٢

6 0 00

٢

وكان الظلام مُدْلَهِمًّا، والبرد شديدًا، والهواء زمهريرًا، غير أن هؤلاء الفتيان لم يكونوا يكترثون لمثل هذه العوارض الجوية، وقد التهبت في أحشائهم نيران الخمر المعتق.

وما زالت المركبة سائرة بهم حتى وصلت إلى بلفي، فأوقفها مريون، فقال له مونتيجرون: ألعلنا وصلنا؟

– كلا، ولكن صوت المركبة في هذا الشارع المقفر قد ينبه أنظارها، وإنما أريد أن أباغتها، فهَلُمَّ بنا نسير فإن البيت قريب.

وقال مونتيجرون: إني لا أرى شيئًا فأين هو؟

– انظر أمامك إلى هذا النور الضعيف؛ فإنه ينبعث من غرفة رقادها.

– ألا يوجد منازل مجاورة له؟

– كلا، إن أقرب منزل منه يبعد عنه مائة متر على الأقل، فهو يعتبر في معزل عن البيوت.

ونزل شبابنا الخمسة من المركبة وساروا في هذا الشارع، الوَحْلُ إلى الرُّكَبِ حتى وصلوا إليه، ورأوا حديقة كبيرة تكتنفه والسكينة سائدة في جميع جهاته، ولم يروا غير نور ضعيف ينبعث من النافذة في الدور العلوي.

وقال مريون: قفوا هنا أيها الرفاق، وادعوا لي بالتوفيق …

ثم أخذ مفتاحًا من جيبه، وسار إلى باب الحديقة ففتحه ودخل، واجتاز رواقًا فيها إلى باب المنزل، فأخرج مفتاحًا آخر من جيبه وفتحه.

كان الظلام شديدًا ولديه علبة من الكبريت الشمعي، فانكشف له على نورها سلم فُرِشَ فوق درجاته بساط ضيق، وصعد على هذه الدرجات، فكان البساط يُخْفِي صوت وقع أقدامه حتى انتهى إلى آخر السلم، فوصل إلى الرواق ورأى في آخر الرواق نورًا، فأطفأ شمعته، ومشى مخففًا وطأه كما يمشي اللصوص، وهو يسترشد بهذا النور.

ولما وصل إلى حيث ينبعث النور رأى غرفة نصف بابها الأعلى من الزجاج، فقال في نفسه: هذه غرفة رقادها فلنرَ.

وعند ذلك مشى إلى الباب بملء الحذر، ونظر من زجاجه إلى داخل الغرفة، فلم يكد نظره يستقر حتى وقف شعر رأسه، وانصبَّ العرق البارد من جبهته، ووقف الريق في حلقه، وانقلب إلى الوراء وقد صاح صيحة رعب بصوت مختنق.

ذلك أنه رأى هذه الغرفة مفروشة بالأثاث الأسود كغرف الأموات، ورأى في وسطها سريرًا فوقه جثة، وأمام هذا السرير امرأة واقفة تنظر إلى الجثة والدموع تنهمل من عينيها.

أما المرأة فكانت البستانية الحسناء، وأما الجثة فكانت جثة رجل عرفه مريون حالًا، إنه المركيز غوستاف دي مورفر الذي اختفى منذ عام، وذهبت مباحث البوليس وأهله أدراج الرياح بعد أن بحثوا عنه عامًا كاملًا في جميع أنحاء الأرض.