الفصل الثاني
الطريق الى جوانتانمو
كانت الرحلة طويلة ومعظم الركاب يغطون في نوم عميق .. ووفاء لشدة انفعالها وشجنها ومشاعرها الجياشة لما تمر به وينتظرها لم تستطع أن يغمض لها جفن ..
ظلت تفكر وتقرأ وأحيانا تشغل نفسها ببعض العمل على حاسبها المحمول .. واحيانا تراقب وتتابع بعض الركاب من حولها ..
كانوا أناسا لا شيء غريب بهم .. من جنسيات عدة وبلدان مختلفة .. ولكن أكثر ما جذب انتباهها هو ذلك الشيخ ذو اللحية الكثيفة البيضاء التي تأكل معظم وجهه ونظارته السوداء التي تلتهم الجزء المتبقي منه .. وعلى جانبيه شابان قويان مفتولي العضلات يتبادلان معه الحديث الهامس بين الفينة والأخرى وعينهما تجريان لفحص كل شبر في الطائرة كل ثلاث دقائق حتى أن عينهما اصطدمت بعينيها أكثر من مرة .. كان مشهدا يجذبها ويثير فضولها بشدة ..
ترى من هم وما جنسيتهم ؟؟ .. ولأي مكان يتوجهون ؟؟ .. فالطائرة ستمر ببلدان عدة ومن ضمنها مصر ..
كانت تفكر في ذلك قليلا ثم تنصرف الى محمد عياد بخيالها .. ثم تشغل نفسها بأي شيء .. ثم رغما عنها تعود الي متابعتهم .. ربما لأنهم الشيء الوحيد الذي يستحق المتابعة في تلك الطائرة ..
****
من المطار الباكستاني وعبر أحد الحواسيب المحمولة انطلقت رسالة اليكترونية تحمل في طياتها صور عدة الى مبني المخابرات المركزية الأمريكية ..
والى قسم خاص تم انشائه خصيصا منذ عام 2001 لمتابعة ما تحمله تلك الصور
وفور استلام الصور تم عرضها على حاسب مركزي متطور مما يسمي سوبر كمبيوتر يتم من خلاله جمع وترتيب وفحص كل مايرد عن تلك المهمة التي أنشيء القسم لها خصيصا ..
فأي معلومة تأتي من أي بقعة من بقاع العالم وأي دليل مهما كانت تفاهته يتم تغذية الكمبيوتر بها وهو يقم على حسب برمجته بتصنيف وتجميع تلك الخيوط في إطار محدد يساعدهم في الوصول أو النجاح في تأدية تلك المهمة ..
تم فحص تلك الصور بعناية ..
كانت لشيخ طاعن في السن برفقة شابان قويان مفتولي العضلات ..
وأطلقت صفارة قصيرة بما يوحي بأنه تم الوصول لشيء او ربط تلك الصور بمعلومة سابقة ..
فأحد الشابين تم التعرف عليه .. فقد كانت صورته مسجلة لديهم وهو احد المشتبه بهم في أحد التفجيرات الارهابية السابقة التي تعرضت لها السفارات الامريكية في التسعينات .. كانت صورته قد تم تسجيلها عبر احدي كاميرات الفيديو وقتها ..
وفور الوصول لتلك المعلومة ..
توقفت كل الانشطة التي تجري على قدم وساق ..
واتجهت كل الأعين والأذهان نحو تلك المعلومة ..
وعلى الفور تم فحص صورة ذلك الشيخ الذي تكسو وجهه لحية كثيفة ونظارة سوداء وحاجبين كثيفين .. ومحني الظهر بصورة ملحوظة ..
تم تعديل ظهره ومحو اللحية واعادة تلوينها وازالة نظارته وتخفيف الحاجبين
وعلى الفور .. دقت قلوب الجميع بعنف شديد ..
وكانت تلك المعلومة بين يدي الرئيس الأمريكي بعد لحيظات ..
لقد تم التوصل لموقع من تم انشاء قسم خاص بالمخابرات الأمريكية لملاحقته ..
تم التوصل للمطلوب الأول على مستوى العالم ..
الشيخ أسامه بن لادن
****
(( تناول كوب اللبن هذا سيمدك بالدفء والطاقة معا ))
طرقت هذه الجملة مسامع هاري فالتفت الى محدثه غسان ذو الشارب الكثيف وملامحة الصارمة التي تنافي تماما صوته الحنون الذي همس به بتلك الجملة
تناول منه الكوب وهو ما زالت تنتابه مشاعر عدة متناقضة ..
فمنذ أن سقط بين يدي المقاومة العراقية في تلك الليلة الدامية وهو يمر بمواقف غريبة لم تخطر له على بال أبدا وتنافي كل ما تعلم وما عرف عن هؤلاء القوم ..
حين أخرجوه من البئر كان محطم الساقين والمشاعر ..
هناك من نادى بوجوب قتله على الفور اقتصاصا مما يحدث لهم .. ولكن انطلق صوت غسان قائلا .. (( صبرا يا رجال لا داعي للعجلة .. هو بين أيدينا فلا تجعلو العاطفة تعمي بصيرتكم .. نريد استثمار وجوده معنا لأقصى درجة .. ))
وحين اكتشاف المذبحة الهائلة التي حدثت بداخل المنزل والتي لم ينج منها سوى العجوز والطفلين الصغيرين واللذين لم يستطع هاري أن يمسهما وأمرهما بالاختباء سريعا وأفرغ خزانة بندقيته نحو سقف الحجرة وأفرغ معها انفعاله وقتها .. وحين معرفة ما قام به ..
تغيرت المعاملة نحوه تماما ..
فبعد أن كانو يدفعونه بخشونة ويحدثونه بألفاظ قاسية مهينة ..
تحول الأمر الي حمله بعناية وحرص وملاطفته أثناء الحديث
وتم الانتقال به مباشرة الى موقع آخر سري تابع للمقاومة العراقية ..
وهناك قام أحد الأطباء بعمل جبيرة له وأعطاه العقاقير التي تعجل بشفاءه ..
وكان بينهم كأنه أحدهم ..
كان يظن بأنه حتما سيتم ذبحه وعلى مرأي ومسمع من العالم أجمع ..
وقالها لغسان ..
.. (( متى سيحين موعد إعدامي ؟؟ ))
ابستم غسان وقال ..
.. (( أنت لم تعتدي علينا .. ولم تقتل أحدا منا .. وقرآننا يقول ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم .. ولأنك قد أنقذت حياة أم لنا وابنين منا .. وقرآننا أيضا يقول واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها او ردوها .. لهذا نحن نرد لك تحيتك ولن نمسك بسوء .. ))
اندهش هاري للغاية من ذلك الكلام تماما وقال ..
.. (( اذا كنتم بهذا القدر من التسامح واللين .. لما كل هذا القتل والارهاب الذي تنشرونه بيننا ؟!! .. ))
.. (( أقول لك نحن لم نقصف حيا من أحيائكم ولا قتلنا أيا من شعبكم .. إنما من أتى يسلبنا أموالنا وديارنا ويقتل ابنائنا ويغتصب نسائنا .. فهذا من سنذيقه حمم الجحيم .. هل من حقكم المجيء لفعل كل ذلك وليس من حقنا الدفاع عن أنفسنا ؟؟ ))
.. (( لقد جئنا لتخليصكم من الطاغية الذي يحكمكم وقد حدث .. وكذلك لنحمي العالم من شروره ونزواته الارهابية ))
.. (( ومن طلب منكم ذلك ؟!! .. هل تخليصنا من الحاكم الذي يحكمنا يكن بقتل وتشريد الشعب وتدمير الوطن بأكلمه ؟!! .. إن كان كذلك فنحن نرضى به بديلا عنكم .. لقد قتلتم في أعوام قليلة أكثر مما فعل هو عبر بضع وثلاثون عاما .. ودعكم من تلك الشعارت البلهاء التي تزعمونها فلا يوجد طفل صغير يقبلها ))
احتدم الحوار بين غسان وهاري وكانت حجج غسان قوية وحواره عاقل وهاديء مما جعل هاري لا يملك الرد على معظم أسئلته .. وإن كان هاري نفسه لم يكن مقتنعا بمعظم ما يقول ولكنه أراد أن يسمع الرد على كل تلك المزاعم من الطرف المتضرر نفسه كي يكون قد جمع بين آراء الطرفين سويا بين يديه ..
وخرج في النهاية بأنه كان على حق فعلا بأن تلك الحرب إنما هي جريمة انسانية ملعون كل من يشارك فيها ولن يغفر التاريخ لهم أبدا ..
وأخيرا عزم بينه وبين نفسه إن نجا من ذلك الأسر سيكن له وقفة خاصة ومهما كانت النتائج ..
****
في مجلس خاص أشبه بمجلس حرب ضم الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه ومدير المخابرات الأمريكية ومستشار الأمن القومي وفي جلسة طارئة وعاجلة جدا
بدءوا بسرعة في تدارس الموقف الرهيب الحالي
فالمطلوب الأول الآن في المصيدة وبين أيديهم ويجب عليهم التعامل بحرص وحذر شديدين .. و بدءوا بسرعة في وضع كل الاحتمالات الممكنة في هذا الوضع
بدأ وزير الدفاع بقوله بأنه يجب إسقاط الطائرة على الفور بمن فيها وبتحليل الدي إن إيه سنثبت للعالم أجمع أننا قضينا عليه
ولكن مستشار الأمن القومي رد عليه بأن الطائرة عليها أكثر من مائة راكب مدني ووقتها ستنقلب التهاني بالقضاء على العدو الأول إلى لوم وتقريع وعدم مراعاة للإنسانية وأننا أكثر منه إجراما وإرهابا .. لنجعل ذلك الخيار هو الأخير إن استنفذنا كل الوسائل ..
وكان الخيار الثاني هو إرسال طائرتين حربيتين لتطويق الطائرة لحظة بلحظة ووضع فرق بجميع المطارات التي ستمر بها تلك الطائرة
وهو ما تم الموافقة عليه بالإجماع مع التنبيه على قائد الطائرة بإرسال بيان كل خمس دقائق بمسار الطائرة وما يحدث بداخلها وهل هناك مشاكل أم لا
وذلك من خلال الحكومة الباكستانية نفسها ..
وعلى الفور تم إجراء الاتصالات الكثيفة لتنفيذ كل تلك الخطوات..
*****
كانت وفاء تحاول الاسترخاء والنوم ولكن كانا بعيدا عنها كل البعد فشوقها ولهفتها لما هو آت يكادا أن يجعلاها أن تطير هي بدلا من الطائرة وتحلم بأن تصل إلى القاهرة قبل أن يرتد إليها طرفها ..
ولأول مرة منذ ركبت الطائرة رأت أحد رجال أمن الطائرة يقف في بداية الدرجة ليطل على الجالسين ثم يذهب داخلا
وبعد خمسة دقائق فعل نفس الفعلة .. وعند متابعتها لما بداخل الطائرة وجدت الشابين المصاحبين للشيخ ينظرا لبعضهما البعض ويهمسان سويا ثم ينطلق أحدهما نحو كابينة القيادة .. بررت ذلك بأنه ربما ذهب لاستخدام حمام الطائرة الأمامي .. ولكن بعد ثلاث دقائق ذهب الآخر خلفه ..
وغابا ولم يظهرا بعدها ..
لم يخطر ببالها شيئا ولم تحاول أن تجد التبرير ..ولكن عند متابعتها للشيخ وجدته مسترخي في جلسته ومغمضا لعينيه ويتمتم بكلمات غير مسموعة كأنما يقرأ أدعية أو آيات من القرآن ..
توقعت أن يظهر رجل الأمن ليطل على الجالسين فاحصا إياهم ولكنه لم يظهر بعدها
فعادت لاسترخائها وهي تحاول طرد كل ذلك فحتما لا شيء هناك والأمور هادئة فلا يوجد أي صخب بالطائرة ....
ولم تكن تعلم بان هناك بركانا متفجرا بها
فالشابان المصاحبان للشيخ أسامه بن لادن لحظا حركة رجل الأمن غير الطبيعية والتي كانت تنفيذا لتعليمات قائدا الطائرة حين أمره بالاطمئنان على هدوء الأمور كل خمس دقائق .. وعلى الفور قررا عدم ترك الأمر للاحتمالات المتعددة ..
وعلى الفور وضعا خطة سريعة وبسيطة وفعالة ..
أخبر زميله بأنه سيذهب إلى الحمام الأمامي وسيخرج منه بعد ثلاث دقائق ليبدءا العمل سويا ..
وفي التوقيت المحدد .. كانا واقفين سويا وتعمدا التكلم بصوت ملحوظ فأتى إليهم رجل الأمن ليستعلم ما الأمر وعلى الفور طوقاه وسحبا منه سلاحه وقاما بتقييده وتكميمه وهددا طاقم الطائرة بالقتل الفوري إن صدر منهم صوت وتم تكميم وتقييد الجميع .. وانطلقا إلى كابينة القيادة .. وتم السيطرة عليها بكل سهولة حيث أنهما قد صارا مسلحين ..
أخبرهم القائد بأن اختطاف الطائرة ليس هينا فهو قد تلقى أمرا بإعطاء تقرير كل خمس دقائق .. وهناك طائرتان حربيتان ستصلان لمتابعته بعد دقائق ..
نظر الشابان كل منهما الى الآخر
وعلى الفور بدءا العمل بطريقة اتسعت لها عينا قائد الطائرة ..
فقد قاما بتعطيل كل أجهزة البث والمتابعة الخاصة بالطائرة .. بل وأجهزة الإرشاد التي قد تساعدها في الهبوط السليم والرجل يقول لهما هكذا قضى علينا ..
الطائرة أبدا لن تهبط بسلام
وهما يعملان بلا حديث وكأنما خططا لكل ما سيحدث بعد ذلك ..
وأخيرا هبطا بالطائرة إلى مستوى منخفض جدا يكاد أن يلامس ماء المحيط
وبهذا أصبحت الطائرة خارج دائرة الرصد الإليكتروني بشتى أنواعه
ولكن ترى إلى أين ستذهب .. وماذا سيحدث لها بعد ذلك ؟؟؟
*****
(( السادة الركاب نرجو منكم ربط حزام الأمان ووضع كمامة الأكسجين التي تدلت أمامكم الآن على وجوهكم والاستنشاق ببطء وبلا فزع .. فهناك عطل بسيط وسوف نهبط على إحدى الجزر باذن الله .. نرجوا الهدوء والبقاء في مقاعدكم ... ))
ارتفع هذا النداء بداخل الطائرة .. فارتفعت بعده صرخات الفزع واتسعت الأعين في محاجرها .. وكاد قلب وفاء أن يتوقف وارتمت على صدر أبيها وهي ترتجف برعب
كانت الطائرة منخفضة جدا مما ينافي كل قواعد الطيران الآمنة ولكنهم حتى لم يجدوا أحدا من طاقم الطائرة ليشكوا منهم أو اليهم ..
كانت اسلوب الطيران عجيبا ... فهي تنطلق الى الأمام تارة ثم تغير اتجاهها تارة أخرى وكأنها سيارة تطاردها سيارة أخرى في أحد شوارع القاهرة ..
وبعد نصف ساعة من الفزع والرعب الشديدين ظهرت إحدى الجزر ..
كان أمل الهبوط عليها بسلام ضئيل جدا ..
وبالرغم من ذلك اتجه قائد الطائرة بها نحو شاطيء تلك الجزيرة وظل يدور حولها عساه أن يجد مكانا يصلح للهبوط .. وأخيرا قرر الهبوط بها على امتداد الشاطيء
ارتجت الطائرة بعنف شديد وانتزعت معها قلوب كل الركاب من مواضعها
ولكن بسبب الرمال المبللة كانت سرعتها تتباطيء كثيرا وأخيرا توقفت
وارتفعت بعدها صيحات الفرحة بالنجاة ..
انطلق صوت قائد الطائرة قائلا .. (( نرجوا منكم جميعا التزام مقاعدكم وعدم الحركة حتى إشعار آخر وذلك لضمان سلامتكم ))
التزم جميع الركاب بتلك التعليمات ولدهشة وفاء وجدت الرجل العجوز الغامض ينهض من موضعه ويتجه صوب كابينة القيادة .. فتذكرت هذين الشابين اللذين تناساهما الجميع بسبب أحداث الطائرة .. وعلى الفور تفهمت ما يحدث ..
فالطائرة لا عطل بها ولكنها مختطفة ..
وبشكل يناقض طبيعتها والظروف المحيطة بها .. استأذنت أباها للذهاب الى الحمام حاول إثنائها لخطورة الموقف ولكنها قالت لقد قام العجوز ولا خوف وانطلقت نحو الامام ..
فوجئت بطقم الطائرة مقيد ومكمم اندهشت وشهقت برعب وكأنما لم تكن تتوقع هذا
وقبل أن تتوجه لفك قيودهم وجدت باب كابينة القيادة يفتح ويبرز منه أحد الشابين الذي فوجيء بها .. فصوب سلاحه نحوها فصرخت برعب
فشدها الى داخل كابينة القيادة واغلقها باحكام ..
كان الشيخ قد تخلص من منظارة الكبير ويتحدث الى الشاب الآخر وفوجيء بما يحدث فقال له .. (( ماذا هناك ؟؟ .. ))
فرد عليه قائلا
(( نريد أن تسير الأمور بهدوء وهي كانت ستفسد كل شيء .. ))
(( وما أدراك أن صرختها لم تفسد الأمر فعلا ؟.. ))
(( لذا يجب التصرف الآن وبسرعة .. فالطائرة الآن مفقودة منهم وحتما سيبدأو في استخدام أقمارهم الصناعية .. نريد التخلص منها الآن وبسرعة .. ))
كانت وفاء ترتجف في رعب وصمت ولم تستطع أن تفه بحرف ولكن ما إن أمعنت النظر في وجه الشيخ حتى تعرفته
وكانت مفاجأة لا مثيل لها جعلتها تخرج عن صمتها وتقول له
(( أأنت أسامه بن لادن ))
ابستم لها بود قال .. (( نعم يا بنيتي ))
(( أنت أكبر إرهابي مطلوب على مستوى العالم ؟.. ))
(( هل المجاهدين في سبيل الله يسمون إرهابيين الآن ؟؟ .. نحن نقبل الوصف هذا من أعداء الله لأن الله أمرنا بارهابهم ولكن لا نقبله من إخواننا.. ))
(( هل أنت مقتنع فعلا بأن ما فعلته حق وأن أسلوبك صحيح ؟؟ .. ))
(( وما الخطأ الذي ترينه فيما فعلت؟؟ .. ))
(( حينما كنت تمول وتسلح المقاومين في أفغانستان وقت الاحتلال السوفيتي وتحشد لهم مقاتلين من شتى البقاع .. كان تصرفك حسن وسليم لأنك كانت تحارب معتدي وقتئذ .. أما أن تعتدي على الآمنين وكثيرا من الأبرياء فهذا اعتداء لا نقبله وأعتقد بأنه خطأ فديننا الإسلامي نهى عن الإعتداء على النفس البشرية وكل تعاليمه تحض على الحفاظ عليها .. ))
(( لكل حرب ضحاياها يا بنيتي .. ))
(( ولكن ضحاياك تجاوزو المعقول .. فبعد حادث نيويورك ماذا حدث ؟؟
سقط بلدين اسلاميين كبيرين في يد أعدائك .. وتم السيطرة العسكرية والسياسية على منطقة الشرق الأوسط كلها .. ))
(( كل هذا كان سيحدث إن عاجلا أو آجلا فقد كان مخططا له ولكن اختلفت المبررات فقط .. ))
(( نعم ولكنك اصبحت ألعوبة في أيديهم استطاعوا دفعك الى ذلك الهجوم كي يعيثوا في الأرض فسادا والمبرر أنت وما فعلت .. ))
(( للمجتهد أجران إن أصاب وأجر واحد إن أخطأ .. ))
(( واختطافك للطائرة وقتل من بها من أبرياء هل هو جهاد حقا ))
ابتسم وقال .. (( ومن قال بأننا سنقتل من بها .. ))
واستدار لإكمال الحديث مع مرافقيه .. ظلو يتشاورون ويتحاورون وأخيرا استقروا على حل رائع ينهي المشكلة ويخرج كل من فيها بدون ضرر
*********
كان والد وفاء يكاد أن يموت من القلق على ابنته وارتج قلبه بعنف حينما سمع صرختها .. قام واقفا وهو يهم بالجري نحو كابينة القيادة ولكن امسك به بعض الركاب قائلين له ابق في موضعك .. لا نعلم بما يحدث هناك .. ولنتبع تعاليم قائد الطائرة حتى نعلم ما الأمر ..
كان على حافة الجنون .. ابنته قد يكون مسها الضر وهو عاجز لا يستطيع حتى أن يرد على ندائها المرسل عبر صرختها ..
مرت عليه نصف ساعة كأنها ثلاثون عاما .. وأخيرا انطلق صوت قائد الطائرة قائلا ..
.. (( السادة الركاب نحن على وشك إصلاح العطل .. نرجوا منكم الالتزام التام وعدم التحرك مطلقا مهما حدث .. ولتعلموا بأنكم جميعا في أمان تام .. ))
وفور انتهاء جملته ظهر طاقم الطائرة مبتسمين كالعادة وإن كان لا يخفى منها التوتر الشديد وبينهم وفاء التي أتت مبتسمه وجلست بجوار والدها الذي احتضنها بقوة وهو لا يكاد أن يصدق نفسه .. وسألها في لهفة عن سب صرختها
فقالت ببساطة عندما هممت بفتح باب الحمام وجدت أحدهم يدفعه خارجا منه ففزعت منه .. وانطلقا في حديث هامس ودعوات بأن يمر الأمر على خير ..
ظلت الطائرة واقفة ما يقرب من الساعة ..
وأخيرا ارتفع صوت قائدها بوجوب ربط أحزمة الامان والبقاء في المقاعد وتعديل وضعية الكرسي بزاوية قائمة لأن الإقلاع سيواجه بعض الصعوبة .. ويرجوا الجميع بعدم الفزع أو أي رد فعل غير طبيعي حتى يتم الإقلاع بسلام ..
.. حبس الجميع أنفاسهم والتزموا بالتعليمات حرفيا ..
بدأت حركة الطائرة بصعوبة ..وازدادت سرعتها تدريجيا واخيرا أقعلت وارتجت مرة أو مرتين .. و تنفس الجميع الصعداء .. فقد مرت الأزمة بسلام ..
وانطلقت الطائرة في رحلتها العادية والقائد يطمئنهم بأن الأمور كلها على ما يرام
وأخيرا قاموا بفك أحزمة الأمان ..
ظهرت إحدى المضيفات تسأل الركاب إن كان من بينهم من يحمل جوالا يعمل بالأقمار الصناعية .. ولم يجيبها أحد .. قامت وفاء وأخبرتها بأن جوالها يتبع شبكة عالمية ويمكنها اجراء مكالمات من أي دولة بشرط توفر إشارة الاستقبال والإرسال .. فأخذته منها وسط دهشة الركاب الذين لا يعلمون ما يجري ..
*****
كانت الإدارة الأمريكية على حافة بركان مشتعل .. بعد أن اطمأنوا بأن الطير في المصيدة .. فجأة اختفت الطائرة منهم اختفت من كل وسائل الرصد والتتبع حتى الرادارت التابعة لباكستان وأفغانستان والهند عجزت عن تحديد موقعها ..
كانت مفاجاة قاسية ولطمة موجعة .. وأخيرا قالو بأنه لا حل الا الأقمار الصناعية وقامو بتوجيهها جميعا نحو المحيط ولكنها كانت أشبه بالبحث عن إبره وسط كومة من القش فهناك الكثير من الطائرات والمساحة شاسعة جدا ..
وقالوا بأن عليهم الصبر .. كل طائرة يعثرون عليها سيتبعون مبدأ الاستبعاد ..سيتم تحديد هويتها والتي لا هوية لها تكن هي بغيتهم ..
مرت ثلاث ساعات ولا أمل ..
وأخيرا .. أتت اليهم إخبارية من الفريق المرابض في مطار مسقط .. العاصمة العمانية .. لقد أتت الى المطار مكالمة من طائرة تعطلت بها كل أجهزة الرصد والإرشاد وحالتها طارئة ولا وسيلة اتصال بها الا الهاتف الجوال ..
على الفور قام الرئيس الأمريكي بمهاتفة الرئيس العماني كي يحدث به الأثر المطلوب لتنفيذ التعليمات لأن الوقت لا يسمح بالتلاعب الآن ... أخبره بأن الأمر اشبه باعلان الحرب على دولته إن هو رفض تنفيذ التعليمات ولا مجال للهزل فيه ..
وأصبح المطار بأكلمة طوع المخابرات الامريكية وتوجهت فرقة عسكرية على متن عدة مقاتلات من منطقة الخليج لتطويقة وتأمين العملية وتم إخلاء المطار وتعطيل كل الرحلات به ..
وأصبح كأنه فعلا ساحة حرب معدة للقتال ... هبطت الطائرة بسلام .. وما إن هبطت حتى انطلقت نحوها السيارات المحملة بالجنود وطوقوها واندفعوا الى داخلها وهم يصرخون في كل الركاب وحتى طاقم الطائرة بأن ينخفض الجميع وبلا حركة ومن ستصدر منه طرفة عين سيتم تصفيته على الفور ..
كان الركاب في حالة من الهلع والجزع وهم لا يفهمون سر ذلك الجنون والأهوال التي يمرون بها .. نفذ الجميع التعليمات حرفيا ...
وتم اقتيادهم راكبا راكبا وهم مكبلين بالأغلال في مشهد يشبه أسرى الحرب
تم تفتيش الطائرة بعناية والمخازن بها وتفتيت كل ما بها ..
وأخيرا قاموا بحمل الجميع على متن الطائرات الحربية .. جميع الركاب وحتى لم يسلم منهم طاقم الطائرة وانطلقوا بهم نحو جهة غير معلومة بعد أن خلفوا ورائهم الكثير من الدمار والرعب والمرارة والهوان في نفوس الجميع.
*****
كاد القلق أن يفتك بمحمد عياد وهو بمطار القاهرة ينتظر وصول الطائرة الباكستانية .. فقد تأخرت أكثر من خمس ساعات عن موعد وصولها ..
سأل عن موعد انطلاقها من باكستان .. فعلم أنها انطلقت فعلا وفي انتظار وصولها .. أكثر من عشر مرات بمعدل كل نصف ساعة كان يتجه للسؤال عن الطائرة إن كانت قد وصلت أم تعطلت أم ماذا حدث لها ؟؟ ...
وبينما هو يقطع الأرض جيئة وذهابا وكل أمارات القلق بادية عليه للعيان ..
توجه نحوه أحد الرجال يطمئنه ويحاول الحوار معه قائلا له
(( .. هديء من روعك .. ما الذي يقلقك بهذه الصورة ؟؟ ))
.. وكأنما وجد محمد طوقا ليستنجد به من انفعالاته .. فجلس يحاور ذلك الرجل
قائلا له ..
.. (( الطائرة الباكستانية القادمة عليها أهم شخص يمكنني انتظاره على الإطلاق ))
لمعت عينا الرجل وهو يقول له ..
.. (( أهو أباك الذي تنتظره .. ))
ابستم محمد لأول مرة وقال ..
.. (( نوعية المشاعر هنا تختلف .. فهي محبة من نوع خاص ومميز .. ))
.. (( منذ متى وصاحبك هذا غائب عنك ؟؟ ))
.. (( ستتعجب لو قلت لك بأني لم أره من قبل .. ولكنها مشاعر توطدت بيننا عبر الإثير .. وهذا اليوم هو اليوم الموعود .. يوم حدوث المعجزة التي كنت احلم بها ..
لن تصدقني لو قلت لك بأني وضعت أكثر من سيناريو لموقف اللقاء ولكن أشعر بأن الحدث سيفوق كل ما توقعت .. ولكن الحيرة تستبد بي وأشعر بقلق بالغ ولست أدري ما هو سبب تأخر تلك الطائرة ))
قال له الرجل .. (( في الناحية المقابلة لتلك الصالة يوجد مكتب يعمل به أحد معارفي يمكننا الانتظار به وأيضا عبر هاتفه يمكننا متابعة كل الأخبار ومعرفة التفاصيل فلتأت معي .. ))
انطلق معه محمد راغبا أن يصل لمعرفة التفاصيل التي يصبو اليها ..
وكان مرافقه يتحدث في هاتفه المحمول بصوت هامس لم يتبين منه حرفا ..
وبينما هما يعبران بين السيارات الواقفة بموضع الانتظار بمطار القاهرة ..
اذ بسيارة ينفتح بابها وتمتد يدان قويتان لتجذبه داخل تلك السيارة وتغلق الباب في أقل من لمح البصر وانطلقت السيارة مسرعة به .. وقبل حتى أن ترتسم على وجهة أمارات الدهشة أو أن يتفوه بحرف اندفعت قطعة قماش خشنة داخل فمه وتم تقييد يديه وقدميه وتغمية عينية بسرعة وبراعة كأنما هؤلاء هي مهنتهم منذ الأزل ..
وبعدها رغما عنه أيضا تشمم رائحة نفاذة لم تخطئها أنفه .. فقد كانت رائحة مخدر قوي في لحظات بعدها كان غائبا عن الوعي ..
*****
انطلقت دفقة ماء بارد على وجه وفاء بقوة انتفض لها جسدها من الألم وهي تصرخ بقوة ..
قال لها محدثها الواقف بجوارها ..
.. (( أنت الوحيدة التي لديها مفاتيح ذلك اللغز .. تحدثي لترحمي نفسك من عذاب أليم ولا مثيل له .. الكل شهد بأنك الوحيدة التي تبعت الشيخ وعدت بعدها مبتسمة
ربما لنجاح الخطة .. ما هي تلك الخطة وأين ذهب الشيخ ؟؟ فلا أثر له ولا لمرافقيه ))
بكت وفاء وتهدج صوتها وهي تقول .. (( أقسم لك أنه لا علاقة لي به ولا توجد خطط مشتركة بيننا .. ))
.. (( حسنا اخبرينا أين ذهب .. ))
.. بكت وفاء وهي ترتعد في قوة قائلة ..
(( لقد تحدث مع مرافقيه عن سبل الخروج من المأزق وقالا بأنه لا يوجد إلا حلا واحدا لأنه عبر الصندوق الأسود يمكن التوصل الي مكان الطائرة .. وأن أكثر من مائة شخص عبء عليهم يريدون التخلص منه .. ولهذا كان الحل هو أن تبقى الطائرة على هدوئها وتقلع بنا جميعا ولكن بدونهم ويبقوا هم على الجزيرة بعد أن يأخذوا ما يستطيعوه من الطائرة .. وبما أن الطائرة تخلو من كل وسائل تحديد الاحداثيات ستبقى تلك الجزيرة مجهولة ولن يستطيع أحد التعرف عليها أو على موضعها ... ولكي تتم الخطة كما هو مرسوم لها كان يجب التعاون معهم .. نحن نريد الخروج بالطائرة آمنة وهم يريدون أن لا يشعر أحد بهم أو بما فعلو وكانو هم المسلحين ... ولهذا كان لزاما علينا جميعا التعاون معهم كي نخرج من المأزق سالمين .. ولكن يبدوا أننا استغثنا بالنار من الرمضاء .. ))
.. (( ولماذا أنت من دون كل الركاب كنت مشاركة في كل تلك الأحداث ؟؟ ))
... (( إنه الفضول الذي قتل القط ))
.. (( ومن حضر معك أثناء التخطيط لكل ذلك ؟؟ ))
.. (( قائد الطائرة ومساعدة فقد كانوا الوحيدين بكابينة القيادة ))
.. (( وأين كنت أنت بالنسبة لقائد الطائرة على يمينه أم على يساره ؟ ))
.. (( في مواجهته مباشرة فقد كان ظهره لمقدمة الطائرة وظهري لباب كابينة القيادة ))
.. (( وأين كان مساعده وقتها ؟؟ ))
.. (( على مقعده الأيمن ))
.. (( وأين كان يجلس الشيخ ؟ ))
.. (( على كرسي القائد ويقف مرافقية على جانبيه ))
أشار المحقق للرجال فجروها بعنف لتعود الى زنزانتها بعد أن أجابت عن نفس الأسئلة للمرة العشرين ولكن في كل مرة كان يتم تعديل الأسئلة لتكون بصيغة جديدة ..
ونفس الأسئلة تم توجيهها لقائد الطائرة ومساعده كل على حده ليتم مطابقة أقوال كل منهم مع الآخر .. وبعد أسبوع كامل تم الافراج عن معظم الركاب الا من كان منهم من دول عربية أو إسلامية وقائد الطائرة ومساعده ورجل أمن الطائرة .. الذين تم تكبيلهم وتم حملهم على متن طائرة ظلت تطير بهم مدة طويلة جدا من الزمن لم يستطيعوا أبدا من تحديدها ..
ولكن عند هبوطهم تم اقتيادهم الى أكثر مكان في الأرض تنتهك فيه الانسانية وتداس فيه كل الحقوق تحت الأقدام ..
فقد فوجئوا بنزولهم ضيوفا على معتقل جوانتنامو ..
*****
.. (( وماذا تقول عن أسامه بن لادن ؟؟ هل هو قائد ملهم للمسلمين الآن وهو الأمل الوحيد الباقي لهم ؟؟ ))
طرق ذلك السؤال مسامع محمد عياد الذي حل ضيفا جديدا على معتقل جوانتنامو مع كثير تم اعتقالهم عبر مطارات عديدة ..
فكل فرق الانتظار التي عسكرت بالمطارات فور أن تم السيطرة على الطائرة واكتشاف عدم وجود بغيتهم بها .. انطلقو بخطف واعتقال كل من يتم الاشتباه به ولو بكلمة تافهة أو حركة مريبة .. مجرد الاشتباه فقط كان يعد حكما بالادانة .. وتم اقتياد الجميع الى هناك .. الا حيث تنعدم كل ما يعد من أبسط الحقوق البشرية من تحقيق راق أو محاكمة عادلة ..
كان محمد منهكا .. مبعثر المشاعر والأفكار وهو لا يدري ما علاقته بكل ذلك .. وكيف في لمح البصر ألقي به وسط أتون مشتعل ..
كان في السابق يتابع قناة الجزيرة ويعرف منها ما يحاك ويدار بداخل ذلك المعتقل الرهيب الخارج عن منطقة الأرض والزمن والمعقول ..
كان يتعاطف مع الصحفي سامي الحاج الذي تبرز صورته يوميا عقب النشرة الإخبارية ويتألم كيف يعتقل هذا الرجل بدون جريرة إلا أنه كان يسعى خلف الحقيقة وكل الشواهد تقر بأنه لم يكن أبدا ضمن تنظيم يحارب تلك السلطات الأمريكية الغاشمة ..
ولم يخطر بباله ولو لوهلة أن يكون زميلا له في كل ذلك اللامعقول ..
رد قائلا .. (( رأي في هذا الرجل معقد جدا لن تستطيع ان تعلم منه هل أنا معه أم ضده ))
.. (( فقط أخبرني وسنرى سويا .. ))
.. (( هذا الرجل مؤمن بفكرة وأخلص لها بكل روحه ومشاعره وإمكاناته .. أحترم فيه إخلاصه وتضحيته لأجل الفكرة التي آمن بها .. ولكن هل كان مصيبا ؟؟
هذه هي النقطة التي سأقف عندها كثيرا .. فقد أخطأ أخطاءا أضرت بأمتنا أكثر مما نفعتها .. فمنهجه التصادمي كانت عواقبه وخيمة علينا جميعا وليس عليه وحده .. ))
.. (( ومن أدراك بأنه ليس أحد عملائنا .. وأن كل ما حدث كان بتدبير أمريكي بحت ؟؟ ))
.. (( أتفق معك بأن كل ما حدث كان تدبير أمريكي صهيوني .. ولكن ليس عبر تجنيده والاتفاق معه بصورة مباشرة ... فكما أوقعتكم الإمبراطورية البريطانية قديما في فخ الحرب العالمية الثانية .. حينما أوحت المخابرات الانجليزية لليابانيين بأن ميناء بيرل هاربور ميناءا امريكيا عسكريا يتم الإعداد منه للهجوم والمشاركة في الحرب .. فقامت بمهاجمة ذلك الميناء مما كان سببا مباشرا لدخولكم في اللعبة التي حاولتم تجنبها وقتها .. مما قلب كل موازين الحرب .. فقد فعلتم المثل وبصورة غير مباشرة .. وبتهيئة كل الظروف أوقعتم به في الفخ ولن أستبعد بأن مبنيي التجارة العالمية كانا مفخخين في انتظار التصادم المرتقب ليتم تفجيرهما ومحوهما تماما .. كي يكونا سببا في محو كل العقبات التي تقف في طريق هجماتكم البربرية على العالم أجمع .. ))
ابتسم المحقق قائلا .. (( ومن أخبرك بشأن تخطيط المخابرات الانجليزية هذا عن ميناء بيرل هاربور ؟؟ ))
.. (( لقد نشروا وثيقة تحوي ذلك بعد مرور أكثر من خمسين عاما عليها .. ))
.. (( ومن أين لك بها ؟ ))
.. (( شبكة الانترنت تيسر سبل الحصول على كل المعلومات التي تريد معرفتها .. ))
.. (( هل تعلم أنه أعجبتني ثقافتك تلك .. ولهذا سيتم مكافئتك على ذلك .. ))
نظر محمد اليه بتسائل شديد
فقال له ..
.. (( تزعم بأنك كنت تنتظر فتاتك المسماة وفاء القادمة من باكستان والتي لم ترها من قبل .. سنجعلك تتمكن من مقابلتها ))
اندهش محمد للغاية وهو غير مصدق لقوله .. ولا يعي كيف سيتم ذلك إن كان صادقا في قوله ..
ولكن وصلت دهشته للذروة حينما تم اللقاء المعجزة بينهما .. فقصتهما الغير منطقية .. والتي فاقت كل خيال وضعت فصلا جديدا أكثر عجبا .. وكان لقاءا يعجز العقل عن تخيله والقلم عن وصفه ....
*****
دخل محمد الى الحجرة يقدم قدما ويؤخر الأخرى .. كان يشعر بلهفة وخوف
رغبة ورهبة .. أمل ووجل .. كانت تنتابه كل المشاعر المتناقضة ..
فالموقف العجيب الذي يعيشه جعله خارج حدود الزمن ..
كان يظن بأنه يحلم .. ويأمل بأن يستيقظ ليجد نفسه بدنيا الواقع ..
كانت وفاء هي الشيء الوحيد التي يرغب في استمرار الحلم لأجلها ..
وما عدا ذلك فكله كابوس بشع ..
كان يظن بأنه فور دخول تلك الحجرة سيجدها بها ..
ولكنها كانت حجرة جرداء من كل شيء الا منضدة وكرسيين ومن الواضح أنها كانت حجرة تحقيق ..
جذب مقعدا وجلس عليه وهو ينتظر دخولها في أي لحظة ..
وأخيرا ..
أرعدت السماء وأمطرت ..
وأظلمت الدنيا مرة واحدة ..
فقد دخلت تجر قدميها بضعف ووهن شديدين ..
كانت عبارة عن هيكل عظمي مغطي بخرقة ممزقة ..
شعرها مبعثر في كل اتجاه ..
عيناها غائراتان ..
وتمشي مترنحة ولا تعلم حتى الى أين تذهب ..
صدم محمد من هذا المشهد .. وانتفض قلبه في صدرة كطير ذبيح ..
نظرت اليه وقالت له ..
(( أستحلفك بالله أن تقتلني وتريحني مما أنا فيه .. ))
ألجمت المفاجأة محمد ولم يستطع أن يفه بحرف .. ظل يتطلع اليها وعبراته تنسال على وجنتيه بصمت ..
كانت تقف منكسرة ذليلة .. ومن شدة وهنها لم تتحمل أن تظل واقفة فارتمت جالسة على الأرض .. ووجها يفحص الأرض ولم تحاول حتى أن تنظر نحوه ..
وهو أيضا ظل على صمته وسكونه .. وكأنما قد توقف الزمن عند تلك اللحظة القاسية القاتلة ..
ولما طال الموقف نظرت اليه وقالت له .. (( متى ستنهض الى فريستك ؟؟ ))
وفوجئت بعبراته ونظراته التي تعد غريبة لها ولم ترها بهذا المكان من قبل ..
شعرت بأن هناك أمرا غير طبيعي .. فقالت له ..
.. (( من أنت وماذا تريد ؟؟ ))
خرج صوته متحشرجا وهو يقول بتهدج ..
.. (( ألم يخبروك بمن ستلتقين الآن ؟؟ .. ))
.. (( من كثرة الذئاب لم يعد يعنيني بمن سألتقي .. ))
.. (( أنا محمد عياد يا وفاء .. ))
ارتعشت يدها وتشنج جسمها ثم تخشبت وصمتت ولم تفه بحرف ..
ظنت بأنها ربما هلوسة سمعية .. أو هو هاتف خفي من داخلها نطق بذلك الاسم
ورفعت بصرها اليه تتمعن وجهه وترى قسماته ..
ومن التعرجات التي ترسم لوحة بها أقسى آيات الألم ..
ومن عينيه اللتان تفوحان بكل حزن الدنيا ..
ومن عبراته التي تحرق وجنتيه بعذاب أليم ..
علمت بأنها سمعت الحروف من فمه فعلا .. وأنها بدنيا الواقع .. والتي في الحقيقة أعجب من كل خيال ..
التقت عيناهما لأول مرة ..
وكأنما انطلق شعاع خفي بينهما وقام بتثبيت الصورة تثبيتا أبديا ..
ظلا محدقين كل منهما في عيني الآخر ..
عبراتهما تناجي بعضهما البعض بكل أشعار وملاحم ومشاعر ومفردات اللغات كلها ..
وأخيرا نطق قائلا ..
.. (( قصتنا لتي لم يكن بها موقفا واحدا منطقي أو معقول حتما ستكون تلك احدى مشاهدها .. ))
هزت رأسها وشفتيها ترتعشان .. تحاول الابتسام ولكنها تعجز ..
ونحيبها يرتفع صوته ..
قالت .. (( كان من أجمل أحلامي وأروعها هي رؤيتك .. ولكن للأسف انقلبت الى كابوس بشع رهيب لا قبل لي به .. فقد كنت أتمنى الموت ألف مرة قبل رؤيتك هذه وأنا على هذا الحال .. ))
.. (( كل شيء قابل للاصلاح .. والله المتعال فوق كل شيء قادر على أن ينجنا مما نحن فيه .. ))
.. (( حتى لو خرجنا من هنا يا محمد فقد انتهيت ولم أعد أصلح للحياة .. ))
.. (( امبراطورية الظلام هذه لن تقتل الحلم بداخلنا الا بالموت .. ))
.. (( لقد تذوقت ما أهو أشد مرارة من الموت آلاف المرات يا محمد .. ))
.. (( مهما كانت قسوة التجربة .. فلدينا القوة والطاقة لنعبرها ونسموا فوقها .. ))
.. (( هل سيظل أملك وتفاؤلك هذا بداخلك حين تعلم بأن كل ذئاب هذا المعتقل قد تتابعوا علي وبصورة يومية .. ))
شعر محمد بطعم الزقوم في حلقه .. شعر بأنه ينسحق الى داخله ..
صمت .. وطال صمته وهي أيضا لم تنطق بعدها ..
وقامت تجر أذيالها منصرفة تاركة خلفها شبح انسان من المفترض أنه عاشق لها
وبعد أن تجاوزت الباب سمعت صوت طرقة جنونية على المنضدة
وصرخة ارتجت لها كل أرجاء المعتقل ...
*****
نظر ذلك الضابط الأمريكي نحو زميله عقب أن دخل الجنديان ليقتادا محمد عياد الى زنزانته .. بعد أن شاهدا تلك المآساة عبر زجاج عاكس وسماعات نقلت لهما كل حرف تفوها به ..
وقال له .. (( نجحت فكرتك فعلا وتم اكتشاف الحقيقة بأنهما لا علاقة لهما بأي شيء .. فتلك المواجهة كانت صادقة لأبعد مدى .. ما الخطوة التالية ؟؟ .. ))
هز زميله رأسه بغير عناية وبكل بساطة قال ..
.. (( ما داما لا علاقة لهما بشيء ولا يعرفان أي شيء .. وما دامت تلك الفتاة استنفذت بتلك الصورة .. تخلص منهما بالطريقة المعهودة .. ))
.. (( هل عن طريق نقطة تمريض المعتقل أم رميا بالرصاص ؟؟ ))
.. (( لا نريد صوت طلقات هنا .. أرسلهما الى نقطة التمريض .. وليتم كل شيء بصمت .. ))
نظر الرجل نحو الجندي الواقف ورائهما منذ البداية وقال له ..
نفذ تلك التعلميات غدا صباحا ..
أخبرهما بأن لهما لقاءا آخر بتلك النقطة .. ولتتخلص منهما بحقنهما بالسم اياه ولتنصرف بهما سيارة المخلفات ولتدفنهما وسطها خارج المعتقل ..
أومأ الجندي برأسه دون أن ينطق ..
في صباح اليوم التالي ..
كانت سيارة المخلفات تنطلق حاملة جسدين لحبيبين نبض قلبهما عبر مشاعر اليكترونية ..
وكانت نهايتهما في تلك العربة القذرة وسط مخلفات رجال هذه القاذورات هي أرقى منهم آلاف المرات ..
*****
.. (( ما زالت ذكرى سقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية ورمز عزتهم ومجدهم بيد التتار تراود مخيلتي .. وقتها قاموا بفظائع لا أقوى على تحملها .. مما وصف وقتها بأن دماء الضحايا كانت أنهارا بشوارع المدينة بلا مبالغة ولا تهويل فعلا .. وأيضا كانت مكتبة بغداد الحضارية أكبر وأوسع وأغني مكتبة بالعلوم وقتها .. قاموا بصنع جسر بتلك الكتب في نهر الفرات .. وكأن كل الغزاة على مر التاريخ يهدفون الى شيئين .. إسالة الدماء وإذلال أصحاب الأرض ومحاولة محو كل آثار حضارتهم .. ولكن ما تلى ذلك هو أن ظهر قائد جسور من مصر يلقب بقطز استطاع أن يوقف المد التتاري الذي كان قد اجتاح بقعة كبيرة من الكرة الأرضية .... وبما أن التاريخ يعيد نفسه وكأنه عجلة مقود تدور حول نفسها لسفينه تحمل البشرية .. فأجزم بأن الفجر قد أقترب جدا من البزوغ .. ولكن نوره لن يراه إلا من ينهض ويفرك عينيه ويسعي لرؤيته .. أما النيام فهنيئا لهم رقدتهم وغطيطهم .. )) بقلم د. محمد عياد
......
(( حين تصيبك مصيبة كبرى وحدث جلل .. يهييء لك بأن العالم كله قد توقف .. وأن الشمس فقدت سر بريقها وانطفأت .. وأن الزمن قد فارقه تسارعه ..
وتذهب الى داخلك ولا ترى إلا سواه .. وتندهش بعدها حين تجد أن الكون ما زال على طبيعته وكل شيء في مكانه الطبيعي إلا أنت .. فقد توقفت قليلا وفاتك الكثير
كنت أسمع عن مآسي مسلمات البوسنة اللاتي كن يغتصبن جماعيا وأمام أهليهن إمعانا في الإذلال .. كنت أقول ضاعت البوسنة وانتهت .. ولكن .. ما تلى ذلك هو النقيض .. فقد خرجت من أزمتها رافعة هامتها باسقة نحو السماء وفي زمن عجيب فقد فيه المسلمون النخوة والريادة ..
لهذا أقول .. حين تصيبك مصيبة .. قل إنا لله وإنا اليه راجعون .. وانهض من عثرتك سريعا فما زال السباق قائما وكلما توقفت كلما تأخرت .. ))
وفاء
من مختارات موقع نور الشمس ...
*****
... (( العملية خطيرة وقد نفقد فيها أرواحنا جميعا .. هل أنت على استعداد لها .. ))
نطق غسان بهذه العبارة أثناء حواره مع المجموعة المقنعة وهم يتأهبون للانطلاق
رد هاري وقد كان أحد المقنعين بهم وقال .. (( مستعد لها تماما ))
.. (( على بركة الله ))
وانطلقوا وقد قارب الليل على الانتصاف ..
كانت عملية تبادل أسرى .. سيعود هاري الى الجيش الأمريكي .. ومن المفترض أنه يتم اطلاق سراح خمسين من النساء والأطفال
ظلت السيارة منطلقة بهم وصوت هدير موتورها يصنع سيمفونية عجيبة مع أفكار هاري ..
لم يكن يتخيل كل ما مر به .. ولكنه يحسبها تجربة رائعة رغم مرارتها .. فقد انغمس وسط صفوف المقاومة الحقيقة ..
علم كيف يعيشون .. كيف يتعاملون بحب وود غريب لم ير له مثيلا من قبل
.. قبل كل عملية يودعون بعضهم البعض ..
وحين العودة يتقابلون بالأحضان والفرح والسرور وعلى عكس ما تخيل فهم يتحدثون عن فقيدهم بأنه أحد الفائزين الذين سبقوهم ..
وبعد أكثر من شهر من المفاوضات الغير مباشرة تم الاتفاق على مبادلتة بفئة يتعجب كيف تم أسرها .. وأي شهامة وفروسية التي تبنى على اعتقال وأسر النساء والأطفال ..
والليلة هي الميعاد لمبادلته ..
وانطلقوا وهم لا يعملون ترى ما الذي سيحدث بعد ذلك ..
انطلق صوت رنين هاتف غسان النقال والذي يعمل عبر الأقمار الصناعية ..
فرد على محدثه .. الذي أخبره بأن السيارة محملة بالأسرى المطلوبين الآن
فإلى أي بقعة يتجهون ..
أخبرهم عن بقعة على مشارف المدينة .. وقال لهم حين الوصول اليها يتصلون به مرة أخرى
وقام الرجال يعدلون من ثيابهم وهيئتهم الجديدة ومعهم هاري ..
وقد زاد قائدهم من سرعة سيارته ..
.....
وقف قائد الوحدة الأمريكية المكلفة بعملية تبادل الأسرى يلقى بتعليماته الى جنوده
قائلا لهم ..
... (( لقد تم تحديد البقعة التي سيتم المبادلة فيها .. فهي باتجاه شمال المدينة .. ولن تبعد عن ذلك أكثر من عشرين كيلو مترا .. وحدة التتبع ستقوم بالتقاط اشاره هاتفه في المكالمة التالية .. وفور تحديد موضعه ستنطلق المجموعة الى هناك
وتبقى المجموعة الثانية مع الأسرى وبعد أن نحصل على جندينا .. تكن المجموعة الأولي عبارة عن فخ للتخلص من الجميع .. الأسرى الذين تم اطلاق سراحهم مع الإرهابيين أصحاب العملية ..
انطلقت المجموعتان نحو شمال المدينة ومعهم سيارة عمليات غنية بالأجهزة الإليكترونية التي من المفترض أنها ستتبع المكالمة التالية مع غسان
وعند وصولهم للبقعة المحددة تأهب الجميع منتظرين اللحظة الحاسمة ..
وقام القائد بطلب غسان لمكالمته ..
وحاول أن يطيل مدة المكالمة بالسؤال عن هاري وهل هو بصحة جيدة أم لا وأنه لوكان مصابا فسيكن هناك عقاب أليم
وارتفع أزيز أحدالأجهزة مما يوحي بالتوصل الى بقعة الاتصال ..
فقام القائد بطلب تحديد نقطة التبادل بسرعة .. وهو يشير بيده الى قائد المجموعة المطالبة بالتوجه لنقطة رصد غسان كي ينطلق الى النقطة التي تحددت ..
قال له غسان بأن نقطة التبادل في أكبر فنادق بغداد في غرب المدينة وأعطاه اسم الفندق .. مما أثار دهشة الضابط الأمريكي فكيف تكن نقطة التبادل في فندق وفي غرب المدينة وهم ينتظرونهم في شمالها ..
وبعد أن أغلق .. علم بأن الموضع الذي تحددت منه المكالمة في جنوب المدينة ..
كان من الواضح أنه يتعامل مع ثعلب قام بالتوزيع الجيد للأدوار
فقد أتي بهم الى شمال المدينة في حين أن نقطة المبادلة داخل فندق بغربها ويحدثه هو من الجنوب ..
وفشل كل ما خطط له .. ولكنه لم ييأس .. فقد أجرى اتصالاته لتطويق الفندق ومنع أي مخلوق من مغادرته وانطلق على رأس مجموعته اليه
وما أن وصل حتى فوجيء بصدمة جديدة لم يضعها في حسبانه أبدا
فقد التمعت كاميرات التصوير لعدد من الصحفيين والقنوات الفضائية بعد أن توجهت نحو موكبهم الذي كانت تبدوا عليه آمارات الأهمية
وما ان هبط نحوهم حتى اندفعت نحوه الأسئلة عن الجندي المختطف وهل تسلمه أم لا وأين سيارة الاسرى المطلق سراحهم ..
كانت خطوة أخرى في منتهي الدهاء ..
فعبر وسائل الإعلام سيظهر الأسرى و يكونوا معلومين للعالم أجمع وبهذا يصعب التخلص منهم اواعادة اعتقالهم مرة أخرى
ضغط الضابط الأمريكي على أسنانة بغيظ .. فقد اكتشف أنه وتكنولوجتيه مجرد ألعوبة امام ذكاء وقدرات بسيطة لهؤلاء المقاومين ..
وقبل أن يتصرف أتته مكالمة غسان ومن موضع جديد ليخبره بأنه إن لم يرى اطلاق سراح الأسرى على الفضائيات في خلال خمس دقائق سيقتلون الجندي الأسير معهم ..
وتم اطلاق سراح الأسرى في مشهد تدمع له العيون ..
وفور أن تم تصويرهم ورصدهم جميعا حتى أتته مكالمة غسان بان الجندي الأمريكي
مقيد ومرمي بحمام فندق آخر في ناحية أخرى من المدينة
وتمت العملية بنجاح تام مسجلة نصرا جديدا للمقاومة العراقية الحقيقية .
*****
انقلبت الدنيا رأسا على عقب بعد أن زاع خبر اطلاق سراح الجندي الأمريكي هاري .. فمع المتابعة الإعلامية لما حدث علمت فتاة المباحث الفيدرالية بما حدث له .. فقامت بالاتصال بالضابط ذو الرتية الكبيرة والذي حصلت منه على خطاب التوصية
وطلبت منه بأن يتم نقل هاري بعيدا عن العراق والى منطقة هادئة لا قتال فيها ..
ونالت ما أرادت .. وبعدها بأسبوع واحد انتقل هاري من وحدته المقاتلة بالعراق الى مكان جديد لا صوت فيه لدوي المدافع ..
واكتشف أن قد انتقل لجحيم من نوع آخر ..
فقد كان أحد الجنود الأمريكين بمعتقل جوانتانمو ..
رأي بعينيه كيف تنتهك آدمية البشر عيانا بيانا ..
كيف أنه انتقل لمنطقة لا حقوق ولا احترام فيها لأي انسانية ..
كان يتعذب يوميا بما يراه من تعذيب وإهانة وذل لكل نزلائه ..
ولكن ألمه الحقيقي وصل الذروة منذ وصول تلك المجموعة التي قيل بأنها كانت مرافقة لأسامة بن لادن في احدى رحلاته ..
كانت من ضمنهم فتاة وهي تعتبر أول أنثى تصبح نزيلة لذلك المعتقل ..
هاله ما حدث لها فقد نال منها كل رفاقه العطشي ..
وأخيرا رأى بعينه مشهد الذروة في تلك المأساة حين لقائها مع محمد عياد ..
وانتهى بطلب الضابط منه التخلص منهما غدا عبر حقنهما بالسم في نقطة التمريض ..
لم يستطع أن يفه بحرف .. وصمت مظهرا بأنه سوف ينفذ الأمر ..
وبات ليلته يفكر في ذلك وما الذي يملكه كي يمنع تلك الجريمة الجديدة بمعتقل الذل والهوان هذا ..
وأخيرا نجح في الوصول لخطته ..
قام منطلقا الى نقطة التمريض والتي من المفترض أن يكون بها طبيب على الأقل .. ولكن لم يكن بها سوى ممرض نصف ماهر .. جالسه وظل يتسامر معه وعلم منه ما هو المتوافر من أدوية وأين قارورة السم الذي يستخدم لإعدام الضحايا
وأخيرا انطلق بعد أن حانت له الفرصة وقام بتبديل محتواها بمخدر قوي .
وبعدها كان بزنزانة محمد عياد يشرح له ما سيحدث ..
كان محمد متشككا ولا يصدق حرفا مما تفوه به وشعر بأن هناك مؤامرة جديدة تحاك له .. ولكن ماذا بيده ليفعله .. فما كان منه الا أن أظهر له الموافقة كي يرى ما سيحدث فيما بعد ..
في اليوم التالي انطلقت السيارة المكلفة بالتخلص من المهملات بالمعتقل وبها جسدي محمد ووفاء مخدرين تماما والكل يظن بأنهما قد ماتا ..
وكان هاري مرافقا لها ..
وأخيرا قام بسحب الجسدين ووضعهما في مكان شبه آمن وعندما تعجب سائق السيارة من ذلك .. ضحك هاري وقال لماذا ندفنهما .. دع الذئاب تنل وجبة شهية
وضحك الآخر بشراسة وانطلقا ..
*****
تذكر محمد عياد حينما أفاق و فوجيء بأنه ووفاء ملقيين في العراء فعلا ولا شيء حولهما
فتذكر وقتها كلمات هاري ولأول مرة شعوره بصدقه .. فقام بتفتيش جيوبه فوجد ما وعده به من جوازات سفر بعض المجندين بالمعتقل وبعض المال ..
وكيف تم نجاتهما بأعجوبة وبطريقة خيالية عبر السفارة المصرية في كوبا
نظر نحو ولده عمر والذي كان يمسك بمصحفه للجزء الثلاثين من القرآن الكريم ويردد آياته بصوت متقطع بما يناسب سنه وابستم ... ثم نظر نحو وفاء وقال لها
.. (( هل تعلمين ما كان يجول بخاطري الآن ؟؟ ))
نظرت نحوه متسائلة ومبتسمه ..
فقال لها .. (( كنت أتذكر الكابوس الذي عشناه سويا في أول لقاء لنا .. ))
تمعر وجهها بألم وقالت ..
.. (( لماذا تصر على تذكر تلك المرحلة القاسية في قصتنا .. ))
.. (( لأن المصائب هي التي تصنع الرجال .. ولأن الأزمات هي التي تكشف المعدن الحقيقي للبشر .. ))
.. (( قالت وكيف وجدت معدني وقتها ؟؟ ))
شرد ببصره قليلا وقال ..
.. (( ستتعجبن لو اعترفت لك بشيء ولأول مرة .. ))
اعتدلت في جلستها وتأهبت لسماعه باهتمام
فقال .. (( حين انتظاري لك بمطار القاهرة كانت تنتابني مخاوف كثيرة وعديدة ومن نوع عجيب .. فقد كنت موقنا وبشدة بأن المشاعر الحقيقية لا وجود لها على شبكة الانترنت .. ولكن ما حدث بيننا من توافق وترابط عبر قصتنا الغريبة كان عقليا وفقط .. لأن المرحلة الشعورية تكن مركبة ليست من فكر عقلي وفقط بل هي روح ودم ومواقف مركبة بين الجميع ... لهذا كنت أتخوف بشدة أن تتبدد كل تلك المشاعر التي كنت موقنا بها فور رؤيتي لك ..
ولكن عند رؤيتي لمشهدك بالمعتقل كان مشهدا مروعا ينزع القلوب من الصدور
وكرد فعل تلقائي وبما هو مستقر في خلدي بارتباط عقلي مسبق .. ربما هي شفقة ارتبطت بك شعوريا وبقوة وبعدها وبعد ما حدث لنا نمت المحبة الحقيقة في قلبي لك عبر ارتباطنا الواقعي .. ))
شردت بذهنها وقالت ..
.. (( كلما حاولت الهروب من تلك الذكرى التي تنال مني أجدها تنهش مشاعري وأعود لأتذكر كلماتك سابقا بأنها يجب أن تكون وقودا يدفعنا للعمل لرفعة امتنا واستعادتها لمجدها وعزها واللذين تتوفر بتعاليم ديننا كل عوامل عودتهما . ))
نظرا نحو عمر وهويقول بصوت متقطع ..
.. (( وما ربك بظلام للعبيد .. ))
وابتسما .
تمت بحمد الله .
بقلم الدكتور أحمد مراد
28/12/2007 القاهرة