ـ 2 ـ

7 0 00

ـ 2 ـ

في أحد الأيام، جاء إلى بيتها في ساعة متأخرة من الليل، دون أن يتصل بها بالهاتف، رن جرس الباب ووقف ينتظر.. وبعد فترة فتح الباب وأطل وجهها:

ـ سعد؟ أنت؟

ـ أنا آسف يا لينا..

ـ الوقت متأخر ولكن لا بأس، تفضل..

وصلته الأصوات من الداخل يبدو أن لديها ضيوفاً..

ـ لديكم حفلة؟

ـ لا. بعض الأصدقاء أتوا يزورون أمي، تعلم أنها مازالت تطبع كتباً جديدة خارج البلاد..

ـ آه نعم.. مساء الخير يا جماعة..

قالت الأم معرّفة به:

ـ الدكتور سعد، إنه أحد علمائنا الشبان.. الدكتور أيمن تعرفه بالطبع يا سعد.. وهذا أيضاً الأستاذ حمدان خبير لغة عربية كان زميلي في التدريس، وهذه زوجته أماني.. والباقي أنت تعرفهم جميعاً فهم من جيراننا..

هز رأسه بانحناءة: ـ آه.. آه.. تشرفنا..

قال أيمن مشيراً للينا:

ـ أكملي يا لينا حديثك..

ـ آه .. نعم.. المهم وصلت إلى طهران في الصباح وكان الثلج يتساقط بغزارة وطلب مني فور نزولي من الطائرة أن أضع (الشادور) العباءة التي تلبسها الإيرانيات الآن..

قال أيمن: ـ إنه تزمّت.

وعلق حمدان: ـ ولكنك أجنبيّة يا لينا، لا يمكن أن يرغموك على ارتداء (الشادور)..

ـ لقد أرغموني، ولم أستطع قضاء أكثر من يومين عند إحدى الموظفات في سفارتنا..

همس سعد في أذنها منزعجاً:

ـ ما الداعي لهذه الأقصوصة غير المقنعة.؟. الذي أعرفه أنك لم تسافري إلى إيران أبداً.. همست وهي تشد على يده:

ـ اصمت يا سعد.. نحن نتسلّى..

ـ هذه ليست تسلية..

قال أيمن:

ـ أتعلمون يا جماعة، عندما كنت في إيطاليا كان لي صديق يسكن في منطقة شعبية في روما، في غرفتين على السطح، كانتا مريحتين واسعتين، لهما إطلالة جميلة على المدينة..

علقت لينا:

ـ قضى أيمن في إيطاليا نحو عشر سنوات..

أكمل أيمن:

ـ زرته في إحدى المرات ورأيت طيور الحمام تحط على السطح العالي أمامه بالآلاف كل يوم.. قلت له لم لا تصطاد بعضها ستكون طعاماً شهيّاً.. ويبدو أنه طرب للفكرة فتمكن من القبض على ثلاث حمامات اقتربت منه مع غيرها لشعورها بالأمان.. ثم ذبحها ونظفها، ووضعها في المقلاة، وكانت طعاماً شهياً فعلاً..

قالت لينا: ـ لقد ارتكب مخالفة بالتأكيد..

ـ مخالفة؟ هه.. اكتشفت صاحبة الشقة بعض الريش والدماء في حاوية القمامة، فصعدت إليه تنذره بوجوب إخلاء الشقة خلال (24) ساعة، متهمّة إياه بالوحشية باعتدائه على طيور أليفة هادئة ترمز للمحبة والسلام..

ـ تسببت له في الطرد من الشقة إذن؟

ـ وأتى إليّ ليقضي أسبوعين في شقتي حتى تمكّن من تدبير شقة جديدة بصعوبة، فلقد أبلغت صاحبة شقة السطح، جميع أصحاب مكاتب التأجير بما فعله صديقي.. ولم يقبل صاحب الشقة الجديدة أن يسكنه عنده إلا بشروط صعبة..

علق سعد:

ـ ليس عملاً حضارياً قتل الحيوانات الأليفة كالطيور، دون مبرر.. في بلادنا كانت هناك أنواع نادرة من الحيوانات والطيور انقرضت بسبب الإقبال الجائر على صيدها دون وعي..

سخر أيمن: ـ هه.. بدأنا بسماع الوعظ..

انتفض سعد:

ـ ليس وعظاً، إنه لفت نظر إلى خطأ نمارسه بسكوتنا على تخريب بيئتنا.. صاحبك يا دكتور أيمن لم يكن منصفاً في اعتدائه على الحمام.. وأنت أيضاً كنت مخطئاً بتوجيهه لصيدها..

قال بسخرية:

ـ اعتبرها قضية دولية إذن، وقدم ضدي شكوى لمجلس الأمن..

ـ أنا آسف، اعتقدتك مهتماً بمشاكل الإنسان وقضاياه المستقبلية..

ـ تركت هذا الاهتمام لك يا دكتور..

نهض غاضباً:

ـ أنا آسف، يبدو أنني أفسد حفلكم البهيج..

قالت أم لينا:

ـ اجلس يا سعد.. ولا تدقّق على كلام الدكتور أيمن إنه يبالغ في سخريته أحياناً..

غمغمت لينا:

ـ سأغلي القهوة الآن.. عن إذنكم..

دخل وراءها:

ـ أتسمحين لي بمساعدتك؟

ـ سنلفت النظر بانزوائنا.. في المطبخ..

ـ سأتكلم معك لدقيقة وأعود..

ـ حسناً..

وحين صار في المطبخ:

ـ اسمعي يا لينا، جئت أعرض عليك الزواج مني.. أريد أن أخرجك من هذا الجوّ، ليكون لك بيتك الخاص وحياتك المستقلة..

ـ الآن؟ تعرض علي الزواج؟ ماذا جرى اليوم حتى يتقدم لخطبتي هذا العدد دفعة واحدة؟

ـ ماذا تقصدين؟

ـ الدكتور أيمن ثم الأستاذ حمدان الذي طلبني لابنه علي، وأخيراً أنت..

ـ معقول؟ وطلبك الدكتور أيمن أيضاً؟ هذا يجعلنا مرغمين على الإسراع بالزواج..

ـ ماذا تقول يا سعد؟ أنت لا تملك مؤهلات القيام بأعباء أسرة.. بيتك بالأجرة، وراتبك لا يكفي لفواتير الكهرباء والهاتف..

ـ أنا أعمل أيضاً في مكان آخر، أنت تعرفين؟

ـ أعرف أعرف.. ولكن كل هذا لا يكفي..

شعر بالدهشة:

ـ أنت يا لينا؟ ماذا جرى لك؟

ـ لا شيء.. أنا أفكر بصوت عال.. اعذرني يجب أن أعد القهوة..

انسحب من المطبخ: ـ لا بأس تفضلي..