الفصل الرابع
أقيمت في البيت الكبير المجدد حفلة راقصة كبرى على نغمات البيانولا دُعِيَ إليها مؤسسو ماكوندو وأبناؤهم ، وكان نجْمُها هو الشاب الإيطالي الوسيم بيترو كرِيسبِيمندوب المتجر مُوَرِّد الآلة الموسيقية الجديدة الذي أوفِدَ للإشراف على إدارتها وتدريب الراقصين ، وكانت رفيقته في الرقص روبيكا التي أبدت براعة أثارت إعجابه حتى وعد أن يلقنها مزيدا من فنون الرقص في زيارته القادمة للبلدة .
وذات يوم جاءت أنبارو كبرى بنات القاضي لزيارة البيت الكبير ومشاهدة ما ازدان به من أثاث وتحف فاستقبلتها اُوُرسولا بالترحاب ثم عهدت بها إلى أماراندا وروبيكا بالطواف معها في أرجاء البيت ، وعند انتهاء الزيارة انتهزت أنبارو فرصة انشغال أماراندا ودست بيد روبيكا رسالة سارعت الفتاة في إخفائها في صدرها إلى أن صارت وحدها فوجدتها من بيترو كرِيسبِي الوسيم يبثها فيها مشاعر الإعجاب ويُثني على براعتها في الرقص ويعد بزيارة قريبة ،
والواقع إن هذه الصداقة المفاجئة بين أنبارو وروبيكا أنعشت آمال أُوروليانو فإن ذكرى ريميديوس الصغيرة ما فتئت تعذبه بيد أنه لم يجد الفرصة المناسبة لرؤيتها ، وهكذا كان ظهور أختها أنبارو في البيت مقدمة طيبة لحضورها معها في زيارة أخرى ، واستقر في نفسه خاطر يقيني في ذلك ظل يراوده حينا إلى أن سمع صوتها الطفولي عصر يوم لدى باب المعمل الكيميائي ، وعندما رفع نظره شعر أن قلبه يتجمد حين أبصرها في فستان وردي وحذاء مرتفع أبيض وأختها أنبارو تقول لها : لا يمكنك الدخول إلى المعمل يا ريمديوس ، إنهم يشتغلون
لكن أُوروليانو لم يدع لها وقتا للرد فقد نهض وبيده سلسلة تدلت منها سمكة ذهبية وقال لها : تفضلي بالدخول .
فدخلت ريميديوس ووجهت إليه أسئلة عن السمكة الذهبية .
بيد أن لسانه انعقد فجأة عن الرد وكلما استطاع أن يقوله في النهاية هو أنه سيهديها السمكة الصغيرة ، لكن الصبية أجفلت لهذا العرض وأسرعت بالانسحاب من المعمل .
في نفس هذا اليوم فقدَ أُوروليانو صبره الدفين وأهمل عمله وراح يبحث عنها في كل مكان ترتاده ولو في نافذة بيتها لكن مساعيه ذهبت سدى ولم تطالعه صورتها إلا في خياله ووحدته الأليمة وأصبح يمضي ساعات كاملة مع روبيكا يستمعان إلى عزف البيانولا ، هي لأن الموسيقى تذكرها بالشاب الإيطالي الوسيم بيترو كرِيسبِي الذي علمها الرقص ، وأُوروليانو لأن كل شيء حتى الموسيقى كانت تذكره بريميديوس .
فأما روبيكا فقد أمرضها طول انتظار الحبيب الذي تأخر عن موعده حتى رقدت طريحة الفراش .
وكان أُوروليانو وحده هو الذي فهم سرها الحقيقي إذ يكابد تباريح الهوى .
وفي غمرة حيرته ذهب مع بعض أصحابه إلى مشرب كتارينو ، وكان يضم ملحقا من غرف خشبية تقيم به نساء وحيدات وتعزف فيه الموسيقى .
وشرب الرفاق عصير قصب مخمر بصحبة النساء وداعبت إحداهن وكانت عجفاء مذهبة الأسنان أُوروليانو ولكن مداعبتها جعلته يرتعد حتى صد عنها ، وما لبث اكتشف أنه كلما شرب زاد تفكيره في ريميديوس وإن صار أقدر على احتمال عذاب ذكرياته .
ولم يدر بالضبط متى بدأ رأسه يدور ورأى أصحابه والنساء يسبحون جميعا في ضياء باهر دون وزن لهم ولا كتلة مرسلين كلاما لا يخرج من أفواههم ومبدين إشارات خفية لا تتطابق مع كلامهم وعندئذٍ وضع كتارينو يده على كتفه وقال له : الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلا .
وأدار أُوروليانو رأسه فرأى وجه كتارينو ضخما مشوها وقد رشق وردة صناعية خلف أذنه وعندئذٍ فقدَ ذاكرته تماما ، ولما استعادها وجد نفسه في غرفة غريبة عنه وفيها وقفت بَيلارتارنيرا أمامه بقميص نومها وهي حافية القدمين مرسلة الشعر رافعة مصباحا فوق رأسه تبدو عليها إمارات الانزعاج وعدم التصديق .
وهتفت : أُوروليانو .
ضغط أُوروليانو قدميه ورفع رأسه إنه لم يدرِ كيف جاء إلى هنا ، ولكنه وعرف مقصده وهو مقصد كان مخبوءً في داخله منذ الصغر .
وقد رد عليها قائلا : جئت لأني أريدك .
كانت ملابسه ملطخة بالوحل والقيء ، فجعلت تنظفه وهي تغمغم قائلة : يا طفلي المسكين .
وعندما أفاق من غمرات نَشوته وجد نفسه يبكي ، فانتظرت المرأة المجربة حتى فرغ من ذلك النحيب الذي هز وجدانه .
وقالت له بهدوء : من هي ؟
فأخبرها أُوروليانو فأطلقت ضحكة خافتة وقالت متهكمة : لابد أن تربيها أولا الى أن تكبر .
ولكن من ثَنايا الضحكة استشَفَّ أُوروليانو فَهْما عميقا ،
وعندما انصرف من غرفتها بعد أن انزاح من صدره ذلك الهَمّ المرير الذي أثقله طيلة الأشهر الماضية وعدته بَيلارتارنيرا قائلة : سأتكلم مع البُنَيَّة وستعرف ماذا يمكنني أن أفعل ، وقد بَرَّت بوعدها ولكنها اختارت وقتا عصيبا إذ كان البيت فقدَ ما كان يرفرف عليه من سكينة في الأيام الماضية ،
ذلك أن أماراندا عندما اكتشفت سر روبيكا العاطفي وكان محالا أن يبقى طي الكتمان أصيبت هي الأخرى بحُمّا نتيجة غرام لا عزائ فيه ،
وأصبحت اُوُرسولا لا تكاد تجد القوة لرعاية الفتاتين العَليلتين ولم تستطع رغم طول الاستجواب أن تتحقق من أسباب علة أماراندا .
وفي النهاية وبما يشبه الإلهام عثرت في صندوق أمتعة روبيكا على حفنة من الرسائل بللتها روبيكا بِدُموعها وعطرتها بالورود ولكنها لم ترسلها إلى الإيطالي بيترو كرِسبي ، فلم تتمالك اُوُرسولا وهي تبكي غضبا أن لعنَت اليوم الذي بدا لها فيه أن تطلب شراء البيانولا ، وأصدرت أمرها بمنع الدروس وأعلنت لونا من الحداد في البيت الى أن تتبخر آمال الفتاتين ولم تفلح وساطة جوزيه آوُركاديو بوينديا الأب الذي أُعْجِبَ ببراعة بيترو كرِيسبِيبإدارة البيانولا في تخفيف التََأَزُّم .
وهكذا رأة أُوروليانو عندما أخبرته بَيلارتارنيرا أن ريميديوس قد قبلته زوجا لها أن هذا النبأ سيؤدي الى زيادة متاعب والديه .
والواقع أن الأب ما كاد يسمع باسم الخطيبة المرشحة حتى احمر وجهه اهتياجا وصاح هادرا : الحب مرض ، ورغم وجود الكثير من البنات الجميلات والمهذبات حوالينا ، فالشيء الوحيد الذي يخطر لك هو الزواج من ابنة عدُوِّنا ؟
بيد أن اُوُرسولا قد وافقت على هذا الاختيار وراحت تُطْنِب في شمائل بنات القاضي موسكوت السبع وأطرت سداد رأي ابنها ،
فلم يجد جوزيه آوُركاديو بوينديا إزاء تحمس زوجته سوى النزول عند رأيها بشرط واحد هو أن تتزوج روبيكا بيترو كرِسبي وأن تصحب اُوُرسولا ابنتها أماراندا في رحلة الى عاصمة المقاطعة عندما يسمح الوقت لكي يؤدي الاختلاط بالناس من تخفيف خيبة أملها .
ولم تلبث روبيكا أن استردت صحتها حالما علمت بهذا الاتفاق وسَطَّرت الى خطيبها رسالة حارة بعد موافقة والديها وأرسلتها بالبريد دون حاجة إلى وسطاء ، وقد تظاهرت أماراندا بقبول القرار وتماثلت إلى الشفاء رويدا رويدا ولكنه نذرت في نفسها ألا يتم زواج روبيكا إلا على جثتها .
وفي يوم السبت التالي ارتدى جوزيه آوُركاديو بوينديا أحسن ملابسه وذهب لطلب يد ريميديوس موسكوت ، فاستقبله القاضي وزوجته بالترحاب والقلق معا إذ لم يكونا يعرفان سبب الزيارة المفاجئة ، ثم بدا لهما بعد ذلك ربما كان مخطئا في اسم العروس المطلوبة ، وإزالة لكل لَبْس ذهبت الأُم لإقاظ ريميديوس من نومها وأتت بها إلى غرفة الجلوس وآثار النوم لم تفارقها وقد سَأَلَتْها إن كانت قد قررت الزواج ؟
فردت منتحبة بأنهت لا تريد سوى أن يتركوها لتنام .
ولما أدرك جوزيه آوُركاديو بوينديا حالة الاضطراب التي بدت له من الأبوينعاد أدراجه لاستجلاء الحقيقة من أُوروليانو ، وعند رجوعه وجد الأبوين قد ارتديا الملابس الرسمية ورتبا الأثاث وغيَّرا الزهور في أوعيتها وجلسا ينتظران بصحبة بناتهما الأكبر ، ورغم إحساس جوزيه آوُركاديو بوينديا بحرج الموقف فقد أكد أن ريميديوس هي التي وقع عليها الاختيار حقا .
وعندئذٍ قال أُوبولينار موسكوت بلهجة الجزع : هذا شيء غير معقول ، عندنا ست بنات أخريات وكلهن غير متزوجات سنهن تؤهلهن لذلك تماما ويشرف كل واحدة منهن أن تكون زوجة لسيد محترم مُجِدّ مثل ابنك ، ومع ذلك فإن أُوروليانو لا يضع نظره إلا على البنت التي لا تزال تبلل فراشها .
بيد أن زوجته سارعت بالاعتذار عن هفوته ، وبعد أن فرغوا من تناول الفاكهة أعربوا عن قبول قرار أُوروليانو عن طيب خاطر مصحوبا بِرَجاء من الأُم أن تجتمع اُوُرسولا على انفراد ، فلم تمانع اُوُرسولا فذهبت إلى بيت القاضي في اليوم التالي ، وبعد نصف ساعة عادت لتقول أن ريميديوس لم تبلغ الحُلُم بعد .
بيد أن أُوروليانو لم يجد في هذا عائقا خطيرا فقد انتظر أمدا طويلا الى حد يستطيع أن ينتظر حتى تبلغ عروسه مرحلة القدرة على الإنجاب .
ونعود إلى أماراندا فقد وجدت أخيرا فرصتها التي كانت تتحينها لمكاشفة الشاب الإيطالي الوسيم بيترو كرِسبي بحبها الدفين الذي بر بوعده لروبيكا وحل بالبلدة حيث افتتح محلا لبيع الآلات الموسيقية واللعب الميكانيكية في حي التجار الشرقي ، والواقع أن الشاب الوسيم الذي كان مَرْآه يثير تنهدات النساء تلقى اعتراف أماراندا على أنه نزوة عابرة لصبِية لا يُأخَذ كلامها مأخذ الجد ،
حيث قال لها : لي أخ صغير وسيحضر لمساعدتي في المحل .
لقد شعرت أماراندا بالمهانة وقالت لِبيترو كرِيسبِي في غضب شديد إنها على استعداد لمنع زواج أختها حتى ولو كان الثمن هو ارتماء جثتها على الباب .
والواقع أن الشاب الإيطالي تأثر بهذا التهديد الدرامي الى حد أنه لم يستطع مقاومة إغراء ذِكْر الواقعة لروبيكا ، ونتيجة لهذا فإن رحلة أماراندا التي كانت اُوُرسولا تعمل على تأجيلها تم أمر ترتيبها في أقل من أسبوع ، ولم تُبْدِ أماراندا أي مقاومة بيد أنها عندما ودعت روبيكا مُقَبِّلَةً همست في أذنها قائلة : لا تطلقي العنان لآمالك حتى لو أبعدوني الى أطراف الدنيا فسوف أجد طريقة لمنع زواجك حتى لو كان لابد لي من قتلك .
وبغياب اُوُرسولا عن البيت بدا وكأنه خاوٍ على عروشه ، وقد تكفلت روبيكا بالإشراف على تصريف الشؤون المنزلية بينما تولت المرأة الهندية أعمال المَخْبَز .
وعندما كان بيترو كرِيسبِي يأتي لزيارة خطيبته عند الغروب كانت روبيكا تستقبله في الصالون الرئيسي مع فتح الأبواب والنوفذ دفعا لكل الظنون ، ولم يكن هذا التحوط لازما لأن الشاب الإيطالي كان يسلك مسلك الاحترام في تصرفاته الى حد أنه لم يكن يلمس يد المرأة التي ستغدو زوجته في غضون العام .
والواقع أن هذه الزيارات ملأت البيت بالكثير من اللعب الميكانيكية المتنوعة الأشكال والغريبة التصميمات الى حد أن جوزيه آوُركاديو بوينديا الأب وجد فيها تسلية كبرة إذ عاد الى أيامه الأولى في المعمل الكيميائي عاكفا على فكها وتركيبها لكي يضيف إليها نظاما جديدا يجعلها في حركة دائمة على نسق بندول الساعة ، وقد امتد التأثير الى أُوروليانو الذي أهمل عمله في المشغولات المعدنية وتفرغ لتعليم ريميديوس القراءة والكتابة ، وكانت الصبِية تقابل هذا بالنفور أول الأمر مفضلة التفرغ لألعابها بيد أن صبر أُوروليانو ومثابرته اكتسباها آخِر الأمر الى جانبه حتى أصبحت له في النهاية أطوع له من بنانه .
وكانت روبيكا وحدها هي التي تعاني القلق والتوجس بسبب نقمة أماراندا عليها وتهديداتها الغريبة والتماسا منها لما يخفف معاناتها فقد سعت الى بَيلارتارنيرا لتقرأ لها الطالع فتنبأت لها بعد سلسلة من المقدمات التقليدية قائلة : لن تعرفي السعادة طالما أن عظام أبويك لم تُدفَن .
ارتعدت روبيكا وقالت : لستُ أفهم .
فبدت بَيلارتارنيرا غير مبالية وقالت : ولا أنا ، ولكن هذا ما تقوله الأوراق .
لقد انشغل بال روبيكا واشتد انشغالها بهذا اللغز حتى أطلعت جوزيه آوُركاديو بوينديا على الخبر ، فما كان منه إلا أن زجرها لتصديقها مثل هذه النبوءات ولكنه مع ذلك انهمك صامتا في البحث في كل موضع عن كيس العظام الذي جيء به مع روبيكا وهي بعد طفلة لا تدرك شيئا ، وتذكر أنه لم يره منذ اضطلعوا بتجديد البيت ، فاتصل بالبَنّائين فأخبره أحدهم بأنه وضع الكيس داخل أحد الحوائط تخلصا من مضايقة وجوده عثرة في عمليات الترميم والبناء .
وبعد أيام من التسمع والدق على الجدران أمكن في النهاية تحديد المكان فنقبوا الحائط واستخرجوا كيس العظام ودفنوها في نفس اليوم في قبر بلا شاهد .
وعاد جوزيه آوُركاديو بوينديا في نفس اليوم وقد انزاح عنه عبء شديد أثقل ضميره ودخل على روبيكا مبتهجا وقبلها قائلا : اطردي تلك الأفكار السيئة من رأسك سوف تكونين من أهل السعادة .
إن الصداقة التي نشأت بين روبيكا بَيلارتارنيرا قد فتحت أمام هذه الأخيرة باب البيت الذي أغلقته اُوُرسولا بسبب مولد أوركاديو ووقبوله في عداد الأُسرة كما تقدم ، وهكذا أصبحت تتردد على البيت في أي ساعة وتطلق نشاطها المحموم في أشق الأعمال وأحيانا كانت تدخل المعمل وتساعد أوركاديو ابنها في تحميض الصور المطبوعة على المعادن بمقدرة وحنو كانا يثيران ارتباكه وعجبه من مسلكها حياله ، بل إن أنفاسها عن كثب وضحكاتها الغريبة في الغرفة المظلمة كانت تشتت باله وتنال من ضبطه للعمل ،
وفي إحدى المناسبات كان أُوروليانو في المعمل لإتمام بعض المشغولات الفضية فاتكأت بَيلارتارنيرا على المنضدة مبدية إعجابها بدأْبَه وصبره وفجأة لمع في خاطره ذلك الوميض الذي يُنْبئ بشيء قريب ، وقبل أن يرفع عينيه لملاقاة عينَي بَيلارتارنيرا استوثق من وجود أوركاديو في الغرفة المظلمة للتحميض تأهبا لاستقراء الخاطرة التي لمحها في عينَي بَيلارتارنيرا واضحة كالشمس في عين النهار ثم سألها : حسناً ، قولي ما عندك ؟
فعضت بَيلارتارنيرا على شفتها بابتسامة محزونة وقالت : إنك ستكون مُبْرَزا في الحرب أينما تلقي نظرك تصيب رصاصتك مقتلا .
ارتاح أُوروليانو لهذه النبوءة ورَكَّز من جديد على عمله وكأنه لم يحدث شيء .
ثم قال بصوت مشجع : سوف أعترف به ، سوف يحمل اسمي .
وأخيرا توصل جوزيه آوُركاديو بوينديا الى ما كان يبتغيه فقد أوصل جهاز الساعة بلعبة راقصة ميكانيكية وأخذت اللعبة ترقص بلا انقطاع على إقاع موسيقاها على مدى ثلاثة أيام كاملة .
والواقع أن هذا الاكتشاف أثاره الى أبعد حد حتى كف عن الأكل وعن النوم ، ولولا سهر روبيكا على رعايته لأفضت به تخيلاته الى حالة من الهذيان لا شفاء له منها ، ومع ذلك فقد كان يمضي الليالي وهو يدور في أرجاء غرفته مخاطبا نفسه بحثا عن طريقة تمكنه من تطبيق نظرية البندول على مركبات الثيران وعلى كل أداة أخرى تغدو ذات نفع إذا وُضِعَت في حالة حركية .
واستحال عليه النوم بطول الأرق والسهر ، وفي أحد الأيام خرج من غرفته والجميع نيام وعمد الى عضادة الباب فانتزعها وبقوته الهيرقلية أخذ يهشم أدوات المعمل الكيميائي وأدوات المَسْبَك وهو يَصرخ ويَهذي بكلام غير مفهوم وكاد ينتقل الى غرف البيت يعمل فيها تهشيما لولا أن استنجد أُوروليانو بالجيران ، فاحتاج الأمر الى عشرة رجال لطرحه أرضا وإلى 14 لتقييده و20 لجره الى شجرة الكستناء في الفناء حيث تركوه مربوطا بها وهو يهذي بكلامه المبهم ويرسل زبدا أخضر من شدقيه .
وحينما عادت اُوُرسولا وأماراندا من الرحلة كان لايزال مربوطا الى جذع شجرة الكستناء من قدميه ويديه غارقا في المطر وفي حالة شرود تام ، ولما كلمتاه نظر إليهما دون أن يعرفهما ، ويقول أشياء لم يفهم منها شيئا ، ولكن اُوُرسولا فكت قيد معصميه وكاحليه التي تسلخت من ضغط الحبال وتركته مربوطا من وسطه فقط ، وفيما بعد أقاموا له وقاءً من سعف النخل لكي يحميه من الشمس والمطر ...