(2)

5 0 00

(2)

"علي عيني الثعبان الأرقط رُسمت صورته، ربما صدق الفكي هذه الفكرة، وآمن بها بعد مضي نصف قرن تقريباً، كما تذكر أمه التي انتظرته حتي يئست من عودته، وعندما رأته ماثلا أمامها لم تعرفه، كانت قد مرت سنوات عديدة، وجدها صلبة كما تركها، بجسد صخري لم يؤثر عليه ازميل السنوات كثيرا"

هكذا أخبرتني زوجة الفكي، وأعلمتني أنه طريح الفراش في المستشفى، ثم ناولتني دفتراً عتيقاً ، ولم أدر في تلك اللحظات ما يحتويه، قالت انه طلب منها ذلك، ربما ظنّ فيّ اهتماماً بالقراءة، عندما لحظني، في أول لقاء لي به، أحملُ كتاباً قديماً عن تاريخ هذا الاقليم المضطرب، وجدتُه في دولاب خشبيّ قديم، مغلق لسنوات في البيت الذي استأجرتُه، أخذتُ ذلك الكتاب بعفوية، وأخذتُ دفتر الفكي يدفعني فضولٌ عظيم لإماطة اللثام عما يخفيه بين دفتيه، خمنتُ أنه يحوي سيرته، كانت عندي رغبة ملحة في سبر غور حياته، فقد أثر تأثيراً عميقاً فيما مضي من سني عمري، سبق أن بحثتُ عنه كثيراً قبل ثماني سنوات، أنفقتُ قرابة العامين بحثاً دون جدوي في هذه المدينة التي أقام فيها خلال العشر سنوات الأخيرة، بعد أن ترك قرية درب الخير في قلب الجزء الجنوبي من اقليم دارفور التي تبعد قرابة النصف يوم بالسيارة.

تذكرتُ هذا الدفتر وحديث زوجة الفكي بعد بضعة أشهر، كنتُ في الحقيقة اتناساه وادفع نفسي دفعاً عن قراءته ، لا ادري لماذا، ربما خوفاً ،كنتُ خاوياً من كل شيء ، أعاني فراغاً بعد انتهاء امتحاناتي الجامعيّة، أمامي حاسوب، تعلمتُ في الآونة الاخيرة كيفية استخدام الوسائل الحديثة في التواصل والتعامل مع لغة الحاسوب وشبكة الانترنت بعد عنت ومشقة، أعزي ذلك لتقدم عمري، أبلغ الآن الخامسة والأربعين، وقد عدتُ في هذا السن لأكمل دراستي للقانون بعد خصام جبريّ دام أكثر من عقدين، فتحتُ بريدي الإلكتروني بعد فترة انقطاع قصيرة ، فوجدتُ رسالة من صديقتي، مضي علي وصولها زمنٌ طويل، ثم فتحتُ الرسائل التي أرسلتُها لها خلال الأشهر السابقة، التي أردتُ أن أنقل فيها تفاصيل حياتي في هذا الاقليم والذي شغل الدنيا وقتاً طويلاً ، وقرأتُها، وكنتُ قد قطعتُ لها عهداً، أن أكتب لها ما ورد في دفتر الفكي علي بريدها الالكتروني، حالما وجدتُ فراغاً وسعة في الوقت، واجدني احاول أن ارسل هذا السفر الذي أدهشني، وفكَّ شفرة حيرتي، فاردت أن اتذكر ما ورد في رسائلي التي ارسلتُها لها، كي أتجنب التكرار، وقد وجدتُ في سفر الفكي بعض الجوانب الغائبة عني في حياتي الماضية وحياة اناس التقيتُهم خلال هذه الفترة فأصبحت عليماً بما حدث لهم، بعد ان غطي تلك الفراغات التي سعيتُ ، دون أن ابخل بجهد وعرق، في سبيل الوصول إليها حتي انقطع رجائي ، وجدتُ ما بحثتُ عنه بين يدي مفصلاً تفصيلاً دقيقاً وترتيباً منظماً، وكنتُ معجباً بطريقة الفكي في تدوين ما جري له منذ أكثر من نصف قرن ، منذ أن ترك منطقة " دحيلالدابي" قرب النهر الموسوم ببحر العرب والذي يرفد النيل الابيض، حتي طاب له المقام في هذه المدينة.

كُنتُ قد وصلتُ المدينة هذه المرة، والتي ظفرتُ فيها بالفكي، عبر الطيران بعد فراق دام طويلاً، فقد أصبح طريق البر ممتنعاً، وقد روي لي قريبي ، المشرف علي تجارتنا المشتركة ،عندما ثرثرنا حول التغيرات التي طرأت علي حياة الاقليم ، فأخبرني ، ونحن مقبلان علي النوم والمصباح مطفأ ، بحوادث ترسخت في ذهنه ، عن عذابات السفر عبر البر بالسيارات والقطار ، وكيف يتعرض المسافر لرعب ومشقة لا تنسي، إن لم يكن خشية النهب، فمن استغلال أصحاب تلك المركبات للمسافرين ، يظنُ أن هذه الحوادث القاسية ما بث في الإقليم روح التمرد والثورة، لكني لم أكن لأُثقل رأسي واعر الأمر اهتماماً كبيراً، فعندي هدف واضح جئتُ من أجله.

كانت الساعة تشير إلي التاسعة صباحاً في مطار الخرطوم، يعج بالمسافرين، وكنتُ أراقبهم، كانوا مزيجاً من المواطنين والأجانب، كُنتُ قد تناولتُ قرصين من مضاد غثيان محتفظاً به في جيبي، خشية أن أتقيئ علي الطائرة، كُنتُ أعاني من هذه المعضلة منذ صغري، عندما اركب السيارات في الدروب الوعرة التي تجعلها تترجرج، فأكاد ألفظ معدتي، وكنتُ أتناول هذه الأقراص كلما اضطررت لركوب الطائرة، وأحمدُ الله أني لم أجبر علي السفر عبر البحار وركوب السفن، كنتُ أشعر بالخجل دائماً من هذا الداء الذي جعلني أبغض الأسفار، علمتُ أن الطائرة ستحط بمدينة أولي، كُنتُ اتفرس الأجانب المسافرين معي، عرفتُ ذلك من تذاكر شركة الطيران التي يحملونها، أوروبيون يرتدون ثياباً خفيفة رغم أن الطقس بارد نوعا ما، بعضهم فرنسيون ، عرفت ذلك من لغتهم، والعلم ذي الالوان الثلاثة ، الازرق والابيض والاحمر ، المرسوم علي بعض حقائبهم التي يحملونه علي أكتافهم، وامريكيون، جميعهم يمثلون منظمات إغاثة، وهناك بعض الأفارقة، ولم تكن هناك علامة تدل علي وجود لمنظمات وطنية.

كُنتُ أتخيل ما ينتظرني ، وأتوقع الأسوأ ، فقد طال فراقي لهذه المدينة، تركتُها في بداية الفتنة، عام 2003 بعد أن يئستُ من الظفر بلقاء الفكي وعندما دخلتُها أيقنتُ أن كل شيء تغير ، وأن قدماي قد وطأتا أرض البنادق والرصاص.

عندما هبطت الطائرة في المدينة الأولي لم أشعر بالغثيان، يبدو أن القرصين قد أجديا نفعاً، هبط منها مسافرون، وصعدت ثلة أخري ، مضي علي انتظارنا في الطائرة قبل الإقلاع مرة ثانية زمن طويل ، ربما اكثر من ساعة تقريباً، نظرتُ عبر النافذة، كان هناك هدوء، خلاف ما كان يصوره لي ذهني ، المتأثر بمشاهد وسيناريوهات من الأفلام التي تصور الحروب الأهلية في البلدان الافريقيّة، ووجود العصابات والجنود في المطارات المتواضعة، لكن لم أشاهد شيئاً من هذا القبيل، لكن المطار كان متواضعاً.

ثم أقلعت الطائرة في اتجاه هذه المدينة، بدأتُ أشعر بالغثيان الذي سري ببطء إلي معدتي، رغم أني لم أكمل الفطور الذي قُدم لي، ولحسن حظي أن الطائرة احتاجت لنصف ساعة للهبوط مرة أخري. كانت الساعة تشير إلي الساعة الثانية ظهراً ، عندما تخلصتُ من قيود الإجراءات وأخذتُ حقيبتي. أخرجتُ هاتفي لأحادث قريبي وشريكي في التجارة المقيم في هذه المدينة، لم تكن هناك إشارة إرسال، حاولتُ بذل جهد بالوقوف علي أطراف أصابع قدمي دون جدوي، ثم أقبل عليّ سائق عربة أجرة، أخبرني أن ليس ثمة اشارة لشبكة الاتصال منذ شهر ونصف تقريباً، ثم برر لي ذلك ، تبدو عليه ثقة من يظن نفسه فرداً من قوات جهاز الاستخبارات، وأن للأمر علاقة بالإجراءات الامنية والاستخباراتية التي قامت بتعطيل شبكة الاتصال كي لا تستفيد منها قوات الحركات المسلحة المتمردة علي النظام الحاكم، في التواصل، وأخبرني بتربص ماكر بضرورة أخذ سيارة أجرة، ففعلتُ ، دخلتُ البيت ، أعاني طنيناً في أذني، وشيئاً من الدوار، وبقايا غثيان لم يتملكني تماماً.

ثم ظفرتُ بلقاء الفكي مرتين في هذه الرحلة والتي اردتُ ان اجرد فيها حسابي وتجارتي ، لكني لم أروي ظمائي لمعرفة الحقيقة، ولم اتمكن سبر غور الماضي، إلي أن سقط في يدي سفره الذي أثقل به كاهلي، فقد أوصاني بنشره بالوسيلة الممكنة لينتفع به الناس، فكان حملاً قصم ظهري، فوجدتُ صديقتي التي أظهرت جدية واهتماماً في سبيل نشره.