الفصل الثالث

5 0 00

الفصل الثالث

صعدت نظري فيه محاولا فهم ما يدور برأسه من افكار ، وهل هذا الجمود الواضح يعني ان باله غير مشغول ؟! كان يشاربني صامتا مستسلما لنظراتي المتفحصة دون

ان يثير اهتمامه أي شيء حوله .

كنت ارتعش بين برهة واخرى من اللا بشرية المتجلية بوجهه وتصرفاته .هذا الجمود التام وكانه لوحة مؤطرة .لا ارتعاش ولا حرارة كما يبدو لي. لا ادري .. فيه

شيء لا استطيع الاقتراب منه . حتى رائحة الريحان الطيبة ... بدأت تضايقني في موقفي غير المفهوم امامه .

يشرب دون ان يبدو لذلك اثر على وجهه . ترتفع الكأس وتنخفض ميكانيكيا وبحركة محسوبة مقدرة. يبتسم احيانا .. احيانا يضحك دون ان يغير ذلك من نفسيته او من

تقاسيمه . ضحكته تبدو مستأجرة . تمنيت لو أغمضت عيني وفتحتهما فاجد نفسي في مكان آخر بعيد عنه !!

لن اتصل بالاصدقاء ما دام الوضع بهذه الصورة الكئيبة كما ظهرت لي . مشاربته بالحالة التي ظهر بها معاناة قاسية . مع ذلك هناك اصرار في نفسي على التروي

والتمهل . ما زالت آمل ان تتحقق عجيبة اخرى كعجيبة ظهوره تعيده الى نفسه تعيده الينا بكل حيويته .. يتجمع شملنا من جديد ، ونربط ما مضى من ايام ..نجدد

ما انقطع .

*********

سالته وكنت قد شعرت انه يتردد في متابعه حكايته :

- وكتبتم الكتاب ؟

- لم يحصل.. لم يتسن لي خطبة أمينة رسميا .

قالها بحزن شديد وتأوه طويل جعلني اشعر بما يؤلمه .

فقلت الوم نفسي :

- انا اسف من تطفلي يا حازم . اود لو استطيع ان احقق لك حلم شبابك .

- بعد ان عجز الاسد ؟!

- الاسد يبقى اسدا !!

- احيانا اظن ان ما مضى لا يتعدى بضع سنين .. ولكن عندما اعود لعلبة الخطبة واقرأ السنة واحسب ما مضى بذهني اصاب بذهول . لا اصدق ان السنوات تمضى

بهذه السرعة والسهولة . يخيل لي اني لم اعد اصلح للزواج .

- عاجز نصفي ؟!

فهمني وقال ضاحكا :

- ابدا ابدا .. لا اعني القدرة .. انما لا ارى معنى لحياتي . أن أبدأ وأنا في مثل عمري ببناء اسرة واولاد ، هذه مسالة تحتاج الى اندفاع ومغامرة .

اشعر اني لم اعد قادرا عليهما. انا انشد الراحة... كأس خمر مع الاصحاب .. ما يساعدني على تمضية العمر...

- والمرأة كأنثى .. اليست حاجة ضرورية للرجل كرجل ؟!!

- تعني الافتراس . انت تسميه الحب .. انتم جيل اليوم لا تدرون ما هو الحب . التنقل من سرير الى اخر تسمونه حبا. انا اسميه افتراسا. انا مفترس ايضا

.. ولكنه ليس حبا .. اتركوا للحب معناه السامي ، معناه الخاص، رباطه الخاص ، جنونه الخاص .

- بالنسبة لي كله حب ... حب عابر ، حب متنقل ، وهناك حب دائم ..

تأملني رافضا ما اقول . افرغ غضبه من اقوالي بكز اسنانه ببعض وقال بهدوء :

- طز في هكذا حب !!

بعد برهة صمت ابتسم بصفراوية وقال كمن يتابع موضوعا لم يفه حقه :

- اي التي تدفع لها تعطيك حبا مقابل نقودك ؟ كله حب ؟ تلك تعطيك بضاعة وليس حبا. الحب ليس بضاعة . الحب لا يشتري ولا يباع !!

اثرت الصمت متفهما لنفسيته ، مكتشفا اني تفوهت وبشكل غير مباشر بكلمات تجرحه حين تحط من قيمة الحب .

قلت محاولا اخراجه من الموضوع :

- اذن انت ذهبت بطريق وامينة بطريق اخر ؟!

- ليس تماما. انا لم اختر طريقي ، وامينة لم تختر طريقها . القدر ابعدنا عن بعض . انا لا اؤمن بالقدرية .. العاصفة الهوجاء كانت على الابواب .. سبقت

رغباتنا وأحلامنا وآمالنا وأفراحنا فتشردنا.. تبعثرنا .. وأضعنا صلتنا ببعض .. ولا زلت حتى اليوم اتأمل علبة الخطبة وافكر بالكارثة التي لم تتمهل .. افكر

بأمينة وبأيام امينة التي لا تنسى ، وافكر بالحب القديم الباقي الذي يتجدد يوميا مع اطلالة كل شمس .

هدمت حارتنا .. زرتها بعد سنوات وشعرت نفسي غريبا في مدينتي . هدمت تماما وتهدمت مدينتنا.. تهدمت عائلاتها اذا صح هذا التعبير .. ضاعت وفقدت ذاكرتها ..

حين زرتها هربت من منظر الخراب المنتشر .. صدمت .. لم اعرف احدا من السكان .. ولم ادر ما العمل . رأيت طفولتي تصلب . شراييني تقطع . لم اعرف الناس ولم

يعرفني الناس .ناجيت احلامي . رايت انهيار عالمي وتلاشى حبي الجميل ... رأيت نهاية حلم لا يكتمل الانسان بدونه .. ولا تسمو الحياة الا به ...

بعد ان استقر بنا الحال في الناصرة ، بدأت البحث عن أمينة وأهلها. سالت الكثيرين من عرب يافا الباقين ..الصدمة سحقتهم .. كانوا اشبه بالدمى الشبيهة بالانسان

.. سألت في تجمعات اللاجئين داخل وطنهم . أرسلت تحيات بالراديو.. ودعوة للاتصال معنا على عنواننا الجديد . انتظرت .. تجلدت . صبرت . عانيت طويلا حتى

يئست من الوصول لنتيجة . وايقنت اني فقدت أمينة للأبد .. ولكني لن اخون حبها !!

وها هي الايام تسير .. الزمن لا ينتظر احدا ..

كنت اقود سيارتي بسرعة نوعا ما حين صمت متأوها ولافتا انتباهي قرب احدى محطات الوقود :

- ادخل للمحطة نأخذ علبتي بيرة من المطعم .

حسبت ان حكايته انتهت . نزل من السيارة يشتري علبتي بيرة ، فغرقت لبرهة في تأملاتي محاولا الربط بين ذكرياته وآماله الضائعة ، وواقعه اليوم . لأول مرة

منذ وعيت اتحسر على الماضي كما تحسرت اليوم ، بعد استماعي لحديث حازم .. كنت أثق ان ما يجيء من أيام ، لن يكون أسوأ من الايام الغابرة . الأمل للأمام

.. الآن أشعر ان خسارتنا أكبر من ان يعوضها الزمن .

حازم فقد حبيبته وفقد مدينته وفقد وطنه .. وانا ولدت بلا وطن ... والحب بالنسبة لي متعة عابرة تهبني اياها انثى . أشعر اني غريب في بلدي . أنا الآن

أفهم أشياء كثيرة من زاوية لم افكر بها سابقا.

ألا يكتمل الحب الا بوطن ؟!

وما هي علاقة الانثى بالوطن ؟!

ولماذا لا افهم الحب كما يفهمه حازم ؟!

كم هي شاسعة المسافة بين افكاره وافكاري . لا ارفض موقفه ، ولكني لا استطيع الاندماج معه ، او الشعور بما يشعر به .ربما يكون تمسكه بحبه نوعا من التمسك

بمدينته ، بملاعب طفولته .. بربيع حبه .. بامنيته وأمينته .. ببحره .. برماله .. بسمائه .. بشمسه .. بقمرة ..بنجومه ... بوطنه !!

سألت نفسي :

- ايكون هذا ما يجعل حازم مثاليا في اخلاصه لحبيبته المفقودة ؟! ام هو طبع تربى عليه ؟!

انه صادق ايضا في اخلاصه لاصدقائه . صادق مع الناس . ودود للغاية . لا اذكر اني سمعته يوجه قولا حادا لاحد . يحيرني بصدقه واخلاصه . ولكني لا استوعب

سببا وراء تصرفاته التي تجعله يخسر شبابه . يخسر بها كل مستقبله .

هل زواجه وبناؤه لبيته الخاص يعني خيانة حبيبته التي ضاعت مع ضياع الوطن ؟

هل هي خيانة لأمينة .. وخيانة لمدينته ووطنه ؟!

لا شك لدي بالرابطة العضوية بين حبه لانثى اسمها أمينة ، وارتباط هذا الحب بدائرة اسمها يافا والوطن .

اعترف اني عاجز عن اختراق هذا الاشكال . المؤكد ان الموضوع يختلف بوعيه عما هو بوعي شاب مثلي ، لا يعرف عن ضياع شعبه الا من مما يسمع ويقرأ .وغني عن

القول ان حازم بضميره ، وباعماق لا وعيه ، بدمه ، بشرايينه ، تتشابك الامور لتكمل بعضها البعض .. بصورة عصي عن ادراكي العاطفي . ربما لو فقد أمينه دون

ان يفقد يافا ووطنه لخرج من أزمته ووجد حبا آخر.

قلت لنفسي :

- لا تهب السعادة نفسها للنهاية حتى لا تفقد معناها . فالحزن كما يبدو شرط للسعادة . فلا لذة بلا الم ، ولا سعادة بلا حزن ، ولا حب بلا فراق. هل

كان عليك يا صاحبي ان تعبر كل هذا الصبر ؟ ان تعكف على الاماني القديمة الضائعة وتتخلى عن الاحلام ؟! وآية حياة هذه الخالية من الاحلام و الامنيات ؟!

عاد للسيارة بعلبتي بيرة .. جلس مظهرا مرحه .. ولكني لم استطيع الا ان ارى مأساته ..

نظرت اليه بشيء من الحيرة . لا يبدو كمن فقد حبيبة علق كل اماله واحلامه عليها . لا يبدو كمن أضاع ملاعب صباه ، لا يبدو كمقيم في الرحيل الدائم بلا استقرار

، وبلا لحظة راحة . انه يتحدث بهدوء وباعتيادية ، واحيانا بابتسامة . سعيدا من ذكرياته ؟! حتى تلهفه لمعرفة مصير أمينة لا يلاحظ عليه .

قلت لنفسي :

- الذكريات علامة لمن في صدره قلب وفي ذاته امل . القلب تحددت حياته بمفاهيم علمية ، اما الامل فما الذي يحدده ؟ واي مفهوم يحكمه ؟ هل هناك حياة بلا

امل ؟ ام ان الذكرى تتقمص كل ما يحويه الامل من سعادة وفرح ؟!

وعدت انلطق باتجاه الناصرة ، محاولا تحطيم الصمت الذي ساد بيننا بغمغمة كلمات اغنية ما غير واضحة حتى لي نفسي .

قدم لي علبة بيرة آمرا كعادته :

- اشرب !! اذا صيرني الزمن ملكا ستكون سائقي الخاص !

- انا كذلك من دون ان تصير ملكا !

ضحكنا وشربنا وانساني الغم الذي ادخلني فيه بحكايته . انزاح الصمت المربك . أخذ نفسا طويلا من سيجارة اشعلها ، واستمر يروي وكأنه يواصل حديثا لم ينقطع

:

- في اواسط سنوات الستين علمت من بعض عمال الناصرة العاملين في بيارات الرملة ان رجلا يحمل نفس اسم عائلة امينة يشتغل معهم وهو من اصل تركي على الاغلب

، ويقيم هو وعائلته في " الجيتو " العربي في مدينة الرملة . وكانت اول مرة اسمع تعبير الجيتو بوصف احياء العرب .. ولكن بعد يافا التي ضاعت ، لم اعد اشعر

الا ببعض الألم .

واضاف بعد ان تأوه .. وأخذ نفسا طويلا :

- هزني الخبر عن التركي ..اعادني الى حلمي القديم .. السعادة الحقيقية نبضت في صدري مرة اخرى . الحروف تراقصت على لساني . ارتعش قلبي بقوة وتملكني

بكاء شديد !!

بدا التأثر واضحا على وجهه كأنه يمثل دورا حفظه واتقنه . وحتى انا البعيد عن مشاعره اشعرني بتأثره الواضح بروعة الخبر الذي بلغه .

قلت لنفسي :

- حقا ان الفرح الكبير في اقصى درجاته يجعلك لا تعرف الابتسام انما البكاء من شدة الفرح .

وتابع يقول :

- تحضرت للسفر الى الرملة للتيقن بنفسي من وجود حبيبة الصبا وزهرة العمر . عادت يافا الى مخيلتي . كنت اغفو وانا اسمع هدير الموج وبشيشة ، فاصحو

مزمعا بكل عقلي للنظر من شباك نافذة غرفتي في الناصرة نحو البحر .. فيصدني منطقي .. فاعاود النوم .. فيعود بشيش الموج لاذني . لو كنت موسيقيا لكتبت سيمفونية

عن بشيش الموج وضجيج البحر . كلما ارتسمت ملامح امينة في مخيلتي ترتسم يافا وبحرها الازرق الممتد . لم ار بحر يافا منذ تلك الايام .. حتى عندما زرتها

تلك الزيارة اليتيمة .. تجاهلت النظر للبحر .. ربما فقدت قدرتي على احتمال الالم . في زمن واحد فقدت امينتي وبحري ومدينتي وبيتي .. وها انا يتجدد املي

بلقاء أمينة ، فيطفو البحر الى وعيي . ترتسم الحارات والمقاهي والشوارع الممتددة الرحبة .. أعرف انها اصبحت ركاما .. ولكني اراها عامرة بناسها .. ويمتلئ

ذهني بوجوه الاصحاب والاهل وحكايا السهرات وقصص البحارة التي لا تصدق ، والمثيرة للخيال الجامح ..

أرى أمينة بانطلاقة الامواج وتحررها على الشاطىء . أرى أمينة تسابق الموج نحو الشاطئ بمهارة وتصميم فتحويها .. موجة بحب .. وتدفعها للشاطىء بقوة .. كيف

أنسى البحر وأمواجهه التي كانت تعانق امينة بأمومة وحب ؟ تغسل مياهه جسدها البض . يرطب شعرها الاسود الطويل . يساعد الشمس على اعطاء جسدها لونه النحاسي

الجذاب . البحر أمينة . يافا أمينة . الشوارع أمينة . الذكريات أمينة. الحكايات أمينة . الهواء والشمس والقمر والنجوم .. كلها تحكي لي عن أمينة . فكيف

أنسى حبي ؟!

*******

اعادني من الذكريات وهو يرفع الكأس الى شفتيه داعيا اياي للشرب . ملامحه لا تعبر عن مشاعر خاصة ، بل من المستحيل ان يكون وجه كهذا بلا مشاعر ، وجها لانسان

طبيعي ؟!

- اذن مات اخي ؟!!

فاجأني بعودته للموضوع فاكدت .

- الله يرحمه..

- لم يتصل معي قبل موته . لم يخبرني بشيء . اعتقدت انه حدث له مكروه . كان عليه ان يخبرني بأحواله .. انتظرته طويلا !!

احترت مستعصيا عن الفهم . كلامه يخيفني ، كأني اسير في نفق مظلم مقطوع عن جذوري . لا أدري مخرجا للنفق . أبحث عن المنطق في رحم الغيب . أنشد بداية الفهم

ونهاية المفارقات . بحثت عن جسارتي لوضع النقاط على الحروف . أعجزني ما انا فيه من ارباك ومباغتة ، بدءا بظهوره المفاجأ وغير المفسر ، وانتهاءا بحديثه

وشكلهالغريب والبارد .. ووجدت ذكرياتي عنه تشدني بحبالها الحريرية ...

65