(4)

3 0 00

(4)

طغى الكرب والضيق عليه في ذلك المساء، ولم تعد عنده الهمّة لمتابعة فروض أطفاله وتحضير دروسهم وسرد الحكايات الحلوة لهم ؛ حتى يغلبهم النعاس ويناموا كمثل الأماسي الماضية. تناول علبة سكَائره و شخاطته ودخل غرفته ، حيث تمدّد على السرير، ثمّ أشعل سيكَارة ، وركّز نظراته على السقف ، وراح دخان سيكَارته يتحلزن في فضاء الغرفة، ثمّ يتلاشى تدريجيّاً...وراح خياله مثل الدخان يشكّل هالات لاتلبث أن تتبدّد ...

- صدّقني يا كاكه فرج ما يقلقني هو انه مازال صبيّاً ...

- حفظك الله ما هذا القول ؛ فهو رجل كامل ماشاء الله ! كيف يكون طفلاً من بلغ المرحلة الجامعيّة؟! هكذا نشأنا على عدم الثقة بأنفسنا. ثمّ تذكّر يا أسطه صادق بأن البنين لايكبرون في نظر الآباء والأمّهات ، بل يظلون صغاراً حتى لو بلغوا عرش الملوك!

" أجلْ ..إنه محق ؛ يظل البنون صغاراً في نظر الآباء والأمّهات ، ولكن ليس سواي يعلم بما آل إليه حال هذا الولد النزق ، فقد غدا فريسة للحزن والقلق، واغتمّ جدّاً لعدم إكماله دراسته..إن الحزن والقلق يهدّان حتى الجبال وليس ابن آدم فحسب ، بل يتركانه متيبّساً كبستان ظاميء...لاأعتقد أبداً بقدرته على تدبير وضعه؛ مادام لم يعايش الوضع هناك ، ولم يتعرّف على الثورة والبيشمركَه والفلاحين إلاّ عبر الكتب والمنشورات؛ فكيف سيتدبّر أمره الآن؟! فليكن مايكون بشرط أن يظل حيّاً! فهو شاب ، وليفعل مايشاء...فعلى الأقل سيخبر تجارب كثيرة...أوّاه ما أشدّ تعلّقنا بالأولاد! أنظر إلى آته المكتنزة كيف نحل جسمها والتصق جلدها بعظامها و ترمّد لون جهها وغارت عيناها. كيف لاتتأثر وهي أم؟! المسكينة لاتجرؤ حتى على ذكر اسمه خوفاً منك؛ فلذا ينبغي أن تطيّب خاطرها. إن الآباء والأمهات في هذه البلاد يحبون بعضهم البعض ؛ من أجل البنين والبنات ، وما إنْ ينجبوا طفلاً حتى ينسوا أنفسهم.. فعليه يجب ألاّ تكون فظ القلب كذاك النزق ، وبالأخص مع آته..أتعلم كم أنت مدين لهذه المرأة؟! انه لايحصى . ما أكبر فضلها عليك! فضلاً عن أن أهلها يحسبونك في منزلة ابن لهم. صحيح انهم تحججوا و تمنعوا في البداية ولوّعوا قلبك كثيراً ، ولكن لا لوم عليهم ؛ فقد كنت رجلاً فقيراً وغريباً...أجلْ..كنت بيشمركَه بسيطاً، ولم يكن لآته ذنب في موقفهم ، بل وقفت إلى جنبك بكلّ ما في وسعها ، حدّ الإستعداد للهرب معك ، إلاّ أن لمْ يكن فعلاً يليق بالبيشمركَه...جازى الله خيراً آل ميرزا حسن الذين تدخلوا ويسّروا الأمر... ياه! كأنما الأمر يحدث الآن ... فقد قصد ميرزا حسن بيت أهل آته ؛ كي يستوضحهم الردّ ، واستغرق ذلك أسبوعاً، ولكنْ يا له من أسبوع ثقيل! كان قلبك في قبضتك : " يكون ..لايكون؟" وفي نهايته قدمت سيّارة من المدينة، وتمنيت لو تهرع إليها كطفل ، لكنك خجلت ، أو الأصح توجّست خشية الخيبة ؛ فقد سبق وأن بعثت إليهم أشخاصاً آخرين ، لكنهم عادوا والخيبة تسبقهم...كنت تخشى أن يحصل لميرزا حسن ماحصل لهم ؛ فينهار قصر ىمالك وأمانيك . و طالما كنت تؤمّل نفسك : " لابأس إنْ لمْ يتحقق الآن ؛ بشرط ألاّ تتزوّج هي وتنتظرني" وعندها أسرعت إلى الخالة (حلاو) واستعطفتها لتذهب وتستقصي ما إذا كان ميرزا حسن قد عاد بسيّارة القرية، أم لا؟ فذهبت الخالة حلاو ولاأحد يتمنى لحظات انتظارك المقلق على أحرّ من الجمر، وبعد فترة وجيزة عادت وهي تبتسم من بعيد...و حالما دخلت المجاز؛ نهضت وابتدرتها مضطرباً:

- أبشري يا خالة

- فدتك خالتك بروحها مبروك

لم تدر كيف تتصرّف من فرط غبطتك ؛ إذ كنت تصبو إلى احتضان الخالة حلاو وشمّها.. ولكنك تمالكت نفسك وسألت:

- إيه يا خالتي حدثيني بالتفاصيل ، حسناً لمَ لمْ تحضر أمي؟

تطلعت إليك بودّ ، فتحسست وجهها الطافح بالبشر:

- وما حاجتك لأمك؟ ومن أكون أنا هنا؟ أمك لم تحضر ؛ لإنشغالها بتحضير ثياب العروس. وغداَ سنرجع أنا وميرزا حسن بسيارة البيكاب

- لماذا؟

- ألا تدري بأني سأزفها إليك بنفسي؟ سترى أيّة عروس مزدانة سأزفها لولدي! سأعلّمها خلال يومين فقط كل مايتعلّق بالحياة الزوجيّة مالم تتعلمه خلال عمرها ...سأزف إليك عروساً متفهّمة؛ بحيث تظلّ طول عمرك ترسل الرحمة إلى قبري.

كنت تكاد أن تطير فرحاً ، وخرجت دون توديع الخالة حلاو، ووجدت القرية لاتسع فرحتك ؛ فخرجت منها ، و رحت تتمشى... و شعرت بأن تحقيق الأمل يمنح المرء الغيرة والرجولة مثل مايمنحه السلاح للشبان المتحمّسين ؛ بحيث تغمر الثقة روح المرء ويشعر بقوة رجولته..

وفي مساء ذلك اليوم خوّلت ميرزا حسن وكيلاً لك لعقد قرانك، وقد بشرك بأنه قد دعا فرسان القرى المجاورة للحضور واستقبال العروس في يوم الإثنين المقبل...ولكن الوجوم إستبدّ بك بدلاً عن الإبتهاج ، فقرأ ميرزا مايدور في خلدك وتساءل:

- بماذا تفكّر؟ أ في مصاريف حفلة العرس؟ لا لوم عليك ؛ فأنت بيشمركَه وشبه معدم، ولكن إعلم يا بنيّ أن من عاداتنا وتقاليدنا أن تساهم القرية كلها في تدبير المصاريف ، ليس إكراماً لك فحسب ، بل هي التقاليد يا ولدي ، ومادمت بيشمركَه ؛ سنفعل أكثر من المعتاد...سيساهم كل بيت حسب مقدوره في إعداد الطعام الذي سيتناوله الحضور في مضيف القرية ؛ لذا يسوؤني أن تغتمّ وتحسب نفسك مديناً لنا ؛ إنّما نفعل ذلك لأحد أبنائنا...قد يكون وجومك لصدمتك بالخبر السعيد! غداً سأذهب والخالة حلاو، وفي عصر الإثنين المبارك الآتي سنعود جالبين العروس بإذن الله...

ثمّ حلّ الإثنين الموعود، وقد إستعدّ الجميع بكامل زينتهم كباراً وصغاراً ، شباناً و شابات ، رجالاً ونساءً... كانت رائحة التمن المطبوخ واللحم المقلي والحطب المحروق حتى الرطب تتصاعد من مداخن مواقد أهالي القرية تسكّر المرء و تشهد على سخاء أولئك الناس الطيّبين . كان الشتاء يودّع آخر أيّامه، وكانت الأرض ريّانة والسماء صافية..وكان رأسا صف المدبكّين والمدبّكات لايحصرهما النظر . لقد كان اليوم يوم العشاق والعاشقات وهمساتهم وغمزاتهم ، وكانت هلاهل النسوة الجهيرة وصيحات الراقصين ورنين الحلي ورجرجة النهود والعرق الناضح من خدود الفتيات ، وأصوات العيارات النارية المنطلقة من البنادق والمسدسات ..كل ذلك كان يبث تيّار الطمأنينة في كيانك ، ولم تقف ساكناً فدبكت فترة ، لكن أترابك سرعان ما أخرجوك من الدبكة : " كاكه صادق يجب ألاّ تتعب نفسك" و" إستبق قواك لليل!" و" أدخر دبكتك لعروسك في الليل!" وطبعاً كنت تتمنى ذلك من الله ؛ فصعدت مع (كاكه رش) فوق سطح المسجد ، حيث كانت عيناك ترقبان الطريق ، وعندها قال كاكه رش:

- عزيزي دوغري حين تدخل الليلة على عروسك لاتهجم عليها كالكردي الذي لم ير اللبن في عمره! فقد تترك ليلة الدخلة آثارها سلباً أو إيجاباً على مدى الحياة الزوجيةً؛ لذا على العريس أن يتعامل بهدوء ورويّة مع عروسه ويزيل خجلها ويجتذبها إليه ...واعلم حين تكونان في الحجلة وحدكما ، ستكون هناك جمهرة من الفتية والشبان أمام بابها يتصايحون : " هيّا هيّا ألمْ تنته؟! عجّلْ..ما الخطب؟!" وغيرها من الترهات. لأن فض بكارة العروس بسرعة يعد علامة فارقة للرجولة حسب العقلية العشائرية المتخلّفة ! وطبعاً يتجمهر بعضهم أمام الباب ؛ لكي يطلق الأعيرة النارية عند خروج العريس ، ثم يتفرقون ، وهنا يمكنك أن تخدعهم ؛ فتخرج في الوقت المناسب ؛ لكي يطلقوا أعيرتهم وينصرفوا، فتعود إلى عروسك.

ولمّا رفعت رأسك متطلعاً إلى مشارف القرية ؛ إذا بالفرسان يسارعون لإستقبال موكب العروس ، فنظرت بمنظارك و رأيت العروس تنزل من السيّارة، وكان نقابها الكحلي يبرق من بعيد. وأركبوا العروس على فرس يمسك (لاله حمه) عنانها ويمسك (صالحوك) و(احمد جاو جوان) بركابيها، وحمّلوا جوادين آخرين بأغراض العروس، وركبت الخالة حلاو أحدهما، وسار الموكب الهوينى، ومضى الفرسان المتحلقون يبدون أفانين فروسيّتهم، بينما كان الشبان ذوو البنادق والمسدسات من الصاعدين على سطوح بيوت القرية ينتظرون الطلقة الأولى لإستقبال الموكب لينخرطوا في إطلاق العيارات النارية. وقد ناولك أحدهم قصبة طويلة لتضرب بها عصابة رأس العروس عند دخولها؛ لتفرض هيبتك وهيمنتك عليها حسب التقاليد المتوارثة! وكان بضعة آخرين يحملون أكياساً ملؤها الجكليت والحامض حلو والزبيب والحبّيّة المشوية لنثرها على العروس ؛ تفاؤلاً بمقدمها الميمون حسب التقاليد. وحالما أطلق أحدهم الطلقة الأولى ؛ تعالى أزيز الرصاص من كل صوب ، والرجل الرجل هو كل من يطلق عدداً أكبر من الطلقات ؛ برهاناً على إخلاصه للعريس والعروس ، ولكي يبتهج قلب العروس : " كلّ هذا الفرح من أجلي..."! ثمّ وصلت العروس قرب البيت ، لكنها أبت أن ترتجل: " لن أنزل!" ففكرت : " ألمّ تخبرني الخالة حلاو بأنها ستزف إليّ عروساً متفهّة مطواعة؛ فأترحّم عليها مادمت حيّاً؟!" ولم يكن الحشد يتوقع موقفها هذا، وكاد البعض أن يهين الدليلة خالة حلاو، والتي سارعت إلى حلّ المشكلة: " ترجّلي يا ابنة الكرام.." فتحججت : " لن أترجّل ؛ حتى تعطوا بخشيشاً جيّداً لمرافقيّ فرسي و لي أيضاً" وسرعان ما استجابوا لطلب العروس ، ثمّ قالت إحدى النسوة ضاحكة مازحة : " لقد نفذنا طلبك الخاص بالمرافقين ، أمّا بخشيشك فهو الثور الأحمر!" وقد فهمت لاحقاً أن المقصود بـ (الثور الأحمر) هو العريس !

***

مع أذان العشاء أدخلوك على العروس، فانفردت بها في الحجلة ، حيث كانت رائحة البخور المحترق والقرنفل وحنّاء يديها وقدميها وعيناها المكحلتان تبعث في جوارحك النشوة..وإذا بهم يصيحون بعد فترة وجيزة وينادونك متسائلين:

- ألمْ تنته يا صادق؟!

فانتفضت آته والتصقت بك باستحياء ً، وهمست:

- ويلاه! ما هذا اللغط؟! لقد أفتضحنا!

- هيّا عجّلْ يا ولد...ما الخطب؟! لو كانت ربيئة عدوّ لإحتللتها منذ وقت طويل!

وعندها سارعت بالخروج إليهم ؛ فأطلق كل واحد منهم إطلاقته وصافحوك ، وسرعان ما إنصرفوا...

لمْ تمض سنة واحدة على زواجك حتى ارتأيت أن تهجر السلاح ؛ إذ شممت في جوّ الحركة رائحة شقاق وانشقاق ، فتركت البيشمركَايتي ، لكن قسمك ظلّ راسخاً في بالك: " أقسم بالقرآن و بشرفي ألاّ أخون الكرد وكردستان" ثمّ إنك لم تصبح مقاولاً مثل بعضهم ، بل لم تتمكّن من تكوين بيت متواضع إلاّ بشقّ النفس...بالإقتراض والعمل المرهق وإعانة الأقرباء.

***

ثمّ أشعلت سيكَارة أخرى " ما أغرب عوطف الآباء والأمّهات! كأنما ليس عندكم سوى مستو! لكن حتى لو كان لك ألف إبن ؛ ثقْ أن لكلّ واحد منهم مكانته الخاصّة..."

دخلت آته الغرفة، وجلست متمسكنة على السرير الذي صرّ صريراً:

- لم أعهدك قاسي القلب هكذا يا رجل ؛ فمنذ فترة طويلة لاتسأل عن ولدنا، أو تحاول تقصّي أخباره! فهو لمْ يبتر ذيل حمار الإمام الويس ! بل حريّ بك أن تفتخر به...

هم ..م م ...إنه عنيد ..عنيد جدّاً..وأنا أعرف به منك يا امرأة، ولا أستبعد إمتناعه عن مخاطبتي ؛ إذا ذهبت إليه!

- لكنه مسكين يا رجل..يشعر بالجفاء والوحدة ويعاني من الحرج والخجل بين رفاقه...

وانقلب صادق على جنبه، فزحفت آته إلى جنبه على السرير، واستثار صرير السرير رغبتهما...ثمّ كركر صادق ؛ فسألته آته:

- على مَ تضحك؟!

- أما تذكرين ليلة زفتك إليّ في (باخه كون) في إحدى غرف بيت الشيخ كريم ، حيث تجمهر الفتية والشباب أمام الباب وهم يصيحون : " ما الخطب؟! لو كانت ربيئة للعدو ؛ لإحتللتها منذ وقت طويل!"

فضحكا ، ثم قالت آته:

- حسناً..إكراماً لذكرى تلك الليلة ؛ زُرْ ابننا مستو.

تطلّع في وجهها بنظرات طافحة بالرضا والرقة، وهو يحدّث نفسه : " والله أعلم أيّ ولد مغرور هو! قد يشيح بوجهه عني حتى لو زرته ، لكنما مهما يكن ؛ فهو من دمي ولحمي ، وأنا أحبّه ، سأسارع غداً بالذهاب إليه.."