الفصل الخامس
5-لا وقت للأحلام
جلس جيرد على الأريكة بجانبها ، تاركاً بينهما مسافة . ثم مدّ ساقيه الطويلتين أمامه ، وأراح رأسه على الوسائد خلفه .
-أنا متعب . إن الاعتناء بهاتين الطفلتين أمر مرهق حقاً .
تأثرت كاسندرا لمظهر ضعفه هذا ، بينما كان يبدو في المكتب بالغ الصلابة ، لا يحتمل عدم الكفاءة أو الاهمال في العمل . وأعجبت بطول صبره وجلده فعلى الرغم من الألعاب المتناثرة في كل مكان ، وأطباق الطعام القذرة في المطبخ ، لم يفقد جيرد أعصابه مع الطفلتين ، بل اصطحبهما غلى مدينة الملاهي . وشعرت بالعطف لمحاولات جيرد مواجهة هذه الأبوة المفاجئة .
فقالت : " لديهما طاقة هائلة . فكر كم هو مثير كل شيء بالنسبة إليهما في هذا العمر ، وما أكثر الأشياء التي تكتشفانها !"
-وما أكثر المخاطر التي قد تعرضان نفسيهما لها ! اعتقدت في مدينة الملاهي اليوم ، انني فقدت بريتاني ، وتملكني خوف فضيع للحظات من أن تكون سقطت في الماء أو أن يكون هناك من اختطفها ، كما أن اخذ طفلتين إلى الحمام ليس أمراص سهلاً.
ضحكت كاسندرا بهدوء :" جيرد ، أنا احب حقاً ابنتيك ولكن هلا أرجأنا الحديث عنهما فترة ؟"
فالتفت ينظر إليها ، وقال :" أنت ضد الأطفال ، كدت أنسى ذلك ."
-نعم،نوعاً ما .
-هذا أمر مؤسف ، فأنت تجيدين التامل معهم.
-قد يكون الانسان كفوءا في امور لايحبها.
فتمتم يقول:"آه، لا تقولي لي انني ابدو ذاك الوالد الشغوف الذي يضجر الناس بحديثه عن اولاده النوابغ!"
-ليس الامر كذلك، ياجيرد، انهما رائعتان وانا احبهما حقا، ولكن...
-ولكن لديك مهنة ولاوقت لديك للاطفال!.
-اظن ذلك.
بدا كلامها بغاية البرود ، وقطبت جبينها، لم تكن تعني انها لاتريد اطفالا، ولكن ليس الان! حدقت به، وودت لو تعرف مالذي يفكر فيه.
-حسنا ، اختر موضوعا.
فقال باسما بمكر:" اختاري انت."
-انا؟ مامن امر هام بشأني . فضلا عن ذلك، لقد سبق ان عرفت كل شيء عني.
-ما اعرفه هو انك ولدت في لوس انجلوس والان تعيشين هنا، ثم ذهبت الى الكلية. ومما اذكره من مقابلة العمل هو انه كان لديك قائمة انجازات تدعو الى الاعجاب.
تملكها الارتياح إزاء مديحه غير المنظر، فقالت:" احب المثلجات والقراءة ومشاهدة التلفزيون . احب الاثواب الجميلة. لكنني بصراحة افضل بنطلونات الجينز المريحة. هل هذا ماتريد ان تعرفه؟
-انها بداية. ما نوع الكتب التي تحبين قراءتها؟ انا شخصيا، احب قراءة الروايات البوليسية.
مر الوقت سريعا وهما ينتقلان من الكتب التي يحبانها الى الافلام التي شاهداها. تحدث جيرد عن الرحلات التي قام بها بحكم العمل، واعترفت هيبشوقها لزيارة البلاد الاجنبية.
عندما نهض جيرد ليتفقد ابنتيه، كادت كاسندرا تذهب معه. وادركت انها تتصرف بحماقة في الابتعاد عن الطفلتين، لكنها كانت تخشى من ان تتملكها مشاعر تحد من طموحها المهني. ذلك ان من السهل على المرأة لتي لم يكن لها اسرة قط ، ان تحن الى اسرة. ان تنسى للحظة اهدافها الحقيقة، وتخضع لحلم هو ان تصبح جزاء من اسرة محبة.
عندما عاد سألته :"هل نامتا؟"
-انهما مستغرقتان في النوم. شكرا لمساعدتك مع بريتاني. لم اكن عرف ماذا افعل.
-عليك ان تتعرف الى طبيب اطفال معين. لو كانت مريضة حقا لكان عليك ان تأخذها الى المستشفى وتجعل اي طبيب يفحصها.
-تترتب على الابوة واجبات اكثر مما كنت اتوقع.
-لكنك كفؤ للغاية في ذلك، لاتقلق!
قالت هذا باسمة، فقال:" احب ان اشعر بأنني اسيطر على الوضع. لكنني شعرت بكل شيء ، هذا المساء، ماعدا ذلك. اظن ان النساء افضل من الرجال في هذه الامور. لو كان لدي زوجة لعرفت ماعليها ان تفعل".
هبط قلب كاسندرا:"المرأة لاتاتي بشكل آلي وفي يدها كتيب ارشادات حول تربية الاطفال. وهناك الكثير من الرجال الذين نجحوا في تربية اطفالهم. كما ان هناك الكثير من نساء الاعمال اللواتي لايعرفن شيئا.
-مثل هيلين. لقد اتصلت بها قبلك ولم يكن لديها اي فكرة سوى ان اتصل بك.
واذ شعرت بشيء من الذلة لكونها الاختيار الثاني، ونظرت الى ساعتها وقالت:" لقد تأخر الوقت، على ان اذهب!"
-سأستدعي لك تاكسي. شكرا لبقائك! كنت متلهفا الى الحديث مع شخص راشد بعد اقتصاري على الحديث مع الطفلتين ليومين كاملين.
اخذت تتأمله وهو يطلب التاكسي. ثم نهضت فجأة واخذت تجول في انحاء الغرفة، محاولة الهروب من تلك الافكار التي ساورتها . اتراه سيعانقها مرة اخرى قبل ان تغادر بيته؟ جعلها مجرد تفكيرها في تلك الامكانية تتلهف شوقا.
-سيكون التاكسي هنا بعد دقائق قليلة. لم ادرك كم الساعة متأخرة، لقد مر الوقت بسرعة
ثم سار نحو النافذة ينتظر حضور التاكسي.
-لقد سرني المجئ الى هنا، وانا سعيدة لان بريتاني بير الان.
-كنت اتمنى لو استطيع مرافقتك الى الاسفل او حتى الذهاب معك الى البيت.
قال هذا هو يتكئ الى الجدار بجانب النافذة حيث يمكنه ان يراها ويراقب الشارع في الوقت نفسه.
-سأكون بخير.
-اتصاي بي عندما تصيلن الى بيتك.
اومأت ازاء هذه الحرارة غير المتوقعة مرة اخرى.
-هاقد جاءت السيارة.
وسار جيرد اليها يضع يديه على كتفيها:" سأراك في المكتب الاسبوع القادم ، ومن ثم سوف نذهب يوم السبت الى "سورونا" وارتدي بنطلون جينز مريح، ولكن احضري ثوبا للعشاء.
-حسنا.
كانت تتنفس بصعوبة، اذ كان كل نفس يملا احاسيسها برئحته الذكية.
حدق في عينيها للحظة طويلة، فحبست كاسندرا انفاسها خوفا من ان يعانقها مجددا رغم انها كانت متلهفة الى ذلك من كل قلبها.
وفي غمرة العواطف التي اعتصرت قلبها، عاملها جيرد بكل برودة قائلا:" الافضل ان تذهبي الان!"
-الى اللقاء.
كادت تركض خارجة من الشقة. اتراه لاحظ مدى رغبتها بمعانقته؟.
لو كان هذا صحيحا، ستموت خجلا. عندما جلست في التاكسي، نظرت الى النوافذ المضأة، فلوح لها بيده.
***
وصلت كاسندرا يوم الاثنين الى العمل، قبل جيرد بعشر دقائق . وعندما وصل، مارا بمكتبها ، راحت تراقبه بنظراتها وهو يخرج من المصعد، مركزا نظراته على اوراق في يده. فهادت الى عملها وقد خاب املها ، فحاولت ان تقنع نفسها بأن هذا ماتريده ، انه مكان عمل ولا وقت للامور الشخصية . ولكن لاضير من ابتسامة سريعة.
عزت نفسها بالتفكير بالعطلة الاسبوعية التي كانت تتطلع اليها بشوق، حيث تمضي يومين مع الطفلتين وابيهما الجذاب. جذاب؟ ونظرت الى الورق امامها فلم ترى سوى صورة جيرد وضحكته وحرارة نظراته...
لم تر جيرد بقية ذلك النهار . واذ كان الفضول يتملكها لمعرفة رأيه في المربية الجديدة ، تمنت لو انه واقف عند مكتبها لكي يخبرها عن تلك المرأة.
ككل ثلاثاء، عقد اجتماع الموظفين مع مدراء المشاريع. واتخذت كاسندرا مقعدها المعتاد على طاولة الاجتماعات بعيدا عن جيرد . التحق هو بالجميع عند الساعة التاسعة، وبدا على الفور بطلب معلومات عن المشاريع التي فاتته. وعندما جاء دور كاسندرا، تحدثت بإيجاز ووضوح . لم تتحول عيناه عن وجهها قط اثناء حديثها، ولكن لم يبد على وجهه اي تعبير يشير الى انهما تقابلا مرات عدة خلال ذلك الشهر، اودعاها لقضاء عطلة الاسبوع معه ومع اسرته بعد اربعة ايام.
كانت تصرفاته نحوها مهذبة عملية ، كما كانت مع موظفيه الاخرين. دام الاجتماع مدة طويلة لكون جيرد تغيب عن مكتبه لاكثر من شهر وعندما انتهى الاجتماع خرجت لتناول غذاء خفيف. كان الهواء باردا في الشارع ومنعشا للغاية . وكانت كاسندراتعشق التجوال في الشوارع عندما يسمح الجو بذلك. ولطالما فتنتها سان فرانسيسكو. واتجهت الى شارع (بونيون سكوير) حيث وجدت مقعدا خشبيا ، فجلست عليه تحت اشعة الشمس.
كانت قد اجتازت وفريقها في العمل ، خطوات واسعة بالنسبة الى مشروع "اتحاد الشركات العالمية" وكانت في المراحل النهائية من مشروعين اخرين، وبدا لها انها قد بدأت تبني اسسا ثابتة في مهنتها ، وقد تفكر في اقامة شركة خاصة بها او تشارك شخصا اخر.
ونقز جيرد الى ذهنها.وتركت نفسها تحلم بأن تكون شريكته حتى تصبح شركتهما احدى اوائل الشركات على ساحل المحيط الهادئ . كانت تحب الأعمال التحليلية ، ووضع الخطط ، وكم سيزداد عملها اثارة مع ازدياد خبرتها .
لكن افكارها لم تقتصر على مستقبلها العملي ، بل تحولت الى جيرد نفسه ، والى الموسيقى التي يحب ان يسمعها والى حيرته وضعفه إزاء ابنتيه ، ومحاولته توفير الأفضل لهما . وأكثر ما تذكرته هو عناقه الحار .
وقفت كاسندرا فجأة ، واستعدت للعودة الى العمل ، فقد ضيعت وقتاً كافياً في أحلام يقظة حمقاء.
عندما وصلت الى العمل يوم الخميس ، وجدت المكان يموج بالهمهمات . فقد كانوا يتوقعون مجيء زبون رفيع الشأن عند الساعة العاشرة . واذا ما تم التعامل معه ، فسيحقق ذلك للشركة أرباحاً ضخمة ، ويرفع اسم شركة هنتر عالياً ، ورغم أنه لم يكن لكاسندرا حصة في هذا المشروع ، إلا أنها شعرت بالاثارة نفسها التي تملكت الهيئة الإدارية . فتمنت لو ينجح الاحتفال .
وقبل أن تحين الساعة العاشرة بدقائق قليلة ، توجهت هيلين الى مكتب كاسندرا ، والقلق بادٍ على وجهها . وقالت لها :" هلاّ تحدثنا على انفراد ، يا كاسندرا ؟"
-بكل تأكيد !
ونهضت كاسندرا وتبعتها الى مكتب جيرد حيث دخلتا ، وأغلقت هيلين الباب خلفهما .
-لقد طرأت مشكلة . رحلت المربية التي استخدمتها لجيرد هذا الصباح ، دون إنذار مسبق ، وحاولت ان اجد واحدة اخرى ، لكنني لم انجح حتى الآن ... وسيبدأ الاحتفال بعد أقل من نصف ساعة . على جيرد أن يكون هنا ، ولا أدري ماذا أفعل . هل يمكنك أن تذهبي لرعاية الطفلتين .
-أنا ؟
-أعرف أنا ليست وظيفتك . لكن هذه حالة طارئة ! إذا أخبرنا جيرد بأنك قادمة ، سوف يرتاح تماماً . التوأمان تعرفانك ، وأنت تعرفين كيف تتصرفين معهما . لو لم يكن الأمر ملحاً ، لما طلبت منك ذلك . أرجوك!
-هل طلب منك جيرد أن تكلميني ؟
سألتها كاسندرا ذلك وقد تملكها الغضب لفكرة انهم بدأوا يتجاهلون عملها ويركزون أكثر على كونها مجرد مربية .
-لا! إنه يعتقد أنني مازلت أحاول مع مختلف الوكالات . إذا رفضت ، ربما سيكون علي أن أذهب بنفسي . أنا لا أعرف شيئاً عن الأطفال . بالإضافة إلى أنه عليّ تجهيز القهوة للمجموعة ، وإعداد نسخ عن القرارات إذا احتاجوا لذلك ، أو حتى إرسال رسالة بالفاكس . لقد قررت تلك المربية أن تتركهم اليوم . لا أدري لماذا لم تنتظر تلك المرأة حتى نهاية الأسبوع . لم يحدث ذلك إلا هذا اليوم . أرجوك يا كاسندرا قومي بهذه الخدمة لهذا اليوم فقط . وغداً يمكن لجيرد أن يبقى في البيت معهما الى ان أجد حاضنة أخرى . ولكنه اليوم مضطر لحضور هذا الاجتماع ، فهو بالغ الأهمية !
وبدا الكدر البالغ على هيلين .
فقالت كاسندرا وهي تحاول أن تتذكر ما خططت له هذا النهار :
"دعيني أفكر قليلاً ، كنت أقوم بتحليل بعض المعلومات من هونغ كونغ ".
-استعملي جهاز كمبيوتر جيرد في بيته . إنه موصول بالجهاز الموجود هنا ، وهو يستعمله طوال الوقت . إذا استطعت العمل من هناك ، فهذا أفضل . ما رأيك ؟
نظرت هيلين إلى الساعة ، فكانت حوالي العاشرة إلا ربعاً.
-لا بأس ، سأحضر أوراقي وأذهب على الفور !
-دعيني أخبر جيرد أولاً.
أمسكت الهاتف وطلبت الرقم .
-جيرد ؟ لم أجد أحداً بعد . لكن كاسندرا قالت إنها ستأتي لترعاهما ... لا بأس، سأخبرها .
أعادت هيلين السماعة وهي تبتسم :
-شكراً يا كاسندرا . قال جيرد إنك أنقذت حياته وحياة الشركة وسيكون مديناً لك للآبد . سيحضر الطفلتين إلى هنا ، ويمكنك أن تقابليهما عند أسفل المبنى ، إذ لاوقت لديه لكي ينتظر حضورك .
-جيدا ! هذا يمنحني الوقت لأجمع أوراقي .
عادت كاسندرا الى مكتبها و المشاعر تتنازعها . كانت مسرورة بالمساعدة ... لكنها كانت تريد ان تكون من ضمن فريق العمل . فهي لا ترى في دورها كحاضنة أطفال مستقبلاً واعداً . ومع ذلك ، كان حسناً أن يشعر صاحب الشركة بأنه مدين لها .
انتظرت في الردهة ، وكانت قد جمعت في حقيبتها ، كل المواد التي تحتاجها لتحليل سوق هونغ كونغ –لا بأس بالقيام بهذه الخدمة ، مادام بامكانها استعمال كمبيوتر جيرد في بيته – ولكنها لن تستطيع ان تعمل ، الا بعد ان تأخذ الطفلتين القيلولة . وهكذا ستحظى بساعتين على الأقل ، وربما بإمكانها أن تلهيهما برؤية برنامج على التلفزيون .
دخل جيرد مسرعاً من الباب الزجاجي ، ممسكاً بطفلة في كل يد ، وكان على الضغيرتين أن تركضا لتلحقاه في خطواته الواسعة . بدا مسرعاً مندفعاً، ورائعاً للغاية ، فشعرت بخفقات قلبها تتزايد.
-كاسي ، أنت رائعة !
ومال عليها يعانقها بخفة ، ثم انحنى ينظر الى طفلتيه :" كونا مطيعتين ، ولا تسببا لكاسي المتاعب ، مفهوم ؟"
فأومأتا ، وقالت آشلي :" نعم ... بابا ".
وقالت بريتاني :" حسناً ، بابا "
ثم منحتا كاسندرا ابتسامة مشرقة .
فاستقام جيرد وتركهما لكاسندرا ، قائلاً :" لا أدري كم سأتأخر . لقد سبق أن دعوت الزبون الى العشاء . ولكن سأحاول التخلص من ذاك الموعد !"
-لا تقلق بهذا الشأن يا جيرد . افعل مابوسعك للحصول على العقد ، فأنا سأستعمل جهاز الكمبيوتر خاصتك ، وأعمل في الليل إذا انت تأخرت . سأقوم بعمل أكبر بعد ان تناما ، ارجو لك حظاً سعيداً.
حدقت عيناه في عينيها لحظة طويلة ، ثم قال :" شكراً يا كاسي ، انا مدين لك ."
طبع قبلة سريعة على جبينها ، وسار نحو المصعد . راقبته بكآبة ، متمنية لو أنها تعود معه إلى المكتب ، وتساهم في الاحتفال .
وسألتها أشلي باسمة :" هل ستلعبين معنا يا كاسي ؟"
-نعم ، سألعب معكما ، ولكن علينا اولاً أن نذهب الى بيتي لأغير ملابسي ، ثم نذهب الى الحديقة العامة . من ثم سوف نتناول الغداء ، ونأخذ قيلولة طويلة .
بعد ان نامت الطفلتان ، اخذت كاسندرا حقيبة اوراقها وتوجهت الى غرفة نوم جيرد . رأت السرير المزدوج غير المرتب ، وبحثت عن الكمبيوتر في أنحاء الغرفة فوجدته على منضدة صغيرة بجانب الجدار المقابل . كانت رائحة جيرد تفوح في الغرفة ، فاستيقظت أحاسيسها على الفور . لكنها ذكرت نفسها بأنه لديها ساعات قليلة فقط للعمل ، قبل أن تستيقظ الفتاتان ، ولا وقت لديها لأحلام اليقظة !
عندما سمعت كاسندرا المفتاح يدور في القفل ، كانت الساعة قد تخطت العشرة . دخل جيرد غرفة الجلوس ثم ابتسم ببطء . فقالت له وهي تقف :
-كيف سارت الأمور ؟
كانت قد أنهت عملها منذ ثوان ، وسرها أن يجدها في غرفة الجلوس بدلاً من غرفته . كانت نظاراتها على المنضدة وقد أسدلت شعرها .
-لقد وقعنا العقد عند الساعة الرابعة عصراً ، ثم ذهبنا للعشاء في مطعم ، وقد أوصلتهم الى فندقهم لتوي .
-تهانيّ ، كنت أعلم أنه بإمكانك أن تنجح . سمعت عن الخطة من "بوب فاريل "، وبدت لي منطقية للغاية ، يمكن أن تتحقق على أحسن وجه.
وابتسمت بسعادة وكأنه كان مشروعها ، فيما خلع سترته وألقى بها على مسند الأريكة ، قائلاً :" أرجو ذلك ! كيف حال الطفلتين ؟"
-لقد تصرفتا بشكل جيد .
فرك جيرد عينيه بأصابعه ، ثم نظر إليها وهو يهز رأسه ببطء :" لم تكونا كذلك مع "أنينا غود" ، المربية التي أحضرتها هيلين "ز
-ماذا حدث ؟
وتمنت لو تمكنت من أن تربت على كتفه ، لتخفف عنه .
-كانت مرافقة لفتاة مراهقة ، وعندما انتقلت اسرة تلك الفتاة الى بلجيكا ، لم تشأ أنيتا الذهاب معهم فقدمت استقالتها . لكنني استنتجت من كلامها أن الفتاة كانت مثالاً للكمال ، خلافاً للطفلتين اللتين كانت عنيدتين للغاية وتتدخلان في كل شيء .
-ولكن لِمَ رحلت في منتصف الأسبوع ؟ ألم تدرك التأثير السلبي لذلك عليك ؟
-لا أظنها تهتم ! حين كانت ترتدي ملابسها هذا الصباح ، عبثت الفتاتان بأدوات تجميلها في الحمام ، فلطختا نفسيهما بشكل بالغ ، وأفرغتا كل زجاجاتها عليهما ن وقد مزجتا البودرة بمعجون الأسنان ليحدث تأثيراً أفضل .
انفجرت كاسندرا ضاحكة .
-اراهن على أنهما وجدتا نفسيهما رائعتي الجمال ، بعد ذلك . فهمت الآن ما الذي كانتا تعنيانه حين قالتا لي إنهما كانتا جميلتين هذا الصباح ، بالطبع أن هذا لم يعجب انيتا ، أليس كذلك ؟
-أنا في الواقع مسرورة لذهابها ، فقد كانت أكبر سناً من أن تلائمهما ، كما أظن . كانت تريدهما أن تبقيا هادئتين طوال الوقت ، ولكنني لم أرهما كذلك قط .
-إلا عندما تقرأ لهما الحكاية !
قالت كاسندرا هذا فيما بقيت الابتاسمة تضيء وجهها .
راح جيرد يحدق بها . وقد تحول انتباهه من ابنتيه إلى المرأة الجالسة أمامه . كان يراها فاتنة على الدوام ،وقد حاول أن يبقي علاقته بها مجرد علاقة عمل . حتى أنه حاول يوم الثلاثاء أن يعاملها كغيرها من الموظفين ، لكن
رؤيته لشعرها القاتم اللامع منسدلاً حول كتفيها جعل أصابعه تشتاق إلى لمسه . كانت عيناها تتألقان وهي تنظر إليه بعد أن أزالت نظاراتها عنهما ، وكان شعورها بالسعادة لنجاح المشروع يماثل شعوره .
تمنى لو كانت في الاجتماع ، وحضرت العشاء الاحتفالي . ما أجمل أن يشعر المرء بأن هنالك من يسر لنجاحه ويسعد لأجله .
-أشكرك لأنك انقذتني ، وجدت هيلين بعد الظهر امرأة شابة ، يمكنها أن ترعي الطفلتين خلال النهار ، وستتابع البحث عن مربية داخلية ، ويبدو أن هذا أمر صعب للغاية .
-إذاً ، فقد حان الوقت لكي تحصل على تلك الزوجة التي لا تنفك عن ذكرها .
أومأ جيرد برأسه وهو ينظر إليها تجمع أغراضها . لم يكن بناء عائلة الدافع خلف زواجه الأول ، فهو لم يمض مع زوجته الراحلة إلا الوقت القليل ، وعندما كانا يجلسان معاً ، كانت أكثر أحاديثهما عن العمل . وشعر فجأة وكأنه يعرف كاسندرا منذ وقت طويل ، أكثر مما كان يعرف عن مارلين طوال السنوات التي أمضياها معاً.
ماكانت كاسندرا لتخفي عنه قط حقيقة ابوته . لكنها شغوف بالعمل ، مثل مارلين .
بحث عن رقم هاتف خدمات التاكسي وهو يقول :
-عليذ أن اعتاد على طلب هذا الرقم ، من دون النظر في الدليل .
رآها تتردد ، لم ترفع رأسها لتنظر إليه باحتراس وتقول :" أنا لا أفكر في جعل هذا عادة ".
-ارجو ذلك من كل قلبي ، فأنت موهوبة في عملك إلى درجة أنه من الخسارة أن تمضي أوقاتك في رعاية الأطفال .
عبس وهو يراها تفرح لسماعها كلماته العفوية هذه . إنها رائعة مع طفلتيه ، وهذا ليس بفضل الخبرة التي اكتسبتها أثناء نموها ، وانما يفضل دفء قلبها الطبيعي واهتمامها المخلص . إنها موهوبة في العمل ، كما هي موهوبة في التعامل مع الأطفال .
عندما صعدت كاسندرا في التاكسي ، كان جيرد ينظر إليها من النافذة ، وكانت هذه المرة الثالثة . أليس هناك قول شائع بأن هذا الرقم يجلب الحظ السعيد ؟ كان جيرد يتمنى أن يوصلها الى بيتها ، ويرى شقتها ، ويعرف المزيد عنها .
وفيما كان ينتظر اتصالها لتطمئنه على وصولها ، تفقد الطفلتين ، ثم توجه الى غرفة نومه ، ولاحظ السرير غير المنظم ، ففكر أنه كان عليه أن يرتبه على الأقل ، هذا الصباح . ماذا قالت كاسي ياترى حين رأته ؟ ونظر إلى الكمبيوتر ، فوجد ان المنضدة كانت مرتبة ، فقد نظمت كاسي أوراقه لتمنح نفسها مساحة تضع عليها أوراقها . فك ربطة عنقه ثم سار إلى الكرسي ولمسها بخفة محاولاً ان يتصورها جالسة عليها تعمل . يمكنه أن يتخيل ملامحها الجادة أثناء استغراقها في العمل ، فقد لاحظ ذلك مرة أو اثنتين أثناء السنتين اللتين عملت فيهما عنده .
أتراه يشمّ أثراً خفيفاً من عطر الورد ؟ واغمض عينيه واخذ يتذكر رحلتهما إلى نيويورك . بدت له وكأنها حدثت منذ دهر طويل وليس مجرد أيام .
وعندما جاءته المكالمة ، كان قد صعد الى سريره وانتبه للمرة الاولى كم هو واسع ويوحي بالوحدة .
-وصلت الى بيتي سالمة .
-حسناً ، هذا جيد ! نسيت أن أسألك عما اذا كنت تمكنت من انجاز اي عمل هذا النهار .
-نعم استطعت العمل لمدة ساعتين اثناء قيلولة الطفلتين ، ثم انجزت الباقي بعد ان خلدتا للنوم . في الواقع يمكنني القيام بمزيد من العمل ، عندما لا يكون بقربي أحد يقاطعني ، لا شيء يماثل الحصول على ذلك العقد على كل حال . لابد أنك تشعر بالراحة الآن !
-علي أن اعترف بأنني مسرور ، فقد عملنا طويلاً وبجهد بالغ ، وأنا واثق من أن مشاريعنا ستجلب مالاً كثيراً .
-الأفضل أن أنهي المكالمة لأنك يجب أن تذهب إلى الفراش.
-أنا في فراشي الآن !!!
ساد صمت طويل ، وتمنى جيرد لو يرى ما ارتسم على ملامحها .
وأخيراً قالت :" هل هذا صحيح ؟"
-الساعة السادسة صباحاً هي ساعة مبكرة ، ويبدو أنها الوقت الذي تحب أشلي فيه ان تركض لتقفز على سريري .
-وبريتاني خلفها مباشرة ، كما أتصور .
ضحك بصوت خافت :" لقد أدهشني ذلك كثيراً في أول صباح ، وكان مزعجاً . فقد اعتدت ان انام عارياً ، وذلك الصباح لم أعرف ما إذا كنت مأتمكن من الخروج من سريري ."
سمع ضحكتها الرقيقة ، عبر الهاتف ، فشدد قبضته على السماعة ، وتمنى لو بقيت الليلة بجانبه لدة أطول ، وخيل إليه أن كلامه قد صدمها .
وسألته :" ثم ماذا فعلت ؟"-تحايلت عليهما لكي تركضا إلى غرفتهما لإحضار كتاب ، ثم قفزت من السرير ولبست بنطلوناً بسرعة ، وماكدت ادخل الحمام حتى عادتا بسرعة البرق ، كما تعرفين !
-أعرف ، وأنت الآن صرت تلبس البيجاما .
-البنطلون فقط ، فأنا اشعر بحرارة بالغة في الفراش اذا لبست السترة .
وقد افتتتنتا بشعر صدري.
ساد بينهما صمت ، وابتسم هو مرة أخرى و قال :" كاسي ، بماذا تفكرين ؟"
فقالت باندفاع :" أفكر في أن هذه محادثة غير ملائمة على الإطلاق مع رئيسي . بإمكاني أن أتصور افتتان الطفلتين ، وربما أنا أيضاً كذلك ! آه ، رباه .. يجب أن أذهب ."
وقطعت الاتصال .
ظل جيرد ممسكاً بالسماعة لحظة بعدها . إنها ردة فعل ممتعة ، يبدو أنها ليست بالمناعة التي كان يظنها . ووضع السماعة برفق ، ثم وضع يديه تحت رأسه وأخذ يحدق في الظلام . كاسي باولز امرأة ممتعة حقاً.
***
آه ، لم تقل ذلك ، رباه ! فليخبرها أحدهم بأنها لم تعترف بأنها تشارك التوأمين افتتانهما بجيرد . وتوهج وجهها ، لن تتمكن قط من مواجهته مرة آخرى ، سترسل إليه استقالتها غداً بالفاكس ، ولن تذهب نعه خلال العطلة الأسبوعية ، وستمتنع عن الإجابة على مكالمتها الهاتفية إلى الأبد !
ياليت الأرض تنشق وتبتلعها ، ما الذي جعلها تتفوه بهذه الحماقة ؟ لابد انه يضحك الآن لسذاجة ما قالته . خاطبت نفسها :" أنت معتوهة من الدرجة الاولى . الرجل رائع ، ولكن لا ينبغي ان تتصرفي كالمراهقات" هذا الى انه يبحث عن زوجة ترعى ابنتيه ، وبما ان تاريخه يشمل زواج مصلحة ، ماذا تتوقعين غير ذلك ؟"
هذا لا يعني انها تهتم بالزواج ، فلديها مهنة عليها ان تمارسها ، وهي تريد لحياتها الاستقرار كما تريد ان تثبت لنفسها و للعالم ان بامكانها ان تهتم بنفسها ، وسيمضي وقت طويل قبل أن تفكر في الزواج !
ربما بإمكانها ان تبقى في عملها في شركة هنتر ، لكن مالم تكن واثقة منه هو ما اذا كان بامكانها ان تعيش من دون جيرد .
لابد ان الله استجاب لدعائها ، فقد سمعت اثنين من الموظفين بذكر ان جيرد سيغيب مرة اخرى . كانا متعاطفين معه لصعوبة العثور على حاضنة لابنتيه . ورغم اسفها لانه لم يجد تلك الحاضنة الا انها شعرت بالسرور لهذه المهلة ، فهي على الاقل ، لن تصل الى مواجهته ، واذا ساعدها الحظ ، ستلتقط عدوى الانفلونزا قبل صباح الغد ، وسيكون هذا عذراً جيداً لعدم ذهابها في رحلة آخر الاسبوع معه .
لكن يوم السبت كان صباحاً مشمساً ، وبالرغم عنها شعرت بنشاط رائع ، وكان عليها ان تعترف بما تملكها من اثارة لكونها ستمضي نهاية الاسبوع مع جيرد ولو بصفة حاضنة اطفال . كانت تعلم انها ستمضي معظم الوقت معه ، كما انهما سيذهبان الى العشاء وحدهما .
وضعت ثوبا من الدانتيل في حقيبتها ، وكان يبدو اكثر انوثة بكثير من بذلات عملها - واملت ان يكون صالحاً للذهاب الى مطعم .
نظرت من النافذة فرأت جيرد وابنتيه ، متوجهتين نحو بيتها .
بدا جذاباً الى حد لا يصدق ، فشعرت أن بامكانها ان تنظر اليه طوال اليوم دون ان تشبع . وابتلعت ريقها بصعوبة ، وتساءلت عما اذا كانت مجنونة ، لكونها قبلت بقضاء نهاية الاسبوع معهم .
وعندما رن الجرس ، فتحت الباب وقالت :" مرحباً !"
قالت هذا ، خائفة من مواجهة عينيه بعد اعترافها ذاك عبر الهاتف ، تلك الليلة ، وبدلاً من ذلك ابتسمت للطفلتين .
-مرحباً يا كاسي !
وألقت آشلي بنفسها على كاسندرا ، وانحنت هذه تحتضن الطفلتين ، أشلي أولاً ثم بريتاني . بعد ذلك ، ركضت الطفلتان الى غرفة الجلوس وابتدأتا بالاستكشاف .
فصاح بهما جيرد :" لا تلمسا شيئاً !"
ضحكت كاسندرا وقابلت عينيه قائلة :" لاشيء أخشى عليه منهما !"
-ربما لا ، ولكن التربية ضرورية ، أليس كذلك ؟
ثم امسك بيدها ووضعها على صدره .
واحمرّ وجه كاسندرا وهو ينحني ليضمها بين ذراعيه .
***
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،