٣
ولم يكن مريون قد أغمي عليه حين سقوطه، ولكنه كان قد أصيب بشلل في جسمه وعقله لهَوْل ما رآه، فلم تعد ساقاه تحملانه، وانعقد لسانه، ولم يعد يستطيع الوقوف بعد سقوطه.
ثم رأى أن الباب قد فُتِحَ، وخرجت منه تلك الفتاة التي رآها واقفة أمام جثة المركيز، ولم تكن تبكي، بل كانت عيناها تتقدان كالجمر، وكانت صفراء الوجه مضطربة الأعصاب تدل هيئتها على الغضب الشديد؛ حتى إن جمالها قد استحال إلى قبح، وكاد مريون ينكرها.
فدنت منه، وقالت له بلهجة الأمر: قم.
فنهض مريون لفوره، وقد أَثَرَّت به نظراتها النارية أشد تأثير، فأخذت يده وجذبته إلى تلك الغرفة السوداء وهي تقول: ما زلت تريد فادْنُ وانْظُرْ.
وكانت تجذبه إلى الغرفة بعنف وتعيد عليه هذا القول بلهجة التهكم، فما مرَّ بهذا الفتى ساعة رعب أشد من هذه الساعة، فأدار وجهه ولم يستطع أن يرى، فجذبته أيضًا إلى الشموع المُوْقَدَة حول الجثة، وقالت له: قلت لك انظرْ. ألم تأتِ إلى هنا كي تقف على أسراري؟
فنظر مريون عند ذلك إلى الجثة والرعب ملء فؤاده، فأيقن أنها جثة المركيز، ورأى أن هذا المركيز لا يزال بملابسه التي كان يلبسها يوم اختفائه، ولكن صدرته كانت مفقودة، وقميصه مفتوح يكشف عن صدره، فرأى في ذلك الصدر جرحًا فوق الثدي الأيسر، ورأى الدم عليه، فلم يدر إذا كان أصيب بخنجر فمات غدرًا واغتيالًا، أو أصيب بسيف فمات موت الأشراف.
وكان يرى من أثر الدم وهيئة الوجه أن المركيز لم يمت إلا منذ بضع ساعات، فكيف اتفق ذلك والبوليس يفتش عنه منذ عام؟! وماذا حدث لهذا المركيز في مدة سنتين كاملتين، وهو لم يقتل إلا منذ ساعات؟! إن ذلك مما تحار في إدراك كُنْهِهِ العقول.
وكان ينظر إلى جثة المركيز مورفر والبستانية الحسناء واقفة بالقرب منه تقذف من عينيها لهبًا، وتقول لمريون بلهجة المتهكم: ما بالك خائفًا؟! ولماذا لا تدقق النظر؟!
فكانت أسنانه تصطك من الرعب، وقد خاف من هذه المرأة الحية أكثر مما خاف من ذلك الرجل الميت.
ثم أخذت يده فجأة وهزته بعنف ونظرت إليه نظرة هائلة، فقالت له: والآن أصْغِ إليَّ …
فحاول مريون أن يتكلم فتلجلج لسانه وتَمْتَمَ بعض كلمات لا معنى لها، فقالت له: قلت لك أصْغِ إليَّ، فإنك تأتي كل يوم إلى منزلي منذ شهر بحجة شراء الزهور، ثم لم ترَ ميلًا مني إليك، فأغويتَ أحد خدمي، وتمكنت بفضله من الوصول إلى هذا المكان، وكنت تحسب أنكَ آتٍ لترى امرأة حسناء تهواها فوجدت جثة قتيل، هل شَفَتْك هذه الجثة من ذاك الغرام؟!
ولما رأت أنه لم يجبها بحرف قالت له: أُشفق عليك؛ لأنك لا تزال في مقتبل العمر وغرور الصبا، ولو لم أكن آليتُ على نفسي أن لا أسفك دمًا بشريًّا إلا في سبيل الدفاع، لما كنت الآن في عداد الأحياء، فإذا شئت أن تحيا سعيدًا وتبلغ سن الكهولة فأقسم لي بهذه الجثة أنك لا تبوح بحرف مما رأيت.
فكان مريون يرتجف ويضطرب دون أن يجيب، فهزته هزًّا عنيفًا دل على شدة أعصابها، وقالت له بلهجة التوعد: قلت لك: أقسم بهذه الجثة!
فخُيِّلَ لمريون من لهجتها أن حياته بين أيديها، وأنها إذا فاهت بكلمة بات من الأموات، وكان فتى لم يتجاوز العشرين من عمره، فزاد اضطرابًا، ولكنه لم يقسم، فهزَّته مرة ثالثة، ونظرت إليه نظرة هائلة تبين منها صدق وعيدها، وقالت له: قلتُ لك أقسم …
فوضع مريون يده مكرهًا فوق الجثة، وقال بصوت مختنق: أقسم على الكتمان.
وعند ذاك أُطفئت جميع الأنوار بغتة، كأنما يدًا سحرية أطفأتها، وساد الظلام في تلك الغرفة، فأوشك مريون أن يُجَنَّ من رعبه لما هَالهُ من هذه الأسرار، ثم شعر أن يدها مسكت يده، وسمعها تقول له: اتبعني؛ فتبعها وهو لا يعرف أين يسير حتى وصلت إلى سلم، فنزلت أمامه وهي تقوده كما يُقاد العميان، ولما بلغت آخر السلم فتحت بابًا، وأخرجت مريون، وعادت فأقفلت الباب.
وكان هذا الباب موصلًا إلى الحديقة، فلم يمشِ مريون خطوتين حتى شعر أن قواه قد تلاشت، فسقط مَغْمِيًّا عليه لا يعي شيئًا.