الباب الثالث
بلاد سقطت من عربة التاريخ
فعضتها الجغرافية من أذنيها
استقبلنا حياتنا الجديدة في الجامعة بمشاعر متناقضة، كانت رائحة سوبارتو معلقة في ثيابنا ونحن نلف الشوارع بالباصات والسرافيس. لعل أول ما يلفت نظر القادم من مناطق نائية كسوبارتو هو أن الناس قلما يمشون على أقدامهم، الجميع يسيرون على الدواليب، ذهبت متأخراً، لم استطع الحصول على غرفة للإيجار، استأجرت مع طلاب قدامى تعرفت عليهم بالصدفة، شعرت بالغربة بينهم عندما تأكدت من أن للأحزاب يداً حتى في مسكن الطلبة، المنتمون إلى حزب واحد يسكنون في شقة واحدة، وهذا ما اكتشفته فيما بعد، كانوا يحتاجون إلى غرفتي أحياناً، يُخبرونني بتهذيب كبير:
الشقة مشغولة اليوم حتى الساعة العاشرة.
كنت أقضي الوقت بين غرف الأصدقاء وبين دخول دور السينما المشهورة بعروضها المتواصلة، أتحاشى الاستفسار عن السبب لكي لا يتهمونني بالفضول. الأمر معروف، ثمة مداولات ونقاشات في السياسة، لخصها لنا أحدهم:
نتحدث عن الوضع العالمي اعتماداً على الإذاعات، الوضع الداخلي بخير، والوضع الحزبي في تحسن مستمر ثم نفصفص البزر بقية الوقت بانتظار قدوم غد أفضل.
أحياناً أعود إلى غرفتي، أجدها تفوح برائحة عطور نسائية منعشة والسرير مرتب بعجلة زائدة، استنتجت وقتها أن ثمة معارك جهنمية ممتعة يخوضها أصدقائي على سريري في اجتماعات صاخبة، تتدحرج خلالها رؤوس آلاف الملوك ومئات الأحزاب، وعشرات الدول على أرض الغرفة. أنعشتني الروائح التي تخلفها الجامعات على سريري، حلمت بأن تنام إحداهن في حضني، لتخلف مثل هذه العطور على ثيابي أيضاً. تعبت من المقارنات التي لم تكن تحسم لصالح سوبارتو على الإطلاق. المدينة بأبنيتها، سياراتها، حيوية ناسها، وقتها الراكض، نظافة شوارعها. وسوبارتو ببيوتها الطينية، غبار شوارعها، حميرها، كآبة ناسها وباصفرار وجوههم، بنسائها وهن ملتحفات بأسمالهن المغبرة، بوقتها الميت زاحفاً ببطء. بصباياها الشاحبات المصابات بفقر الدم، بقي مجال تحركنا محصوراً بين الجامعة والغرفة المؤجرة وأماكن الأمسيات الثقافية التي سرقتني تماماً من الفلسفة. يوماً بعد آخر شعرت بوجود خدعة في الموضوع. الفارق هائل بين حب الفلسفة وبين دراستها. شيئاً فشيئاً ازددت تعلقاً بالكتب الأخرى، وبدأت أكره الكتب الجامعية التي نمت بيني وبينها بالتدريج علاقة تنافر حاد. كان إبراهيم أكثر قدرة على التعبير عن هذا النفور، نظراً للعلاقة العكسية بين الموسيقى التي يعتبرها روحه وبين كتب الهندسة الخاضعة للمنطق، ولكل ما هو غريب عن المشاعر، فتنتابه حالات تدفعه إلى التقيؤ من وضعه المزري:
اسمع.. هذه معزوفة هندسية. إذا جمعنا (دو) الدبرياج مع (ري) الفريم حصلنا على (مي) المحرك.
لولا وجود إبراهيم معي لقررت العودة إلى حيث القلب، وذلك خلال الأيام الأولى التي كنت أحن فيها إلى غبار سوبارتو، إلى ضحكة بلقيس الحزينة. كتبت الكثير من الشعر والتأملات الفلسفية في الليل، وفي النهار مزقتها. حضَّرت لها عشرات الرسائل في أواخر الليل، وفي الصباح الباكر رميتها إلى النار. انشغلت بالتنانير القصيرة لزميلاتي، حاولت الاقتراب منهن. كنت مغشوشاً بلباسهن، وأضحك على نفسي كلما أتذكر أنني كنت أحكم على الفتاة من لباسها، فكلما ازاداد قصراً كنت أظنها أكثر وعياً وتحضراً. شيئاً فشيئاً بدأت أحترم المحجبات، رغماً عنهن، أكثر من صاحبات السيقان المكشوفة والمثيرة، اقتنعت بأن التي تضع، مرغمة، حجاباً على وجهها من الخارج، هي أفضل بكثير من التي تضع حجاباً على عقلها من الداخل، بدأت أسخر من أحكامي السريعة. تبين لي أن لكل كلية في الجامعة عالمان، وبين عالمي الطلاب والطالبات جسور خيطية، قد تخترق بطلب محاضرة ما، شكلاً، وهو طلب علاقة حب، مضموناً. ومع الأيام تبخرت كل الأوهام التي نسجت في مخيلاتنا عن الجامعة وعالمها المخملي. أصابني فتور تجاه العلاقات المريضة السائدة التي أثارت امتعاضي على الدوام. تم تشكيل سوبارتو صغيرة في الجامعة يقتصر سكانها على الوافدين مطعمين بقلة جديدة استقطبها حزب الآنسة. لفت نظري أن الوجوه التي تحضر النشاطات الثقافية كانت تتكرر وتحظى الأسماء النسائية بالمديح طيلة الوقت. نمت صداقة عفوية بيني وبين سلمى التي تتردد على حضور هذه الأماكن رغم أنها طالبة في كلية الزراعة. مددت لها قبضتي يوماً. طلبت منها أن تحزر ما الذي أخبئه في يدي. وعندما قالت لي بأنني أخبئ وردة فتحت لها يدي.. طار منها الجراد. كلما تنظر بعينيها اللوزيتين حولها، نتهمها بالبحث عن صرصور لتشريح جثته في كليتها. كانت تتقّبل هذه المواقف بابتسامات عابرة ولا تنقلب سحنتها إلا في حالات حرجة بالنسبة لها:
لماذا تهملني؟.
وماذا أفعل لك؟.
أشعر بالإهانة عندما تتصرف معي وكأني أي بنت تعرفها.
أنت صديقة احترمها.
عبر عن مشاعرك بالاهتمام بي.. وبممارساتك على الأقل.
حسناً كما تشائين.. الحق عليّ.
ترضى بسهولة وتثير الإعجاب بسلاستها اللامتناهية. جاءت إحداهن، كثيرة التردد على الندوات الثقافية، خضراء العينين، مدت الجريدة المطوية باتجاهي:
هل المرأة في نظرك هكذا؟.
كيف يا فريال؟.
تمثال لا روح فيه، حشرة تستحق السحق، ومخلوق شرير من الدرك الأسفل.
ربما.. أكثر من ذلك..!.
كانت الجريدة تتضمن مقالاً عن الفلاسفة المتذمرين من المرأة، والذين ينعتونها بأوصاف فيها الكثير من الاحتقار والإهانة، المشكلة عندها أن هذه الآراء هي لأكثر الفلاسفة قرباً إلى نفسي وهم شوبنهاور وكيركغادر ونيتشه. فريال تعلم أنني أكثر من تعرفهم قرباً من آرائهم وتعاطفاً مع كتاباتهم وحياتهم، حتى أنها قالت بجدية:
أتوقع لك مستقبلاً مشرفاً كمستقبل نيتشه !.
.. وأنا كنت وقتها شديد السخط على بلقيس، مستغرباً من تحولها باتجاه الخنوع لآراء الاخرين، عرفت من القادمين من سوبارتو أنها أصبحت محط أنظار الجميع، الجميع يتسابقون للتودد إليها وكسب تعاطفها وحبها، وأنها اندمجت مع الحالة الجديدة. أعجبها كثيراً أن تكون محاطة بمحبين كثر، لا بمحب بائس واحد مثلي. أعطتني فريال عنوان بيتها كختام نقاش محتدم. عرفت أنها تسكن وصديقاتها مع عجوز وحيدة تسكن الغرفة الأخرى وهي صاحبة البيت. حددت لي موعداً في نفس اليوم. ذهبت إليها قبل الموعد بقليل، انتظرت حتى حان الوقت. وعندما صعدت الدرج فوجئت برأسها المطل من نافذة الباب المفتوحة، فتحت لي الباب بحذر:
احذر من أن يراك الجيران.
استغربت من حرصها الشديد على السرية. أدخلتني إلى غرفة تحتوي سريراً عريضاً قالت بأنها تنام عليه، لمحت لها بخبث مكشوف:
هذا السرير صالح لزوجين، لا لصديقين.
لطالما فكرت بأن الحل الوحيد لتخفيف آلام حب امرأة ما، هو اللجوء إلى أحضان امرأة أخرى، طالما أن النسيان مستحيل، عرفت ذلك من الانغماس في مياه شهوة حميدة العانس، وقتها خفت عن روحي آلام حبي الكبير. ازداد حبي شفافية لكنه ابتعد عن الشراسة والعنف. والآن جاءت فريال لإنقاذي دون أن تدري أني ضائع، وأن المرأة الوحيدة التي وهبتها روحي وعقلي تتنكر لي وتصرح بعد حبها لي، ضحكت فريال قائلة بان صديقتها مسافرة وأن العجوز صاحبة البيت، في بيت ابنتها منذ أيام. عرفت من ارتباكها أنها خططت لشيء ما... على الطاولة ثمة كؤوس فارغة وقنينة بيرة. ملأت الكأس وقدمته لي، جلست بجانبي وبدأت تنظر إلى عيني، قلت لها:
عيناك لئيمتان.
فقط..؟!
وحلوتان.
وضعت رأسها على كتفي وهي تسرد حديثاً عن وضع المرأة تاريخياً، كنت مشغولاً بها، لا بحديثها المثير:
الزواج مؤسسة مقرفة.
أكدتْ أن الشرق حظيرة لا تصلح إلا للحيوانات المدجنة، وأنها كانت البارحة مع غيري على نفس السرير. أصابني الذهول من جرأتها الفاضحة. كشفت عن رقبتها مؤشرة إلى آثار أسنان رجل البارحة. كنت وقتها مندهشاً وهي تنزع عن جسدي الثياب السوداء. مددتني على السرير، تسلقت جسدي بنعومة جسدها التي أدخلت الرجفة إلى أصابع رجليّ بينما أصابعها تعبت بشعري المبعثر. كانت تتقن القبل الطويلة. تحكم شفتيها على شفتي حتى تنقطع أنفاسي. وبعد كل قبلة تضيء جانباً من تفكيرها:
أنا مومس مثقفة وأعرف ماذا أريد.. ما رأيك؟.
كانت مشغولة بأفكار غريبة، كنت مشغولاً بعسل الجسد. شعرت بأن متعتي معها كبيرة إلى حد لا يقارن مع شعورها الباهت بالمتعة لبحثها الدائم عن إيجاد تبريرات لممارساتها!، قلت مستدركاً:
لا تظلمي نفسك.
الفرق بيني وبين الأخريات مسألة شكلية. أنا أمارس قناعاتي الداخلية وغيري لا تتجرأ على فعل ذلك. لا تصدقهن، في داخل كل امرأة عاهرة.. أحياناً تكون فاضلة.. ترغب في مئات الرجال دون مقابل مادي، والرجل؟.
ربما.. لكنها مشكلة فعلاً.. إذا طفت الرغبات كلها على السطح.
حقيقة الرجل مخفية في شيء ما تحت سرته.. سرّه هنا. ألست خاتماً في إصبعي الآن. بإمكاني أن أقلبك على ظهرك وعلى بطنك كما أريد. المرأة سر الرجل.
لا أفهم إلى ماذا ترمين؟.
أنا أرمي إلى تنظيفك من قريتك السلبية.
انكسر شيء ما في داخلي، تراخت أعضائي، ضجت كلمة "مومس" في رأسي، نظرت إلى جسدها العاري، المباح، باستغراق. علمت حينها أنه من المستحيل أن أحب جسداً يشترك في حبه غيري، أدركت كم أنا أناني ومحب لملكية الجسد وشرقي. بالمعنى القديم للكلمة. تسلل الإحباط إلى نفسي. هل هذا هو الجسد الأنثوي الذي يلهب مخيلتي طوال الوقت؟. أحسست بأن الحلم بجسد امرأة جميلة أحلى وأمتع بكثير من امتلاك الجسد بيدين باردتين خاليتين من الحب. ارتديت ملابسي وخرجت إلى الشارع حزيناً. سردت الحادثة لسلمى كمغامرة ممتعة، أبدت امتعاضها:
بنات ضائعات.. ساقطات.
عندما تسمع سلمى الحديث عن العلاقات المؤقتة العابرة، تغلق أذنيها بيديها وتهدد بمغادرة المجلس إن استمر الحديث في نفس المنحى، حتى أنها كادت ترميني بكتاب في يدها. عندما أبديت رأيي عن قصد، بأن الملل يتسرب إلى علاقة الزواج مهما كان الأمر. وأن أجمل علاقة ينبغي أن لا يزيد عمرها عن ثلاثة أشهر. غادرتنا غاضبة، وتصالحنا في جلسة اذار في عيد المرأة.في ذلك اليوم احتل ساحة البصر وجه كدت أخطئ بينه وبين وجه بلقيس. غنت بصوت أنثوي رخيم وجارح يهز الأعماق، كنت منتشيا طوال فترة الغناء. شعرت بجسدي يتفتت تأثرا. وفي نهاية الجلسة خرجنا. اقتربت منها:
ـ شكراً على غنائك يا نرجس.
ـ كيف عرفت اسمي؟
ـ من صوتك..!
ضحكت. في السيارة جلست سلمى في المقعد الأمامي وهي في يمين المقعد الخلفي وأنا في يساره وبيننا اثنان آخران.كانت ذراعها ممتدة من خلفهما، وعندما مددت يدي، اصطدمت بيدها. سحبتها. إلا أني بهدوء، وضعت يدي على يدها الصغيرة وضغطت، لم تسحب يدها. اكتفت بالنظر إلي بابتسامة لم أتوصل إلى مغزاها، احترت فيما إذا كانت سخرية أم تعبيراً عن حب متبادل. من الطبيعي في كل مغامرة أن يضع المغامر الاحتمال الأسوأ، إلا أن كلماتها عند الباب شجعتني كثيراً:
زورونا، نحن بانتظاركم، عرفت البيت، أليس كذلك؟
تمتمت ب (نعم)مرتبكاً، خصتني بنظرة سحبت قلبي من أذنه باتجاه الهاوية. لم أنم تلك الليلة اثر التفكير بغموض أعماقي الجائعة إلى أشياء أكاد أجهلها. هل هو البحث عن بديل لبلقيس ابتداءً من الآن؟ هل يمكن للمرء أن يحب أكثر من مرة واحدة؟ أم أن امرأة واحدة لا تكفي لإرواء رجل قادم من الصحراء مثلي؟. ولماذا أتخيل بلقيس كلما أنظر إلى نرجس؟ ضحكت من شحطات خيالي، ما اعرفه هو أن الحل مستحيل، لفني غبار سوبارتو البعيد، أضاعتني أسئلة صغيرة. ما الذي يضمن لك بقاء بلقيس؟ لا شيء على الإطلاق. لابد من محاولة للتخلص من حبها المميت الذي خلّف وراءه يأساً عقيماً لا يمكن فهمه أبداً، يا ترى بماذا تفكر بلقيس في هذه اللحظة؟ أتتذكر أيام البراري والرعي والمهازل؟. تخاصم أصحابك الصغار وضربوا بعضهم بالأيدي. عندما ابتعد الفريقان المتخاصمان، بدءا يتقاذفان بالأحجار، كنت متفرجاً ولم يصب أحدهم سواك. كسرت رأسك حجرة طائشة وأنت لا علاقة بهما. لماذا حفرت الحجرة تلك رأسك بالذات دون كل المتخاصمين؟ هذا دائماً مصير المتفرجين الذين لا يمكنهم الوقوف إلى جانب أحد. لا أدري كيف نمت يومها، أيقظني الهدهد، فرحت لمجيئه:
هدهدي العزيز.. عليك إخبار بلقيس بشوقي إليها، التعب يزيد حبي لك يا بلقيس، أنا بانتظار كلمة حب منك كي لا أموت.
غاب الهدهد طويلاً. عاد حاملاً أخباراً سيئة عنها، بلقيس قابلته ببرود صامت وهي مشغولة بمعجبيها وتعدادهم وتكاثرهم. انتابتني حالة من الغثيان. عدت إلى سوبارتو فأمطرت. قالت بلقيس:
عرفت أنك هنا.. من المطر.
المطر؟
نعم، كلما أمطرت أعرف أنك جئت، أنت تطارد المطر أم أنه يطاردك؟... أنت مطري يا سليمان.
كنت أحاول القبض على معصم الوقت لأمنعه من المرور، أستغلُّ كل ثانية من اللقاء الذي تعبت كثيراً في ترتيبه. في لحظة واحدة تبخر كل ما تناهي إلي عن انشغالها عني:
أنا سعيد لأننا على انفراد لأول مرة..
وأنا كذلك.. لكنني تعيسة جداً.
أنا معك وتقولين ذلك؟!.
ضع نظارتك جانباً رجاءً لأرى عينيك.
بدونها لن أراك جيداً.
لا يهم، المهم أن أرى أعماق عينيك.
اقتربت مني، حملت النظارة بيديها المعطرتين، وضعتها على الكرسي الفارغ. غادرت الكرسي، جلست بجانبها على الكنبة، لأول مرة. وضعت يديها بين يدي، شعرت بيديها كبيرتين، أكثر مما أتوقع، أحسست بأنها تشعر بصغر يدي مقارنة مع يديها البيضاوين. رفعت رأسي، امتلأت عيناها بالدموع:
هل هذه دموع الفرح؟.
لا، أشعر بالتعاسة.
ألا تملين من تكرار هذه الكلمة؟.
على كل، تصلني أخبارك السيئة من هناك.
تذكرت كل المواقف التي مرت معي، كنت أخاف تسربها بشكل مشوه، ارتبكت:
في كل الأحوال، أنا لم أخطئ في حقك، وأنت تعرفين..
أعرف أنك تحبينني قبل أن تقول لي ذلك.
لكنك كنت صغيراً جداً.
عندي حاسة سادسة تجاهك تحديداً.
مسحت دموعها المنحدرة على خديها المحمرين بأصابعي، مسدتُ شعرها فأزاحت رأسها على صدري، رفعت وجهها، حاولت تقبيلها، منعتني، تظاهرت بتهذيب مبالغ فيه:
ألا تسمحين لي بتقبيلك يا سيدتي.. للمرة الأولى؟!.
آسفة.
قالتها وشلحت جاكيتها الجينز، رمته على الكرسي الآخر:
هل زعلت.. حبيبي.
لا... أبداً.
ارتمت بين أحضاني، شدتني إلى حضنها بعصبية زائدة، هدّأتها:
اسمعي بلقيس، أتحدى كل عشاق الأرض إن كان حبُّهم كلهم يضاهي نصف حبي لك.
أسندت وجهي بيديها الكبيرتين، الناعمتين، وهي تحدق في عيني، بتأثر شديد، ذكّرني، ولا أدري كيف، بالأفلام وبالممثلات المبتدئات. المرتبكات، حاولت التخفيف من انفعالها:
المسألة ليست بكل هذا التعقيد، لماذا ترتجفين هكذا؟.. ارتاحي.
أجلستها قريباً من ركبتي، قرّبت شفتيها من شفتي، تكهربت حيطان الغرفة والكراسي والسقف والتراب على قبر جدي، حاولت إحكام شفتي الملتهبتين حباً وشوقاً على شفتيها الذابلتين. منعني ارتباكها وانفعالها وهيجانها العارم. بللت شفتيها بلساني، لثمتها، أمطرت وجهها الوردي بقبلات سريعة حارقة، استقر فمي على رقبتها البيضاء الشديدة الإثارة، امتلكني إحساس الطائر في فضاء أعمى، أزحت سلسلتها بلساني، أنعشتني رائحة الرقبة الناعمة، كانت تشدني إلى حضنها بطريقة شعرت خلالها بضغط يديها القويتين، تأوهت بقوة عندما لمست نهديها الطريين والمخبّأين تحت كنزة مخططة، فجأة، أبعدتني بحركة قوية عن جسدها:
أنت وحش، وحش..
ارتمت على الكنبة باكية، وهي تبتسم من خلال الدموع:
أريد أن أظل نظيفة، نظيفة، لا أريد أن أخطئ.
شعرت بماء بارد يسيل داخل عظامي، كان إطلاقها لكلمة وحش أشبه بسكين في الظهر، أحسست بأني مغدور ومهان، تعمق إحساسي بالإهانة عندما رُبط الموقف بالخطأ والنظافة، ولم يمنعني ذلك من التماسك، جلست إلى جانبها بهدوء كنت منفعلاً أكثر منها بما لا يقاس:
حبيبتي بلقيس، الخطأ أن تتصرفي بشكل معاكس لقناعاتك، لمشاعرك، أن تكذبي على نفسك، النظافة هي أن تكوني صادقة مع من تحبين، وأن تكوني صادقة مع نفسك.
ألقيت هذه المحاضرة على كم بنت غيري، ستحسبني واحدة منهن، رقم، أليس كذلك؟.
بلقيس، أنت في طرف ونساء العالم كلهن في طرف آخر.
إذا كنت تحبني فلماذا تعاشر غيري؟
إذا حدث شيء من هذا فأنت تتحملين المسؤولية.
أنا؟، وتتبرأ من تلك العلاقات الوسخة؟.
طبعاً. إذا كنت مرتبطاً فلن أسمح لنفسي بذلك، ضعي يديك في يدي وسأمتنع عن مجرد الحديث مع غيرك دون إذن منك، أنت تتهربين دائماً.
أنا حائرة وتعيسة وأنت غامض وخيالي.
أنا أبسط مما تتصورين وأعلن حبي لك بوضوح.
لكن الظروف لا تسمح لي بإعطاء أي وعد.
أنت تهمينني لا الظروف.
ألم أقل لك؟. عليك أن تعيشي في كوكب آخر.
سمعت خربشات طائر على الباب. عرفت بأنه الهدهد ينبئ باقتراب الخطر. ساعات معدودة مضت لا ثوان قليلة، كما كنت أعتقد. قلت لها حزيناً:
لكننا لم نتوصل إلى أي حل، ولا تنسى أنك السبب في ذلك.
أنت السبب.
عندما أدرت ظهري لأمضي، هتفت:
سليمان.. لا تذهب.
ضحكت لها ساخراً من سوبارتو الضيقة على قلبين صغيرين:
إنها الظروف كما تعلمين.
أشعر بالانهيار، أنت تسخر مني، أليس كذلك؟.
امتلكتني حيرة لا فرار منها، غادرتها مرغماً، شعرت بالقطار يسير على جسدي، وأنا جالس فيه في طريق العودة إلى الجامعة.
تلقاني إبراهيم منتشياً بعثوره على غرفة مناسبة تضمنا معاً، كانت أشبه بوكر صغير معزول عن العالم. هذه الغرفة شهدت انعطافاً جذرياً في حياة إبراهيم الحزين على أخيه دينو السجين من جهة والحائز على لقب (ملك الخمر) من جهة أخرى، خاصة بعد زواج نسرين من ابن عمها الذي حيّرها ومنعها من الزواج من شخص آخر – وهو ليس إبراهيم بالطبع – كانت تحبه بجنون كما قيل، وزواج صاحبة النظارة الطبية من سائق يعمل عند أبيها، دون أن تلتف إلى دينو وتعبه المضني من اجلها للظفر بنظرة منها، لا بل إنها تزوجت بعد دخوله السجن مباشرة وكأنها احتفلت بذلك. كان إبراهيم ينام بعد أن يشرب قنينة عرق، وعندما يفتح عينيه في الصباح يمد يده إلى قنينة عرق جديدة فيفرغها في بطنه، ويستيقظ للذهاب إلى الجامعة برأس دائخ وجسم مرتجف، كان يشرب حتى التعب، ثم يغرق في بكاء مرير، ويلغط بكلمات مفككة:
أبكي على شيء لا أعرف ما هو.
أحاول تهدئته، يزداد نحيبه ارتفاعاً:
أبكي على أمي.
أبكي على دينو.
أبكي على نفسي.
أبكي لأني سأموت.
أبكي على سوبارتو.
أبكي لأنسى.
أبكي لأبكي.
اتركني أبكي أرجوك. أغلق الباب وراءك.
في هذه الأثناء كانت سلمى تتردد يومياً على الغرفة، ترتبها، تعلق الصور على حيطانها، تنصح إبراهيم حيناً، تفتح معي أبواب أحاديث لا تنتهي، تحاول الإلمام بكل صغيرة وكبيرة في حياتي، الغرفة أصبحت غرفة أخرى بعد اللمسات الأنثوية المتقنة على كل شيء فيها. كلما كانت تأتي سلمى إلينا، كان إبراهيم يتركنا لوحدنا ويمضي إلى ضياعه، بينما هي أصبحت جزءاً من الغرفة التي ستظل موحشة، إن غابت يوماً واحداً. ولدى مجيئها تذرع الغرفة بالصخب ووجهي بالقبل السريعة، كانت تسأل عن أدق تفاصيل العلاقة مع بلقيس وهي تقاطعني أكثر من مرة:
بلقيس، هذه البنت غبية، أتوقع أن تكون عمياء، سأنتف ريشها حين أراها، إن لم تحبك كما تحبها أنت.
كفى سلمى كفى، أنا لا أحب المجاملات.
تتحدث إلي وكأنني أعرفها منذ زمن طويل، كانت الصديقة الوحيدة التي كسبتها إلى جانبي منذ ذهابي إلى الجامعة، تحكي لي همومها، تتحدث عن حبيب سابق أحبته بجنون. لم تكتشف بأنه يمثّل أمامها دور العاشق إلا عندما سافر لقضاء شهر العسل مع امرأة أخرى. اتهمتُها بالغباء فنفتْ ذلك:
الحب أعمى... ماذا افعل؟.
تسترسل في الحديث عن وضعها الشبيه بوضعي على حد زعمها. فإذا كان الفشل، بنى عشه على شجرة حبها فإنني في طريقي إلى ذلك، لكنها تؤكد أنها ستبذل كل جهودها لإصلاح الخلل، رغم إعلانها الصريح:
يستفزني منظر رجل يتأبط ذراع امرأة يعشقها.
كانت سلمى دائمة التأنق، في شعرها وأصابعها ورقبتها وزنديها من الخلاخل والخواتم ما تعجز ست نساء عن حمله، ورأيت نفسي منساقاً إلى بيت نرجس. استقبلتني بفرح عارم. عرفتني على أمها الوديعة، فابتسمت لي ابتسامة غامضة، كان فقيراً لا يتناسب مع أناقة وحيوية وجمال نرجس البلقيسي. رحبت أمها بي وانشغلت بضيوفها في الغرفة الأخرى، عرفت من نرجس أن أمها مطلقة وأن والدها هجرهم منذ أمدٍ طويل، وفرحت لأنها كانت من مواليد سوبارتو، تركت الدراسة إثر عملها في ورشات التطريز تحت ضغط ظروف قاهرة، توحي كلماتها بأنها عاشت تجارب أكبر من سنها:
الرجل يتعامل مع المرأة كما يتعامل مع العلكة، يعلكها، يعلكها، حتى يمل منها، فيرميها إلى الشارع.
تتصرف معي وكأنها تعرفني منذ مائة عام، تبدل ثيابها، تعود إليّ متألقة، تطلب مني إخبار أمها بأنها خارجة معي فترد الأم:
لا تتأخر كثيراً.
تتحدث عن الخطوبة كثيراً، عن الخيانات المتكاثرة في هذه الأيام بين العشاق. تفتح يدي، تكتب عليه بخط هزيل... أحبك حتى الموت. فيتألم شيء داخل عظامي، أتطاير مع شعرها في فضاء لا تخترقه إلا الطيور وبعض الأحلام الخفيفة. تعدني دائماً ولا تأتي دائماً. فأذهب إليها شاحباً من الانتظار القاتل. ممتحناً نفسي فيما إذا كان بإمكاني أن أحب نرجس وأنسى بلقيس التي علي أن أتركها لمعجبيها المتكاثرين كالجراد.. تتحجج بوجود عوائق غامضة تحول دون مجيئها فأكتفي بالاستسلام إلى عينيها البلقيسيتين. أتفق معها على موعد آخر. عندما دخلتْ نرجس إلى غرفتي قفز إبراهيم من مكانه مرتبكاً، رأيته يتعمد تطويل الأحاديث للبقاء أكبر قدر ممكن من الوقت، أغمزه بعيني ليتركنا لوحدنا فيماطل:
ماذا جرى يا برو؟!.
ها.. لا شيء. سأذهب.
لكنه أحضر البزق ليريها بهلوانياته في العزف. كدت أشفق عليه. اقترح القيام بتدريب نرجس لاختبار إمكانياتها الصوتية في الغناء. رحبتُ بالأمر لأنها فرصة احتياطية لي لرؤيتها والالتقاء بعذوبتها. ترددتْ على البيت بعد ذلك. كان صوتها يزرع الجراح على طول الجسد، كنت مستمتعاً، إلا أن برو بدأ يشعر بسيطرته على الموقف فهو ملحنها ومدربها. حتى بلغ به الأمر أن يعبر عن تذمره من وجودي معهما. حاولت تنبيهه أكثر من مرة، بلغ به التمادي إلى حد التغزل بشفتيها وعينيها، فعرفت حينها أنه بعد خسارته الفادحة في حب نسرين بإمكانه الدخول في أية علاقة ومع أية امرأة، ولم يعد مبالٍ لا بالأسباب ولا بالنتائج. وعندما وجدني مستفزاً بدأ يتأرجح متردداً حتى جاءت اللحظة الحاسمة، من باب التجربة تركت لنرجس رسالة مطوية صغيرة وذهبت، بعد أن طلبت من برو إعطاءها رسالتي إن أتت في الموعد.. وما حدث أن الرسالة بقيت في مكانها حتى اليوم التالي عندما عدت، تحجج بضيق الوقت، واجهته بنبرة اتهامية:
عذر أقبح من الذنب.
انكشفت نواياه تجاهها. فاستغربت من صديق أيامي الوحيد الذي لم يصمد أمام أول امتحان يتطلب شيئاً من الوفاء. وفي سكرته ليلاً نزع عن وجهه آخر قناع ممكن:
أنا أولى منك بنرجس، فلا انسجام بين شكليكما، أولاً، ثم هي لعوب، وأنت على نياتك ومسكين، نرجس يلزمها رجل مثلي عظيم وخبير بنساء المدن.
لفتت نظري عضلاته الممعنة في انتفاخها:
نرجس هذه أرسلها الله لي لأنني جدير بجسدها، لا مثلك يا.. روميو زمانك، أنت عندما جئت من سوبارتو سبقتك ظلال بلقيس إلى هنا، أنت تحب بلقيس فقط. لازال غبارها عالقاً في ثيابك وطباعك وقلبك الميت حباً. نرجس تبحث عن فحل مثلي لا عن رومانسي كئيب مثلك. ليكن بعلمك أنني مددتها على السرير وقبلت شفتيها وشامتها وحملتها بعد رقصة هادئة طويلة وممتعة.
والرسالة؟
هي لم تسأل عنك أصلاً لاندماجها مع معزوفاتي.
بقي الليل بطوله يتحدث بهذا المنحى حتى تعب، تأسفت على انتهاء برو الذي كبر معي في سوبارتو وبات شخصاً آخر، غريباً. تأخر الليل، فبكى طويلاً ونام. كنت أراقبه بقلب يكتظ بثعابين ميتة وشيء أشبه بالصابون يسد حلقي. بكيت قليلاً، تذكرت سوبارتو وتفاصيلها. شق الألم أخدوداً في صدري، لا أدري كيف اغتصبني النوم ذلك المساء، حكيت لنرجس، قالت:
هذا كلب.
عندما خيّرتها بيني وبينه،كادت تلتهمني بنظراتها الغاضبة فاعتذرت، لكنها مضت دون وداع، تدخلت سلمى لصالحي، متّنت علاقتي بنرجس، أعادتها إلي بعد فترة قصيرة، عاتبتني نرجس بلطف:
يبدو انك سريع النسيان، من تحبك حتى الموت يا سليمان؟.
اختفت نرجس فجأة، بكت أمها، بكت سلمى أيضاً، احتار أخويها:
فقط لو نعرف مكانها.
طويت صفحتها وعرفت بأن محاولة الدخول في علاقة حب مع امرأة غير بلقيس ضرب من العبث. اعتذر إبراهيم مني متحججاً بالسكر، لكن هيهات أن يعود ما انكسر كما كان. شكرت مجيء نرجس المفاجئ رغم تألمي لاختفائها، كأنها ظهرت لا لتحل محل بلقيس بل لتكشف الوجه الآخر لإبراهيم وتتلاشى، رغم أنني سأتأكد من أنها سجينة بعد ستة أشهر بتهمة سياسية، وهذا ما أذهلني بابتعادها المطلق عن كل ما يتعلق بالسياسة، حسب ظني. ازدادت نرجس غموضاً وألماً في مخيلتي. التحقت بدينو دون أي تمهيد. شعرت بأيامي مليئة بالمفاجآت. حالما اختفت نرجس ظهرت فريال بصخبها وغنجها وجسدها الدافئ والجائع في أقصى حالات الشبق. المرأة الوحيدة التي تطلب المزيد فور انتهائها ولا تتعب، وكأنها في سباق مع الرجل الذي لابد أن ينهزم، وبقيت سلمى تتردد على غرفتي، تفرح لابتعادي عن برو وانشغالي بحكاياتها التي لا تنتهي:
أحضرتُ لك مفاجأة حلوة.
مفاجأة مرة أخرى.
غداً سأراك في العاشرة تماماً قرب الحديقة.
أفضل اللقاء هنا.
لا.. هذا أمر وليس اقتراحاً.
إذن.. كما ترغبين يا سيدتي!.
أسهبت سلمى في تعداد معجزات الحب وانعدام علاقته مع المنطق والإرادة والقرار، فقاطعتها ممهداً لها الطريق للدخول في الموضوع الذي كنت أظنه قصة حب جديدة بينها وبين أحد أصدقائي وأنها جاءت لطلب المساعدة على اعتبار أني أقرب صديق لها. لذلك قلت لها على الفور:
أقسم أنني سأساعدك.. لو قررت اصطياد شخص أعرفه.
وإذا كنت في محله فهل تقبل أن تبدأ المرأة بالاعتراف له.
طبعاً.. وما الفرق؟
هذا برأيك.؟.
سيزداد احترامي لجرأتها.. ولكن يا حسرتي!، أنا أحببت امرأة يبدو أنها لا تحبني، يبدو أن أمي هي المرأة الوحيدة التي تحبني في كل هذه الدنيا الواسعة.
وضحكت، لكنها لم تشاركني في الضحك، فاستغربت من جديتها واصفرار وجهها:
إذن... الشخص هو..
..... فقط قولي اسمه والبقية عليَّ،سأمسك لك بأذنه وأجرجره إليك.
سليمان.. أنا أحبك أنت.
التفت ممعناً النظر في ملامحها المرتبكة، تأكدت من أنها لا تمزح، هاجمني صمت رمادي، احترت أكثر منها، ارتبكت، حاولت تدارك الأمر لكنني فشلت، وأخيراً قلت لها:
لكنك تعرفين تماماً مدى تعلقي ببلقيس وحبي لها.
ستنساها حتماً.
مستحيل.
حبي الكبير لك سيتكفل بذلك.
عند باب الحديقة اقتربت منها، قبلت جبينها للتخفيف من اليأس المتصاعد في شحوب وجهها. لم أتمكن من النظر في عينيها الجديدتين علي، شعرت بتغيرهما، لم أكن أتوقع أن مشاعرها ستتجه في هذا الاتجاه الذي يهدد حتى الصداقة التي جمعتنا، قالت:
احفظ هذا التاريخ جيداً.. منتصف نيسان.. منتصف النهار.
قادتنا أرجلنا إلى البيت، دخلت إلى الغرفة بخطوات ثابتة، أغلقت الباب، كانت لا تزال مصرة على الاستمرار فيما خططت له:
سأحتل قلبك لوحدي.. أتسمع.. لوحدي.
كانت سلمى هي الحالة الوحيدة التي تدل على إمكانية وجود صداقة بين شاب وفتاة في مثل أجوائنا المشحونة على الدوام. صديقتي الوحيدة، كنت مخطئاً في التسمية إذن، بدأت أشعر بأن كل محاولاتها لإصلاح الخلل في علاقتي مع غيرها كانت تبرهن لي أنها الأنسب لي، وأنها الأكثر نضجاً وكمالاً وتفهماً لطباعي، ما علي إلا أن أعيد النظر في مسألة الصداقة هذه. بقيت تلح على ضرورة نسف الصداقة وتبديلها بحب فوري وعنيف، خفت منها متسائلاً بيني وبين نفسي فيما إذا كانت النساء كلهن هكذا، وخفت على انقلاب بلقيس عليّ وعلى حبي لها بين ليلة وضحاها، ظلت سلمى تسألني دون أن تدرك مدى اتساع الدوامة التي وضعتنا فيها:
ألا تحبني؟.
كنت غريقاً، ضائعاً، تائهاً في لا شيء.
منذ ذلك اليوم بدأت سلمى حربها العلنية ضد حبي القديم لبلقيس، "الغبية" كما تزعم، جاهرت بإصرارها على انتزاعها من أعماقي، ولو كلفها ذلك الأمر سنيناً من الشقاء:
أنت خبيث وملعون.. جعلتني أسقط في حبك بينما تلهث وراء امرأة أخرى.
كان الهدهد حينها ينقل لي الاطمئنان على انشغال بلقيس بدراستها وتهكمها على كل من يعترض سبيلها، أو محاولاً التقرب منها، كانت بلقيس تكرر القول:
لا يوجد رجل في العالم يملأ عيني.
وإذا قاطعها أحد ما:
وسليمان؟.
تضحك ولا تجيب.
مضت أشهر ساخنة، لم تهدأ خلالها سلمى، لم تترك طريقة إلا وجربتها لإنقاذي من حبي المهلك لبلقيس. لم تنجح في استدراجي إلى حبها. بدأت الخلافات الحادة تظهر بيننا لأتفه الأسباب، وبين المقاطعة والمصالحة لم أستطع البوح بشيء آخر سوى هذا الاعتراف الحجري بحقيقة لا يمكن تغطيتها بكل أتربة الإغراء:
أنا أحب بلقيس.
تبكي حيناً، تيأس حيناً آخر، ولم تجد حلا ًسوى الوصول إلى بلقيس لفهم سر هذا الحب الحجري الذي لا يتزعزع من محله قيد شعرة. وعندما أصبحت زنوبيا طالبة في كلية الزراعة نفسها، جاءت فرصتها الذهبية لبناء الجسور مع بلقيس، فأسكنت زنوبيا في غرفة ملاصقة لغرفتها. الشقة لأخيها كما أخبرتني، والأخ "سافار" صار له حوالي عشر سنوات يعمل في الخليج، يأتي في السنة مرة واحدة. أثارت كلمة "الخليج" عاصفة في رأسي، سال البترول في شراييني. هجمت على روحي المرأة البيضاء الجميلة جداً، غرزت أسنانها في رقبتي، بدأت برفع ساقيها ليتدفق بترول أسود من بين فخذيها المتباعدين. خلال أقل من شعر، أصبحت سلمى أقرب صديقة إلى زنوبيا الغافلة عن سبب هذا الاندفاع المفاجئ تجاهها من قبل سلمى التي بدت لها غريبة الأطوار، حاولت بدوري التقرب منها. كانت لطيفة في البدء لكنها ما لبثت أن ابتعدت عني ولم أتعب كثيراً في حل هذا اللغز، فقد وجدتها تتأبط ذراع صابرو في مساء بارد. كان ذلك كشفاً جديداً لي وجواباً حاسماً لكل تلك الأسئلة القديمة. استرجعت ذاكرتي الخدمات الجليلة التي كان صابرو يتهالك لتقديمها للآنسة والاحترام المبالغ فيه الذي بيديه للأستاذ مروان، وهذا بدوره بدأ يراجع حساباته بعد موت "الأب" وسقوط الحلم بجنة الأرض الموعودة، مفكراً بكل السبل الممكنة لجمع رأسمال صغير في البداية للانطلاق في حياة جديدة وتعويض ما فاته. أما الأفكار القديمة فلا بأس من بقائها بشكل ظاهر. فهو يخجل من تغييرها بعد هذا العمر الطويل، ثم أنها قد تقوده إلى الفوز بكرسي في البرلمان وهذا سيساعده على تحقيق أحلامه الجديدة. أما السبيل إلى الوصول إلى ما يريد فلا يمر إلا عبر طريقين وكلاهما يثيران اشمئزازه، الحزب قد أصبح وسيلة لتحصيل بعض المال، وهذا حقه بعد كل هذا العمر الذي أفناه في خدمته. الطريق الثانية هي زواج بناته، عندما راودته هذه الفكرة، حاول طردها لكنها بقيت عالقة في رأسه كجرس.
وإذا حصل شيء من هذا فعليه إيجاد غطاء فكري، سياسي، مقبول لتمرير مخططاته دون أن تتشوه صورته القديمة في أذهان الآخرين، وهذا ما أغاظه من محاولات صابرو "الفقير" للتقرب من ابنته الكبيرة، وبدا تحفظ زنوبيا تجاهي نتيجة طبيعية لاقترابها من صابرو الذي استغل ابتعادها عن رقابة أهلها، ليضعها أمام لوحة أسطورية مفعمة بالبطولات والتضحيات التي قدمها في سبيل الإنسانية المعذبة.! حتى أنها استسلمت تماماً لروعة تلك اللوحة بالغة النقاء، أصبح صابرو في مخيلتها القدوة التي يجب أن تحتذى لجميع شباب العالم، ثم من كان غيره، المدافع الأول عن شرف العائلة ضد غدر سليمان بن داوود وخيانته وحبه الكاذب لبلقيس؟.. اقتنعت إلى حد الإيمان أن "سلو" هذا، شخص معقد، مصاب بأمراض عصابية، ويتهيأ له أن يحب بلقيس حتى صدق أنه يجبها، كما أن وقوف الجميع ضده قد خلق لديه عقدة نفسية تجاهها. لذلك يصر حتى الآن على حبها والاستمرار في ذلك العناد انتقاماً من صابرو وأمثاله. هكذا فلسف المسألة. كانت زنوبيا تزداد إيماناً بثرثراته، في الوقت الذي كان يتهاوى كل ما يتعلق بإيمان الآنسة:
لقد سقط العملاق.
اختفى الاتحاد السوفياتي، ولم أعد أتذكر صوفي محمدي عيشاني وسجادته المفروشة بعد خطبة الجمعة مباشرة. وحدث ما حدث، عاش العالم في أجواء شبيهة بالكوابيس التي تزورني كلما أنام. تهدمت قلاع، بنيت قلاع... انقسامات، صراعات، دماء، همجية، تحطيم تماثيل، محاكمات سريعة، حفلات إعدام، حروب، حرائق، كتل جديدة، قتلى، سعداء يصعدون السلالم. لجأت إلى الهدهد الذاهل، أيقظته، لم يتجرأ الزلزال على الاقتراب من أراضينا. لكنه كان يقترب. جاءت بلقيس مشرقة هذه المرة. شعرت بدفء كلماتها، بعذوبتها، فرحت لزلزلة المفاهيم القديمة الجامدة عن الحب في رأسها. شعرت بالكبت المتراكم في أعماقي يتشظى دفعة واحدة. سأنهبك هذا اليوم يا بلقيس، كما كان سلو الصغير ينهب البساتين في غياب حراسها، ويختلس العنب من الكروم البعيدة. سآكلك اليوم، سأتلف أنوثتك الهادرة في مفاصلي وأقتحم آخر قلعة محصنة في جسدك الأبيض الشهي الناعم اللذيذ. شلحت قميصها. نزعت عنها ما تبقى على صدرها. امتنعت عن فك "السوتيان" فقطعته من النصف بيدي الهائجتين وعصرت نهديها الصلبين المكورين، ذكّراني بنهدي حميدة العانس، عضضت حلمتيها. أحكمت إغلاق فمي على نهدها الأيسر حتى أذاب أنينها آخر عظمة حية في جسدي. كادت تصرخ باكية من الألم، انتقلت إلى الآخر، شعرته يقفز إلى فمي كرمانة شققها النضوج الزائد. شربت حتى شعرت به جف تماماً من الدماء. كانت دموع الشهوة تسيل على خديها. نهب فمي بطنها الأملس. كانت تتدغدغ، تضحك، تقهقه. مرغت وجهي في كثافة الشعر الذي يعلو نبعاً أتوق إليه منذ مجيء آدم وحتى هذه اللحظة الهاربة. خلف فمي آثار كدمات حمراء وزرقاء على فخذيها الشديدي البياض. بلطف عذب داعبت ركبتيها بأسناني. قبلت أصابع رجليها إصبعا إصبعا. غطيت ظهرها بثوب من القبلات والعضات السريعة. رجلاها صغيرتان بعكس يديها، وفي أحدهما آثار احتراق قديم. كانت تتخبط كصوص مذبوح في مياه شهوتها المتصاعدة وشعرها المنفوش يزيدها إثارة. شعرت بجنية عارية ملك يدي:
آخ منك يا مجنون، آخ، مجنون.
بقيت تلصق فخذيها ببعضهما التصاقاً مثيراً. ثمة شعرة رفيعة بين الحب والموت، الحب موت مكثف، موت يُرى ويعاش. لا أدري كيف فكرت في تلك اللحظة، بتمزق جسدها الغضّ ابتداءً من أصابع الرجلين. يا لمشاعري المجرمة!. كنت أفكر في قتل من يتسبب في موتها يوماً والآن أفكر، أنا عاشقها الدموي المحترق شهوة وعشقاً، في قتلها. هل هي دماء الجريمة أم الشهوة؟. ما هي الجريمة؟، أليست أن يمتلك هذا الجسد أحد ما غيري؟. وما هي الشهوة؟. وما علاقة العشق بالأنانية؟. هل هو الخوف الشرقي المزمن من أن تصبح هذه المرأة – لا غيرها – يوماً ما لرجل آخر؟. هذا الجسد الإلهي كيف سيغادر أصابعي بعد حين؟. لا، هذا جسدي، أنت يا بلقيس أنا، أنتِ أناي، وأنا بدونك مخلب قط ميت. ولكن من أنا؟، عاشق أم مجرم أم مجنون وأناني أم شيء آخر؟، أم كل هؤلاء معا؟. لا أتذكر كيف انتهيت ومتى غادرتني ذلك اليوم. ما أتذكره أن ساكناً جديداً قبع في جلدي ولا شك بأنه سيغادر الحياة إن غادرته بلقيس ذات لحظة غادرة، قدم الهدهد على هيئة بوم فتنبأت بشؤم سيهطل:
صابرو رأى بلقيس عندما خرجت من عندك.
كان صابرو الساعي إلى الزواج من زنوبيا، والذي تقدم لخطبتها بالفعل قد أقام الدنيا أمام الآنسة ولم يقعدها، احتجاجاً على "الفهم السلبي لحرية المرأة عند الآنسة"، عدت إلى إبراهيم الوحيد، الذي اختصر كل شيء مؤخراً إلى كلمة واحدة هي "غبار". العالم غبار، الإنسان غبار، الحب غبار، أحلامنا غبار. لا شيء سوى الغبار. أنا غبار، بكائي غبار، الحياة غبار، الموت غبار. سألني إبراهيم عن عائلته وبلده، قلت مازحاً:
سوبارتو أيضاً غبار.
في العالم حدثت تغيرات في عز النهار، بينما التحولات التي طرأت على شخوص سوبارتو تمت في العتمة، فالأستاذ مروان عدا عن سعيه إلى أن يكون مرابياً فقد استلم منصباً في حزبه واستعاد أمجاده في الوقت الذي تخلخلت الأحزاب السياسية برمتها، بل أنه بات واجهة لنفس ذلك المسؤول الضخم الذي خاض ضده صراعاً كلامياً طويل الأمد، حتى أن ذاك لم يعد بحاجة إلى الكشف عن ظهره لإقناع الآخرين. واستطاع أن يخلخل وضع صابرو في الحزب أيضاً عندما تقدم إلى خطبة ابنته رغم أنه كان اليد اليمنى له فيما مضى، احتجت الآنسة على وقاحته بحجة فاجأت الكثيرين:
سأرمي ابنتي إلى البحر ولا أعطيها لشخص "بيرتي"؟!
لم يقصر صابرو في تحليل موقف حماته والتهكم على حجتها الذهبية:
حماتي قفزت بالمقلوب من الأممية إلى العشائرية، فكر حماتي كوكتيل... شيء عشائري ممزوج مع الشيء الأممي المازوتي العائلي الإقليمي الزيتي الطبقي. لماذا لا تعلن رفضها على المكشوف لأنني فقير، فقبل أقل من شهر تقدم إلى خطبة بلقيس شاب بيرتي وكانت موافقة لأنه كان غنياً. إلا أن بلقيس رفضته.
كنت منتشياً، معزياً نفسي بأنني العائق الوحيد أمام خطاب بلقيس الذي يتكاثرون بشكل غريب. هو الوهم الذي لا بد منه لكل عاشق. لم أكن مستوعباً بعد، كل هذه الانقلابات في رأس الآنسة، فها هي نفسها تقول:
لن أعطي بناتي لأبناء الفقراء.
قبل سنوات والكلمات كانت موجهة إلي بشك غير مباشر، كانت تقول:
لن أعطي بناتي لأبناء الأغنياء.
احترت أمام هذا الانقسام المزمن في عقل الآنسة المتأرجح بين الأبيض والأسود وخلوه من منطقة وسطى. وفي الحالتين يمتلكني الخوف على بلقيس من ضياعها. لست محسوباً عندها على أبناء الفقراء، كما أنني لست من الأغنياء بالطبع، فلا سيارات فائضة ولا شقق مفروشة وفارغة ولا شيكات ولا اهتمام بارتفاع وانخفاض أسعار الدولار، عدا عن الكره الدفين في أعماقي تجاه الأسواق والمعاملات التجارية، فما هذا الحل إذن؟. كنت ساخطاً على ما يجري له، رغم العداء الصريح بيني وبين صابرو.البيرتيون، هم مثل غيرهم. أشكال وألوان كما يقولون. فكيف ترسخ هذا الحظر عليهم بين الناس؟، حظر لا يطل برأسه إلا في مسائل الزواج تحديداً. بقي التساؤل معلقاً كبعوضة ميتة في فضاء الماضي العتيق. في تلك الأثناء رفعت سلمى رايتها البيضاء أمام حبي المتزايد لبلقيس، اعترفت بعد بكاء مرير بعجزها عن تغييري:
سأسافر إلى سوبارتو للقاء بلقيس. لم أعد أحتمل هذا الوضع، أنا أحبك وأنت تحبها، ليتك تحس بالنار المشتعلة في داخلي.
هذا اختيارك!.
التقت سلمى ببلقيس عن طريق زنوبيا، أهدتها زجاجة عطر، توددت إليها وعقدت معها أواصر صداقة خفية، لكنها لم تتطرق إلى وضعها معي أبداً، تتالت زياراتها إلى بلقيس وهي تحاول إقناعي بأنها ستزيل سوء التفاهم بيني وبينها. قلت مازحاً:
ستقطعين آخر خيط بيني وبينها.
تظاهرت بالزعل، هددتني بلطف:
إياك أن تفقد ثقتك بي، أو بحبي لك، ما يهمني هو أن تكون سعيداً، حتى لو تحقق ذلك على حساب حرماني منك.
كنت أبذل المستحيل لتصديقها.
نقل لي الهدهد مسبات أطلقها بلقيس ولأسباب لن أعرفها إلا بعد سنوات طويلة، وإنها تبكي على حظها الأسود الذي جعلها محبوبة رجل مجنون، أزعر، ولا يعرف معنى الجريمة بعد، صرخت بلقيس:
لا ترسل لي الهدهد بعد الآن.
لكنكِ لي.
ومن قال إني أحبك أصلاً؟.
تصرفاتك قالت لي.
بلا فلسفة زائدة أرجوك.
بلقيس.!
أنا لا أعرفك.
سألتني سلمى عنها، قلت أن الوضع يزداد سوءاً بيننا، ضحكت، ثم غطى الحزن ملامح وجهها الشاحب، أكدت لي بأنها ستلتقي بها قريباً وستزيل العوائق الجديدة فهي طفلة كما قالت. وتحدثت باسهاب عن دورها في ترتيب لقاءات صابرو الطويلة مع زنوبيا في غرفتها، رغم معرفتها بالتنافر الذي بيني وبين صابرو، حكت عن اتفاقها على الزواج في وقت قريب:
عقبى لك.
شكراً.
عادت سلمى تنقل لي عتاب بلقيس من مزاجي المتقلب واستهتاري بالظروف وبالمجتمع وبخوفها من الارتباط مع رجل غريب الأطوار مثلي. ازداد سخطي على كل شيء، أحسست بخيبة قاتلة أمام زعزعة ثقتها بحبي الغزير، الكثيف، الحارق والمؤلم بحق، ما حيّرني أنها تتبرأ تماماً من تحمل مسؤولية الخلل الصارخ في علاقتي المتوترة معها. لجأت إلى الهدهد، رجوته أن يطير إليها، احتج على إلحاحي ومضى. عاد بعد قليل مكسور القلب. متهدل الجناحين، حرك منقاره ببطء:
هذه لا تستحق ولو القليل من كل هذا الحب.
أزعجتني كلماته. عرفت أنها رفضت البوح إليه بأي شيء. بل أنها طردته من غرفتها. عضت روحي كآبة خشنة. توسلت البكاء عبثاً. شعرت بالقهر يشق طرقاً ملتوية في نفسي، قادتني العزلة إلى غرفتي، فتحت الباب،فاجأني طفل من ضوء يجلس على كرسي في زاوية الغرفة المعتمة، سرت قشعريرة في عظامي وأنا أسأل كمن يمشي في النوم:
من أنت؟
أنا ابن بلقيس كما تعلم.
بدأت الأفكار تعض أذيال بعضها في رأسي، كأنني أراه للمرة الأولى، كيف نسيته بهذه السرعة؟. قاطعني الطفل وكأنه قرأ أفكاري:
أنا طفل من ضوء كما ترى.
حاولت جر إبراهيم إلى غرفتي لأتأكد من أنها ليست مجرد خدعة بصرية، قلت لإبراهيم مشيراً للطفل الضوئي المبتسم.
ما هذا يا إبراهيم؟ ألا ترى شيئاً؟.
رد إبراهيم بلسان مربوط من جذعه إلى قنينة عرق:
هذا غبار.. غبار.
أرجعته إلى غرفته فغرق في النوم.
يستيقظ مطلقاً كلمة الغبار وينام عليها باطمئنان يحسد عليه. لما أصر على معاكسة نرجس واستغلال غيابي للتقرب منها عرفت أنني فقدته إلى الأبد وأنه على استعداد لبيع ألف صديق مقابل بطحة عرق، حتى أنني فرحت لخروج دينو من السجن أكثر منه. طرأت على دينو تغيرات غير متوقعة وكأنه كبر أكثر من عشرين سنة. غزت شعره الأسود شعرات بيضاء، ازدادت التجاعيد في جبينه. أصبح هادئاً إلى درجة أن حدوث زلزال في سوبارتو كلها قد لا يثير فيه أي انفعال، حديثه كان أكثر اتزاناً، وترددت على لسانه مصطلحات جديدة، مشوشة، نتيجة القراءات الكثيرة، إلا أن السؤال عن أي شيء له علاقة بالسجن كان يثير امتعاضه:
لا أريد أن أتذكر منظر تلك البطانية الحقيرة.
يكتفي بالقول:
السجن حقير، خاصة إذا كنت لا تعرف تهمتك !.
يردد كلمات أمه بسخرية ممزوجة بالجدية:
الله يسترنا من مصائب أعظم، لم يبق أمامي إلا انتظار الموت. أنا انتهيت يا سليمان، انتهيت.
لم يمض على خروجه شهر حتى ألقي القبض على أبيه محمدي سيتي حين حضر تعزية أقامها أهالي سوبارتو لأحد شهدائهم الذين سقطوا في الجبال. تم حجز الباصات والسيارات التي تقل المعزين إلى مكان التعزية، وسجن السائقين – فلمز وأبو علي وآخرين – بالإضافة إلى العشرات الذين كانوا يهتفون للشهداء ولتراب سوبارتو ولجبال تبتلع أرواح أبنائهم. ولا شيء يمنع الطائرات الحربية من إنزال أطنان المتفجرات على صخورها وأعشابها وشبانها الغاصبين وبناتها اللواتي حملن السلاح بيد والموت بيد أخرى:
ما إن تنطفئ النار في مكان حتى تشتعل في مكان آخر.. وهكذا...
انشغل الناس بهذا الحدث، إلا أن صابرو كان قابعاً مع أبيه في بيت الآنسة يطلب يد زنوبيا التي أصرت على الزواج منه، رغم أن الأستاذ قد رفع مهر ابنته إلى مبلغ خيالي كشرط تعجيزي. لكن صابرو فاجأهم بموافقته. كانت الحفلة وحضرتها بلقيس فقط. تبرأت الآنسة من ابنتها العاقة وكذلك الأستاذ. نقلت لي سلمى تفاصيل الحفلة الصاخبة على اعتبار أنها صديقة العروس وبقيت ترافق بلقيس التي وقفت في الوسط، غير متحمسة لزواج أختها، وكذلك محتجة على مواقف والديها. كان صابرو فرحاً لمشاركة سلمى في أفراحه، وما تغير في بلقيس بعد تجربة أختها في الزواج هو تصريحها باستحالة زواجها من شخص لا توافق عليه أمها أولاً ومن ثم والدها. وهذا ما أخافني وأحزنني في نفس الوقت، بل إنها عبرت عن استعدادها للموافقة على أي شخص يختارونه لها، وهذا ما استفزني في العمق، إلا أني فرحت لانزياح الأخت الكبيرة من طريقها. وظلت سلمى تزورها وهي تزداد سلبية،حتى أنها اعتدت على الهدهد معلنة سخطها على كل الطيور:
أكره الطيور كلها، وخاصة الهدهد والعصافير.
انشغلت سلمى بأخيها "سافار" الأصلع، القادم من الخليج، الذي جرّب خطبة أكثر من عشرة بنات والرد في كل الحالات:
أخوك أكبر مني بكثير يا سلمى.. أصبح عجوزاً.
يحتج سافار صاحب الصلعة الملساء والرجلين الطويلتين:
لازلت شاباً.
ضجّ رأسي بتزاحم الشخوص ومشاغلهم اليومية، آلام، آمال، لهاث، خيانات، مآتم، قتلى، أفراح مصطنعة، صحف كاسدة، تناهى إلى أسماعنا أخيراً خبر ألهب نفوس من حولي، احتقرت نفسي وأنا أقرأ الخبر:
زكية آلكان، طالبة في كلية الطب.
أشعلت النار في جسدها أمام حشد من الطلبة،
احتجاجاً على ما يحدث.
يا إلهي، ما الذي يحدث إذن؟، وما موقفي من كل ما يحدث؟. ألم يكن لزكية احلام ما، طموحات؟. كانت ستصبح طبيبة ليرغب فيها مئات الأنذال، هل الاحتراق هو الحل؟. إبراهيم كان أكثر تأثراً، بدأ الخبر يوقظه، يشعره بوجود شيء ما، ينتشله من بركة العرق التي يغطس فيها، ما هذا الألم الذي يتسرب في نفسي؟. الألم حزن مكثف يسيل كالقار في الأعماق ولا يتوقف. الألم هو أن تولد هنا، في أرض مهملة، وبين أناس مهملين، منسيين. لم يعد الشباب يحلمون بشيء سوى بأرض أخرى، أوروبا حلم الجميع، زكية آلكان غطست رؤوس الجميع في العار. وككل الأمور الصغيرة في هذا العالم نسيها الناس بعد فترة، كما نسوا أجساد أطفالهم المشوية في السينما. ربما يكون إبراهيم هو الوحيد بيننا الذي قلبه النبأ رأساً على عقب، عاد واقفاً على رجليه، وبدأ يستعيد توازنه شيئاً فشيئاً، كما انه ازداد صمتاً وشروداً. لماذا تستوقفني المآسي الكبيرة عندما تتراكم كوارثي الصغيرة، كأن الألم هو الباب الذي يؤدي إلى الإحساس بالآخرين. الألم أبو الإنسان، الألم رجل اسمه آدم. أشياء كثيرة تحدث بشكل مفاجئ، منها دخول سلمى في علاقة حب مفاجئة، فيزداد شعوري بالعزلة. تزوجت دون سابق إنذار، ما قالته لي جملة واحدة أو جملتين وهي تنسحب بشحوب مبهم من علاقتي المتوترة معها:
دفعتني إلى زواج أنا غير مقتنعة به.. وستدفع الثمن.
لم أنتبه وقتها إلى أن سلمى هددتني أو خططت لشيء ما. ما انشغلت به هو أنني خسرت سلمى ولم أربح بلقيس. حبي لك يشبه الأسطورة، أسطورة صغيرة، خفية، غامضة، ولازلت أتقلب على فراش العمر بانتظارك، خاطبت الطفل الضوئي في زاوية الغرفة:
كم عمرك؟
قال بصوت عذب:
ألف سنة.
تحدثت له عن نهر الفرات، سألته عن حكايات تشكل نهر الفرات، لم يعرفها. لم يعرف أن عاشقاً وقف على جبال الفرات الشامخة حافياً، ينتظر صعود امرأة إليه، وكانت تصعد بالفعل. أو يتهيأ له ذلك، مرّ ألف عام دون أن تصل إليه تلك المرأة، ذابت خلالها الجبال تحت قدميه، تحولت إلى مياه تجري بأنين لا يهدأ. ظل الهدهد غارقاً في حزن أصم، ينظر إليّ بعينين خاملتين ولا يتحرك من مكانه لساعات كاملة، إلى أن جاءت الصاعقة التي كادت تصيبني بالشلل. ثمة سيارة بنية لامعة، طويلة، عريضة تقف أمام بيت الآنسة. كان الخاطب الجديد قد رتّب الأمر مع الآنسة، عندما تحدثوا عن المهر قال:
أنا أضيف إلى المبلغ الذي تحددونه مائتي ألف.
لم يكن هذا الخاطب سوى "سافار" الأصلع. وقتها فهمت معنى دفع الثمن، فسلمى – صديقتي الوحيدة – لم تنسحب من الحرب خاسرة كما كنت اعتقد، هاهي قد تزوجت، ورتبت ْلزواج بلقيس أيضاً من أخيها للإمعان في قتلى من الداخل، وحرماني من كل شيء. الأنثى عندما تنتقم تضرب في الصميم. وهذا ما فعلته سلمى التي كانت تعتبر عدم استجابتي لها إهانة لأنوثتها. لم أجد مجالاً للتفكير، لجأت إلى الهدهد على عجل، وبدأت أكتب لها، ملأت لها دفتراً كاملاً من أمواج الأفكار التي نهبت ذاكرتي وعقلي ذلك اليوم، وفي الصفحة الأخيرة بعد أن جرحت إصبعي، بصمت لها بدمي، كتبت لها إني أحبها إلى الأبد، عاد الهدهد حاملاً قولها الذي أفرحني:
سأتزوج كلباً من الشارع ولن أتزوج سافار.
بعد أسبوع واحد عادت حاملة معها الذهب والزينة، قالت للهدهد نفسه:
أنا من سيتزوج سافار ولن يجبرني أحد.. وليتركني سليمان في حالي.
زارهم سافار ليلة الخميس زيارة استعراضية، أضيئت كل مصابيح بيت الآنسة معاً. وفي السبت الذي كنت أنتظره لإيصال الدفتر الذي جف على صفحاته دمي، كانت بلقيس مسافرة مع أبيها لشراء تجهيزات العرس، عادوا بشاحنة مليئة. ظهر لها ابن عم. لأول مرة عرفت أن لبلقيس ابن عم، حيرها. ما إن دفع له الخاطب مائة ألف حتى بدأ يعلن للناس أنه لن يحير بنتاً لا تريده، ومن العيب أن يقوم شخص تقدمي مثله بإعاقة زواج ابنة عمه. انسحب بجيب دافئ وامتنان تام من العريس الكريم. احتج خالها على عمره الكبير فهو يكبرها بأكثر من عشرين عاماً على الأقل وهذا لا يجوز. دفع الخاطب الكريم له أيضاً ما يدفئ جيبه وقلبه ويجعله يبلع لسانه راضياً. أما الوالدان فمن الواجب إنقاذهما في الحال ورشهما بخيرات "الخليج" التي تتدفق إلى جيوبه منذ اثني عشر عاماً. ألبس العروس عشرات السلاسل والأساور الذهبية، فوزعت بلقيس الخواتم الذهبية على صديقاتها ومعارف أمها. في ليلة الخميس التي تعرفت فيها بلقيس على خطيبها عن قرب. اصطفت تسع سيارات "خليجية" مسطحة أمام بيت الآنسة، اخرجوا بلقيس المكللة بالبياض أمام ذهول "الزعيم" الذي تحطمت تماثيله في شوارع موسكو، إلا أن عيونه كانت تلاحق إكليلها بهلع. وصابرو يكاد يجن من الفرح على هذا التقارب بينهم وبين "سافار" الذي قد ينقذه من وضعه المادي السيئ ويدخله في عالم المال المخملي. وبسبب شهر الصيام فقد أقيمت الحفلة في العاشرة مساءً، وهو وقت متأخر. فتحوا الطاولات، وزعت الشمبانيا والويسكي بدل الماء، غصت القاعة بكل سماسرة سوبارتو ورجال الأعمال والوجهاء ووفد من قيادة حزب والد العروس جاء مهنئاً على الأبهة التي لا تليق إلا بالطبقة العاملة.!.
ومن قال أن الاشتراكية تعني الفقر؟. أعوذ بالله يا رجل. تبادل أعضاء الوفد مع الأستاذ مروان بعد كلمته المؤثرة هذه، نخب "الحتمية التاريخية". كانت الآنسة نجمة الحفل، تتمايل منتشية، لا بفعل ما شربت، بل لوجود كل رجال المال والأعمال وهي تتوق في أعماقها إلى التوبة من شوائب الفقر التي حملتها من أبيها وقد راح ضحية وهمٍ كما تقول. لأول مرة انتاب الآنسة شعور بالكره تجاه والدها "سالار السوباري" ودت لو حملت كؤوس الشمبانيا الآن وأفرغتها في شقوق قبره. فقط لو سكبت على تراب قبره المغطى بالأشواك قليلاً من الويسكي الذي يوزع على جميع المحتفلين، فربما يستيقظ ليرى حفيدته تتبادل القبل الناعمة مع أصدقاء العريس الأصلع وكل المحتفلين. تعبيراً عن حالة حضارية لا مثيل لها في سوبارتو. كانت الآنسة غارقة في تداعياتها تخاطب والدها الذي كان – حسب ظنها – سبب كل ما حل بهم من كوارث.
قم يا سالار. انهض من قبرك البارد. لم نرث من نضالك الطويل سوى جيوب فارغة، ورثنا عنك الأفكار والأوهام وورث الآخرون عن آبائهم العقارات والأموال. ما حدث أنهم عاشوا وأننا سكننا المقابر. أسود ذلك اليوم الذي أنجبتني فيه. بقيت تلاحقنا حتى الشيخوخة، أنت قاتل. قتلتنا. لكننا لن نسمح لك بقتل أبنائنا. هذه ابنتي، أهبها لك يا سافار الرائع حتى لو كنت تكبرها بمائة عام، ما يهمني أنها سترتدي ما تشاء وستشتري ما تشاء. وأنت يا مروان إياك أن لا تتخلص من الأوساخ العالقة في عقلك. أبي مات يا مروان. اليوم فقط، أعلن موت أبي. مات أبي سالار السوباري مات، مات اليوم.
لاحظت العروس دموع أمها وهي ترقص بطريقة لا تليق بعمرها. طلبت العروس من أمها أن تجلس إلى جانبها رغم انشغال العروس بتوزيع ابتسامات ممتدة إلى أذنيها على الجميع. القاعة غصت بحضور مهم ومتنوع. تبادلوا الثرثرات:
ماذا يعمل العريس؟.
يعمل في شركة خليجية.. له جولات في كل دول العالم.
معه شهادة؟.
لا أدري.
روت امرأة لأخرى حدثاً طريفاً يتعلق بالشهادة. تقدم شاب من سوبارتو، لا داعي لذكر اسمه، لخطبة بنت،فرفضته لإصرارها على الاقتران بدكتور، ودكتور فقط. وتقدم لأخرى فكان لها نفس الرد، فالجميلة لا تليق إلا بدكتور. هكذا يفكرون. علق الشاب شهادة دكتوراه مزورة في غرفته وتقدم لخطبة بنت من بلدة مجاورة. فوافقت عليه على الفور لما عرفت أنه دكتور. في لية الزفاف، حمل الشاب شهادته، طعجها على هيئة عصا مرنة، فض بها بكارة العروس، أدخل الشهادة إلى رحمها، فولدت العروس جيشاً من دكاترة صغار يرتدون صدريات بيضاء فور سقوطهم من أمهم. قاطعتها المرأة قائلة بأنها نكتة، بينما تصر الراوية على أن الحادث وقع في حيهم، وكادت أن تشد شعر الأخرى. بين أخذ ورد، احتدم الموقف، تشاجرتا بالفعل، أخرجوهما من القاعة. كؤوس الشمبانيا أدارت الرؤوس، الرقص على أشده، وارتفع الصخب حتى الرابعة صباحاً...
وأنا يا بلقيس...!؟
بقيت واقفاً أمام باب بيتنا الواقع على الشارع العام، أنتظر مرورك من جانبي لأتأكد من أن قتل الحب سهل كأي حدث يومي. مرت السيارات المزينة من أمامي وأنا أبحث من وراء الزجاج عن طيفك الأبيض. لأراك مكللة إلى جانب غيري، فأتأكد من أنني لست في حلم. خلفت السيارات وراءها غباراً لا يشبه أي غبار. كان خانقاً يا بلقيس وظالماً. كالسائر في نومه مشيت بين الغبار المتصاعد وراء السيارات التي تحملك. فجأة رأيت نفسي لاهثاً وسط ذلك الغبار أركض محاولاً اللحاق بك، إلى تلك اللحظة، كنت أنتظر السيارات لتحملك إلي. يا رب.. هل تحتمل الأرض أن تحمل بلقيس في أحضانها غيري ولا تهتز؟ أو تتزلزل بكارثة تدمر كل شيء؟. هل تحتمل السماء أن لا تنطبق فوق خيانة قد ترتكبها أجمل مخلوقات الأرض؟. أنت أطهر ما في سوبارتو يا بلقيس وأنقاها وأجملها. حاولت التحدث مع نفسي، كان لساني مشلولاً.حاولت الصراخ. كانت حنجرتي ميتة. عدت إلى البيت، أغلقت باب الغرفة على نفسي لكي لا يراني أحد وأنا أبكي حتى الموت.توقعت أن أبكي حتى أتعب، فقد تتوقف هذه السكاكين المتلاحقة عن تمزيق أحشائي. وجدت نفسي ممدداً على الأرض، أضع المخدة فوق رأسي لأبكي بلا صوت، لكنني لم أستطع البكاء. رجوت الله من الأعماق أن يرحمني ويهبني القدرة على البكاء لتخفيف الضغط الناري داخل صدري المحترق،، أضع المخدة تحت رأسي وأتوسل إلى الله أن يعيد إلي لساني لأعترف لنفسي بأن اليباس لم يبق على عشبةواحدة في داخلي. بأن آلاف الأبنية الزجاجية قد تهشمت في روحي. وبأنني خسرت الروح ولست سوى جثة تمشي على رجلين. ولطالما تساءلت فيما إذا ارتكبت خطأ كبيراً حتى ينزل الله كل هذا القهر والتهشيم على روحي دفعة واحدة وبكل هذه الهمجية. مع أنني عندما ولدت، كانت أول كلمة سمعتها هي "الله" – أذّن أبي في أذني لأكبر على ذكر الله –. وأنت يا بلقيس،ابتعدت كثيراً عن الله وأبعدتني عن النقاء إلى الأبد. لا أدري لماذا غزت مخيلتي صورتها وهي في أوضاع جنسية مثيرة ومختلفة مع عريسها الأصلع. كأنهما كانا يمارسان الجنس في غرفتي وأمام عيني. وما كان يقتلع جذع الهدوء من أعماقي هو تخيل بلقيس عارية، راضية، تتلقى دخول جسد آخر، وخروجه بكل اطمئنان. كدت أقتلع رأسي من مكانه وأرميه خارجاً مع تخيلاته المريضة، لكن هذا ما سيحدث الليلة يا سليمان، فلماذا تحاول الهروب من الحقيقة وهي عارية؟. سيدخلان لوحدهما إلى غرفة مجهزة، مرتبة، على سرير عريض ومعطر،سيتمددان، ستنظر في عينيه، وستهب نفسها له براحة ضمير بعد أن كانت قد قالت له أمام الجميع: "قبلتك زوجاً" وتكون قد وقعت على عقد الزواج بأصابعها التي كانت تمشط شعرك بها، فتسري القشعريرة إلى عظام عظامك. أول كلمة استطعت قولها واستجابت الحنجرة:
مجرمة.!
تقافزت أمام عيني أحلام. كان ينبغي تحقيقها قبل فوات الأوان. واحتشدت الأشياء والأمكنة.
(حملت رشاشاً حربياً، لففت حول خصري آلاف الطلقات، توجهت إلى مكان الحفلة، ودون أن أنبس بكلمة واحدة، وكما يحدث في الأفلام الأمريكية، ضربت الباب برجلي ودخلت، التفت الجميع إليّ. وقبل أية حركة ضغطت على الزناد، فخرجت الطلقات رشاً وهي تخترق رؤوس وأجساد المحتفلين واحداً بعد الآخر. لم تبق قامة واحدة منتصبة في الحفلة. سبحت الأجساد في دمائها، ومن فوق الأجساد القتيلة والدماء السائلة توجهت إلى العروسين. كان العريس يرتجف مذعوراً، وقبل أن يهرب، أفرغت عشرات الطلقات في منتصف الصلعة الملساء، وبقيت العروس مذهولة، لوحدها تراقب المشهد مرتعبة من عاشقها الدموي، أفرغت الكأس من الشمبانيا وملأته بدماء القتلة الممددين أمامها:
تفضلي.. هذا ما يجب أن يوزع على المحتفلين في يوم عرسك يا بلقيس.
ردت وهي مذعورة غاضبة:
اشربه أنت.. يا قاتل.
تقدمت منها، قبلتها على شفتيها وهي صامتة، أخرجت من جيبي حزمة دولارات قدمتها لها كهدية، أفرغت الكأس المليء بالدم على إكليلها، تلطخ البياض بالدماء وبلقيس تصرخ:
مجنوووون.
قبل أن تكمل صرختها، اخترقت الطلقات رأسها أيضا، فسقطت وتبعثرت الأوراق النقدية المتبقية فوق رأسها. كنت قد احتفظت بالطلقة الأخيرة لنفسي. جلست قرب جثتها المدماة، ألصقت فوهة الرشاش بصدغي، حاولت الضغط على الزناد...
قفزت من مكاني مرتعباً، خرجت إلى الحمام، وقبل أن أغسل وجهي، تقيأت من طعم الدماء التي أحسست بها في فمي،وعدت إلى غرفتي. في هذه الأثناء كان الطفل الضوئي قد انطفأ وتحول إلى حيوان ميت متعدد الأرجل والرؤوس، رميته من النافذة متحاشياً تفسخه السريع. دخل الهدهد إلى الغرفة، حطّ على صدري، كان جريحاً أيضاً، تبعثرت نقاط دمه على قميصي، داويت جراحه، تركني أغطس في عذاب نفسي وجسدي، كنت أنكمش على نفسي، ضاغطاً على قلبي لكي لا ينفجر. الغرفة تدور بي... تزاحمت السحالي في شقوق قبر سالار السوباري عندما أزاحت حفيدته الإكليل عن رأسها. كانت صلعة سافار قد ازدادت تسطحاً وبريقا، حتى أن بلقيس كانت تنتقل بعينيها بين صلعته التي امتدت أمامها كصحراء وبين جيوب بنطاله المعلق على المشجب. نظرت بخوف إلى حيوان يتحرك تحت بطنه المغطى بشعر غزير. كانت بلقيس بيضاء تلك الليلة وجميلة، رفعت ساقيها. دخلها سافار والرغوة تتدفق من فمه. لم تنزل قطرة دم واحدة. فجأة، تدفق البترول من بين فخذيها المتباعدين، لطخ جسد سافار العاري والذاهل. غطى البترول السرير والنوافذ والبيت بأكمله. طفت الأشياء على السطح، غرقت الشوارع المحيطة ببيتهم في البترول. انتشرت رائحة شواء لحم آدمي في الأصقاع. تصاعدت أعمدة الدخان في الهواء. انتقلت العدوى إلى الناس. صار الدخان يتصاعد من أفواههم ومن جميع الثقوب المبعثرة في أجسادهم الهزيلة. أعادت الرائحة الناس إلى الوراء أكثر من ربع قرن عندما احترق أكثر من مائتي طفل في السينما. لكن الرائحة هذه أكثر بشاعة، ممتزجة برائحة احتراق الشعر هذه المرة، مما أثار الغثيان. هزّ الخبر المفزع سوبارتو كلها... احترق السجن، أكوام الجثث المحروقة مرمية هناك. تزاحم أهالي السجناء على السجن كالنمل، ولولت النساء، صرخن، اقتحمن أسوار المشفى والسجن والفزع. تهالكن على ما تبقى من جثث موتاهم المحترقة. ارتفع العدد إلى ستين جثة محروقة، ستون رجلاً احترقوا دفعة واحدة... ستون. خرج الناس من بيوتهم بانتظار قدوم الجثث. دخان الموت، دخان الحريق، دخان بطانيات السجن المحروقة، دخان خيانة بلقيس، دخان النجوم الذاهلة في السموات، دخان الموتى، دخان الأرض وهي تدور لتحقق كل ما يبتغيه الأنذال، دخان السماء وهي تهب الأجنحة للقذارة لتطير راميةً الحجارة على الرؤوس الفقيرة. ما بين الأرض والسماء دخان، ولا شيء سوى الدخان نكسبه من كل هذه الحرائق المتلاحقة حولنا وفي قلوبنا القتيلة.
وأنت يا حليم يوسف. ما علاقتك بكل ذلك؟، لماذا تكتب؟، ما جدوى الكتابة عندما يحترق الناس؟، وتحترق الأمكنة. وسليمان بن داوود يحترق. ألف ألف سجين في داخلك يحترق. ولا أحد يرى، لا أحد يسمع، لا أحد يحس، لا أحد يتذوق، ولا أحد يشم رائحة شواء كل هذا اللحم الآدمي المسبي والمباح لنيران الجهات الأربعة. ما الفرق بين السينما وبين زكية آلكان وبين السجن وبين قلب سليمان وبين أكثر من ثلاثين حريق في عمرك؟ أليس الأجدر بك أن ترمي قلمك أيضاً إلى النار ليحترق؟. أن ترمي قلمك إلى أول عنزة تصادفها على الطريق. ملتجئاً إلى أقرب وسادة لتدفن رأسك فيها حتى الموت. الصمت أكثر أماناً من كل هذا الغبار الذي تثيره صفحات هذه الرواية المكتوبة بدم يحترق. أليس كذلك؟.
قدمت طوابير التوابيت تحمل الرماد وما تبقى من عظام الجثث. التف أهالي سوبارتو كلهم حول توابيتهم الغامضة. مر الموكب من جانب السينما المحروقة. حدق التمثال المنتصب في حوش السينما إلى الناس بذهول، تمثال أطفال يحترقون. أحسست بالتمثال يئن، يتحرك، يسير خلف التوابيت، يشتم، يحفر القبور، يدعو الناس إلى دفنهم واحداً واحداً:
فلمز فرج.. كان سائقاً ولا يليق التابوت به، لا يزال شاباً، طفلته بانتظاره في البيت.
أبو علي.. كان سائقاً لا دخل له بالتعازي.
خمسة رجال من بيت حسو.
خلا المرآب من عبد الرحمن ديركي..
محمدي سيتي المسكين.. وآخرون.
عاد الناس إلى بيوتهم، بعد تغطية التوابيت بتراب أخرس. أهالي الموتى فقط ظلوا يترددون على قبورهم. كان محمدي سيتي محترقاً ذلك اليوم، احتار أهله، الأسئلة الأزلية نفسها أعيد طرها في سوبارتو، من القاتل؟. فمن تقاليدنا أن نموت بالجملة، وأن ننسى بسرعة هائلة. ذهبت إلى دينو لتعزيته، كان يهذي "أبي غبار، السجن غبار، أنا غبار" رأيته مغبر الثياب، ابتعد شيئاً فشيئاً، حتى اختفى في أفق مغبر، يغطيه الدخان.
انتقلت العدوى إلى أخيه إبراهيم عندما عزيته باحتراق أبيه:
البقية في حياتك.
رد علي بوجه من طين.
غبار.. لا شيء سوى الغبار.
انتابني خوف شديد على إبراهيم من أن يلتحق بأخيه دينو المتلاشي. أنا لست نائماً، ولا أحلم. فقد رأيت بعيني ما جرى. لو أخبرني أحدهم ربما شككت بقوله، لكنني رأيت بنفسي أن البترول يتدفق من بين فخذيها المتباعدين، وأنها رفعت ساقيها بقناعة تامة، وأنها جميلة جداً، وأنها بيضاء وأنها كانت بلقيس بالذات. وأن ستين سجناً في داخلي يحترق. أردت أن أبكي لأرتاح، لم أستطع. هجم الجيران على البترول المتدفق من بيت جارهم العريس، ملؤوا البراميل والصفائح والأباريق. كانت الآنسة تبرر الحدث للناس:
صحيح هو مليونير وكبير بالسن قليلاً لكنه صاحب قيم ومبادئ.
تحدثت للناس عن نضالاته قبل ذهابه إلى (الخليج) واحتفاظه بقيمه الذهبية بعد عودته.حتى أنها نسبت صهرها إلى حزب أبيها قبل سفره ووفائه لأهالي بلده، والدليل كل هذا البترول الذي تبرع به للجيران وللفقراء والمساكين ليلة زواجه من ابنتها. وكذلك الخواتم التي زينت بها بلقيس أصابع صديقاتها، العجوز فلك بقيت صامتة. تراقب ما يحدث حولها وتشارك أحياناً بتواجدها في مكان الحدث بعد وقوعه بقليل. وعند حدوث الحريق الأخير سبقت الجنازات بالذهاب إلى شرمولا – المقبرة، حملت عكازها وهي تبحلق في أسماء الموتى المبعثرة على شواهد القبور. وهي قلما تحضر جنازة فردية، لكنها الشاهدة على كل الجنازات الجماعية. لا تذرف الدموع كما أنها لا تبتسم، تكتفي بالاستماع إلى النحيب وثرثرات أهالي الموتى والمديح الذي يبلل التراب الذي يغطي وجوه الموتى بعد رحيلهم. تعود من المقابر وحدها، تتحدث لنفسها، تهز عكازتها في الهواء بطريقة توحي إلى وجود أناس تراهم العجوز ولا يراهم غيرها. وفي الآونة الأخيرة فإنها إذا بدلت ثيابها فإن الذي لا يعرفها من المستحيل أن يلصق باسمها كلمة "العجوز" فقد اختفى الانحناء في ظهرها وحل الصفاء محل التجاعيد في وجهها. بل أن السمرة خفت عن بشرتها. تتورد خدودها يوماً بعد يوم وسط انعدام ذهول الآخرين. فما من أحد في سوبارتو كلها يجهل علاقته الأكيدة بالسحر وبعالم الغيب. وما من أحد يستطيع إنكار الفضول لديه لمعرفة ما يحتويه كوخ العجوز فلك في داخله، اكتفت بالقول:
الحرائق ضرورية.. لكي لا تنام سوبارتو على أذنيها.. النار تطهر النفوس.
ومرت من بيت "محمدي سيتي" لتعزية العائلة "الغبارية" التي تتناقص. فبعد احتراق الأب وتحول دينو إلى غبار، كان إبراهيم قد اتخذ قراراً لا رجعة فيه. قال للعجوز فلك:
إذا كانت النار قد طهرت نفساً.. فهي نفسي.
قال ذلك منتصباً على قدميه ناظراً إلى سلسلة الجبال المترامية أمام الأعين، حمل البزق وبدأ يضرب الحيطان بغضب، فتكسر البزق، برجليه أكمل تكسيره، فتذكرت أبي الذي كسر الراديو في ذلك اليوم البعيد. وذهب برو إلى الغرفة الأخرى، جلب حزمة من المنشورات والبيانات السياسية صارخاً:
سأتبول على هذه الأوراق.. هل تعرف شعباً حررته الأوراق والحبر فقط؟!.
نظر إلى عيني مباشرة وأنا مندهش من "ملك الخمر" هذا، كيف قلبته الحرائق وأحرقت فيه كل عاداته وطبائعه القديمة؟! كان يهز رأسه وهو يعد أسماء بعيدة عن بعضها لم يكن يجمعها سوى النار. "السينما، مظلوم دوغان، زكية آلكان، السجن، روناهي، وقلبي" أمسك بيدي بقوة، تلألأ في عينيه بريق جديد:
هذه جبالنا يا سلو.. وعليها أن تتطهر بالنار أيضاً.
عندما اعترضت أمه على قراره بالذهاب إلى الجبال على غير عادته رد إبراهيم عليها بحنان زائد:
أنت وأخي الآخر تدبرا أمركما، لنا من الأملاك ما يكفيكما أبد الدهر.
شدني إبراهيم إلى حضنه بقوة، لأول مرة أقترب منه دون أن أشم رائحة الخمر:
سامحني على إساءاتي، أنا اعلم أنني أخطأت بحقك أكثر من مرة. لكنني أعرف طينتك يا سليمان.. كنت دائماً أكثر من أخ.
كانت تلك آخر كلمات أسمعها من إبراهيم الذي ستنقطع أخباره سنوات عدة وستصل منه رسائل قصيرة وصور له وهو يحمل السلاح عالياً. وعدت إلى أبي الحزين على فقدانه أقرب صديق وأقدم جار له:
خسرت ظهراً يا ولدي.
وخسارة الظهر في عرف عائلتنا لا تعني سوى الموت. أبي لم يمت. لكن الأعشاب بدأت تنبت في كفيه عندما ينام. يستيقظ كل صباح ليقضم تلك الأعشاب بنهم، مستغنياً عن الأكل، كما أن الفواكه تنبت في رؤوس أصابعه كل يوم جمعة بعد رجوعه من صلاة الظهر، يقطف التفاح والخوخ والبرتقال والموز والكرز بيد ويدفعها إلى فمه باليد الأخرى. قلَّما يتحدث إلينا. ينظر حوله بعينين تثيران الشفقة، يتمتم ببعض الأمنيات الصغيرة:
أتمنى أن يعود عملك قبل موتي.
في سري كنت متأكداً من أن عمي سيعود وهو أعمى، كما قالت العجوز فلك، لذلك فإنني لم أتجرأ على سؤالها عن مصير إبراهيم الذي التحق بحرب أخرى:
الحريق وصل إلى ثيابي الداخلية يا سلو.. لم أعد أحتمل.
خفت أن تقول لي أيضاً بأنه سيعود بعد ثلاثين عاماً... أعمى، وجدت نفسي محاصراً بعزلة قاتلة تجتاح داخلي. أنظر حولي فلا أجد أحداً. لا أجد وهماً صغيراً أتمسك به. وبدأت جراحي تبرد وتزداد ألماً ونضجاً. عادت بلقيس بعد أسبوع إلى أمها فرحة، محملة بكيلوين من الذهب. كانت تشمر عن ساعديها كاشفة عن صفين طويلين من الأساور الذهبية المعلقة في رقبتها البيضاء:
لا أستطيع ارتداء أكثر من هذا الذهب، كنت أتمنى أن يكون لي أكثر من زندين.
عاد سافار إلى عمله في الخليج، ترك عروسه في سوبارتو وسافر. اتفق مع حميه على تكملة إجراءات سفر بلقيس التي أصبحت زوجة صالحة، اشترى لها الأب عباءة وحجاباً، سافر معها إلى المطار لوداعها. تذكرت "أبو عمشة" الذي أوصل أخته إلى المطار عائداً إلى سوبارتو للاهتمام بقرونه النابتة. تذكرت فلسفته التي أخذت تتجسد أمامي بعد أن كانت تثير سخريتي فيما مضى.
ويبدو أنني فقدتك فعلاً يا بلقيس. فقدتك. شعوري هو شعور من فقد الشرف. كنت أفكر بك، أحلم بك، وأنت تحلمين بمطبخ جيد، ورجل تتزحلقين على صلعته كل مساء. الآن أحتاج إلى ثلاثة أعمار لترتيب أجزاء روحي المبعثرة في زوايا سوبارتو الفارغة بعدك. كنت أرتاح لمجرد وجودنا معاً في بلدة واحدة ومرورنا في شارع واحد. المطر نفسه يبللنا. السماء نفسها فوقنا. الآن اكتشفت أن في الحب خللاً فظيعاً، فيه من الشر ما يضاهي الخير بآلاف المرات. لو سألتم سليمان عن أمنيته في الحياة قبل أن يغادر لأجاب:
أريد أن أبكي.