الفصل السابع

5 0 00

الفصل السابع

وصلت ميلودي إلى منزل سيث في الوقت الذي كان فيه جايمس ينزل مشترياته من البقالة. أطل من السيارة وقال: "دعيني أساعدك في هذا."وأخذ من يدها شجيرات زهور الأضاليا الكبيرة الحجم وتابع يقول: "وسأنقل بقية الأشياء قي ما بعد."

دفع جايمس بوابة أحدثت صريراً عالياً،ثم تابع السير في ممر يشطر قطعة أرض معشوشبة.

دفع بكتفيه الباب الأمامي الذي يقود إلى غرفة الجلوس مباشرة وهو ينادي "سيث."

كان سيث جالساً على كرسيه ذي العجلات قرب المدفأة .وقال وهو ينظر إلى الشجيرات عابساً: "لماذا أحضرت هذه الشجيرات الجافة؟"

قال جايمس وهو يتقدم ميلودي: "أن ميلودي هي التي أحضرتها وليس أنا."

امتلأت عينا الرجل العجوز بسرور خفي وهو يعلن قائلاً: "إنها أجمل أزهار رأيتها في حياتي، سأضعها هناك بحيث أتمكن من رؤيتها على الدوام."

نظر إليها جايمس وقد بدت في وجهه خيبة أمل وهو يقول: "هل رأيت ؟مهما فعلت لأجله يبقى غير راضي عني."

قال له سيث آمراً: "هيا أدخل وأغلق الباب قبل أن يقودني البرد إلى الموت. وأجلسي أنت هنا يا ميلودي بجانب النار وادفئي نفسك."

قالت دون أن تنظر حولها: "ما زال هناك أشياء في السيارة عليّ أن أحضرها." كان البيت من الداخل مكتمل النظافة والترتيب .ولكنه يبدو كئيباً كالسجن ،وكان الأثاث قليلاً بدائياً مؤلفاً من أريكة قديمة قدمها سيث إلى ميلودي،ومنضدة خشبية عليها غطاء مشجر،وكرسيين ومصبح أرضي .وفي فجوة في الجدار حوض للغسيل وثلاجة أثرية . وفي زاوية من الغرفة تلفزيون وفي زاوية أخرى كان هناك سلم يقود إلى الطابق العلوي الذي لابد أنه ليس أفضل من بقية هذا الكوخ.وكان ثمة باب يواجه المدخل،يبدو منه طرف سرير فردي .

لم يكن يزين الجدران أية صورة أو رسم .وكانت الزينة الوحيدة هي إكليل من الشرائط الرخيصة المتسخة قائمة فوق رف المدفأة وكان كل ذلك يترك في النفس معنى للوحشية والفقر مما لم تستطع ميلودي معه أن تحتمل النظر إليه .ولم تشأ أن تفكر كيف يمضي سيث عيد الميلاد ،وهو العيد الذي يمضيه المرء عادة مع أسرته .

قال جايمس: "أعطني مفتاح سيارتك لأحضر بقية الحاجيات."

هزت رأسها قائلة : "يمكنني إحضارها بنفسي."

قال جايمس: "لا حاجة بك لذلك لأنني أنا أيضاً عليّ أن أحضر بقية الحاجيات التي أحضرتها .ولعل سيث يريد أن تبقي بجانبه طوال وقت زيارتك له. إلا إذا كنت لا تريدينني أن أفتح سيارتك."

كان هذا ما تريده حقاً.فقد تصورت نظرة الازدراء في عينيه إما من ناحية معاملتها لأبيه أو من ناحية ما أحضرته من أطعمة مثل لحوم الطير مع المايونيز والحلويات وغيرها.

"لماذا يبدو الذعر على وجهك؟ هل تراك تخفين جثة في المقعد الخلفي في سيارتك ؟أو شيئاً سرياً؟ "

أطلقت ضحكة باهتة وهي تقول: "لا تكن سخيفاً."

وناولته المفتاح.لقد فات الأوان الآن على الادعاء بأن كل ما أحضرته هو نبات أضاليا فقط. وبعد دقائق قليلة ،دخل جايمس حاملاً ملء ذراعيه الأكياس والسلال المعلقة بمرفقيه.

قال سيث مستطلعاً: "ما الذي أحضرته؟ " أفرغ جايمس محتويات الأكياس على المنضدة وهو يقول باختصار: "تموين.علب حساء ولحم مطبوخ ،ومعكرونه واجبان وبسكويت وخبز وحليب قهوة . ثم هذا." وأشار إلى السلال الملونة وأخذ يقرأ البطاقات المرفقة بها (أشهى المختارات من "غورميت اليت""بورت ارمسترونغ".) وقال لها: "إنك في حاجة إلى شهادة في اللغات لتستطيعي لفظ أسماء كل هذه الأشياء التي أحضرتها."

قالت: "افتح هذه السلال لأرى ما تحويه."

قال هازئاً: "هذا ما توقعته .مواد من أرقى محلات البقالة وهذا هو مستواك بالضبط،مخللات،بيض،فاكهة ،حيوانات بحرية..."

أقترب سيث بكرسيه قائلاً: "أي نوع من الحيوانات البحرية؟"

قال جايمس ضاحكاً : "حلزون."

فقالت: "ليس ثمة حيوانات بحرية بينها."

ابتعد سيث بسرعة وهو يقول: "هذا أفضل ،قد لا أكون مليونيراً،ولكنني لست من الفقر بحيث آكل الحلزون.ما الذي تفكرين فيه يا فتاتي ميلودي؟ "

قال جايمس متهكماً: "إنها لا تفكر .إنها فقط تتصرف تبعاً للعادة والغريزة."

اقتربت ميلودي من الطاولة وانتزعت من يده السلة بعنف وهي تقول لسيث: "لا تستمع إلى ابنك يا سيث ،لقد اخترت هذه الأشياء بكل عناية لأنني فكرت في انك تستحق أشياء حسنة لكي تحتفل برجوعك إلى البيت. إنني سأذكر لك كل ما هو موجود هنا،وإذا كان ثمة ما تريده أن تجربه ،فاخبرني فآخذه معي."

تمتم سيث مرتاباً: "لا أدري . إنني لا أريد أن أكون جاحداً ،ولكن..."

قالت: "إنك لن تجرح مشاعري." والتقطت واحدة من المعلبات قائلة : "هذا معجون اللحم.تستطيع أن تمسحه على الخبز .وهذا مربي فواكه،إنه لذيذ جداً و..."

قال جايمس هازئاً: "كرواسان مستورد،يبدو أن المخزن لا يحوي أي شيء طازج."

حدقت فيه بينما استطرد هو: " أنهم عديمو التفكير.ولكن الخبز المحمص يسدً هذا النقص."

قال سيث : "لا بأس بهذه الأشياء كما أرى."ورمق سلة كبيرة وهو يقول : "أرني ما في هذه."

قالت: " إنه لحم طير التدرج وهو يشبه لحم الدجاج وسرطان بحري مطبوخ .والاثنان جاهزان للأكل .فليس عليك ،أن تزعج نفسك بتحضيره .ثم هناك...فطائر المشمش .والسلمون المدخن لا شيء غير عادي في الواقع."

قال جايمس ساخراً وهو يضم شفتيه متبرماً: "أليس بينها ألسن العنادل(جمع عندليب)؟

نهره سيث وهو يقلب في محتويات السلة كالطفل بين ألعاب عيد الميلاد : "أسكت يا فتى قبل أن تفسد شهيتي ."

همهم جايمس وهو يدخل إلى المطبخ حيث الثلاجة حاملاً الأشياء التي أحضرها هو محدثاً قرقعة عالية .

وجلست ميلودي تتحدث إلى سيث فترة وقد بان عليها الضيق،ثم ما لبثت أن نهضت واقفة تستأذن بالخروج وهي تقول : "إنني لا أريد أن أتعبك في اليوم الأول لمجيئك إلى البيت .ولكنني سأمكث في المرة القادمة ،فترة أطول . في الحقيقة أنني لا أريد أن أتكلم معك عن الخطة في تحويل المعمل القديم لتعليب السمك إلى مجمع مركزي. إنني أعلم انك لم تكن راضياً عن اشتراكي شخصياً في هذا الموضوع. ولكنني ما زلت لا أفهم لماذا تعارض هذا المشروع؟ "

أطل جايمس برأسه قائلاً: "لأنني أنا أخبرته بما تريدين عمله كما فهمته أنا."

قالت بجفاء: "لا عجب إذن في تشككه هذا." وأدارت له ظهرها وهي تخاطب سيث قائلة : "قد تلاحظ يا سيث ، أن أكثر ما يبعث السرور في نفس ابنك هو الانتقاد."

قال جايمس :" ثمة خطأ في أي مشروع لا يثير شيئاً من الانتقاد."

قالت ميلودي لسيث :"وثمة خطأ في أي شخص لا يمكنه التجاوب بسهولة ." وكتم سيث ابتسامة ماكرة وهو يشهد المعركة بينهما ،بينما تابعت هي تقول: "هذا نوع من الأشخاص الذين يتدخلون سلباً ولا نريدهم."

وضع جايمس المقلاة على الموقد بعنف أحدث ضجة لا موجب لها وهو يقول : "ربما ليس ثمة حاجة لهذا المشروع بأجمعه . وربما أولئك الذين تستميتين في سبيل تغيير حياتهم، ربما يريدون أن يبقوا كما هم."

قال لها سيث وهو يرمقها من تحت حاجبيه الأشعثين : " أمن الممكن أن يكون جايمس على صواب هذه المرة؟ "

نظرت ميلودي حولها في ذلك المنزل الذي يفتقر إلى الضروريات وأرادت أن تسأله ، كيف تقول ذلك بينما ما نقوم به يحسّن من مستوى حياتك؟ ولكن كلمات جايمس عادت تتردد في ذاكرتها إنهم لا يريدون الإحسان منك،إنهم يرفضونها .وفوق ذلك فهذا لا يحل مشكلاتهم من جذورها.

عادت تنظر إلى سيث وإلى فكه العنيد .إنه نفس الرجل ذي الكبرياء الذي هزم الموت وثار إذ أرادوا إرغامه على تقبل من الآخرين ،مع حاجته الشديدة إلى ذلك .

وعرفت أن جايمس كان معه حق في هذه الناحية .كان ثمة شيء لم تحسب هي حسابه عندما وضعت فكرتها عن مركز التجمع.فقد استشارت كل إنسان ما عدا أولئك المعنيين بالأمر الذين وضع المشروع لأجلهم ،وشعورهم نحو هذا الأمر لم يدخل في الصورة ، ومن خلال اتصالها بسيث وابنه ،عرفت أن هذا لم يكن سهواً بسيطاً وإنما غلطة لا تغتفر .

مضى سيث يتابع استنتاجها المتأخر : " إننا لا نريد أن يتدخل الغرباء في حياتنا الخاصة."

قالت: "هل هذا كل ما أعنيه لك؟ واحدة من الغرباء؟ "

قال: " كلا يا فتاة .إنني لا أعنيك أكثر مما أعني زملاءك الخياليين.أنهم لا يهتمون بكيفية الحياة التي يعيشها أمثالي يا ميلودي إن الذي يهمهم أن نموت على عتباتهم لأن ذلك يعيق أشغالهم."

كان كلامه قريباً من الحقيقة، وقالت تناقشه: "انك تعلم بالتأكيد الآن أنني أهتم بك وبطريقة حياتك إلى درجة تجعلني لا أتخلى عن هذه الفكرة ."وأخذت تقفل معطفها وهي تتابع: " هل نتابع حديثنا في المرة القادمة لنحاول أن نتفق على خطة متبادلة ؟ "

تمتم سيث قائلاً: " لا تؤثري عليّ إلى درجة تجعلني أحيد عن معتقدي .ولكن لا بأس من المحاولة."

برز جايمس من المطبخ وهو يحمل ملعقة خشبية في يده بينما يربط وسطه بمنشفة الصحون.وقال: " هل تتركينا بهذه السرعة؟ يا للعار فقد كنت على وشك أن أدعوك إلى مشاركتنا عشاءنا البسيط قديم الطراز من همبرغر شمال أمريكا."

ابتسمت ميلودي برقة قائلة: "ربما في المرة القادمة آخر."

تنهد بارتياح وهو يقول: "إذن دعيني أرافقك إلى الخارج."

"لا تزعج نفسك فإنني لا أريد أن أجرك من جانب الموقد."

أصر قائلاً: ليس ثمة إزعاج." وأخذ بذراعها خارجاً بها من الباب إلى منتصف الممر الخارجي .

كانت قد صممت على أن تخرج بكل تعقل ولطف، ولكن اشتداد أصابعه على مرفقها غير رأيها فقالت بحدة وهي تحاول أن تخلص نفسها من قبضته بكل قوتها : " أريدك أن تعلم أنه لو كان عند أبيك الفقير فرن لدسستك في داخله مبتدئة برأسك."

تصاعد صرير البوابة القديمة وهو يرفسها بقدمه قائلاً : "وأريدك أن تعلمي أنك إذا عدت إلى هنا مرة أخرى بشكل السيدات الإقطاعيات اللواتي يوزعن الحسنات على المحتاجين ، فسأدسك في الفرن مع أطعمتك الشهية تلك..."

واجهته متحدية وهي تقول: "نعم؟ "

قال متقززاً: "لقد كرهت حتى نفسي .اذهبي الآن إلى بيتك يا ميلودي وإذا عدت إلى هنا ثانية فاصنعي ما شئت علي أن لا يكون ذلك حين أكون هنا . أنني لا أحب الطريقة التي أتصرف بها حين أكون معك."

قالت بضعف: " أتمنى لو استطعت تصديق ذلك. ولكنني لا أستطيع . والحقيقة هي أنك تجد متعة في العثور على أخطاء في كل شيء أفعله. "

قال: "هذا ليس صحيحاً ."

قالت: "بل هو صحيح، انك تغفل كل صفاتي التي لا تناسب قناعتك على أنني فتاة غنية فارغة الرأس تعيش على التفاهات السطحية، وبدلاً من ذلك تركز على الأشياء التي قد تدل على نقص معين في قدرتي على الحكم في قضايا معينة ولكنها لا تنتقص في أي حال من احترامي لك ولأبيك."

قال بحدة : " مثل ماذا ؟ أعطني مثلاً ."

قالت: "إنك أهنتني لأجل الأشياء التي أحضرتها لسيث فقط لأنها مستوردة من الخارج وأنت غير معتاد عليها ،متجاهلاً ذلك العشاء الذي دعوت نفسك إليه في منزلي ، وكان بسيطاً كطعام أي إنسان عادي .وفي الحقيقة نحن قد تشاركنا في وجبات عديدة من الطعام ،وليس منها واحدة مميزة ،ولم تسمعني أشكو من ذلك مرة واحدة ."

قال: "تباً لك يا ميلودي ، أنني أتحدث عن أشياء أكثر أهمية من الطعام .أنني أتحدث عن الأشياء الأساسية .عن الكلام بلغة مختلفة والمجيء من بيئات مختلفة."

قالت: "أنك تتحدث عن عدم النزاهة وخاصة عدم نزاهتك إذ أنك تفضل الكذب على نفسك على أن تواجه حقيقتي."

تراجع خطوة إلى الخلف قائلاً: " وماذا يعني ذلك أذن ؟ "

أجابت: "يعني أنه أسهل عليك أن تصر على اعتباري فتاة غنية تافهة مملة مثيرة للازدراء ،من أن تعترف بخطئك وبأنني لست تلك الصورة التقليدية التي سبق وكوّن عنها ذهنك المحدد فكرة غير عادلة ."

قال: " إنك نسيت شيئاً وهو ما حدث في منزلك وهذا ليس كل ما نسيته."

جاء دورها لتسأله : "لا أدري ماذا تعني بهذا ؟ "

أجاب : "أعني أن من الصعب عليّ التورط عاطفياً مع فتاة هي بهذه الصفات التي ذكرتها الآن."

" تلك هي المشكلة بمجملها .ألا ترى ذلك؟ ألا يمكنك أن ترى نفسك واقفاً على الحياد ثم تحكم على الآخرين بدلاً من أن تراجع نفسك وتتفحص نظرياتك؟ "

أقترب منها خطوة ثم أخرى وهمس بصوت أجش: "أنني تفحصت نظرياتي فعلاً، تلك الليلة التي امتلكتك فيها، وإذا كان عليّ أن أتساءل عن النتائج التي لم تضيعي الوقت في تعريفي بها." وألقى عليها نظرة حادة وهو يتابع :"أنني لست الشخص الوحيد الذي لم يتورط . أتذكرين ما قلته لي يا ميلودي ؟ قلت لا تستنتج شيئاً من لاشيء يا جايمس إن هذا الليلة لم تكن بذات أهمية . أو ربما كلمات بهذا المعنى."

قالت بضيق: "أذكر ذلك."

أقترب منها تماماً ثم أخذ وجهها بين يديه قائلاً: "وطبعاً، كنت تعنين كل كلمة من ذلك ؟ "

أومأت برأسها بصمت وأغمضت عينيها وقد شعرت بالرعب حين غضبها تحول إلى ندم ، لقد فات أوان الاعتراف بشيء غير ذلك. فقد أوضح تماماً أنه مع رغبته فيها، لا يفكر في الزواج، وهي تعرف أنها ليست من ذلك النوع الذي يقبل بالفتات التي يلهيها بها لتعيش عليها بقية حياتها ، فقد كانت من النوع الذي يؤمن بكل شيء ، أو لا شيء.

كان الليل حافلاً بضجيج العيد، إذ كانت العبارة تقلع من مرساها نحو الشاطئ الآخر، كما كان تلاطم الأمواج يضرب الجدار المحاذي للبحر... هذا إلى الأصوات المنبعثة من راديو السيارات العابرة ... ولكن خفقات قلبها كان يطغى على كل هذا.

كانت على وشك أن تتملص منه عندما قال لها : "انظري إليّ يا ميلودي .إن الأمور لن تتقدم بيننا إلا إذا شئت أنت ذلك."

أطاعته وقد أدهشتها كلماته . قال وهو يأخذها بين ذراعيه ويضمها بشده : " هذا أفضل."

تعلقت به بقوه لا تريد أن يفارقها دفؤه وحنانه.ولكنها لم تستطع أن تبقى في أحضانه إلى ما لا نهاية.

مع أنه لم يكن ثمة قمر في السماء، فقد استطاعت أن ترى وجهه في الضوء الذي انساب إليهما من نافذة الكوخ.

قال لها ساخراً يعيد كلماتها البعيدة في تلك الليلة: "ليس لهذه الليلة أهمية ...أليس كذلك؟ "

لم تجرؤ على الإجابة خوفاً من أن يفضح صوتها مشاعرها. وأغرورقت عيناها بالدموع وارتجفت شفتاها .

ابتعدت عنه نحو سيارتها خوفاً من أن تسبب دموعها الحمقاء الإحراج لهما معاً ولم يكن ابتعادها بالسرعة الكافية لتغطية دموعها. فامتدت يداه تمسكان بها وهو يقول بصوت متهدج

: " انك أكثر واقعية من أن تدعي هذا التجاذب السطحي بيننا ،يتحول إلى ما هو أكثر عمقاً."

انحدرت على وجنتيها دمعة كبيرة .

تمتم بسرعة: " ميلودي أنني لا أفهم كيف تخدعين نفسك بإيهامها أننا يمكن أن نكون زوجين متلائمين."

صرخت به: "إنك طبعاً لست كذلك. إذ أنك أعمى لا ترى الأمور الواضحة، فكيف يمكن أن ترى ما يعتمل في أعماق الشخص ؟ في عقله وقلبه؟ "

قال: "إنني لست أعمى . أنني رجل واقعي."

قالت: "واقعي ؟ " واستحال ارتعاش صوتها ضحكة ساخرة سرعان ما استحال غضباً وهي تقول: "دع عنك نظرياتك ،أو بالأحرى عنا نحن الاثنين والق نظرة فاحصة صادقة حولك يا جايمس . فكر جيداً في ما تراه حين تعود إلى الكوخ التعيس."

قال: "ربما ترينه مكاناً تعيساً ،ولكن سيث يسميه منزلاً ."

تابعت مستمدة القوة من غضبها: " وحين تكون في داخله، الق نظرة على ذلك الرجل الذي تناديه (يا أبي)، فكر في نوع الحياة التي يعيشها، ولكن لا، إنني نسيت فأنت لا تناديه (يا أبي)

أليس كذلك؟ فهذا الكلمة خاصة جداً وقريبة جداً من المشاعر.هذا غير مهم...إنه اسم فقط ومهما يكن الاسم الذي تناديه به فهو لن يجعل حياته أقل فراغاً مما هي . فكر كيف أمضى أبوك عيد الميلاد يا جايمس .اسأل نفسك لماذا كان يتسكع ثملاً تحت المطر متحفزاً للعراك في الليلة التي اجتاحته سيارة."

قال جايمس بحدة: "ليس الذنب ذنبي في ذلك."

قال : "حسناً ، أهرب إذن ، عد إلى جزر البحر الكاريبي طاهر الضمير من مسؤولياتك نحو والدك ، أو ربما إلى تمبكتو في أفريقيا ، فهي أبعد وأكثر أماناً من أن يزورك أبوك فجأة ، وكذلك يمكنك أن تتأكد من ذلك بالنسبة إليّ أنا أيضاً ، وبهذا ستكون بعيداً من أن نواجهك بأعبائنا الكريهة من حاجات أو مشاعر ."

قال: "إن أبي ليس في حاجة إلى مشاعري."

قالت: "إن أباك يتنازل عن ذراعه في سبيل أن يبقى بقربك. ولكن لا تدع ذلك يثبط من عزيمتك. فقد تدبر أمره طويلاً طيلة ذلك الزمن، من دون ابن يعتمد عليه. فما تهم ثلاثون سنة أخرى فارغة ؟ "

توترت عضلة في فكه وهو يسألها : "هل انتهيت ؟ "

نظرت إليه، وتساءلت عما إذا كان عليها أن تمضي ثلاثين سنة قبل أن تنسى حبه.

استحال الغضب يأساً وهي تقول: "أوه ، نعم .لقد انتهيت ،الوداع يا جايمس."

مضى في مراقبتها حتى اختفى الضوء الأحمر في مؤخرة سيارتها خلف الجدار البحري العتيق، وكان طيلة الوقت يحدث نفسه بأن أول ما شعر به، هو الارتياح. لقد ضايقته في البداية ولكنه تخلص منها أخيراً رغم ما استغرقه ليصل إلى هذا من وقت وجهد.

لم يشك في ذلك لحظة واحدة، فقد كان في كلمتها ( الوداع ) معنى النهاية، لتصعد بعد ذلك إلى سيارتها تقودها مبتعدة دون أن تلقي نظرة واحدة إلى الخلف.

لو لم يكن في غاية الضيق ، لابتسم وهو يفكر في ما ظهر له الآن . كانت المنطقة عبارة عن شارع خلفي حقير في المدينة ، وسيارة رياضية باهظة الثمن تقف أمام كوخ حقير ، لا يساوي ثمنه عشر ثمن السيارة تلك .ثم هي ميلودي ، ملتفة في معطفها ذي اللونين الأخضر والذهبي . وقدماها في حذاء مبطن بالفرو مستورد من ايطاليا ، وقد تعطرت بأثمن عطور باريس .

كان المشهد بأكمله يدعو إلى السخرية .ولكن لم لا؟ إن علاقته بميلودي كانت كلها غير منطقية . وكان مما لا يقبله عقل أن يقف هنا ، في هذا الجو القارص ، متسائلاً عما إذا كان في كلامها أية ذرة من الحقيقة .

ما لبث أن سار عائداً إلى الكوخ وقد أدركه الضجر من العالم أجمع. وأجفل لصرير البوابة أولاً ، ثم الباب الخارجي بعد ذلك .

قال له أبوه وهو ينظر إليه بحدة من تحت أهدابه: " إنني أشعر بالأسف لأجلك، لأن منظرك أسوأ عشر مرات مما تشعر به."

قال جايمس بحدة: "إنني جائع فلنأكل."

كان للهمبرغر في فمه طعم نشارة الخشب ، كما كان الشراب مثل الماء مع إن سيث كان يأكل بشراهة . وتنحنح جايمس قائلاً: " ما...ماذا كان عشاؤك ليلة عيد الميلاد يا سيث ؟ "

أجاب سيث وهو يأتي على آخر لقمة من طعامه: " لا أتذكر ، في الحقيقة لم يكن شيئاً خاصاً."

أستقر الهمبرغر كقطعة الرصاص في معدة جايمس وهو يسأل أباه : " أتحب أن آخذك لتناول وجبة فاخرة أثناء وجودي هنا معك ؟ "

أجاب سيث محتجاً : " ما هذا يا فتى ؟ لست في حاجة إلى ذلك . يكفيني تماماً أن يكون معي هنا من يطبخ لي طعامي. سأقول شيئاً لم أكن أظن أنني سأقوله يوماً وهو أنني أحياناً أفتقد وجود أمك. هنالك شيء ما في وجود امرأة في المنزل ..."

عبس ودفع بكرسيه بعيداً عن المائدة ليستدير بها مواجهاً المدفأة ، وهو يتابع قائلاً: " لا أدري كيف ... إن حياة الرجل تستقيم بوجودها ، إنها تسبغ جو البيت على أي مكان تحل فيه...تملأ برائحة طبخها الشهي الذي يجعل الشخص ينتظر وجبة الطعام بفارغ الصبر ."

لم يكن جايمس يريد أن يسمع كلاماً كهذا . فقال: " إنك لست في حاجة إلى امرأة لهذا الغرض يا سيث . إن كتاباً يحوي وصفات للطبخ وهو شيء سهل وجوده."

أجاب سيث: "ربما لا ، ولكن مكان المرأة في البيت لا يسده شيء." وابتسم بمكر وهو يتابع: " إنني أفكر أحياناً في انه لو لم تهرب أمك مني إلى حيث لم أعد أسمع عنها خبراً، يوم تركت أنت المدرسة، ربما كنت وجدت نفسي أقرع بابها مرة أخرى."

قال جايمس: " أرجو أن لا يكون ذلك لأنك افتقدت طعامها فقط . إذ إنكما كنتما دوماً تتشاجران."

مد سيث ساقه وأخذ يُمسدها مفكراً وهو يقول : "آه ...حسناً...نعم .إنها كانت أصغر سناً من أن تدرك كيف تعاملني .وأنا كنت أغبى من أن أفهم ذلك . أحياناً يكون الشجار هو وجه آخر لحبك للشخص . وأحسب أنه لو حانت لي فرصة أخرى لتصرفت بشكل مختلف تماماً ، وفي الحقيقة لم أكن أعرف كيف أفصح عن حبي للمرأة ." وحدق في النار برهة ، ثم استدار نحو جايمس متابعاً كلامه: " وأظنك تعاني من نفس المشكلة."

قال جايمس: "ليس لدي أية مشكلة."

أخذ سيث يضحك ضحكاً متقطعاً وهو يقول : "إذا كنت تظن ذلك ، فأنت إذن أسوأ من غبي ...إنك أحمق .أن لدينا جميعاً مشاكل يا ولدي ، إنما المهم آخر الأمر أن نعرف كيف نعالجها ، ثم نحاول أن نجد الشجاعة لذلك."

حدق جايمس في اللهب المتراقص نحو المدخنة ، ليس لأنه من ذلك النوع الذي يخدع نفسه في الاعتقاد بأنه أكتشف شيئاً من غموض الحياة وعمقها ، بل لأنه أراد أن يرد على نظرة أبيه النافذة في الحياة ، وهذا كل شيء.

أجال عينيه في أنحاء الغرفة ، واتهام ميلودي له لا يبرح ذهنه وهي تراه مذنباً . كان معها حق فقد كان المكان بالغ القذارة . ولم يعرف كيف في إمكان أبيه احتماله.

أما بالنسبة إلى الحديث الذي دار بينه وبين أبيه الآن، فهو لم يكن أطول حديث دار بينهما فقط، على ما يذكر ، بل كان أكثر إزعاجا أيضاً .

وقف على قدميه وقد شعر فجأة وكأن الجدران تكاد تطبق عليه، وقال: " إنني في حاجة إلى السير في الهواء الطلق.هل يمكنك البقاء وحدك؟ "

طرف سيث بأهدابه وكأنما كان قد نسي وجود ابنه، وقال: "طبعاً يا بني ، فقد اعتدت العيش وحيداً."

فكر جايمس باستياء وهو يسير في الطريق ناحية جدار البحر ، في أن الجدار ليس وحده هو الذي يكاد يطبق عليه بل أن حياته اللعينة تتشتت إلى أجزاء...

كفاءاته ، أهدافه ، كل ذلك قد استحال فوضى من التعقيدات تتضاعف كل يوم يقضيه هنا . إنه يعرف من هو الملام على ذلك ويجب أن يتذكر كي يشكرها ، هذا إذا رآها مرة أخرى ، وهذا غير محتمل .