الفصل الثاني
كان سر اهتمام جوزيه آوُركاديو بوينديا هو حلم تَراءَىله ذات ليلة وهو في الطريق إلى ماكوندو لأول مرة ، عن مدينة جدرانها من المرايا ولم يستطع أن يفسر هذا الحلم إلا يوم اكتشف الثَلْج عند الغجر وقد بدا له أنه سوف يستطيع في المستقبل القريب صنْع قطع هائلة من الثلج على نطاق واسع من مادة عادية كالماء ، ومن الكُتَل تُبنى بيوت جديدة للقرية ، وهكذا لا تبقى ماكوندو مكانا يتلظىَ بالحرارة بل تتحول إلى مدينة تحتمل الحياة فيها ، وإذا كان لم يثابِر في في محاولاته لإقامة مصْنع ثَلْج فذلك لأنه كان في ذلك الحين منهمكا أشد الانهماك في تعليم ولدَيه خصوصا أُوروليانو الذي تعلق تعلقا شديدا بالكيمياء وقد عكف الاثنان فعلا على محاولة فصل بقايا ثروة اُوُرسلا الذهبية الملتسقة بقاع الإناء واستخلاص ما يمكن استخلاصه منها .
أما جوزيه آوُركاديو الابن الأكبر فقد عزف عن المشاركة في هذه المحاولة ، والواقع أن هذا الابن كان ذا إرادة وعزم وقد نما جسمه بصورة مفرطة حتى إذا بلغ سن المراهقة كان أقرب إلى صورة مارد ، وفي تلك الأيام ترددت على البيت امرأة عُرِفت ببالمرح والإثارة وطلاقة اللسان للمساعدة في أعمال المنزل ، وكانت تعرف قراءة الطالع بأوراق اللعب وقد حدثتها اُوُرسولا عن ولدها وعن خشيتها من حجمه المجاوز لسنه ،
فأطلقت المرأة ضحكة رنانة وقالت لها : بل بالعكس ، إنه سيكون سعيد الطالع .
ولكي تُثبِت المرأة نبوءتها جاءت إلى البيت بعد أيام قلائل ومعها أوراق كشف الطالع وأغلقت على نفسها مع الفتَى باب الغرفة الخلفية فكانت هذه الخلوة إيذانا بانقلاب خطير في أطواره وإذكاء لمشاعره العاطفية .
كانت هذه المرأة تُدعى بلارتارنيرا وكانت من أفراد الفريق الذي وفدَ مع جوزيه الأب لتأسيس ماكوندو ، جاءت بها أسرتها عنوة للتفريق بينها وبين الرجل الذي أغواها وهي في سن الرابعة ععشرة وظلت علاقتهما سرا حتى بلغت الثانية والعشرين دون أن يحسمها بالزواج ، فهل كان عجبا أن تجد هذه المرأة في جوزيه الابن خير عوض لها عما فقدته في ذلك العشيق الآبِق بل إنها تمادت في هذا إلى حد أنه أصبح يتسلَّل كل ليلة إلى بيتها في غفلة من أهله وأهلها .
وكان جوزيه الابن يجلس نهاره غارقا في ذكريات نشوته الجديدة حتى أنه لم يكد يفهم معنى لهذه الضجة التي شملت البيت كله فجأة ، عندما راح أبوه وأخوه الأصغر أُوروليانو يعلنان في بهجة غامرة نبأ نجاحهما في استخلاص ذهب اُوُرسولا من قاع الإناء وتنقيته مما علق به من شوائب .
وكانت اُوُرسولا سعيدة غاية السعادة بهذه النتيجة إلى حد أنها راحت تحمد الله من أجل اختراع الكيمياء ، وذهبت تقدم الحلوى والفاكهة لأهل القرية الذين توافدوا على الدار لمشاهدة هذه العجيبة ، وكان جوزيه الأب يريهم الذهب مُزْهرا وكأنه استنبطه من لا شيء ،
وفي النهاية وقف به أمام ابنه الأكبر الذي لم يكن يره في المعمل الكيميائي في الأيام الأخيرة إلا نادرا وسأله : كيف تراه ؟
فأجاب جوزيه الابن ببساطة : مثل براز كلاب .
فما كان من الأب إلا أن لَطَمه بظَهَر يده لطمة أسالت دمه ودموعه ، وفي تلك الليلة وضعت بلارتارنيرا كمادات فوق الورم وبذلت له حبها ما جعله يهمس في سمعها لئلا يسمعه أحد من أهلها وهما في غرفة نومها : أريد أن أكون معك وحدنا ، سيأتي يوم أقول فيه للناس ما بيننا وبعدها لا نحتاج إلى التستر ز\.
فقالت له دون أن تحاول صده : لو تم هذا لكان شيئا جميلا ، إذا أصبحنا وحدنا فسيكون بالإمكان أن نترك المصباح مُضاء لكي أراك وتراني بدل هذا الظلام من حولنا ، وسيكون لي أن أرفع الصوت وأصرخ دون أن يتدخل أحد ، وسيمكنك أن تقول لي علناً ما يخطر ببالك .
إن هذا الحوار الهمس وغضبه لما ناله من أبيه وتشوقه للإنطلاق في غرامه هذا إلى أبعد مدى كل هذا قد بثر فيه روح الجرأة حتى اندفع في لحظة عفوية إلى مكاشفة أخيه بكل شيء .
وأول الأمر لم يفهم أُوروليانو الصغير سوى فكرة المجازفة واحتمال الخطر الذي تعنيه مغامرة أخيه ، ولم يستطع أن يفهم الإثارة التي اشتملت عليها ، وشيئا فشيئا سرت إليه عدوى القلق وأصبح يتساءل في نفسه عن كنه الأخطار ويتلمس تفاصيل المعاناة والبهجة التي يتعرض لها أخوه حتى لقد جعل يسهر انتظارا لعودته حتى الفجر ، ولم يَطُل بهما الوقت حتى أصبحا يُكابِدان آثار السهر ويشتركان في العزوف عن الكيمياء وما يَبُث فيهما الأب من تعاليم وحكمة ، ولم يجدا ملاذا إلا في العزلة والانطواء .
وعندما فطنت اُوُرسولا إلى حالهما قالت : إن الولدين قد اختل عقلهما ، لابد أن عندهما ديدانا .
وبادرت فأعدت لهما شوربة كريهة أرغمتهما على تناولها حتى لقد تبرز كلاهما إحدى عشرة مرة في يوم واحد مفرزين طفيليات وردية اللون أبهجهما أن يرياها للجميع ، إذ هيأة لهما ذلك خداع اُوُرسولا وتحويل نظرها عن المصدر الحقيقي لاضطراب أحوالهما .
وفي الساعة الثانية من صباح يوم خميس في يناير وضعت اُوُرسولا الحامل في شهرها التاسع ابنتها أماراندا ، وعندما فحصتها الأم وهي وحدها وجدتها خفيفة مائية مثل وَرَل صغير ولكنها حمدت الله إذ كانت كل أعضائها بشرية ، كان هذا الخوف المتكرر من جانب الأُم عَقِب كل ولادة مرجعه إلى أسطورة مؤداها أن زواجا بين اثنين من أسلاف أسرتها وأسرة زوجها من الأقارب قد أنجب ولدا له ذيل خنزير ، وقد عاش متخفيا حتى سن الأربعين في ملابس فضفاضة إلى أن قطع قِصاب ذيله بِسِكّين فنزف حتى الموت .
ومهما يكن فإن أُوروليانو لم يلاحظ هذا الحدث الجديد إلا عندما امتلأ البيت بالناس فانتهز فرصة الهرج وخرج للبحث عن أخيه الذي لم يبت معه في الفراش منذ الساعة الحادية عشرة ، وكانت هذه الفكرة مفاجئة إذ لم يخطر بباله كيف يمكنه استدراج أخيه من غرفة بلارتارنيرا في بيت أهلها .
لقد راح يدور حول البيت مدى ساعات مُصَفِّرا بِنِداءات خاصة بهما إلى أن اضطره اقتراب الفجر إلى العودة إلى داره ، وفي غرفة النوم وجد جوزيه آوُركاديو يلعب بأخته الوليدَة وعلى وجهه دلائل التظاهر بالبراءة .
وما أن جاوزت اُوُرسولا فترة أربعينها حتى عاد الغجر إلى القرية في دورتهم السنوية وكانوا هم نفس المشعوذين والحُواة الذين جاءوا معهم بالثلج من قبل وقد أظهروا منذ البداية أنهم على عكس قَبيلة مالكويداس ، ليسوا رسل تَقَدُّم وإنما أعوان ترفيه وتسلية وكانت كل معروضاتهم وأدواتهم من هذا الطراز .
ولقد أمضى جوزيه آوُركاديو الابن وبلارتارنيرا أوقاتا بهيجة وهما يتفرجان على ألعاب الغجر إلى أن فاجأته بيلار ذات مرة بنبأ قلَبَ الدنيا فوق رأسه إذ قالت له : الآن أنت رجل فعلا .
ولما لم يفهم قصدها عاجلته قائلة : سوف تصبح أبا .
لم يَجْسُر جوزيه آوُركاديو الابن على مغادرة بيته على مدى أيام وكان يكفي أن يسمع ضحكة بيلار الرنانة في المطبخ لكي يهرب ويلجأ إلى المعمل الكيميائي حيث كانت تجارب أبيه تجري الآن على قدم وساق بمباركة من اُوُرسولا ، والواقع أن جوزيه آوُركاديو بوينديا الأب تلقى ابنه الآبق بالبهجة وأشركه معه في البحث عن حجر الفلاسفة وهي أحدث محاولاته ، ولكن على الرغم من تظاهر الابن بالاهتمام فإنه لم يفلح بالهروب من عنائه وأفضى به الأمر إلى فقْدِ الشهية ومجافاة النوم وانحاز إلى الاكتئاب والغم حتى أَعفاه أبوه من المساعدة في المعمل الكيميائي ظنا بأنه لا يجد القابلية لذلك ،
وقد فهم أُوروليانو بالطبع أن اكتئاب أخيه لا علاقة له بالبحث عن حجر الفلاسفة وإن كان لم يستطع أن يَنْفذ إلى دَخائله بعد أن آنس منه الصمت والانطواء والبُعد عن كل تبسم كما كان حاله في الماضي ، وذات ليلة عندما ثَقُلَت عليه الوحدة التي أصبح جوزيه آوُركاديو الابن يعانيها واشتدت نَقْمَتُه على الدنيا ومن فيها ترك فراشه كالمعتاد بيد أنه لم يذهب إلى بيت بلارتارنيرا وإنما يَمَّمَ شطر ملعب الغجر حيث راح يتفرج على العروض ويطوف بأرجاء الملعب على غير هدى إلى أن استرعت نظره فتاة غجرية صغيرة السن كانت مثقلة بالعقود ، وبدت في نظره أجمل امرأة في الدنيا ، وقد وقفت بين الجمع الذي كان يشاهد الرجل الذي تحول إلى أفعى لأنه عصى أبويه .
لم يعبأ جوزيه آوُركاديو بالعرض وشق طريقه إلى حيث وقفت الفتاة في الصف الأول فوقف عن كَثَب منها وأخذ يقترب منها إلى أن شعرت الفتاة باهتمامه بها وتبسمت له ، وفي النهاية صحبته إلى خيمتها حيث تبادلا القبلات والعناق .
كان ذلك يوم الخميس وفي ليلة السبت لف جوزيه آوُركاديو الابن منديلا أحمر حول رأسه وارتحل مع الغجر وعندما اكتشفت اُوُرسولا غيابه بحثت عنه في كل أنحاء القرية ، ولم يبق في الساحة التي أقام فيها الغجر سوى بقايا النيران الخابية .
وتطوع واحد من أهل القرية فقال لها : إنه كان هناك في الليلة الماضية وشاهد ابنها في الزحام يدفع العربة التي تحمل قفص الرجل الأفعى .
وصرخت الأُم لزوجها :لقد أصبح واحدا من الغجر .
فقال الأب الذي لم ينزعج لإختفاء ابنه وهو يَطْحن في الهاون مواده الكيميائية للمرة الألف : يا ليت هذا يكون صحيحا ، بهذه الطريقة سوف يتعلم كيف يصبح رجلا .
وراحت اُوُرسولا تسأل عن الطريق الذي سلكه الغجر في رحيلهم ظنا منها أنها تستطيع اللحاق بهم ، وتبعت هذا الطريق إلى أن ابتعدت عن القرية مساحة كبيرة لا تستطيع إيزاأها العودة ،
ولم يعرف جوزيه آوُركاديو بوينديا بغياب زوجته حتى كانت الساعة الثامنة ليلا فترك خلائطه الكيماوية تبرد وذهب لرؤية أماراندا الوليدة التي بُحَ صوتها من الصراخ ، وبعد ساعات جمع بضعة رجال مزودين بما يلزم وعَهِد بالمولودة إلى امرأة أبدت استعدادا لرعايتها ، وغاب عن الأنظار مع رفاقه في أثر للبحث عن اُوُرسولا ، وكان أُوروليانو معهم وأبلغهم بعض الصيادين الهنود بالإشارات وهم لا يفهمون لغتهم أنهم لم يشاهدوا أحدا يمر في الطريق الذي سلكوه .
وبعد ثلاثة أيام من البحث العقيم عادوا أدراجهم إلى القرية ، ومضت أسابيع غير قليلة أطلق فيه جوزيه الأب العنان لجزعه وفي خلال ذلك عكف على رعاية أماراندا الصغيرة كأم ، فكان يُحَمِّيها ويُلبِسُها وكان يدفع بها إلى المرضعة 4 مرات في اليوم ، بل جعل يغني لها في الليل الأغنيات التي لم تكن اُوُرسولا تعرف كيف تغنيها .
وفي أحدى المناسبات تطوعت بلارتارنيرا بالقيام بالأعمال البيتية إلى حين عودة اُوُرسولا ، وقد أحس أُوروليانو ببديهته التي شحذتها هذه البلوة أن هذه المرأة مسؤولة على نحو مبهم لم يستطع إدراكه عن سبب هروب أخيه وما تلاه من إختفاء أمه ، فبادرها بعداء صامت لا هوادة فيه حتى كفت المرأة عن الحضور إلى الدار .
وفجأة بعد 5 أشهر كاملة من اختفاء اُوُرسولا إذا هي تعود على غير انتظار .
جاءت في حالة ابتهاج ونضارة مرتدية ملابس من طراز جديد لم يكن معهودا في القرية .
ولم يكد جوزيه الأب يستطيع أن يقيم عوده من وطأة المفاجأة حتى صاح قائلا : هذا هو ما كنت أعتقده ، كنت أعرف أن هذا سيحدث .
وكان ذلك يقينه حقا ، ففي خلال عكوفه الطويل بين معادنه ومواده الكيميائية كان يدعو في أعماق نفسه أن تكون المعجزة المنتظرة ليس اكتشاف حجر الفلاسفة ولا استخلاص الروح الخفية التي تجعل المعادن تتبدل كأنما دبت بها حياة جديدة ولا القدرة على تحويل اقفال ومفاصلات الأبواب إلى ذهب ، بل تكون المعجزة هي ما حدث فعلا ، أي عودة اُوُرسولا .
بيد أن اُوُرسولا لم تشاطره انفعاله فقد منحته قبلة تقليدية وكأنها لم تغب أكثر من ساعة وقالت له : انظر إلى خارج الباب .
والحق أن جوزيه لبث فترة في حيرته قبل ما خرج إلى الشارع وشاهد الجمع المحتشد .
لم يكونوا من الغجر بل كانوا رجالا ونساءً مثلهم ، ذوي شعور مستقيمة وبشرة سمراء يتكلمون نفس اللغة ويشكون من نفس الآلام ، وكانت معهم بغال محملة بمأكولات وعربات تجرها الثيران تحمل أثاثا وأدوات منزلية وأخرى معدىة للبيع يعرضها أُناس ببساطة دونما جلبة ولا ضجيج .
لقد جاءوا مما وراء أقْليم المستنقعات الشاسعة على مبعدة يومين لا أكثر ، حيث كان هناك بلدان تتلقى البريد كل شهر من شهور السنة وحيث يعرفون وسائل العيش التي تجعل الحياة طيبة مُيَسَّرة .
إن اُوُرسولا لم تستطع أن تلحق بالغجر لكنها وجدت الطريق إلى الحضارة الذي عجز زوجها عن اكتشافه في بحثه الحاذق عن المكتشفات الكبرى ...