ـ 3 ـ
وحين هبط الليل، جلست الى نافذة في غرفتي، وأخذت أقلب الأحداث على ضوء شمعة واهية، فأسفت لما بدر مني، ولمت نفسي التي جمحت في لحظة غيظ، وخدعتني في حالة ضعف...
وكان أمامي أساليب كثيرة تجعل هؤلاء الضيوف ينصرفون دون تحقيق غايتهم، من غير إثارة الشكوك في نفس والدتي وزرع الغضب في قلبها.
ودرجت أيام الحياة على غير ذي شكوى. ثم جعلت الأحداث تمر بذاكرتي حدث بعد حدث، وكانت تلك الأيام تنزلق من عمري بغير رقيب ولا حسيب.
فضاقت علي نفسي. فرأيت أن من الخير أن أترك هذا المكان. فقد أصبح شيئاً يصعب تسميته. فما كان بيتاً له باب وقفل، يحميك من عدو يتربص بك، وما كان نزلاً نبحث فيه عن الراحة والسعادة. وإنما أصبح ميداناً أهرب فيه من هلع الخوف إلى ذل الإهانة. فكأن العذاب يسكنه، والكراهية تغذيه.
ومن عجب أنك تكتشف الحقائق مصادفةً، لأن الحياة تبدو سلسلة من المصادفات. فقد اكتشفت صدفة أن قوة الإرادة عند والدتي كانت أقرب منها إلى الضعف أحياناً، وأن الإصرار الذي بدا منها لم يكن سوى شحنة من ردة فعلٍ، ربما ذهبت أدراج الرياح دون أن يكون لها أثر، ما لم تكن تلك الأمور التي حدثت مرتبة ترتيباً أحسنت خالتي صياغته... هذه المرأة التي كنت أكن لها احتراماً لا يقل عن احترام والدتي. فقد أقنعت أختها بأن زواج البنت سُترة لها، وكانت على قناعة بأنني لا أرفض لوالدتي طلباً ولا أخالف لها رأياً.
وثمة حقيقة لابد من عدم إنكارها والإعتراف بها:
فلو أن هذا العريس اعترض سبيل حياتي قبل سنة واحدة، ربما أُتيحت له فرصة الإقتران بيَّ. أما اليوم، وبعد حصولي على الثانوية العامة، فقد أصبحت أنظر الى الجامعة بعينين يملأهما الأمل، وأعد نفسي لممارسة الحياة فوق مدرجاتها، وتحقيق حظي من العلم كغيري من بنات حواء...
وداخلني شعور بالحرية لم أشعر به من قبل، وسرى في جسدي شيء من الارتياح ابتهج له الحس والإلهام وحتى الخيال ناله شيء من السرور...
لقد هيأت لي الظروف خروجاً موفقاً من محنة لازمتني دون أن أجد صديقاً يقف إلى جانبي، ويشد أزري ويهون علي مصابي.
فلم أتوقع أن تكون الحياة أشق مما ظننته أملاً فازت به نفسي لتجنب أقدامي مطبات، لم يكن خيالي على رؤية واضحة لمصاعبها، ولكن الأمل ما يزال يدفعني بقوة الشباب وحماس الإرادة دون النظر إلى الخلف.
إلا أن شرود ذهني وشتات فكري يسلباني القدرة على متابعة السير في طريق المطبات، ويجعلاني صيداً سهلاً للوساوس والظنون. فما أحببت أن أكون ضحية سهلة تقع في براثن الحياة الرتيبة، التي تمارس دور السيطرة والهيمنة على مقدرات كثير من الناس. وكان الخوف يراودني خشية أن يخبوَ الأمل من أفق حياتي فأرجع للحياة الرتيبة التي أرفضها.
فعندما واتتني الشجاعة فألقيت بالزوار خارج البيت، وأغلقت دونهم الأبواب، ثم اتخذت قراراً أوصدت بموجبه أبواب قلبي أمام أي طارق، وأعلنت أن الزواج قد تأجل إلى اشعار آخر.
فما كان أشد فرحي وسعادتي حين شعرت بالأمن، فأيقنت بأن عهد التعاسة قد ولّى وانتهى أمره، قفزت من الفرحة احتفاء بمولد إرادتي.
لذا فقد أبيتُ العودة لحياة الروتين، ورفضت الشعور بالإحباط، وتوقفت عن الهرب من الكبت، ثم تغلبت على الصراع النفسي وكأنما تفتحت لي طاقات الفرج فأصبحت في هذه الدنيا وليدة هذا اليوم الجديد.
وما أكثر الخوف من التفكير بشيء قبل الإقدام عليه، وكثيرا ما نضع احتمالات الفشل امام أعيننا قبل التنفيذ،فنشعر وكأننا نحمل أثقال الدنيا على رؤوسنا. فنكتفي بنشوة الفرح عن تحقيق الهدف. ثم نقتنع بأن فرحُ ساعة خير من حياة دهرٍ يجردها البؤس من أدنى مشاعر السعادة. فنظل نراوح في أماكننا كأنما نحن أشجار غير مثمرة زرعها فلاح غير ذي خبرة في مكان غير مناسب.
استيقظت مبكرة كعادتي في كل صباح، والنعاس ما زال يثقل أجفاني وفي خيالي تتراقص أحداث الأمس بدقائقها وثوانيها. فالتفت نحو غرفة أمي المقابلة لغرفتي، فإذا الباب نصف مفتوح، فأيقنت أنها ليست نائمة. أصغيت السمع،فإذا بها تسبح وتكثر من الدعاء، فتلك عادتها بعد الانتهاء من الصلاة.
فتمنيت لو أنني أعود نفسي على هذا الإتصال الطاهر بين العبد وربه خمس مرات في اليوم. تلك نعمة تمنيت لو أن الله يمن بها علي. ولعل هذا الأمر لا يحتاج من الإنسان سوى قليل من الإرادة وكثير من العزم.
ارتاحت نفسي لهذه الآمنية فصممت على تحقيقها، وأخذت نفساً عميقاً وأنا أنظر لفراشي، هذا السرير الذي صاحبني سنوات، وهذا الترتيب الذي ترتاح إليه نفسي، وتلك الستائر التي كم أجهدت نفسي في اختيار ألوانها وتصميمها، وهذه الأضواء التي تلقي ظلالها هدوءاً ترتاح إليه النفس، وهذه النافذة المطلة على تلك المناظر التي ألفتها وأحببت التمتع بها... فهل تلاقي جميع هذه الأشياء نفس الهوى لدى الزوج؟
وإن كانت اذواق العريس والعروس على طرفي نقيض...!
فماذا يحدث؟؟؟
وحتى ألألعاب والدمى التي ما زلت احتفظ بها منذ طفولتي، هل يتقبل العريس وجودها على السرير أو في أي مكان في غرفة النوم؟
وهل يدرك العريس أن سر الإحتفاظ بهذه الألعاب، مؤشر على استمرار طفولة الإنسان لسنوات أكثر مما نظن؟... فلا نتعجب عندما يقولون: أن فلاناً طفل كبير.
يبدو أنني بحاجة لاسلوب جديد من العيش إن حدث الزواج ذات يوم. فقد تجبرني ظروف الزوج على تغيير حياتي، غير أنني الأن لست على استعداد للتغيير. فلا حاجة لتخطي الزمن والعيش في حالة من الترقب.
أسرعت إلى الحمام وسكبت كثيراً من الماء البارد على رأسي، فشعرت بالإنتعاش والحيوية، وما إن أعددت نفسي للخروج من البيت، ألفيت طعام الإفطار جاهزاً كالعادة دون أن تؤثر أحداث الأمس على روتين البرنامج اليومي.حيث وجدت والدتي منتظرة تبدو هادئة، تراقب حركاتي بنظرة حادة تنم عن شيء تخفيه في صدرها...
فأنا اُدرك ذلك من نظراتها... ألقيت عليها تحية الصباح، فردت بصوت خافت كأنه قادم من أعماق جبال مدينة عمان وليس من فوق روابيها
قالت: دعوت لك بعد صلاتي.
قلت: شكراً لك يا أحلى أم.
لا جديد في موقفها حتى الآن، فقد تعودت سماع دعائها كل صباح.
استطردت قائلة:
ـ إن ما حدث بالأمس زلة شيطانية، فأنا أعرف لماذا تعمدت الخروج بشكل مضحك، وثوب غير ملائم، وإجابات مختصرة و... كان من الواجب مراعاة الظروف، والتجاوب مع الضيوف، ولو من باب المجاملة.
أيقنت أنها تجاوزت المحنة التي مرت بها، فجرت على شفتي ابتسامة لطيفة لهذا النتيجة فقلت:
ـ لم يكن بوسعي أن الاطف ضيفاً عابراً، أو أجبر نفسي على مجاملة شخص لا عهد لي بمعرفته، وليس في نيتي أن يكون لهذا اللقاء موعد آخر، لا سيما أنني شعرت بالنفور وعدم الارتياح لهذه الزيارة. أليس من الأفضل أن ننسى، فقد قيل إن في النسيان فضيله.
ـ ولكن زلة الآمس خطأ فادح سيظل راسخاً في أعماقي...
واندفعت نحوها وأحطها بذراعي، وأخذت أقبلها والاطفها، وأطلب منا الصفح، حتى اكتسى وجهها بتلك الابتسامة التي تقرأ من خلالها طيبة قلب الآم، وتحسُّ بدفء حنانها.
فكبر علي غضبها وتحملها مزيداً من الأسى، فشعرت بالرغبة للإعتذار منها، وإعلان التوبة بين يديها عن مخالفة أوامرها.
وساءني ما ذهبت إليه نفسي من العصيان! فكيف يطيب لي الجلوس إليها كل صباح بهذا القلب الناكر للجميل، الذي تخلى عن الورع والطيب’؟
على أن نفسي لم تتحرر من الضيق الذي لازمها منذ ليلة أمس، ولم يرحمني الندم لما أصابني من احباط وخيبة أمل. فأردت أن أخالف الرأي الذي استقر في أعماقي كي أسعدها، لأن بعض القلوب تحتوي كنوزاً، ينفق منها أصحابها ليسعدوا غيرهم، فلماذا لا يكون قلبي واحد منها؟
كنت كمن تخرج من معركة خاسرة،أجبرتها الظروف على خوض غمارها دون استعداد، كان العرق يبلل كل جزءٍ من جسدي، والجهد يرهقني ويضعف قواي. فبدا وجهي أمام المرآة ذابلاً أصفر اللون، لا أكاد أتميز ملامحه التي اعتدتها كلما وقفت أمام المرآة - وكثيراً ما وقفت- ودوامة كبيرة من الإبهام والغموض كانت تحيط بي.
فِكر مشتت لا أعرف إلى أين يذهب بخيالي.... وأمام كل هذه الأشياء، لم يكن بمقدوري تبيان حقيقة شعوري. حيث أن من أعز رغبات الإنسان، الخروج من الامتحان ناجحاً تعلو ثغره ابتسامة الفوز، وإن كانت رغبته ـ الخاصة ـ تأتي عكس ما يتمنى الأخرون عندما يصبح الفشل الذي يريده رغبة...
بعد ذلك تبدأ المعاناة، ويبدأ اللوم، ويشتد العتاب،ثم يأتي دور الندم، فيمتلأ القلب حزناً وألماً... كما حدث معي في هذه التجربة التي أردت أن يكون الفشل نهايتها... فليس من العيب الاعتراف بأنني دُهشت بالنتيجة التي أحببتها، فكان شعوري بالإحباط أكثر من سعادتي بالفوز.
كانت تلك أول مرة أعرف فيها طعم الفشل الذي أردته لنفسي، راضية عنه كل الرضى. لقد خطفتني هذه التجربة من أفكاري التي رسمت من خلالها معالم مستقبلي، فوجدتني كأنما أعيش في دنيا كانت زاخرة بمظاهر الروعة والجمال، فإذا بها تصبح زاخرة بأشباح مرعبة مخيفة.
وعلى الرغم من ذلك الألم الدفين في أعماقي، فإن الفرحة دفعتني إلى غرفتي، وأنا أُدندن بأغنيةٍ لا أعرف أخرها من أولها، ثم خرجت من البيت، وسرت على غير هدى، فشعرت أنني بحاجة إلى التسكع في الطرقات، والضياع في ضجة الشوارع وزحامها. وكاد الفرح يجعل مني طائراً يحلق في السماء، ينظر إلى الناس ويراقب حركاتهم.
لقد تحررت من قيد أوشك أن يكون غِلاً يكبل معصمي إلى الأبد، ورحل الضباب الرمادي عن ناظري. إنني أبصر الناس وأحصي عليهم تصرفاتهم، حتى أصواتهم تحولت في إذني ألحاناً عذبة تدغدغ عواطفي وتبهج نفسي.
وعندما عدت إلى البيت كنت راضية عما حدث... ويومها سمعت من والدتي كلمات كانت ترسم صوراً لمستقبل غامض، سوداوي الملامح. كانت كلماتها تعويضاً عن فشل مُنيت به من أعزِّ الناس.....
ولكن بصيص الأمل كان دائماً يبدو واضحاً أمامي، وضوح الشمس في كبد السماء، حتى ولو كان اليأس يحتل المساحة الأوسع في قلب والدتي. فقد أصبحت، هذه الرؤيا أمراً طبيعياً لأنني أنظر للحياة بمنظار مختلف...
لقد كان ذلك الموقف، ولا زال من الذكريات المختزنة في ذاكرتي، أبكي تأثراً على نفسي، كلما طاف بخيالي. لأنني أذكر معه والدتي التي عاشت عمرها -ولا تزال - تعارك الأيام وتدفع عن ابنتها الوحيدة كل ضيم، وتوفر لها سبل العيش، سهلة مريحة على حساب سعادتها.
ومع أنني تفوقت في كلية الطب، وتغيرت كثير من المفاهيم، إلا أن أمل والدتي لم يتغير، فلا زال أملها أن تزوج ابنتها كي تطمئن عليها ويرتاح بالها. أليست هذه رسالة بنات حواء؟
وكثيراً ما كنت أشك في نفسي، فهل كنت فتاة مشاكسة تفتعل المشاكل من لا شيء؟ فتصر على رأيها ولا تجد وسيلة للدفاع عنه إلا بالدموع... إذ يحلو لها أن تكون زعيمة المعارضة في البيت، كما كان يحلو لوالدتي أن تلصق بي هذا الوصف.
لا ليس هذا سبب مقنع. بل إن الحقيقة التي اقتنعت بها، ويجب أن يعرفها الناس جميعإن أن والدتي نسيت أن ابنتها لا تخلو من الطموح، وأنها تطالب بتحقيق ذاتها كإنسانة تريد أن تحيا بهامة مرفوعة وكرامة محفوظة، بعيدة عن تحقيق رغبات الآخرين،
تبحث عن صدر رحيمة مفعمة بالعطف مشحونة بشوق اللقاء... تلجأ إليها في ساعات الشدة، فتكون لها سلوى في ساعت الغضب، وترسم على وجهها هالة من البِشر والفرح في أوقات الحزن...
ومر بذاكرتي طيف أبي، فقد ذقت الحرمان بعد وفاته، ومارست فقدان الحنان الأبوي. تذكرت أحد أيام الشتاء الماطرة، عندما عدت من المدرسة إلى البيت وقد ابتلت ملابسي، وكاد البرد يجمد أطرافي، فأخذني قرب المدفأة، وساعدني في تبديل الملابس المبتلة، وألقى علي مزيداً من الثياب، وأخذ يفرك أصابعي الباردة ليشحنها بدفء يديه. فكم كنت حنوناً يا والدي!
تذكرت ذلك اليوم، فكم وددت أن يكون والدي على قيد الحياة فألجأ إليه، ينصحني ويرشدني ويكون هو صاحب الرأي.
فلو كان حاضراً عندما جاء العريس وزمرته وسألني السؤال التقليدي:
ـ ما رأيك يا ابنتي؟
فهل كان خجلي وصمتي علامة القبول؟
فيقول والدي: مبروك. ويطبع قبلة على جبيني، وتنحدر دموع الفرح من عينيه. لا أظن أن حدوث هذا الأمر قد تم آنذك بهذه السهولة!
فبكيت وتمنيت أن أبكي طويلاً، حتى تغسل الدموع ما علق في ذاكرتي من رواسب ذلك اللقاء، رغم أن السنوات الطوال علمتني أن بكاء المرأة ضعف..
فبحثت عن أسباب تنتشلني مما أنا فيه من العذاب، فلم أجد غير الكتاب، الذي تحيرني ألغازه، فدفنت رأسي بين صفحاته...