث قتل يونس مع أربعة من قرية (س) المجاورة حين اتهمهم الآغا زوراً وبهتاناً بأن شياههم قد دخلت مراعيه وعاثت فساداً في الزرع لذا فإنه صادر الشياه وقتل الرجال … وهذه الحادثة التي سأرويها لك حدثت لبعض من فلاحي قرية (ك) التي يسكنها، لا لشيء إلا تسرية عن النفس المقبوضة وإرضاءً لنفسه المتهورة العطشى للدماء.

( أسر عصمت بك لنفسه

- إني ضجر، ماذا أفعل…؟

وحدق في الأرض الخضراء المترامية أمامه، كان الرجال نصف عراة منهمكين في عمل دائب يزكّون الزرع من الزيوان ويهصرون في ثنيات ترابها المغسول بالمطر، دماءهم الفائرة المكبوتة، وعيونهم تلتصق في تحديق خفي يعج بنداء خافت وغامض نحو عصمت أغا الجالس على الدكة الطينية والناركيلة تبقبق بين قدميه بصوتها الممل المألوف، ردد عصمت أغا لنفسه.

- كيف نسري عن أنفسنا؟

وإنطبع ما حدث أمس في ذهنه بكل جلاء…

بكل بهائها وجمالها حطت في الحقل، أصاخ السمع جيداً، همس… إنه ذكر ولكن أين أنثاه…؟ وقبل أن يكمل رآها تهبط بريشها الملتمع تحت إبر الضوء وتختفي في الزرع، أمسك البندقية جيداً وأخذ يقترب بحذر، حرص على أن لا يصدر عنه أي صوت، قد تجفل وتطير إلى الحالق، ورآهما جيداً، الذكر والأنثى في حالة عاطفية حارة، ينقر الذكر أنثاه، تنجذب هي نحوه، نصب خشبة البندقية على كتفه جيداً، صوبها على الجسدين معاً، بالغ في التدقيق وأطلق…، طار سرب من الدراج وقد ذعر من الدوي، ركض نحو المكان وهو غير مصدق، أكان كل هذا السرب هنا؟ ضاعف من جريه وثمة هاجس لا يخفي يدغدغ رأسه وسؤال يلح عليه، كم دراج سقط؟ ولما وصل لم يجد شيئاً البتة، شيئاً…

وصفق بيديه وهو يفكر.

- أحتاج للتدريب، أجل إنها فرصة جيدة، أسري عن نفسي وأتدرب في عين الوقت.

جاء رئيس الحرس راكضاً، إنحنى أمامه وقال بأدب.

- أمركم أغا

لف الأنبوب المطاطي حول الزجاجة وقال.

- أحضر لي عشرة من هؤلاء.

- أمركم آغا…

صرخ به بتبرم.

- دعني أكمل يا حمار.

تلعثم رئيس الحرس في إجابته.

- خادمكم المطيع، آغا.

استطرد الآغا باحتقار

- البندقية، وبسرعة.

* * *

تناول السوط ونهض من الدكة، كانت الأجساد المتلاصقة بحميمية في صف متلاحم تنظر إليه بإعياء، طفق يتأملهم وقد لوى بوزه تأففاً والسوط يتأرجح بين ساقيه المنفرجتين، سرى الدم - الذي يحسه يلسع كالنار الكاوية في خديه - وإلتمعت عيناه بالبريق الذي لا يقاوم ثم ردد لنفسه.

- سرب لا بأس به.

ونظر في وجه الأول وهمس.

- دراج معافى.

وتحول إلى الثاني.

- كلهم ذكور.

ثم تراجع إلى الوراء وصاح بهم.

- إسمعوا يا بهائم.

وتوقف ريثما تسري الجملة في رؤوسهم ليلحظ ردّ الفعل،... مثل أحجار صلدة، لا تفصح وجوههم الأسيانة عن شيء، فاستطرد بنفس الصيحة.

أترون الحائط خلفكم؟

لم يكلف أحدهم نفسه مشقة الإستدارة، وكأن الكلام لا يعنيهم، فيما طفقت عينا الآغا تتأمل الحائط الطيني الشاهق المنتصب بكل شموخه وعلوه.

- سأعد لحد مائة، الذي يستطيع بلوغ قمته ينجو، أما الذي يتخلف، رصاصة في الرأس أو الصدر، مفهوم.

ثم إقعد كرسياً وهتف…

- هيا.

* * *

عشرة أجساد ترشح بالتعب وتنبض بالسكينة، لم يقعدها يباس أيام العمر من التعلق بالحياة فاندفعت بكل قواها الإنسانية في الإنعتاق من بوتقة الفناء مثل ربان غريق أبصر - فجأة – فناراً قريباً، كان الفنار بالنسبة إليهم تسلق هذا الحائط الباسق حيث تشرق السماء فوقه زرقاء لازوردية، في نضالها المرير ذاك كانت تصدر صيحاتاً مبتورة وهمهماتاً غامضة وأنفاساً هائجةً تعلو من أثرها صدورهم بصخب وتهبط صاغرة، كانت الأجساد الإنسانية تتكاتف، تتقافز، تتسلق ثم تهوي إلى الأرض لتبدأ من جديد دون كلال، والآذان تتسمع بخوف مسعور.

- واحد وستون، إثنان وستون، ثلاث وستون…

* * *

أصبح قريباً جداً من الحافة العلوية، يندفع بكل قواه، بيديه وقدميه وبأسنانه إن اقتضت الضرورة لتسلق البقية الباقية من الحائط، يحس أن الأيدي ترفعه من تحت ويوشك على الطيران، ينظر تحت، الأكف والسواعد تسانده وتدفعه إلى الأعلى، تزحف يده نحو الأعلى، تقبض على الحافة العليا، يسمع أصواتهم.

- تمسك جيداً يا حمد.

يزحف يده الأخرى ويتعلق بالحافة ثم ينهض جسده ويستوي - مثل الحلم - فوق السور، يجلس والإعياء يرتديه ويسحب شهيقاً عميقاً ويتطلع إلى الأرض المفروشة تحته والمزدانة بالخضرة ثم ترتفع عيناه نحو السماء المكللة ببعض القطع الصغيرة من الغيوم الربابية، ولكنه يسمع فجأة.

- خمس وثمانون، ست وثمانون… سبع و…

ويحملق نحو الأسفل، يجد الرجال - ولدهشته المفاجئة – يفترشون الأرض واليأس يصفد وجوههم الناضحة بالرعب من الآتي الفاجع، يصرخ بهم.

- لِمَ أنتم جلوس؟

يجاوبه أحدهم.

- لا جدوى يا حمد.

ويقول آخر.

- سلّم على أهلنا يا حمد.

ويهتف ثالث.

- قبلّ أولادي واحداً واحداً، وبالأخص زيد .

ورابع…

- ……

وخامس.

- ……

والدوي ينيخ أذنيه.

- إثنان وتسعون، ثلاثة وتسعون.

* * *

حلق في الهواء، أغمض عينيه وطار هابطاً فوق طبقة لدنة من وسادة هوائية، أو فوق بساط سحري، أحس بألم خفيف في أطرافه ففتح عينيه.. وجد نفسه على الأرض والعيون تحدق فيه بذهول، من الخلف عيون أصحابه، وأمامه عيني عصمت آغا المفتوحتين على سعتيهما، سمع صوت أحد الرجال.

- لماذا يا حمد؟

وسمع صوت الآغا.

- لم رجعت؟

- ...

ورجل من صحابته.

لم اخترت الموت يا حمد؟

ردد مع نفسه.

- أي إنسان أكون لو رأيت نفسي حسب.

تقدم عصمت آغا بخطى وئيدة، صفعه بشدة وهو يصرخ.

- تحب الموت إذن؟

أجاب بصوت نافذ.

- بل أحب الحياة.

- وقد تمكنت من نيلها.

- ليس لوحدي.

ثم إستطرد بثقة.

- مصيري من مصيرهم.

وتراجع حمد قاصداً الرجال، قاموا إليه، قبلوه بحرارة، تلاصقوا، اتحدوا في قالب واحد، حتى القلوب تموسقت دقاتها في رنة واحدة، أصبحوا جسداً واحداً، حلقت أرواحهم في الهواء ثم تمازجت في كيان واحد، كل الرؤوس المعفرة بوعثاء السنين العجاف، وكان الجسد الواحد المتحد يحدق بعيون كأسنة النار نحو أنامل بيضاء راجفة تحاول بجهد عصي أن تحمل البندقية.

جدي يقول: رقصنا معهم حتى الفجر.

والنار فاكهة الشتاء، وبدونها لا تدوم المساءات، لا تنهزم الأرواح خائفة مذعورة وتنزوي العجائز مقرورات في زوايا البيوت وفي عيونهن ثمة برد وزمهرير يتجنبن إلحاح الصغار في طلب حكاية أو قصة عن الشاطر حسن، أو عنتره، أو الحمار الذي صار حكيماً، وبدون النار لا نتسامر عند حميد البستاني، النار، النار، النار… والنار بحاجة إلى حطب، والحطب عند مفاوز الجبل، والجبل يريد من يصرعه ويلويه، وليه يحتاج إلى رجال، والرجال بحاجة إلى الدواب… الدواب موجودة، والرجال موجودون، والهمة فولاذية، وفصل الخريف على الأبواب، إذن… في بداية سقوط أوراق الأشجار، كنا نهيئ الحمير، قطيع كامل من الحمير، وعادة ما كنا نحتطب سوية، أنا والخلان، يوسف، يونان، فاضل، داود، حاتم، وجمعة، نستيقظ مع الفجر بعد أن نكون قد تزودنا بزوادة خمسة أيام أو أسبوع على أكثر تقدير، والزوادة غالباً ما تكون "بقجة" كبيرة من خبز الرقاق المطوي، والتمر، والبيض، والراشي، وكيس كبير من "التتن" الكوردي، وكل لوازم السفر… ثم نبدأ الرحلة، يستقبلنا الخان القديم المتداعي النائم بإعياء كرجل يحتضر على سفح تل صغير نسجت عنه الحكايات فمن قائل بأن ثمة تحته مدينة آشورية قديمة، ومن يدعي وجود كنز من الذهب، فلا غرابة إذن من وجود الحفر الكثيرة المتوزعة على جنباته هي من فعل يد الإنسان، دفعه الطموح أو العوز إلى التل، عسى أن يزداد ثراءً، أو يطعم أفواه أطفاله المتضورة جوعاً… عند هذا الخان الذي يبعد مقدار مشي نصف نهار كنا نحط الرحال في أول يوم من الرحلة وبنيت ليلتنا في إحدى غرفه المتداعية الموحشة ثم نشق طريقنا نحو جبل الشيخ متى* فجر اليوم الثاني حتى نصل سفحه في الظهيرة فنقف للغداء، وبعد أن نستريح قليلاً نشرع بصعود الجبل فنبلغ قمته في الغروب حيث نتجه إلى أحد غيرانه آملين بقضاء الليل فيه، وبعد أن نعلف الحمير ونربطها جيداً نتجه إلى الغار وننيره بشمعة صغيرة ثم نبدأ أولى فصول الرحلة، عشاء دسم قوامه الديكة المسلوقة وخبز الرقاق…. ثم نبدأ فجر اليوم التالي المرحلة الثانية التي تستغرق عادة من يومين إلى ثلاثة أيام، وهي الإنتشار في شعاب الجبل قاصدين الغابات الطبيعية التي تعج بأشجار الصنوبر والجوز والزعرور والبلوط، فنعمل من الصباح حتى المساء في قطع الأغصان وجني الثمار من دون إعتراض من مالك أو صاحب لأن مالك هذه الغابات المتعددة هو الباري تعالى، والله جلّ جلاله لا يعارك الإنسان أبداً… وبعد أن يتم تحميل الحمير بأخشاب الصنوبر والبلوط وتمتليء "الهكبات" ".." بثمر الجوز والبلوط والزعرور، نشد الرحال راجعين إلى (ب) والفرح يغمر جوانحنا وثمة في عيوننا تمور صور سهرات حافلة بحكايات جداتنا الساحرة وهن يتحلقن حول نارٍ مستعرة في المواقد وفي وجوههن تعج الآلاف من الحوادث عن الأنس، والجن، والنساء، وفي بؤبؤهن ذلك الشراع الذي يدعو إلى الإبحار في جزر بعيدة.

وفي خريف ما…

ونحن في رحلة العودة، وكان الوقت ليلاً، منتصف الليل تقريباً، ونزولاً عند رغبة إسماعيل، الذي علل إلحاحه الى إيفاءه بالوعد في الحضور قبل يوم على أقل تقدير من زفاف خلف ابن عمه، وطئنا مشارف الخان المتداعي، ولما أدركناه وقفنا مبهوتين والدهشة تعقد ألسنتنا، كانت (ب) عن بكرة أبيها عند الخان، ذاك أبي، وهذا شاكر، وهذه حسنية وتلك زهرة، هؤلاء هم جميعاً، كل هؤلاء الأوادم، ماذا جرى؟! قام الزمار والطبّال، فأخذ الزمار ينفخ والطبّال يدق، وإنعقدت حلقة دائرية كبيرة من الدبكة… صرخت مذهولاً.

- عرس!

هتف يوسف.

أهذا حلم أم علم؟

قلت والدهشة رداء يرتديني.

- (ب) كلها عند الخان.

وبعد برهة استطردت.

ولم الخان؟

تابع داود.

- والدنيا منتصف الليل!.

قال حاتم.

عرس من يا ترى؟

قال جمعة.

أيكون عرس خلف؟!

ولمحنا خلف يأتينا من عمق الحلقة، وكان وسيماً حليق الوجه، يرتدي صاية نظيفة بيضاء، ودميراً أزرق، وعلى رأسه عقال رفيع أسود فوق كوفية بيضاء، كان باسماً، وعلى سيماء وجهه فرح طافح وهو يفتح ذراعيه محيياً…

- مفاجأة، أليس كذلك؟

- نعم.

قال في إعتذار حقيقي.

- إنها رغبة أبي، صمم أن يكون العرس عند الخان.

ثم أخذ يقبلنا بالتتابع، وبعد أن انتهى قال.

- تفضلوا… فالعرس لا يزال في أوله.

وإنصهرنا في دوامة قاتلة من القبلات والعناق، أنشأت النسوة يزغردن تحية لنا، ونحن مأخوذون لا زلنا من الموقف المفاجئ، أعد لنا مكان الجلوس، فجلسنا نجيل أعيننا في الحاضرين، لمحت أبي يجلس على مقربة مني فرفعت يدي محيياً ووضعتها على رأسي، فإبتسم كعادته ثم وضع كفه على صدره كعادته، وبعد فينة وجيزة أتى خلف وجلس بيننا وأخذ يحدثنا كلاماً عادياً عن مستلزمات العرس، وأطال في وصف الزفة وما جرى من هز الأبدان منذ خروجهم من القرية وحتى مشارف الخان، حيث رقص الرجال بالسيوف والعصي، وتسابقت النسوة في الزغاريد والغناء فيما كان هو وصبرية، كل على صهوة حصانه يحدق أحدهما في الآخر بنظرات الوله والحب، وإنفرد أحد الحاضرين – على ما أذكر سالم ( وسالم هذا رجل ساذج سمعت عنه حكايات كثيرة تبعث على الضحك، ولكن واحدة منها كلما أتذكرها أستغرق في ضحك متواصل حد الاختناق، فبينما كان سالم في إحدى الليالي عائداً من الموصل وهو يمتطي حماره وقد وضع أمامه باباً خشبياً صغيراً ابتاعه من الموصل، فإذا به في جوقة من اللصوص، فما كان منه إلاّ أن نزل عن الحمار وأنزل الباب وأوقفه على طوله ثم أقفل مزلاج الباب، وصاح بظفر.

- لقد أقفلت الباب أتحداكم أن تسرقوني.

فما كان من اللصوص إلاّ أن أغربوا في الضحك، ثم تركوه وشأنه ) في غناء موالٍ حزين عن شاب تركته حبيبته وهربت مع فارس مجهول نزل القرية في يوم ما، ثم غادرها هارباً مع الفتاة، تاركاً قلباً ثاوياً مثلوماً لا تداويه الأيام، فطرب القوم، وعمد بعض الشباب الى البنادق وثلموا الهواء بالرصاص كرد فعلهم الحاد مع الموال، فيما رفع الكهول عيونهم ثمة فيها شوق إلى أيام خلت، فطلب بعضهم الدبكة ، هتف خلف.

- يا أهل (ب) هذه الدبكة ستكون على شرف جمعة والرجال.

ثم قال موجهاً كلامه للزّمار.

- نريد نفخاً شيطانياً.

هز الزّمار رأسه، وسرعان ما إنعقدت الحلقة، كانت الألحان تنيخ أذني وتتعمق إلى نقطة بعيدة في رأسي فأحس إني خفيف وقد أوشكت على الطيران فيما كانت الحرارة أو النار اللذيذة التي تهرس أحشائي تدفعني إلى المشاكسة فأدق الأرض بقوة ثم أقفز طائراً في الهواء كطير فلت من أساره.

* * *

همسة إنبثت من داخلي .

- هل هذا شك، هل هو اليقين؟ إنها لينة، مثل ريش العصفور، مثل وسادة من ريش، ولا أثر للعظام بها، امسك بالكف جيداً، أتحسسها بين أصابعي، مثل بالونة تنضغط لينة طائعة، تذكرت قول أبي… وإذا تجسدت فإنها تكون لحماً على لحم لا عظم لها.

رفعت عيني نحو الوجه المنتصب على جانبي وحدقت منه، جلد ناعم مثل المرأة، حاذرت أن لا تبدر أية إشارة مني تشعرهم بأني أحسست بحقيقتهم رغم أن اليقين لم يتحقق، فك كفه من أسار كفي المتصلبة، فكرت بأبي ثانية وهو يقول..

- إنها تحاول دوماً أن تترك أثراً لديك، والآثار المفضلة لديها هي طبع كفها على ثيابك.

راقبت اليد التي تسلقت ظهري، اليد اللينة الملساء، ثم استقرت على ظهري تحت كتفي تماماً، وأحسست بثمة ضغطة خفيفة على ظهري، فالتفت إلى يميني وهمست بأذن فاضل.

- فاضل… هيا بنا.

- إلى أين؟

- إلى (ب).

فهتف بحبور.

- ونترك هذا العرس الرائع؟

حاولت أن أفصح عن شكوكي، ولكني أحجمت حين إشتبكت الكف اللينة بكفي فقلت.

- ولكني متعب.

همس غير مصدق.

- ما هذا ياخضر…؟

- صدقني إني دائخ!

- إذن استرح قليلاً…

يئست من فاضل، فحدقت صوب يوسف، رأيته في وضع مثل وضعي تماماً، فأشرت له برأسي، فأومأ رأسه موافقاً، ثم انسلخ عن الحشد، وإنسلخت أنا أيضاً عن الحشد، وأنا أدق قدمي على الأرض، ثم عمدت إلى أحدهم وإستللت العصا من يده وفعل يوسف كذلك، وإنفرط عقد الدبكة وإلتفوا حولنا، أشرت بعصاي نحو الطبال لكي يزيد قوة الإيقاع ثم تقابلنا، أنا ويوسف في رقصة عنيفة، كان العرق ينضح من جسدي مثل ساقية، ضربت الأرض بقدمي وإرتفع جسدي عن الأرض، أحسست لوهلة قصيرة بأنني سأبقى هكذا معلقاً في الفضاء، ولكني ما عتمت أن هبطت على الأرض وجهاً لوجه مع يوسف، فاقتربت من أذنه بحركة إيقاعية راقصة وقلت له.

- هيا بنا نذهب.

فإبتعد عني بحركة خاطفة ووصل حد الجمع المتكوم في حلقة واسعة ثم استدار نحوي، وقوّم عصاه في الهواء ثم أدارها في حركة حول رأسه، وجاءني في قفزة جبارة وقال هامساً…

- أعرفت السر؟

قلت وأنا أبعد المسافة بيني وبينه.

- نعم.

وإستدرت نحو الأصدقاء، كانوا يصفقون بحرارة، ولكني لمحت داود يصفق كمن يفعل شيئاً وفكره في شيء آخر، فإقتربت من يوسف الثابت في مكانه وهو يهز بدنه، فقلت له…

- لننه الرقصة إذن.

فقال.

- ونذهب.

* * *

وبعد أن عانقنا خلف قال .

- ولكن الفجر لم يطل لحد الآن.

قلت في تصنع.

- أعذرنا يا خلف، فنحن متعبون.

فقال في رضى.

- حسناً، أنتم معذورون.

ثم قال.

- لا بأس يا صحاب، فأنتم تطلبونني في غداء خاص.

قال يوسف.

- بسيطة.

وبعد أن امتطينا جيادنا ومشينا بقافلتنا المهيوبة، قلت لفاضل.

- فاضل… ألم تحس بخطأ ما؟.

- من أية ناحية؟

فقلت له.

- في كل ما جرى!

قال.

- أتقصد العرس، لا… ولكن الخطأ كان في إلحاحكما أنت ويوسف في الإستئذان.

فقال يوسف مباشرة.

- فأعلم إذن يا فاضل، بأننا قضينا سهرة ممتعة مع الجن.

صرخ فاضل برعب.

- جن… أجننت يا يوسف؟.

- بل كلنا كنا مجانين حين صدقنا بأن العرس في الخان العتيق.

- ما ضير ذلك إن كانت رغبة والد خلف؟.

هتفت.

- أي خلف يافاضل، خلف الآن يغط في نوم رخي مع عروسته في (ب) وليس في أطلال الخان.

فقال في حيرة.

- وما جرى في الخان؟.

قال يوسف.

- حفلة مع الجن.

ثم قال فجأة في إنذهال.

- أنظروا إلى الخان.

والتفتنا إلى الوراء، كان الخان ينغمس في إنبلاج الفجر الفضي، ولا أثر لأحد، كان الصمت يرتدي جنباته، ولكني قلت فجأة…

- أيها الأصدقاء، إخلعوا صاياتكم…

قال فاضل.

- لماذا…؟.

- لنرى الأكف…

- أية أكف؟

قلت.

- أكف الجن الذين راقصونا.

وفعلاً، كل من خلع صايته أخذ يحدق مذهولاً في شكل الكف المطبوعة على ظهر الصاية، ولما أفقنا من الدهشة قال فاضل وأسنانه تصطك.

- إذن كل هذا صحيح.

أجبته بلا مبالاة…

- أصدّقت يا فاضل، بأننا راقصناهم حتى الفجر.

جدي يقول: الكنوز خرافة.

وإعتدل المحتضر على ساعديه وحاول جاهداً أن يفلح في إنهاض جسده ولكنه لم يفلح، فاستكان لاهثاً على فراشه ثم قال…

- في الزاوية اليسرى من السرداب، تحت الكوة تماماً…

ثم حدق في وجه إبنه حاتم وأشهر سبابته وقال في صوت ذي نبرة واهنة.

- وعلى بعد ثلاثة أذرع من الحائط عليك أن تحفر…

ثم قال بعد برهة تفكير.

- وعلى عمق ذراعين لا أكثر، ستظهر الجرة، تكون فوهتها مسدودة بحجر صلب.

ثم تهدجت أنفاسه وهو يقول بحرارة.

- وأنت تزيح الحجر عن فوهة الجرة إياك أن تنظر مباشرة إلى ما بداخلها، بل عليك أن تنتظر قليلاً، ثم مد يديك لتحضى بالقطع الذهبية، أما إذا نظرت مباشرة فسينقلب الكنز إلى تراب.

وانتفض المحتضر بشدة، ثم أسلم الروح.

* * *

قال حاتم.

- ماذا تقولون؟

قال داود.

- الرأي رأيك…

أكمل حاتم مباشرة.

- أنا أرى أن نبدأ هذا اليوم…

فوافق الأصدقاء إلا أنا، فقد حاولت أن اصرخ فيهم، أن الكنوز خرافة، أن الكنوز لا تأتي من الغيب، والكنوز ليست ذهباً أو سبائك، بل الكنز الحقيقي هو ما تملكه النفس من صفاء وسعادة، ولكني أحجمت عن الإفصاح عن رأيي، فتهيأت معهم عن دون قناعة، ونزلنا السرداب مع المعاول وبقينا نحفر طيلة العصر حتى المغيب ولكن لم يبن أي أثر لأي كنز، فأجلنا العمل إلى الغد، وإتفقنا على السهر عند حميد البستاني، بعد فترة إنقطاع إكراماً لخاطر حاتم برزئه بفقدان أبيه عن شيخوخة ضاجة بالبحث عن الكنوز، والمنصهر حتى الثمالة بحكايا السلاطين الذين دفنوا كنوزهم في أرجاء الأرض أو حكاية المدن المحاصرة والتي حاولت أن تدفن كنوزها في الأرض لئلا تقع في أيدي الأعداء، أو تلك الخرافة أو المعتقد في أن (ب) مبنية على أنقاض مدينة آشورية فلا بد إذن من وجود بحور من الذهب تحت (ب) وكان أبو حاتم من الذين قضوا جلّ أعمارهم في البحث عن الكنوز الموعودة، فكان يقضي كل نهاراته في الحفر، ومعظم لياليه في مطالعة كتاب ذي أوراق صفراء متآكلة الحواف، تاركاً أمور تمشية العائلة لحسنية أم حاتم فقد كانت المسكينة تحصد وتزرع وتزّكي الزرع، وتدوس السنابل، ثم تذروه، إضافة إلى عملها البيتي العادي إلى أن كبر حاتم وشب فانتقلت أمور تمشية المعيشة إليه تاركاً أباه في رؤاه وخيالاته عن الكنوز والمدن المطمورة في التراب، ولكن رغم هذا لم يكن من الضد في عمل والده أو في تفكيره، بل كان في داخله يأمل أن يعثر على كنز مفقود أو جرار من السبائك تحرسها أفاع ٍ سامة ولكن مباركة لا تلدغ من يأتي الكنز في أدب ودون طمع، ولكن لم يحقق أباه الحلم، لم يعثر على الكنز، رغم أنه حوّل بعض الحقول أو التلال إلى حفر منتشرة ومتروكة إلى أن وافته المنية بعد أن اهتدى - مع نفسه بعد البحث والتقصي – أن الكنز الموعود ليس إلاّ في سرداب بيتهم حيث رآه في الحلم في الموضع الذي وصفه تماماً وما عليه إلاّ أن يتبع تعاليم الطيف ويظفر بمبتغاه، ولكنه عندما استيقظ وجد أنه لا يقوى على النهوض وشع في داخله أن كل شيء انتهى ولابد لهذه النفس القلقة التعبة أن تسافر إلى مستقرها بعد هذا التطواف الطويل ، وعندما وافته الساعة إجتمع إلى حاتم ووافاه بالسر ثم رحل تاركاً إبنه وفي داخله سعير محموم للبحث عن الكنز وكأن الروح النزفة العنيدة خرجت من جسد أبيه لتستقر في جسده.

* * *

- ولكني لازلت عند رأيي، الكنوز خرافة

قلت في تصميم، وعيناي تغوصان في الظلمة المتفشية في أحشاء السرداب باحثة عن الوجوه، كان الأصدقاء يجلسون على تل التراب المتكوم على حافة الحفرة المكتوية بالضربات المتلاحقة من المعول المنتصب بين يدي جمعة، قال حاتم مستاءً.

- كفاك مناكدة يا خضر.

- أنا لا أناكد يا حاتم، بل أقول الحقيقة…

قال في تذمر.

- بدل أن تثرثر، أنزل واحفر قليلاً.

- لن أفعل.

فقال.

- طبعاً، أبن أكابر، أبن كاتب في ولاية الموصل.

- لا ليست المسألة أبن أكابر أو غير ذلك، المسألة مسألة قناعة…

- أية قناعة؟

- بأنكم تحفرون بلا جدوى.

- والطيف لا يكذب.

قلت في صدق وحرارة.

- الطيف وهم، كل هذا وهم، وسترون.

فقال حاتم وقد أوغل في العناد.

- أتراهن؟

قلت في تصميم.

- أراهن.

فصاح إسماعيل.

- على خروفين للغداء …

هتفت بفرح.

- موافق.

ووافق حاتم أيضاً، فقلت مناكداً.

- عليك بتسمين الخروفين منذ الآن يا حاتم.

* *

رأيتهم يجلسون أمام باب السرداب وقد أخذ التعب وطره، وجوههم وثيابهم معفرة بالتراب، قلت لحاتم.

- مبروك.

- علام؟!

- الكنز…

قال حاتم في اعتراف.

- صدقت يا خضر.

قلت في مواساة وحب.

- ولكنك عنيد، قلت لك من البداية لا تتعب نفسك، ولكن دون جدوى، عنيد…

قال في تسليم.

- كسبت الرهان.

حاولت أن أسري عنه، فهتفت.

- لدي اقتراح.

- ……!

قلت مؤكداً.

- ألم تسمعوني؟

قال إسماعيل.

- ما هو ……؟

- كم حفرتم؟

أجاب حاتم.

- مقدار أربعة أمتار.

فقلت وأنا أحاول أن ابتعد.

- أقترح أن تواصلوا الحفر، قد يخرج الماء، فلا يضيع جهدكم، وتكونوا قد فعلتم عملاً طيباً من دون أن تدرون.

وأسرعت في الركض متفادياً الحصاة التي أطلقها حاتم باتجاهي في حالة غضب حقيقي.

جدي يقول: كانت حاملاً وضروعها مدلاة أسفل بطنها.

من أعماق الليل الساجي المكتوي بأسياخ البرد الكانوني انبثق النداء.

- غانم… يا غانم…

نظر إليّ أبي وهمس متسائلاً…

- إنه صوت فرج، إفتح الباب.

فنهضت نحو الباب، وعالجت مزلاجه الخشبي، وحالما فتحت الباب لمحت وجه فرج، كان في نظراته ضراعة وتعب وجوع، وفي بدنه رجفة أو إرتعاشة لا تنكر، قلت له…

- تفضل عمو فرج، تفضل…

فقام أبي، وعانقه ثم أجلسه حول الموقد، تكوم الرجل بإندفاعة حميمية وكأني به يود أن يتوحد مع الموقد، لمحت قسمات وجهه المشدود المسكون بانفعالات قاتمة، يتراخى ويتورد بفعل الدفء الذي تسرب في عروقه، فعادت روحه وانتعشت نفسه وأراح كوعه إلى الوسادة كمن يفضي عنه تعب آلاف الدهور، قال أبي موجهاً كلامه إلى أمي…

- أعدي العشاء.

ثم قال أبي.

- أجلب الماء لنغتسل.

ومن ثم إتجه بكليته نحو فرج، وسأل باشاً.

- خير إن شاء الله؟

صعد القهر إلى وجه الرجل بغتة، واعتصرت شفتاه الكلمات.

- عصمت أغا.

صفق أبي يداً بيد كمتوقع كارثة…

- يا ساتر، ماذا فعل؟

- إنه يفني (ك) عن بكرة أبيها.

- لماذا…؟

حاول الرجل أن ينتزع الكلمات قسراً من شفتيه المتوردتين.

- بسبب كلبته.

- كلبة؟!.

صاح أبي مندهشاً ومنكراً، وقد فتح فاه، فيما إستطرد فرج.

- لقد نفقت كلبته المدللة أو قتلت، لا أدري، فجن جنونه، وخرج رجاله في الليل يطلقون على أي رجل يصادفونه، وقد قتل حتى ساعة هروبي ثلاثة رجال وامرأتان…

همس أبي.

- يا ويله من غضب الله…

وقال فرج.

- وقد جئتك قاصداً أن تقبلني دخيلاً عندك…

- حياك الله يا فرج… البيت بيتك.

وبعد أن تعشى، وإستراح، سأل أبي فجأةً.

- غانم، لماذا لا تشرح أمرنا على الحكومة في الولاية، أنت منهم ويسمعون كلامك…

فقال أبي وضحكة عاجزة ساخرة تتملكه.

- أية حكومة فرج، أية حكومة، هؤلاء جوقة حرامية.

ثم سأل فرج.

- أتدري من هي الحكومة؟

قال فرج عاجزاً.

- أنا سألتك.

- وأنا أجاوبك، أن الآغا هو الحكومة.

فهمس فرج بإعياء.

- والحل؟!.

- أن ترحل عائلتك تحت جنح الليل.

قال فرج بإعياء.

- إلى أين؟

- أرض الله الواسعة...

* *

وعندما اجتمعت مع الصحب عند البستان سردت لهم الحادثة باقتضاب، ثم ومع استمرار المرح، أنشأت أسهب في الحديث عن الحادثة وأخذت أخوض في التفاصيل الدقيقة للمجزرة وكأني فعلاً عاينتها بدقائقها، وكان الصحب صموتاً وكأن على رأسهم البين، وعندما انتهيت، سمعت يونس يقول موجهاً الكلام إلى داود.

- ألم أقل لك يا داود لا تفعل؟

فهتف داود.

- ولكنها كادت تعضني، بل كادت تأكلني…

ففتحت عينيّ دهشاً وتساءلت بحيرة.

- عم تتكلمان؟

يبدو أنهما لم يسمعاني فأمعنا في اللجاجة.

- ولكن الحبة تصبح كبة.

فصرخ داود باستياء…

- وما أدراني أنها كلبة عصمت آغا.

فهتفت مع بقية الصحب.

- عصمت آغا!.

ثم أمسكت يونس من تلابيبه وهززته…

- أتقصد… أنتما… داود.

- نعم يا خضر.. داود قتلها.

فإندفع داود مدافعاً.

- ما قتلتها إلاّ بعد أن أيقنت أنها ستقتلني…

فهتف به يونس.

- ولكنك لجوج.. قلت لك دعها…

فقلت بصوت حازم.

- كفاكما عراكاً وصراخاً، اجلسا الآن، واخبراني.

ففعلاً، انزوى داود قرب حميد الستيني، وجلس يونس قبالتي فقلت له.

- ما الذي حدث يا يونس؟

التقط يونس أنفاسه المتسارعة وقال.

( أول أمس خرجت من البيت وكلي ضجر، وعزمت على السهر عند العم حميد، وأخذت أتمشى وأتنشق عبير الورود المنتشرة في فضاء القرية. ولما حاذيت بيت داود لقيته يقتعد الباب فسألته أن نتمشى فوافق، وسلكنا طريق (ك)، حكاية مني وحكاية من داود، لم نجد أنفسنا إلا إزاء قصر منيف تحيط به بيوت طينية متناثرة، فقلت لداود.

- لقد سرقنا الوقت.

- بل قل سرقتنا الأحاديث.

- أين نحن الآن..؟

- أتتغابى؟!.

قلت له في صدق.

- لا صدقني.

- إنها قرية (ك).

فإستنتجت شيئاً فاستطردت.

- وهذا قصر عصمت آغا.

- إنه هو…

فقلت في عجب.

- ما أبهاه…

أجابني داود.

- من تعب الفلاحين.

وكان الكلام بيننا عادياً على هذه الشاكلة، أنا أسأل وهو يوضح، أو هو يسأل وأنا أجيب، حتى - وبغتة - لمحنا كلبة تتمشى وثمة سلاسل تجرّر وراء أرجلها الخلفية تنتهي بطوق على عنقها، كانت الكلبة تمشي عرضاً دون أن تلمحنا، ويبدو أنها كانت مربوطة وقد فلتت من أسارها، وفجأة، تحرش بها داود، ألقى عليها حصاة، فأتتنا طائرة مكشرة عن أسنان حادة نضيدة، كانت بالغريزة - ربما – تعرف أن داود هو الذي تحرش بها، فجاءت مثل الصاعقة وقفزت في الهواء تجاه داود، فاستل على عجل مديته، وشق - وبلمح البصر – بطنها وهي تهبط فوقه، فإندلعت أحشاؤها على التراب وإفترشت الأرض تئن مثل أم فقدت ضناها، وعندما أغمضت عينيها في نزعها الأخير لمحت انتفاخاً ظاهراً على بطنها، كانت حاملاً وضروعها مدلاة أسفل بطنها… ).

* *

كان داود منزوياً ومتقنفذاً داخل جسمه يبتلع اللوم والتقريع، وهو لا يفتئ يهمس

- لم أكن أعلم…؟

وفجأة ً هتف حميد الستيني..

- حصل خير يا أولادي.. حصل خير.. لم يكشفكم أحد..

فقال يوسف في حدة…

- والناس الذين قتلهم الآغا؟

أجاب حميد البستاني.

- سينتقم الله لهم…

فهتف يوسف..

- ولكنه طغى..

- وليسوا أول الضحايا.

قال يوسف بحرارة.

- إن هي إلا كلبة، حيوان، أتقتل أرواح خمسة من أجل كلبة…؟!

- والقصد؟

فهدأ يوسف وأنشأ يحدق فينا بالتتابع، ولما وصل إلى حاتم هتف هذا بلذة المكتشف.

- لا يستشف أغوارك إلا أنا يا يوسف.

- وهل فعلت؟

سأله يوسف، فأجاب حاتم.

- أجل.

- فلا تفصح به إذن.

- لن افعل، ولكني أوافق على رأيك.

ثم إلتفت يوسف إلينا وقال..

- إسمعوا يا صحبي، أنا قررت شيئاً، هل توافقوني…؟

- فيم…؟

- قررت أن ننتقم لكل ضحايا عصمت أغا.

صرخ فاضل.

- أتقصد…؟!.

أجابه يوسف بهدوءه المعهود.

- نعم، يا صحب، يجب أن يدفع الآغا ضريبة دماء ضحاياه، يجب أن يموت.

فهتف حميد البستاني محذراً.

- ولكن يا يوسف، حاذر، إنك تحرث في البحر…

فنظر إليه يوسف وهمس.

- يا عم، إن هذا الظالم يقتل الناس مثل الأغنام، صحيح أنه بعيد عن (ب) ولكن أذاه طال (ب) أنسيت يونس ونجم، إضافة إلى أن ضحاياه في هذه الجريمة الجديدة كانت بسبب خطأ من أهل (ب).

وقاطعه حميد قائلاً..

- دعوا (ب) تعيش بطمأنينتها يا أولادي…

أجابه يوسف.

- لا تخف يا عم سنقتله بحيث لا يعلم بنا أحد.

ثم قال لنا..

- ماذا قلتم..؟.

وأخذنا نتقافز حول الموقد مثل الشياطين.

جدي يقول: لم يظهر الصلوغان تلك الليلة.

قال حاتم.

- ماذا تحسب نفسك؟

كان الغرور في تلك اللحظة ملكاً متوجاً في عرش رأسي، فأجلت عيوني الثقيلة أحدق في الصحب المفترشين أرض الغرفة، يحدقون في حميد وهو يديم نار الموقد، وأجبت حاتم بثقة.

- ما خلق خضر لكي يخسر..

- ولكنك ستخسر هذه المرة.

قلت في تشفٍ.

- لا يا حاتم، لن تستطيع أخذ ثأر الخروفين.

فقال في ثقة المنتصر.

- هل أشرط إذن..

فقلت في خيلاء.

- حتى لو على خاتم سليمان.

فقال في لهجة حارة.

- لا، لن أطلب منك البحث عن خاتم سليمان، بل طلبي هو أن تذهب إلى المقبرة وتضع هذه المقدحة على شاهدة أحد القبور، كعلامة إثبات.

فقلت وقد أحسست بالمطب الذي وقعت فيه.

- في هذه الساعة…؟.

- في هذه الساعة يا خضر…

وفكرت… تباً لك أيها اللسان الملعون ما أكثر ثرثرتك، طارت الخيلاء من رأسي وصحوت تماماً وأخذت أجيل النظر فيهم، لمحت سيماء الظفر طافحة على وجه حاتم، والتوجس على وجه جمعة، والتأمل في عيني يوسف، وحب في نظرات حميد، همس حاتم…

- هل توافق أم تعلن الانسحاب.

فقلت وقد فارت الحمية في رأسي.

- ما خلق خضر لكي يخسر.

فقال حاتم، وقد طار الظفر من وجهه.

- والشرط؟.

- خمسة ديكة حبشية مشوية.

فقال حاتم.

- زائد، ناقص.

قلت في تصميم.

- عشرة ديكة.

فإستطرد حاتم.

- لا بل أربع.

فقلت في ظفر حقيقي.

- موافق.

* *

الومض البارق المنبث من الحالق الموغل في البعد، يشمل الكون بطوقه الساطع للحظة قصيرة ليضيء القرية والبساتين والجبل والصمت المطبق يكللهم وكأنهم جوقة من الملائكة، أو تماثيل صاغرة صافنة، والمطر ينث ناعماً يبلل وجهي ويشيع فيه انتعاشة لذيذة، أحث خطواتي مجتازاً الزقاق المفضي إلى الساحة التي تنتهي بسياج المقبرة، لقد طارت الشجاعة من رأسي تماماً، وإستجليت في ذهني أبعاد المطب الذي وقعت فيه، فكرت.. ملعون حاتم، لقد عرفت مكمن الضعف فيّ فحاولتَ أن تختصر المسافة لنيل المبتغى وضرب عصفورين بحجر واحد: الرهان، وإثبات خوفي من المقبرة و… الصلوغات، وتناهى إلى ذهني كلمات خميس وهو يقول باهتمام…

- شيء لا يصدق، عملاق هائل لا تستطيع مهما رفعت من طرفك أن تطأ نظراتك قمة رأسه، له عيون عوراء يشدها بعَصَابة سوداء، يغطيه الشعر من قمة الرأس حتى أخمص القدمين، شعر أسود كريه، سيقانه طويلة جداً، إحداهما وراء كرمة الزيتون والأخرى خلف المقبرة، وإذا دققت النظر في وجهه جيداً، تجد عينا تقدح جهنماً، وفماً طويلاً تتدلى منه نيبان حادة كالسكين.

أحاول أن أتماسك، أشعر بأني أمسيت مثل قشة تتلاعب بها الريح والمطر، تتصادم ركبتاي لأكثر من مرة وأنا أناضل جاهداً أن أتماسك أهمس بابتهال حقيقي

- يا كابس الجان..

فأشعر بنوع من الطمأنينة تتسلل إلى نفسي فأنقل خطواتي مجتازاً الساحة الفسيحة، برقت الدنيا، بانت -ب- أمامي والمطر يصفع بيوتها الحجرية مثل عذراء تغتسل بطهر حقيقي ناشرة جدائلها في الفضاء، وعندما أطبقت العتمة ثانية، تعملقت صورة خميس أمامي.

- وهو عادة لا يظهر إلا في الليالي الجهمة والممطرة، حيث تكون الريح، والمطر، والعتمة والبرد، مربع الوجود، في تلك اللحظة يبرز وكأنه من دخان أو من قطرات المطر ويا ويل الذي يقع بين يديه في تلك الساعة.

ارتعدت فرائصي وكدت أقع وقد تيبس حلقي، لذت بالدعاء وقويّت شكيمتي، وتقدمت، فكرت، ليكن، ليأت، ليمزقني، ولكن لن أهزم، لا لن أنهزم بحاتم، فامتلأت نفسي بنفحات من الثقة والشجاعة، وبغتة ظهرت المقبرة أمامي مثل طلل دارس هجره الحبيب وأهل الحبيب، فمددت أصابعي نحو جيب الدمير، وأخرجت المقداحة.

- ولكن لِمَ يسمى الصلوغات، ومن أين جاءت تسميته؟

قال خميس.

- لا أدري، ربما لكونه على تلك الصورة من البشاعة.

قلت في خوف وتوجس.

- يا ساتر.

فاستطرد خميس بحرارة.

- هل تخافه؟

- من الوصف، لا أخافه فحسب، بل ستخمد أنفاسي في الحال لو تهيأ لي أن عاينته.

فقال خميس.

- أما أنا لا أخافه.

فأجبته في مماحكة.

- طبعاً عنتر لا يخاف الجن والأنس.

فأجابني بصدق.

- لا عنتر ولا هم يحزنون، ولكني مؤمن.

ثم علمني دعاءً يطرد الشياطين، فتلوته وأنا أضع المقداحة فوق شاهدة أحد القبور، ووليت وجهي قاصداً –ب-، بخطى ثابتة.

* *

- هذه هي

وأشرت بسبابتي نحو المقدحة المستلقية على الشاهدة، لمحت علامات الإنهزام على وجه حاتم، ولكني قلت فجأة ً…

- أشكرك يا حاتم.

- تشكرني على ماذا، ها، الديكة المشوية.

- لا يا حاتم، ليس من أجل هذا، فنحن أخوة، نمزح فقط، ولكن شكري على شيء آخر.

فقال في دهشة.

- ما هو…؟

- لقد طردت من داخلي إنساناً كان يخاف من وهم أسمه الصلوغان.

جدي يقول: في الفجر انتهى كل شيء.

طرق سليمان الباب، طرقات منتظمة، وهو يتصنع الصرامة وأنامله تبرم شواربه الكثة الطويلة المزيفة، جاء صوت رجل من الداخل.

- من…؟

هتف سليمان بلغة تركية سليمة.

- الجندرمة.

فسمعنا -من وراء الباب – صوت الرجل المرتبك.

- حاضر… حاضر.

ثم انفتح الباب على مصراعيه وبان من ورائه وجه الحارس الناعس والمسكون بالذهول، قال في إحترام جم.

- تفضل أفندم.

وتقدم الحارس نحو فناء القصر، ثم وقف واستدار صوب سليمان وقال في نفس اللهجة المؤدبة..

- أأوقظ رئيس الحرس؟.

فأومأ سليمان برأسه في هزات غبية وقال…

- مضبوط … مضبوط.

وقبل أن يبتعد الحارس نحو إحدى الغرف، ناداه سليمان..

- أجمع كل الحراس.

فقال الحارس.

- حتى حراس الآغا؟

فهز سليمان رأسه.

- تمام… تمام… حتى حراس الآغا…

وبعد أن غاب الحارس إستدار سليمان صوبنا، وهتف..

- ها ما رأيكم؟

أجابه يوسف.

- جيد، جيد، ولكن علينا أن نكون حذرين أكثر…

ثم أضاف بعد برهة.

- الهجوم، يجب أن يكون كالصاعقة…

فقال يونس…

- بل أسرع من الصاعقة، وسترى..

ثم إستطرد كالمخبول وهو يلصف عينيه..

- يوسف، أتسمعون ما أسمع؟

قال داود.

- نعم، أنا اسمع نقيق الضفادع.

فهتف يونس بحنق..

- أية ضفادع، أية ضفادع..

ثم قال بعد برهة صمت…

- إنه صوت الدم..

فقلت وأنا أحاول أن أخفف عنه، كنت أعرف أن يونس في حالة خاصة الآن، وأنه يصوغ أمامه صورة موت عصمت آغا قاتل يونس الأب.

قلت له…

- أبشر يا يونس، سنلبي صوت الدم..

فرشقني بنظرة حب وشكر، ثم انتبهنا جميعاً إلى الرجال القادمين من عمق الليل والقصر، كانوا حوالي عشرة رجال محملين بالبنادق والسيوف ويمشون على نسق عسكري منظم يقودهم عملاق هائل الجسم، وعندما وصلوا إلينا، تقدم من سليمان وأدى له التحية العسكرية، ثم قال بصوت يشبه قرع الطبول.

- خير إن شاء الله أفندم؟

فتنحنح سليمان ومخط بصوت مسموع ثم زفر الهواء وقال..

- خير.. خير..

وبعد لحظة من الصمت قال سليمان وهو يضفي نبرة احتفالية في صوته..

- جئنا عصمت آغا بأمر هام من مولانا والي الموصل…

فقال رئيس الحرس.

- هل نوقظ الآغا؟

فقطع عليه سليمان..

- ها، لا… لا… لن نزعج الآغا الآن، الصباح رباح.

ثم قال.

- الآن نريد أن نرتاح قليلاً.

فاستدار رئيس الحرس نحو حراسه وخاطبهم.

- خذوا الضيوف إلى غرفكم وأكرموهم..

ولكن سليمان قال في صوت ذي نبرة آمرة..

- بل لنبق جميعاً سوية، ندردش حتى الصباح. فالفجر أوشك أن يبزغ..

فأجابه رئيس الحرس بأدب جم..

- كما تشاء أفندم.

وحالما دخل رئيس الحرس بصحبة سليمان إحدى الغرف، وحرسه بصحبة الرجال وقد وضعوا أسلحتهم في الخارج حتى بدأت ساعة التنفيذ.

* *

صحيح أن الذكاء يغلب القوة، وصحيح أيضاً أن الذكاء وحده لا يكفي، ولا يفي الغرض المرتجى، وكذا الأمر بالنسبة للقوة، ولكن إن اجتمعت الصفتان فلن يكون هناك أي مستحيل يقف بوجهيهما، هكذا كان أمرنا مع الحرس الأقوياء، نعم الذكاء والحيلة انطلت عليهم، ولكن هذا وحده لا يكفل التغلب عليهم ما لم يتآزر مع القوة، وهذا ما فعلناه مع الحرس، فما أن أصبحوا في الداخل حتى هرع جمعة ويونان وحاتم نحو البنادق خارج الغرفة، مثل البرق، أو بلحظة أسرع من الثانية، كانت البنادق مصوبة نحو الصدور العشرة، ألجمت الدهشة الوجوه الصاغرة، وهي تحدق في الحبال الملتفة حول أجسادها كأفاع مميتة، وبعد أن ربطوا تماماً، الأيدي والأرجل والأجساد وكُممت أفواههم عدا الرئيس، قال هذا.

- من أنتم…!

فأسرع يونس بالإجابة.

- الدم.

هتف الرجل بغباء.

- ماذا؟

فقال يونس مستجلياً.

- دم القتلى.

- أي قتلى؟

- ضحايا عصمت.

- لم أفهم..؟

فقال يونس بنفاذ صبر..

- ولن تفهم أبداً.

ولكن يوسف تقدم من الرئيس المكبل وخاطبه بهدوء…

- إسمع يا هذا، أنتم لن تـُـقتلوا لأنكم مجرد دمى يحركها عصمت آغا على هواه، ولا ذنب لكم في كل ما فعلتموه، رغم أنكم قساة القلوب، وأغبياء أيضاً، ولكن عصمت آغا روضكم كالبهائم، نعم أنتم لن تـُـقتلوا، بل حسابنا مع الآغا الظالم، ولكن قبل أن نغادركم أحذركم من القيام بأي عمل فلا أمل لكم بالنجاة، لا أمل…

ثم أخرج ورقة ملفوفة من جيب دميره ووضعها في جيب رئيس الحرس وخاطبه.

- وهذه رسالة من عندنا إلى والي الموصل، أرجو أن توصلها إليه بعد أن يفك وثاقكم، وإذا سألكم عنا فقل له أنهم يدعون [ الدم ].

ثم استطرد بهدوءه المعهود ساعات الجدّ والعمل.

- وقل لهم وهذه أمانة في عنقك بأن أهالي (ك) براء من دم الآغا.

فقال في تساؤل حار..

- من أين أنتم إذن…؟

- من هذه الأرض الواسعة…

يبدو أنه لم يصدق فاستطرد يوسف..

- لك الخيار في التصديق أم لا، ولكن ثق بأن أهل (ك) لا يعلمون عما سيحصل بعد قليل لسيدك.

ثم قال وهو يستدير بعد أن كمم فم رئيس الحراس.

- على كل حال، دونت كل هذا في الرسالة إلى الوالي..

وأغلق الباب خلفه، أحكم رتاجه، وأوصى جمعة بالتيقظ.

* *

- عصمت.. عصمت…

كان يغط في نوم عميق ملفوفاً بأغطية حريرية ناعمة فوق سرير حديدي عريض، والغرفة تتضوع بأريج البخور، كان يشخر بصوت عالٍ مثل ثور ٍ أوغل في العمر عتياً، هزه يونس وهو يصرخ..

- استيقظ أيها السفاح..

رمشت أجفانه فجأة، وكأن عقله استوعب معنى الكلمة الأخيرة واستشف معناها، فتح طرفه بخوف وانفتحت أجفانه بسرعة وحملق في الوجه المنكب فوقه، سحب جسده بسرعة وحملق بشك نحو الوجه وهتف.

- من أنت…!

ثم شملنا بنظرة عجلى وتضاعف خوفه فانفلتت الكلمات من شفتيه متقطعة.

- من أنتم، وماذا تفعلون في غرفتي.

فقال يونس بصوت كالجعير.

- نحن دم.

ولكن يوسف تقدم منه وقال.

- نحن رسل من العدالة…

فصرخ به عصمت آغا.

- أية عدالة…؟!.

ثم صرخ ناظراً نحو باب الغرفة..

- حرس، حرس…

قلت له بهدوء

- حرسك مكبلون يا آغا…

فاتسع الفزع في عينيه وقال في مداهنة.

- ماذا تريدون مني؟

فقال يوسف بهدوء.

- أن نطبق العدالة.

فقال الآغا وقد استنتج مغزى الكلام.

- أنا ما فعلت بكم سوءاً.

فصرخ به يونس بغضب متفجر.

- بل قتلت أبي.

- من أبوك…؟.

- يونس، يونس أيها السفاح، الذي فدى الأبرياء، ولكنك قتلته وقتلتهم.

- ولكن…

فتدخل يوسف قائلاً…

- وقتلت أناساً أبرياءً لم يقترفوا شيئاً سوى أنهم كانوا ضحايا نزواتك الشاذة الغريبة.

فقفز يونس وأمسك بزيق الآغا وأخذ يهزه بهستيريا وقد تملكه فرح طاغ.

- ستموت يا أفاق، ستموت.

* *

وقال جدي بغتة:

- لقد تعبت الآن يا بني، يكفي الآن..

فقلت وذهني حالق في تلك الأجواء السحرية لما يزل.

- وبعد ذلك يا جدي، ماذا جرى؟

نظر جدي في عيني مباشرة.

- لا زلت يا بني على عهدي بك، لجوجاً تتعجل الأمور.

فقلت في حرارة وفضول.

- ولكنها حكايات جد رائعة، أرجوك يا جدي أن تحكي المزيد.

فقال في حسم.

- إني متعب، ولكني أعدك بأن أزورك ثانيةً، وأحكي لك عن حكايا أخرى.

فقلت في فرح.

- حسناً يا جدي، كما تشاء.

- والآن، أنا مضطر إلى وداعك..

فقلت في أسف وأنا أمد كفي مصافحاً.

- كما تشاء.

فقال وهو ينظر الكف الممدودة..

- أنسيت أني غير محسوس.

- آه، لقد نسيت.

واختفى من أمامي كما ظهر في لحظة خاطفة، حدقت في المكان الذي كان يحتله بأسف، ثم عدت إلى أوراقي وأنشأت أقرأ ما خطت يداي…