(3)
حين يرى الإنسان مكاناً ما لأول مرّة ؛ يتمعّن فيه بدقة، حيث تسترعي أصغر الأشياء إنتباهه، ثمّ تظل معالم ذلك المكان مسطورة على صفحات ذاكرته لفترة طويلة. أمّا إذا ما تواشجت ذكرى بهـيجة أو مريرة مع مناظر ذلك المكان ومعالمه؛ فربّما لن تنمحي أبداً من ذاكرته.
هاهنا في أحضان هذا الوادي ، مازالت الشمس هي المؤشرة الرئيسة لمعرفة الوقت صباحاً ، ظهراً و مساءً...
- ألمْ يحن وقت الصلاة يا خال عزيز؟
- ليس بعد. حين يصل الظل أعلى غصن من شجرة التوت ؛ يحين موعد صلاة الظهر.
حينما ينصب الليل خيمته ؛ يبدو الجبلان الواقعان على جانبيّ القرية كأنهما يتلاحمان ويحتضنانها ليحميانها من براثن الجائرين...لاأحد يعرف أعمار الجبال ؛ فهي قديمة جدّاً، قد تكون أخلد الشهود على المآسي والفجائع والملاحم البطولية في الوقت نفسه...ثمّة أحجار عملاقة غارزة مخالبها في صدور الجبال، عجزت حتى العواصف والأعاصير والأمطار والسيول ، بل حتى القنابل أن تزعزعها وتطوّح بها بعيداً عن أحضان سفوح الجبال! كانت هناك أجمة من أشجار البلوط القصيرة المشذبة بالفؤوس منتصبة أمامه ، وكان بعضها قد تعرّض لعنف ضربات الفؤوس ؛ لتستحيل وقوداً للمدافيء، أو فحماً منعشاً لحركة البيع والشراء في إحدى الأسواق لبضع ساعات. وإذا ما قصدت القرية بعد الغروب ؛ فليس هناك مايدلّك سواء السبيل سوى نباح كلب أو ضوء خافت مرتعش لقنديل ما. أمّا إذا كان الضباب مسربلاً القرية والجوّ بارداً؛ فإن الأدخنة المتصاعدة من مداخن المدافيء الخشبية تكثف الضباب.
على هذا الجانب في قدمات الجبل مقبرة على إحدى الروابي تثير في نفس العابر ألف تخيّل بلاقرار. أمّا إذا ألقيت نظرة من مستوى أفق هذا الجانب ؛ فتبدو القرية لك كتلاً متشابكة بعشوائية وفوضى ، بل أشبه ماتكون بأطلال قلعة قديمة، حيث يبدو فيها كلّ شيء ساكناً خامداً وهامداً. وقبل أن تبلغ القرية تصادف عند مشارفها نبعاً شحيح الماء، يتعسّر عليك أن تشرب جرعة من مائه أو تبلل وجهك لكثرة الطحالب فيه، وإذا ما غمرت فيه يديك ؛ سترى مئات الدعاميص ذات الأذناب الهزازة تهرع لائذة بالطحالب ، والضفادع المقززة تتقافز من بين قدميك لائذة بالفرار.
وهنالك في أسفل القرية جدول شتوي الجريان. فإذا كان الشتاء مطيراً ؛ فالماء يجري فيه عدة أشهر، ثمّ يجف ، حيث تنتصب على ضفتيه شجيرات برّية لاجدوى منها كاليتامى سرعان ما ييبّسها القيظ ، أمّا المقاومة منها فتقضي عليها الأبقار والماعز وغيرها...وعلى مدار السنة لايخلو الجدول من جثة حمار أو بغل أو عجل أو بقرة ، حيث يرى المرء زمرة من الكلاب تتحلّقها بعد الشبع حتى التخمة أو تدسّ رؤوسها فيها وذيولها تتحرك بين سيقانها...
وابتداءاً من نهاية سفح الجبل ثمة سلسلة من الربوات الصغيرة تنحدر كالموجات حتى مشارف القرية، وما بينها هنا وهناك مساحات مستوية تتخلّلها حقول صغيرة للخضراوات ، وثمة دريبات تبدو كالخيوط تنحدر وتصعد من وعلى سفوح هذه الربوات. . وحين ينال التعب منك وتجلس على سفح إحدى تلك الربوات وتشعل سيكَارة ، ثمّ تتطلّع إلى السماء؛ فغالباً ما ترى عيناك نسراً يشق عنان السماء، أو باشقاً متعلّقاً بالفضاء، حيث يعلو ويدور دورات من حين لآخر، و تتسع دوراته ؛ كلّما حلّق أعلى ، ثمّ يواصل الإرتفاع حتى يستحيل مجرّد نقطة صغيرة على صدر السماء، لكنه يطبق جناحيه فجأة ويهوي بسرعة هائلة منقضاً على إحدى القمم ؛ فتحسّ كأنما هنالك قوّة خفيّة تجتذبه إلى الأسفل. ثمّ تراه سرعان ما يعود محلّقاً إلى العلياء ، وقد علق ريش أو وبر أو جلد بمخالبه.
وبعد ارتواء عينيك من التطلّع إلى السماء، وبعد أن تنهي تدخين سيكَارتك، وتهمّ بالنهوض لمواصلة السير، تشعر بانقباض قلبك ؛ حيث يضيق الوادي معسّراً تنفسّك ، وتشعر بمجال تفكيرك يضيق أيضاً ؛ فتتمنى بكل كيانك أن تستحيل باشقاً ، وتحلّق بكل قواك في أعالي السماء نائياً عن هذا الوادي المجدب ، لكنما القرية تناديك وتهبّ عليك رائحة العمران رأسك. وهل ثمة رائحة أزكى من رائحة العمران؟! إن سحر العمران يجتذب المرء من بعيد ..لقد كان الماء والعمران متلازمين دوماً ، رغم شحّة مياه هذه القرية...
لكي تصل وسط القرية؛ لابدّ من المرور بالنبع الذي تقصده النسوة والفتيات اللواتي يتقاطرن مسرعات من الأزقة للتزوّد بالماء. وهناك تتصدّع رأسك من ضجة الأطفال وثرثرة النساء وقرقعة الصفائح والبراميل والشتائم وقهقهات الفتيات وحمحمات العوانس ، و مزحات وتلاسن النسوة، وأدعية ولعنات الزوجات الحانقات على أزواجهن..
- ليبتله الله بالعمى!
- شلّ لسانك
- بنت فاطمة المغناجة أراقت ماء وجهها!
- شبق فرجها خطف عقلها!
- هنيئاً لك يا(مينا) الحولاءّ
- يا (ملكيّة) تماديت في معاشرة(أحول)
- عين الحسود تبلى بالعمى!
- ليتك صرت زوجة أخي
- بالله عليكنّ إفسحن لي المجال فأنا مستعجلة..
- إنها محقة فثورها راجع !
- ليتني كنت مثلها!
- أعماك الله ! لماذا غمرت يدك في مائي، ألا تعلمين بأني سأغتسل به من الجنابات؟!
- وأنا أعلّل نفسي أن لي زوجاً، ليت الحمّى الصفراء فتكت بجسمه!
- و ماذا بقي منك يا شمطاء؟!
واعجباه! إن العمر والزمن يمضيان من حيث لاتشعر بهما ، وكل تلك المشاهد تتراءى بجلاء لناظريّ لحدّ الآن...ليلاً كانت الرياح تندسّ بصفيرها بين أغصان وفروع الأشجار والشجيرات، وأخذت زخات المطر تسّاقط ، فنفذت رائحة الثرى المتبلل إلى رأسي، فغمرتني بنشوة تضاهي النشوة التي تبعثها رائحة حسناء شهوانيّة مغناجة ؛ فتبيّن لي ليلتذاك أن تينك الرائحتين ، رائحة الثرى المندى بالمطر حديثاً و رائحة المرأة ، أزليّتان لن تبليا أبداً. ثمّ ماذا عن كلّ تلك الهمسات والغمغمات والهمهمات الصادرة عن أحضان الليل؟! ياه! ما هو صوت الليل؟ يا له من صوت عسير الوصف ، بل لايمكن وصفه بتاتاً، فهو يحتضن آلاف الهواجس والوساوس والإرتعاشات والعذابات والرغبات والغربة والألفة والكركرات والقهقهات والخوف والآمال والآهات والأنات والزفرات والإعياء والإرتياح والقلق والطمأنينة وثغاء الحيوانات الجبلية وزقزقة وهديل الطيور الضالة الباحثة عن أعشاشها...والقمم والسفوح والسهول والأصوات والأصداء يحتضنها الليل كلها ويهدهدها كأعز بنيه ...لاأعتقد بوجود ملاذ للأسرار كمثل الليل.
وليلتئذ كنا أنا وأسرة ميرزا اسماعيل إضافة أخرى إلى أسرار الليل!
مثل شبح متعب القدمين إستوقفني باب عتيق لحوش ذي سياج منخفض ، ورحت أختلس النظر والسمع هنا وهناك ؛ لعلني أرى وأسمع حركة ، ضوءاً ..صوتاً...لكنني لم أسمع سوى نخير وخنين الأبقار المحلوبة حديثاً وهي تجتر علفها. وبعدها تناهت أزيز زيت على النار إلى سمعي ، ولايستطيع الجائع مقاومة رائحة زيت القلي ، ومن حسن الحظ أن القرويين الكرد يتناولون العشاء متأخرين ، بل يرحّبون بأيّ عابر سبيل يطرق بابهم ، فكيف الحال مع الضيف؟ فتشجّعت وطرقت الباب :
- يا أهل الدار!
فبدا طيف من شق الباب العلوي متسائلاً بصوت رقيق:
- من ؟
- أنا..يا أختاه..أ تستقبلون الضيف؟
- تفضل يا أخ ..الضيف حبيب الله.
تريّثت قليلاً قبل أن تقول بصوت أصفى وأرق:
- مهلاً حتى آتي بفانوس ؛ فالحوش مظلم
- لاتتعبي نفسك ؛ فمعي مصباح يدوي
وارتقيت السلّم الخشبي المتداعي بكامل عدّتي وعتادي وبندقيّتي. ومايزال صرير السلّم يتردّد في تلافيف ذاكرتي. لقد كنت منهك القوى ، وكانت ثيابي مبتلّة قليلاً.
- منذ زمن وأنا أقول لرجلي :" أصلح هذا السلّم الموروث ببضعة مسامير يا ميرزا"
وفتحت الباب:
- تفضلْ يا أخ ..تفضل بالدخول
ودخلت الغرفة والشعور بالخجل يغشاني :
- السلام عليكم
نهض عن الخوان رجل متوسط العمر، ضامر الوجه ،وسيع العينين ومعقوف الأنف:
- وعليكم السلام..أهلاً وسهلاً..تفضلْ تفضلْ..
فوضعت بندقيّتي جانباً ، وأخرجت منديلي من جيبي ومسحتها، ثمّ جلست قرب الخوان، وقد أسالت رائحة (اللبنيّة) لعابي...
- أهلاً ومرحباً بك
إبتلعت لعابي :
- سلّمك الله عشت
- هيّا يا (صبا) هاتي الطعام
كانت صبا إمرأة تفيض بالحيويّة. كان شعرها مخضباً بالحنّاء. وكانت ضامرة الخدّين قليلاً وذات عينين متألقتين. فخرجت ، ثمّ عادت بعد هنيهات جالبة صحناً من اللبنيّة الساخنة المزيّتة وبصلة على صينيّة، و وضعتها أمامي وقالت:
- تفضل
- والآن يا صبا ضعي حزمة حطب في المدفأة
وبعد تناول العشاء وشرب الشاي ، إلتمست الدفء والراحة، وجففت ثيابي ، وأوشكت على القول: " من فضلكم أعطوني بطّانيّة..سأذهب لأنام في المسجد"
فسبقني ميرزا كأنه فطن إلى مايدور في خلدي:
- إيه..يا أخانا البيشمركَه ! أراك تتعجّل الإنصراف...مازال الوقت مبكّراً. إبق لندردش قليلاً ونفرّج عن قلوبنا.
لمْ تكنْ لديّ طاقة للكلام ؛ فلذت بالصمت ، ورددت في سرّي: " حان أن تدفع الثمن ! مادمت قد تناولت لقمة طعام ؛ وجب عليك أن تدفع الضريبة! أيّة دردشة سلّمك الله؟! ولكنْ لمَ لا؟! فلْينصبْ عليّ الليلة إضطهاد هذا الرجل ، ولأستمعْ إليه ، ثمّ ليس شرطاً أن أصغي إليه بجد ، فلولا هذه العلاقات الإجتماعيّة الباهتة ؛ لضاق الإنسان ذرعاً بوجوده...ومن المحاسن أن تبعث هذه العلاقات الواهية أحياناً بهجة خرقاء في نفس الإنسان ، وتشغله أو ينشغل بها عن نفسه ، أو يفرض وحدته عنوة على شخص آخر"
- هيّا يا امرأة صبّي لنا الشاي ثانية
ثمّ وضع استكان شاي أمامي وآخر لنفسه. خبط شايه ؛ فاستثارني رنين احتكاك ملعقته بالإستكان...وإذا بصوت غليظ أجش يتناهي من الخارج:
- ميرزا هل أنت في البيت؟
- هلمّي يا امرأة شوفي من هو؟
عبست صبا وغمغمت متذمّرة وأجابت بهدوء:
- ومن يكون غير(اللاخليفه)؟!
وخرجت من الغرفة لتستقبله:
- أهو أنت يا سيّد خليفه؟! تفضل أدخل ..ميرزا موجود
فدخل الغرفة..رجل بطين ، عريض اللحية. و سدى ألحّ عليه ميرزا ليتصدّر المجلس ؛ فقد قرفص قرب باب الغرفة:
- هذا غير مناسب يا خليفه ؛ فكن رجلاً طيّباً وتصدّر المجلس
- سلّمك الله يا ميرزا لابأس ، ولكن عيل صبري ؛ فقد حان وقت عودة القافلة، ولكنْ لاأثر لهم...أخشى أن.......فماذا نفعل في رأيك؟
ألقى ميرزا عليّ نظرة ، وهو يفكّر، ثمّ قال:
- من يقود القافلة؟
- شيخه إبن كاكه شيخ
- ها...إنه رجلك المصطفى ! قسماً بالله يا خليفه تأكّد بأن قافلة يقودها جاهل اخرق مثله ؛ لايستطيع مائة حكيم ونبيه إعادتها إلى سواء السبيل ، بل تسقط لا في هوّة ، بل في مائة هاوية حتى لو إنبسطت الأرض أمامها! حتى الآن لم تقيموا لرأينا أيّ وزن... لقد كنا بمثابة شهود لاأكثر...لأنكم لاتتذكّروننا إلاّ إذا حاقت بكم النائبات...والآن ليذهب المتنعّم بخيرات القافلة للبحث عنها...فمنذ أن وجدت كانت خيراتها من نصيبكم ...أمّا نحن فكنا مجرّد خدم منبوذين نرمقكم جاحظيّ العيون ، لا ناقة لنا ولا جمل ...زرعنا الكثير ولم نحصد غير الشوك! فإنْ كان بدافع الشهامة ؛ فكفى ، وإن كان بدافع الغباء فكفى أيضاً...!
وإذا بصوت والدي يرنّ في ذاكرتي: " لقد ساهمنا يابني بنصيبنا في القافلة ؛ فعمّك أحد شهداء القافلة البارزين...من ذا لايترحّم على (عزيز دوغري) ولا يذكره بالخير؛ كلّما ورد ذكره؟!" و لو كنت أجيبه : " إن مافعله يخصّه هو، كفاك تعتاش على حساب الموتى ، وتنبش الدفاتر العتيقة ؛ فذلك من علامات الإفلاس ! فلا أحد يعبر النهر بسباحة سواه ! ألف (لكن) لمن دسّ هذه الإسطوانة في أدمغتكم " لو كنت أجبته هكذا؛ لخاصمني ، وردّد : " خضت ألف محنة لأربّي هذا الولد وإذا به يجازيني هكذا!"
نهض خليفه ومضى مستاءً . إرتشف ميرزا شايه، ودفع الإستكان نحو صبا:
- صبّي لنا الشاي من جديد يا امرأة
ألقى عليّ نظرة وشهق شهقة عميقة ثمّ قال:
- أتعرف يا أخانا البيشمركَه أن البيشمركَايتي (العمل الفدائي) عبادة خالصة بلا رياء؟!
تساءلت على مضض:
- كيف؟
تنحنح قليلاً وتابع كلامه:
- مثلما تكون العبادة وشيجة وثقى بين العبد والله وعشقاً خالصاً بلا رياء، تكون الفدائيّة عشقاً نزيهاً زكيّاً للأرض والحريّة والشعب. إن البيشمركَه مدلل الناس والأرض ؛ فالأرض بلا بيشمركَه مثل بستان بلا سور! ويل للناس والأرض التي تخلو من البيشمركَه! البيشمركَه هو من يريق دمه عند أقدام الناس والأرض ، ويستحيل وردة يفوح شذاها دوماً ، دون انتظار جزاء أو ثناء.
كنت منقبض النفس و في غاية الضجر؛ وقد عجزت حتى كلمات ميرزا الشيّقة أن تهزّني ، أجلْ ..فـ " المطحنة في خيال ، والطحّان في خيال آخر"! لقد شعرت أن كلماته وليدة ذهنٍ محشوٍ حشواً، وليست وليدة ذهنٍ متفتحٍ مبتكر. وإذ رفعت رأسي ، كانت عينا صبا السوداوان العميقتان تحطّان عليّ ، كأنها تشفق عليّ ، بينما كان ميرزا يبدو توّاقاً إلى الحديث، فابتسم لي واستأنف :
- فما رأيك يا صاح؟
- لاأدري ماذا أقول..فأنا أحسب نفسي بيشمركَه (فدائيّاً) ، وليت كلّ الناس يقيّمون البيشمركَه مثلك.
- لاتبالِ..سيأتي ذلك اليوم...
- لكن يا عزيزي ميرزا يجب أن تكون البيشمركَايتي (الفدائيّة) في إطار الثورة ؛ وإلاّ...
فقاطعني:
- أ ليست الثورة قائمة عندنا والحمد لله؟!
سكتت برهة ، ثمّ قلت:
- و لكن يا ميرزا العزيز ليس كلّ من حمل السلاح ببيشمركَه ...صدّقني أن أكثرنا فزّاعات عليها البنادق معلّقة! إن البيشمركَه هو من أشعل الثورة العارمة في ذاته أوّلاً. إن البيشمركَايتي ، باختصار، هي جوهر الثورة ولبّها؛ فالثورة تغيير ...تغيير في ميادين الحياة كلّها... أمّا ما تحمد الله عليه فهو الإقتتال ...شبه حركة مسلّحة. صحيح إننا نخوض معرك بطوليّة ، ولكنْ إعلمْ بأننا نقاتل منذ أن وجدنا، فإذا لمْ نحوّلْ هذا (القتال) إلى(ثورة)؛ سنظلّ على هذا الحال نقاتل ولا نغيّر ولا نحقق شيئاً؛ لذا وجب علينا التفكير في أن نحوّل القتال إلى ثورة، وقتالنا العادل قريب من الثورة ، لحسن الحظ، ويمكن بلوغ مرحلة الثورة؛ إذا بذلنا الجهود ..وعندنا أناس ثوريّون ، لكنهم للأسف لمْ يتجمّعوا ويتحدوا بعد تحت خيمة ثورة...ويجب أن تنطبع حركتنا بطابع الكادحين، وأنْ نحذر من البرجوازيين؛ لأن من شيمة البرجوازيين في العالم قاطبة ان يمضوا شوطاً أو شوطين ، ثمّ ينحرفون عن الطريق ، بحيث تغدو الثورة مصدر خشية وتهديد لهم!
بدا ميرزا وكأنه لمْ يفقه جيّداً ما طرحته ؛ فتثاءب وقال:
- الله كريم!
والتفت إلى زوجته:
- يا امرأة هاتي البطّانيّة الجديدة لأخينا؛ فهو يبدو متعباً وينوي الإنصراف.
لملمت نفسي وتنكبت بندقيّتي وتناولت البطّانيّة، و حييتهم " تصبحون على خير" واتخذت طريقي إلى المسجد...كان وبر البطانية الوثيرة تحت إبطي يدغدغني..وأنا أحدث نفسي: " إني أفهمك يا ميرزا..أعرف مقصدك..صحيح أن البيشمركَايتي عبادة، ولكنك لاتدرك في أيّة حمأة آسنة نتمرّغ! حمأة تعجّ باللصوص والأفّاقين والمهرّجين والمتطفلين والمشعوذين والمداهنين والمقاولين والتافهين والمرائين والسياسيين التجار المحترفين ! أما ترى النيران تحدق بنا من كلّ صوب ؛ إذا بقينا ماكثين في المستنقع وتغزونا الرائحة النتنة شيئاً فشيئاً، وإذا ما إخترقنا الطوق خارجين ؛ فنصير طعماً للنيران؟! فماذا نفعل يا ميرزا؟ لابدّ ، كما يقول الأستاذ محمد، أن نقذف النتانة في النار بأيدينا؛ لكي نمتلك أنفسنا تماماً.."
أفلتت لفظة ميرزا من فمي عفوياً وتبعها صداها . تلفتّ يمنة ويسرة ، وحثثت خطاي نحو المسجد،،ولمّا إقتربت منه؛ صاح بي البيشمركَه الخفير:
- من القادم؟
- أنا ...بيشمركَه
واقتربت وحيّيته:
- طابت ليلتك
- طابت ليلتك
سلّط عليّ نور مصباحه اليدوي:
- أهو أنت يا مستو؟ ووحدك؟
ثم دلفت إلى المسجد، حيث كان البيشمركَه مستلقين هنا وهناك، بعضهم نائم يشخر، وبعضهم يغالبه النعاس ، ويتبادل البعض الآخر أحاديث ذات شجون. ثمة كان أحدهم في الزاوية البعيدة يرفو معطفه المهلهل. كانت المدفأة الخشبية مضطرمة اللهيب. فككت حزام عتادي و وضعت عليه بندقيّتي، وتوسّدت معطفي ونشرت البطانية لأتغطى بها ، وإذا بشيء ما يسقط منها، ففتشت عنه على نور الفانوس الخافت فوجدت صرّة حمراء صغيرة معقودة ، تحسّستها بيدي ، بدت محتوية على نقود، فدسستها في جيب قميصي ، واضطجعت...