الفصل السادس

6 0 00

الفصل السادس

قال جايمس مستغلاً ،دون خجل كونها أصبحت أسيرته: "إنني اسلم بأنك مضللة في افتراضك، انك تعرفين ما هو الأفضل بالنسبة إلى أناس لم تحاولي فهمهم .كما أعترف بأن أول ما خطر لي حين سمعت عن الحادث الذي وقع لسيث، هو أن أرفع دعوى قضائية ضدك وضد كل من له علاقة بقضية جمع المال لذلك المشروع الأحمق . ولكن ذلك قبل أن...." وتوقف عن الكلام وهو يبلل شفتيه، ثم هزها بخفة قائلاً: "كفي عن النظر إليّ بهذا الشكل يا ميلودي ،وإلا دفعتني إلى اقتراف شيء سأمضي العمر في الندم عليه."

لكنها إزاء صوته العميق الأجش ،لم تستطع تمالك مشاعرها وبدلاً من أن تستمع إلى كلامه ،أخذت تحدق في فمه مأخوذة بحركات شفتيه وهو يتحدث وفي الحقيقة كانت هناك كلمة واحدة يمكن تصف جايمس لوغان وهي ليست كلمة (بغيض )ولا (متعجرف)ولا ( حقير)كما كانت تحاول أن تقنع نفسها بذلك مؤخراً ،بل هي كلمة (عاطفي ( .

كان كل ما قاله أو فعله نابعاً من هذه الصفة، والعجيب في هذا الأمر، أو الخطر على الأصح، هو أنه إما أن يكون لا يعرف ذلك، وإما أنه لا يهتم به. كما أن اهتمامه بعدم التورط معها جعله يغفل عن التأثير الذي أحدثه فيها.

اعترفت مرغمة بأن ذلك كان أكثر ما لاحظته، وكلما طال أمد معرفتها به، أزداد سحره عليها، ولم يكن هو ذلك الرجل الذي يمكن أن تتخيل نفسها واقعة في حبه، كما أنه لم يكن الرجل الذي كانت تتصوره زوجاً لها يوماً. ومع ذلك بالإضافة إلى إغضابه لها إلى هذه الدرجة، كان الرجل الوحيد الذي تآمر ضدها وتحداها إلى درجة خافت معها أن يستغرق ذلك كل حياتها هنا على هذه الأرض قبل أن تشعر بالملل منه، وسألته بنعومة: " ما هو الشيء الذي قد تفعله يا جايمس فتمضي بقية عمرك نادماً عليه؟ "

أمسك بكتفيها يدنيها نحوه حتى لم يبق لديها شك في العمل الذي يريد أن يقوم به والذي سيمضي العمر نادماً عليه كما قال، وشعرت برغبة نحوه أفزعتها، فأغمضت عينيها بسرعة قبل أن تفضحاها.

قال مهدداً بغضب: "قد أقبلك."

فتحت عينيها مذهولة وهي تقول: " ماذا؟ "

قال: "إذن كفي عن ألاعيبك هذه وافتحي هذه العلبة اللعينة."

ألاعيبها ؟ إنها لم تكن يوماً في حياتها بمثل الجد الذي هي عليه الآن فقالت معترضة: "إنني لم أقم بألاعيب."

لكنه كان قد أبتعد عنها، تاركاً صقيعاً بارداً بدل الدفء الذي كان ينبعث من جسده.

أجاب: "بل كنت تفعلين.كنت تمثلين دور سيدة محترمة تلهو بعواطف أولئك الأجلاف القرويين . حسناً ،إنك لست في حاجة إلى القلق ،ذلك سبق وأخبرتك أنني لن أقاضيك ،ولو كنت بقيت أثناء ذلك البرنامج ،وسمعت كلامي ،بدلاً من أن تهربي خارجاً، لكنت أخبرتك بذلك، ونصف سكان هذه المدينة شهود عليّ، وكان ذلك الرجل الأحمق قد أبقى فمه مقفلاً إلى أن أخرج من ذلك الأستوديو دون أن أشعر بالحاجة إلى ضربه."

قالت: " الذنب ذنبي إذن في عدم استطاعتك ضبط نفسك؟"

تنهد بعمق قائلاً: " يا سيدتي العزيزة لو كانت هذه هي الشكوى الوحيدة لي منك، لكنت دعوتك إلى العشاء هذه الليلة، لذلك فإن أفضل شيء بالنسبة إليّ، هو أن أخرج بسرعة من مطبخك هذا وأتركك تستمتعين وحدك بالبازلاء والخبز المحمص."

لم يكن ثمة شيء بالعالم يجعلها تكشف أمامه عن مقدار شوقها لبقائه، وهكذا قالت بغطرسة: "لا بأس على كل حال، فالطعام هذا لا يكفي أثنين."

قال بحدة: " وكذلك لا أظنك معتادة على إشراك الآخرين معك."

تركها خارجاً من الباب الأمامي مجتازاً المسافة إلى سيارته في ثوان، وأدار محرك سيارته بسرعة قبل أن يفقد عقله.

لم يصدق أنه كان على وشك أن يفعلها مرة أخرى. إذ لو بقي دقيقة واحدة لكان قبلها حتماً وربما أكثر.لا بأس، إن كل هذا يذكره بأنهما من بيئتين مختلفتين.ولا بأس ، كذلك إذ حصلت له فرصة يختلط فيها بالطبقة الراقية .وهذا لا يغير من حقيقة نسبها الأصيل، كان يعلم منذ زمن طويل،أن الدم الأحمر لا يمكن أن يمتزج بالدم الأزرق الأرستقراطي. وبدأت معرفته تلك عندما كان في الحادية عشرة من عمره مبتدئاً بأول عمل له كصبي بقال يأخذ البضائع للزبائن، إذ قالت له سيدة المنزل وقد بان الألم في ملامحها: "لماذا تأتي من الباب الأمامي؟ أستعمل الباب الخلفي في المرة القادمة."

أدار راديو السيارة لكنه سرعان ما أقفله إذ تعالت أغنية (عينا ملاك) التي لابد أنها الفت خصيصاً لميلودي وورث. وفي الواقع جعلته عيناها على أتم استعداد للغرق في أعماق نعومتهما المخملية وهما اللتان جعلتا عقله وجسده يكادان يحيدان عن الطريق المستقيم.

ما لبث أن حول اتجاه أفكاره إلى مجرى أكثر نفعاً.مثلاً، ما الذي سيفعله بالنسبة لسيث في الأسابيع القليلة المقبلة؟ وكان الخبر السار هو أن والده سيسمح بالخروج من المستشفى. أما الخبر السيء فكان أن والده سيكون في حاجة إلى عناية كاملة بعد ذلك، لمدة شهر على الأقل. أو حتى الوقت الذي يستطيع هو رعاية نفسه بنفسه. وهذا لن يكون قبل أن يتعود على المشي على العكازين.

كانت هناك نظريتان الأولى هي أن سيث في إمكانه استعمال كرسي بعجلات.والثانية هي أن يسمح لامرأة تمتهن المساعدة في المنازل، بأن تتردد على أبيه يومياً لمدة بضعة أسابيع. ولكن بالنسبة إلى طبيعة والده، فهو سيرفض النظرية الأولى وقد لا يقبل بالأخرى، مما يجعل جايمس مرغماً على تمديد أقامته في المدينة. والأسوأ من ذلك أنه كان عليه أن يمضيا خمس دقائق في نفس الغرفة، دون أن يتشاجرا.ولا يعلم كيف ستكون الحال حين يعيشان تحت سقف واحد.

أن ميلودي تعرف تماماً كيف تتحايل على سيث بالهدوء والصبر في معاملته، إن كل ما عليها عمله هو أن تحدق فيه بعينيها الواسعتين البريئتين، وبعد لا ذلك...

تجهم وجه جايمس، وأنعطف بسيارته دون أن يرى الثلج المتراكم،وراعه أن يرى السيارة تدور على نفسها لتصبح مقدمتها إلى الناحية التي جاءت منها.

كانت السيارة أكثر تعقلاً منه إذ تحاول الرجوع إلى ميلودي. لماذا أتهمها بأنها تقوم بالألاعيب، بينما أي أحمق، في استطاعته أن يلاحظ براءتها؟هل يشعر بالسرور في إيلامها...أو إيلام نفسه؟

أخذ يشتم وهو يضرب بقبضته عجلة القيادة. ولكنه أجفل إذ تفجر الألم في أصابعه المصابة صعوداً إلى مرفقه. وأخذ يشتم ثائراً مرة أخرى.

لم يكن من نوع الرجال الذين يرفسون الأطفال والجراء . ولم يكن من عادته أن يستمتع بإيذاء الآخرين حتى لو ظن نفسه كذلك. كانت في أعماقه شهامة تدفعه إلى إنقاذ السيدات العجائز من البيوت المحترقة، ومعاملة أية سيدة تطلب العون بكل لطف وكياسة. فمتى تراه تغير إلى هذا الحد؟

أنه يعرف متى حدث ذلك. حدث عندما عاد إلى مدينته بورت آرمسترونغ ليجد نفسه بين فئتين مختلفتين من المجتمع. تباً لهذه المدينة الصغيرة البائسة وكل من فيها.

عادت ميلودي فصنعت خبزاً محمصاً جديداً، وفتحت علبة البازلاء، ثم وضعت محتوياتها في الفرن لتسخن. وملأت الإبريق بالكاكاو. وعندما انتهى تجهيز كل شيء،وضعته على صينية نقلتها إلى غرفة الجلوس،ثم جلست على الأرض أمام المدفأة.

قررت الاستماع إلى الموسيقى هذه الليلة فقد كان مزاجها سيئاً...كلا أنها حزينة ... و طرفت بعينيها تمنع دموعها من أن تسيل إذ لم يكن ثمة سبب يدعوها للبكاء.لم تكن المسألة كما لو أنها فقدت شيئاً...فقد سبق وظنت أنها وجدت شيئاً ولكن جايمس أزال الغشاوة عن عينيها قبل أن تتأصل هذه الفكرة في نفسها.

سمعت صوتاً مكتوماً خارج باب الشرفة جعلها ترفع ناظريها.كانت ثمة دقات على باب الزجاج ووجه جايمس يبدو من خلاله. وقال يبتسم: "مرحباً." ثم مال برأسه جانباً وكأنه خاف أن تلقي عليه البازلاء التي كانت على وشك تناولها.

لكن لم تكن لديها الطاقة الكافية التي تجعلها تتصرف كالليلة الماضية، فقد كان أسهل عليها أن تسمح له بالدخول، وتسمع كلامه مفترضة أن عنده ما يقوله. فلربما نسي عندها معطفه مثلاً أو شيئاً ما... إذ كان كل ما يرتديه للحماية من البرد، هو كنزة سميكة فوق قميص قطني.

فتحت الباب تومئ له بالدخول. ثم وقفت جانباً، عاقدة ذراعيها فوق صدرها، ثم انتظرت، قال وهو يسير ببطء نحو المدفأة: "أنني آسف. فأنا لست سوى ريفي جلف عديم الإحساس، ولكن هذا معك فقط."

قالت: "هل أنت تسرني بكلامك هذا يا جايمس؟ "

أجاب: "كلا، إنه يسرني أنا، إذ أنني أكره أن لا أجد عذراً لتصرفي بذلك الشكل."

نظر إليها في انتظار أن تقول شيئاً. وفكرت هي في جواب مناسب، جواب يفهم منه أنها سيدة حقاً، أو شيء يسكته كما يستحق. وأشارت إلى الصينية قائلة: "هل تريد شيئاً من البازلاء؟"

قال بابتسامة على جانب فمه: "بالتأكيد."

قالت: "سأحضر صحناً آخر ثم..."

أوقفها عن السير إذ مرت بجانبه،وذلك بإمساك طرف حزام معطفها وهو يقول: "دعيني أقوم أنا بذلك."

بينما كان يفتح الأدراج والخزانة، كانت تصلح النار في المدفأة.عاد وقد خلع كنزته ثم جلس إلى جانبها على السجادة. وليشعر براحة أكثر، جذب قميصه من تحت البنطلون ثم جلس مسترخياً.

قال وهو يفرغ نصف البازلاء في صحنه ويتناول قطعة من الخبز: " أتعلمين أنك جعلتني مجنوناً؟ لقد كنت أحيا حياة هادئة جميلة إلى أن جئت لتشيعي الفوضى في تلك الحياة."

قالت دون اقتناع كبير إذ كانت تعرف بالضبط ما الذي يعنيه: "إن هذا الاتهام غير عادل."

لقد كان مجرد وجوده كافياً لقلب حياتها هي أيضاً رأساً على عقب.

قال: "إنني أدرك أن الإنسان قد يستطيع أن يعيش حياته كما يريد. ولكن الأحداث غير المتوقعة هي التي تجلب الإثارة لتلك الحياة، لكي لا تكون الحياة مملة."

رددت كلامه، وأخذت تراقب حركات شفتيه الجذابة وهو يأكل، شاعرة بالاستمتاع لذلك. وعاد يقول: "إن الأحمق وحده يصر على تشكيل حياته بشكل لا يناسبها."

أومأت برأسها موافقة، وعاد يقول: "أنا وأنت، مثلاً...أنا مهندس بحري وهذا ما يجعلني واقعياً رياضي العقل أكثر من الفنان، مع أنني أهتم بالنواحي الجمالية...فأنا أصمم السفن متوخياً فيها السرعة والأمان. وأنت..." وتوقف عن الكلام.

أكملت هي كلامه قائلة: "أجمع الملابس القديمة... ما الذي تريد قوله يا جايمس؟ "

وضع صحنه على الصينية بشيء من العنف، وكان وجهه الذي حددت تقاسيمه نار المدفأة، بالغ الوسامة، وأجابها قائلاً: " البيئة والنشأة مختلفتان. إننا غير متلائمين."

التفت ينظر إليها...حدق في فمها، في وجنتيها، في شعرها، في عينيها، ثم أغمض عينيه وهو يأخذ أصابعها بأصابعه... وللحظة، ظنت أنه سيدفع بيدها بعيداً... ولكنها ،في اللحظة التالية ، وجدت نفسها بين ذراعيه. أرادت أن تقول له أن يسحب كلامه الذي قاله عن عدم تلائمهما.ولكن أكثر من كل شيء كانت تريد أن تخبره كم تحبه .

قالت بسرعة: "لقد أصبح الوقت متأخراً." فأعتدل جالساً وهو يقول: "هذا صحيح."

قالت تسأله: "كيف حال سيث؟ إنه كان أحسن كثيراً في آخر مرة زرته فيها."

أجاب: "إنه فعلاً كذلك.وهو سيخرج من المستشفى في خلال أيام."

اعتصرت قلبها يد باردة وهي تقول: "هل يعني هذا أنك ستترك المدينة يا جايمس؟ "

نظر إليها قائلاً: "نعم عاجلاً أم آجلاً."

سألته متقطعة الأنفاس: " متى ؟"

قال: "لِِِمَ هذا السؤال؟ انك تعلمين منذ البداية أنني لن أبقى هنا،أم ثمة شيئاً حدث فجعلك تظنين العكس؟"

كان تحدياً مباشراً لها ، وأية امرأة أخرى أكثر منها شجاعة ستقبل هذا التحدي، ولكن ميلودي لم تشعر بنفس الشجاعة التي كانت تشعر بها قبل ساعة . وقالت: "لا شيء أبدا. إن لك حياتك الخاصة التي ستعود إليها ، وأظنك على وشك السفر الآن؟ "

أجاب وهو يتخلل شعره بأصابعه: "إن مساعدة سيث على الاستقرار قد تستغرق أسبوعا أو أكثر ،فهو صعب الطباع كالعادة،ويرفض تقبل أية مساعدة تقدم إليه،لهذا فهو يلتصق بي وكأنني ممرضته الخاصة."

كانت تحب سيث كما تحب ابنه وقالت وهي تسير معه نحو الباب : "حسناً أعلمني بأي شيء يمكنني المساعدة فيه."

"حاولي أن تقنعيه بالتعاون."

"بالطبع.سأذهب لرؤيته قبل أن يخرج من المستشفى."

قال: "شكراً ."وتوقف قليلاً ثم أسرع يقول: "تصبحين على خير ." ثم ألقى نظرة وهو يقول: "بالنسبة إلى هذه الليلة يا ميلودي..."

أحست بالتشاؤم ،لعله يذلها بالاعتذار عن هذه الغلطة ...لم تستطع أن تفكر بأسوأ من ذلك.وقالت بكبرياء: " لا تبدأ باستنتاج أشياء من لاشيء .لقد أنسقنا إلى ذلك معاً .إنني أعلم ذلك ربما ما كان يجب أن نفعل. ولكن يجب أن لا نفسد متعتنا هذه بالعتاب أو التحذير. إن ما حدث بيننا هذه الليلة لا أهمية له... وأنت غير ملتزم تجاهي، كما أنني غير ملتزمة تجاهك فلنترك الأمر إذن عند هذا الحد ."

سألها وهو يمد إليها يده: "هل مازلنا أصدقاء؟ "

لقد أخطأت في حسابها إذ ظنت أن الاعتذار هو أسوأ ما قد يبدر منه . فما قاله الآن هو الأسوأ كثيراً، ولكنها أجابت: "طبعاً." ولم تمد يدها إلى يده الممدودة بل رفعت يدها تلوح له بها ،ثم أغلقت الباب وسمعت وقع خطواته تبتعد ثم صوت الباب الثقيل يفتح ويغلق،ثم صوت محرك سيارته يبتعد. لتجلس بعد ذلك على الأرض، حيث تركها تماماً وتنفجر بالبكاء.

يا لحماقتها إذ ظنت أن اللحظة الحاضرة هي فقط ما يهمها لتكتشف بعد فوات الأوان، أن لحظة واحدة قد تغير كل شيء،ذلك أنها عرفت الآن أن حياتها لن تعود كالسابق أبداً. لا شيء سيبدو جميلاً وحقيقياً إذا لم يكن جايمس معها يشاركها به.

نظر سيث من على كرسيه ذي العجلات قرب النافذة وهو يقول: "أنهم يريدون قتلي."

كان يحدث ميلودي التي دخلت إلى غرفته حسب وعدها بأن تزوره قبل خروجه من المستشفى. واستطرد قائلاً: "إنهم لم يستطيعوا القضاء عليّ هنا فتركوا هذا الأمر لشخص خارج المستشفى."

قالت ميلودي وهي تضع أمتعة سيث القليلة في حقيبة كان جايمس قد أحضرها ذاك الصباح قالت: "إنك طبعاً لا تعني ابنك بكلامك هذا."

كانت تتكلم وهي تقاوم رغبة عنيفة في ضم الحقيبة التي أحضرها جايمس بيده إلى قلبها. لقد توجهت بالحديث نحو ما لا ينبغي قوله ولكن فقط لكي تلفظ أسم جايمس .

كانت متأكدة من أنه لا يريد أن يرها أو يسمع لها صوتاً. وكان جلياً أنه وجد أفضل طريقة هي أن يأتي لزيارة أبيه عندما تكون هي مرتبطة بعملها في المتجر. وتفحصت الأدراج والخزانة لآخر مرة.

عادت تقول: "إنه ليس من النذالة بحيث يقتلك يا سيث."

قال وهو يهز قبضته :" إنني لا أعني جايمس ، بل تلك المتطفلة نوزي باركر. إنها تأتي في أي وقت يعجبها لتقوم بمتطلباتي."

قالت: "آه أتعني المرأة التي ستخدمك؟ "

قال: "إنها يجب أن توضع في كيس مبطن بالرصاص ثم يلقى بها من حاجز الميناء."

ابتسمت ميلودي رغم شعورها بالتعاسة وهي تقول: "هل سبق وأن قابلتها؟ "أوما برأسه وهو يتمتم عابساً : "نعم .إنها تبتسم طيلة الوقت ،وجدائل شعرها تتحرك كلما حركت رأسها،وتذكرني بطائر يحوم باحثاً عن دودة يقتنصها...ربما كانت..."

قالت:"يبدو لي أنها لطيفة،فلا تكن قاسياً عليها."

قال وهو يمسد ركبته:"نعم إنها مسدس حقيقي."

قالت: "أنها تقوم بعملها."

قال:"فلتقم به لشخص آخر، فأنا لست بحاجة إليها."

سار بكرسيه في أنحاء الغرفة ليصطدم بحافة السرير مما جعله يطلق آهة ألم وهو يقول:"هل تقفين هناك لتراقبي شخصاً يتألم يا فتاة؟ ساعديني على تسوية هذه الآلة اللعينة."

قالت ميلودي وهي تعود إلى حزام الحقيبة: "إذا كنت مصمماً على أن تكون مستقلاً بذاتك يا سيث، فمن الأفضل أن تبدأ الآن."

قال وهو يئن : "لا شيء أشد قسوة من قلب المرأة. كان من الأرحم أن تجهز عليّ تلك السيارة ما دام هذا هو الحنان الذي أحظى به."

عضت ميلودي على شفتها وهي تقاوم مشاعرها التي تحثها على أن تهرع إليه وتساعده:ذلك أنها تذكرت نصيحة جيستين لها حين علم أن سيث سيستعمل كرسياً بعجلات بعد خروجه من المستشفى ،إذ قال لها: " حاولي أن تجعليه يكره الكرسي لكي يحاول الاستغناء عنه. أما إذا حاولت أن تدفعي به الكرسي ، هنا وهناك ،فسيأتي دوره هو في السنة التالية لكي يدفع بك أنت هذا الكرسي.إن عليه أن يكافح لكي يستغني عن الآخرين بجهده الخاص."

"ربما من الأفضل أن تتعود الاستغناء عني يا سيث فإنني لن أكون بجانبك لأساعدك عندما تصبح في بيتك."

ألقى عليها نظرة فيها شعور بالاضطهاد وهو يقول: "إنك تتمنعين عن مساعدتي الآن باعتبار إنني استطيع خدمة نفسي، كما أنك باعتبار أنهم سيخصصون ممرضة في منزلي ، لن تزورينني في المنزل كذلك ،لقد أحببتك أكثر عندما كنت تظنين أنني سأموت."

دفعتها الشفقة إلى أن تبوح بالحقيقة، فقالت: "لو كان الأمر بيدي، لجئت لزيارتك كلما سنحت لي الفرصة. ولكنني لا أظن أن جايمس يسمح لي بذلك يا سيث."

قال بصوت حزين: "إنني لا أريد أن تجبري نفسك على زيارتي، ولا أريد أن يشعر أحد بالشفقة عليّ."

في الماضي ، كان شعور ميلودي نحو اتهام كهذا مختلفاً عما هو الآن بعد أن عرفت ماهي الوحدة. أنها تعرف الآن أن الوحدة ليس لها علاقة بعدد الأشخاص الذين يحيطون بالشخص. أنها تتعلق بشعور داخلي بالفراغ لا يملؤه سوى شخص معين. وهكذا بدلاً من أن تهزأ بسيث لحزنه على نفسه، اقتربت منه تحتضنه، وهي تقول : " إنني لا أشعر بالشفقة عليك لأنني مشغولة بالشفقة على نفسي."

ألقى عليها نظرة صارمة وهو يقول: " هل يسبب لك أبني اللعين الحزن يا فتاة؟ "

هزت كتفيها قائلة: " أظن أن كلاً منا يسبب الحزن للآخر."

قال: "حسناً ،قد يكون هذا كما تقولين،ولكن بالنسبة إلى من يزورني في منزلي أو يبقى بعيداً، فهذا شأني أنا ولا دخل لجايمس به. وأنا أريدك أن تأتي أليّ كلما شئت، وسأعلم جايمس بهذا."

تصورت ردة فعل جايمس حين يعلم أنها شكته إلى أبيه، فقالت: "كلا يا سيث لا تفعل هذا. إنه لم يقل لي مباشرة أن لا آتي لزيارتك. لقد شعرت بأنني أقحم نفسي في حياتكما العائلية، وهذا كل شيء."

قال سيث: "سأسوي الأمر من هذه الناحية."

في اليوم التالي ،أتصل جايمس بها هاتفياً إلى المتجر ليقول: "إنني اتفقت الآن مع سيث على أن يسمح للممرضة المنزلية بالدخول إلى منزله،بشرط أن اسمح أنا لك بزيارته أيضاً. إن ما يحيرني هو لماذا يظن أنني لا أرضى بزيارتك له؟ هل سبق وقلت أنا شيئاً كهذا؟"

احمر وجه ميلودي قائلة: "ليس بالضبط."

"أظننا اتفقنا على أن نبقى أصدقاء يا ميلودي؟ "

"ولكننا أصدقاء."

"ماهي المشكلة إذن؟ "

فكرت في نفسها إن المشكلة هي في أنها تحبه، وهذا هو ما يعقد الأمور. ولكنها قالت له: "لا أظن أن ثمة مشكلة."

قال بحيوية: "هذا حسن. ما رأيك إذن في القدوم إلينا عندما تقفلين المتجر، لتزاولي بعض سحرك الملطف عليه؟ لقد جاء إلى البيت هذا الصباح ويبدو أن كل محاولاتي في سبيل أن اجعله يشعر بالراحة، لم تنفع في شيء.فأنا كما يقول مزعج كالذبابة."

لا شك في أن المرأة الذكية ترفض أن يحاول أحد استغلالها. كما أن المرأة القوية الإرادة ترفض رنة الإغراء في صوت جايمس.

لكن ميلودي أجابت: "سأكون عندكما الساعة السادسة."

ثم أمضت فترة غدائها في شراء أطعمة تثير شهية المريض.