ـ 4 ـ

7 0 00

ـ 4 ـ

كنت أحب أيام العطل لأنها تشعرني براحة تشبه استراحة المحارب، فأقضي معظم وقتي في البيت، يحتويني الكسل، وقلما كنت اُغادر البيت مع أحد.

وأذكر أن والدتي طلبت إلي ذات مرة الخروج معها لقضاء حاجة ملحة فارتديت ملابسي على عجل، وربطت شعري بمنديل أبيض، وألقيت على كتفي معطفي الآسود.وخرجت معها دون أن أقف أمام المرأة كما كنت أفعل كلما خرجت من البيت.

ذهبت والدتي إلى أحد المحلات التجارية، فلم يكن في الآمر غرابة، ولكن الدهشة أخذتني عندما وقفت والدتي تتحدث مع شاب في مقتبل العمر، جميل الطلعة.جلب انتباهي حسن تأنقه وبراعته في تناسق الألوان واختيار الملابس التي يرتديها، وشدني إليه لباقته في الحديث، لدرجة خيل إلي أنني أعرف هذه الشاب معرفة جيدة، وغاب عن بالي أن كثيراً من الناس ربما يعرفونه أكثر مني، لأنه لم يكن سوى أحد مذيعي التلفاز الذين يدخلون البيوت بدون استئذان...

لمت ذاكرتي لأنها تخلت عني، وسخرت من نفسي لأنها فقدت القدرة على التمييز، وعندما سألت والدتي عن سبب ذلك الحديث، كان جوابها أغرب من سؤالي ولا يحتوي على تفسير مقنع أو كلام يشفي الغليل...

ثم انشغلت عني وتعلقت بالحديث مع امرأة لا أذكر أنني رأيتها منذ سنوات، فكان ذلك سبباً لغياب شكلها عن ذاكرتي. قالت والدتي بدهشة وتعجب:

ـ صفيه! ماذا فعلت بنفسك؟ الناس يكبرون وأنت تصغرين!

ضحكت المرأة بزهو وافتخار وقالت:

ـ لا شيء. فأنا كما ترين.

واستدارت المرأة حول نفسها تعرض مفاتن جسدها. وما زالت دواعي الإستفسار والتعجب عند والدتي تبحثان عن متنفس، فعاجلتها بسؤال آخر:

ـ متى قصصت شعرك؟ إنه الآن أجمل!

عجبت لوالدتي من هذا الإثراء والإعجاب. فنظرت إليها راجية منها التوقف عن شحن المرأة بشحنات الغرور والكبرياء.ولكنها لم تعر نظراتي اهتماماً. فلم أجرؤ على الإلتفات إليها مرة ثانية، ولكن ذلك لم يمنع استنكاري لهذا الموقف.

وفي طريق العودة إلى البيت حاولت اظهار بعض اللوم. وكأنها أرادت أن تغلق باب الحديث، فقالت:

ـ لا داعي للعتاب واللوم. كان مجرد حديث بين امرأتين جمعت بينهما الصدفة بعد سنوات.

عدنا إلى البيت وكأن الهدف من الخروج مقابلة ذلك الشاب والتحدث مع هذه المرأة.

لقد أصبحت أميل إلى الهدوء، وأمل صحبة الناس، وأصبح الفراغ وقتاً للتأمل بأشياء تأخذ حيزاً من تفكيري، دون استمرار الرغبة للميل في هدر مزيد من الوقت بدون فائدة، على الرغم من أن أوقات الهدوء والإسترخاء كانت تُذهب عني شتات الفكر وتمنعني من التحليق فوق الغيوم.

فما زالت بعض الأحداث تمر بخاطري مع أنها أصبحت من مخلفات العصر البائد، ورغم تقادم الأيام عليها فلا زالت تشغل حيزاً من ذهني، ولا زال ذكر العريس يحدث شرخاً في خيالي.

فهل ابتدأت أفكر بالحب؟

إم إن غيرة الأنثى سلوك غريزي لدى بنات حواء؟

فلن أستطيع الانفصال عن ما يدور في الحرم الجامعي، ولن يكون بمقدوري أن أصم إذناي عن حكاوي البنات الغرامية، أو غض الطرف عن محاولات جري الطلاب خلف الطالبات. فمن غير هذتين الظاهرتين تكون الجامعة قد فقدت نصف وظيفتها...

لقد تحديت والدتي في قرارة نفسي لأثبت أنني قادرة على الرفض.فأنا على يقين بأنني لست ضعيفة ولست بضاعة رخيصة تنتقل لحيازة أول من يطرق الباب، إذا كان لديه القدرة على دفع الثمن...

لقد شعرت بالإحباط وأنا أعترف أمام نفسي بخسارة الجولة الأولى. فهي تجربة ظننتها ذهبت أدراج الرياح، فإذا بها ما زالت غصة في حلقي. وها أنا اليوم، أجلس إلى نفسي أخشى أن يخيب أملي، وأن تتلاشى من رأسي صورتي وأنا أرتدي المريلة البيضاء، واضع السماعة حول عنقي، جالسة إلى مكتبي الأنيق أستقبل المرضى..

أخشى أن لا يتحقق ذلك الأمل، وأن تضيع السماعة قبل أن أضعها حول عنقي، فلا تظهر الصورة على حقيقتها، لأنني ما زلت في منتصف الطريق، وأمامي رتل من الكتب والمراجع، وفي نهاية الطريق حواجز من الاختبارات ليس من السهل اجتيازها....

إنه لأمر صعب جداً، فيا ليتني قبلت تنفيذ رغبة والدتي، وحققت لها ذلك الأمل، لو قبلت ذلك العرض لما كنت الآن أحدق في سطور هذا الكتاب الذي يكاد يقهرني، ويخيب أملي.

إن من أهم مشاكلنا يا سيدي، هي أن بعض الأشخاص يرون أن في الحياة ضرورات تحول المصاعب دائماُ دون تحقيقها، فيجدون ويجتهدون، فلا تزول المصاعب، ولا تتحقق الضرورات، فتمتلئ النفس كآبة، وتطغى على القلب موجة من الحزن.

كنت أحس أن صدري تخنقه هذه المصاعب، وينوء بأحمال ثقيلة، لأن ذاكرتي يعز عليها نسيان الماضي. فلا تزال تنشر أمام ناظري، ما تدخره من ذكريات لا أحب أن تجول بخاطري. فإنها من الأشياء التي لم تكن حبيبة إلى قلبي، وليست من الذكريات التي يهفو إليها الفؤاد بعد أمد بعيد.

فما أشبهني بذلك العائد إلى بيت مضى على هجرانه زمناً طويلا عله يقرأ على جدرانه كلمة كتبها، أو يعثر بين أطلاله على أثر يغمر نفسه فرحاً ويذكره بأيام طفولته الجميلة.

لا أدري كيف مرت ساعات تلك الليلة، فلا بد أنها كانت ساعات طويلة، مملة، كابدت خلالها الكثير، وعانيت ما عانيت، ولكنني استمتعت في تلك الليلة بسماع لحنٍ عذبٍ، تخيلته نوراً يتلألأ في نهاية نفق مظلم، فيضيئ الطريق أمامي، فلا أضل ولا تكون نهايتي إلى هلاك...

فأحببت لو أن هذا النغم الحالم يصاحبني ولا يتخلى عني. فوجدت نفسي ـ هذه النفس ـ التي كانت ضعيفة أمام الواقع، جبانة من توقعات المستقبل. وجدتها في الصباح غير ما كانت عليه في إثناء الليل. كنت أشعر بالحيوية والنشاط يتدفقان من جسدي وكأنني ما نمت ليلتي وشبح الخيبة والفشل يسدان دوني شتى الطرق.

وتمضي الأيام التي نشكو همومها كثيراً، ونعيش حياتنا وشتى أنواع المعاناة تسد أمامنا المنافذ والطرقات، ولكننا رغم كل شيء صعب ومرهق، نسير يحدونا الأمل ويشحذ همتنا العزم. مع أن الوهن واليأس يسيران على هامش حياتنا، يتربصان بنا أوقات الضعف، حتى نقع فريسة لهما...

فما أصعب الوقوع في هاوية اليأس، حينها لن يجد الإنسان نفسه إلا فريسة سهلة المنال، يتناوشها الطامعون، ويتلذذ بهوانها الشامتون... ومن أجل ذلك ما كنت يوماً لأسمح بأن تكون نفسي تلك الفريسة، وإلا هانت علي عزتي وكرامتي وسهل علي السير بين الناس برأس لا تعرف معنى الشموخ...

كنت بحاجة لشيء من الإرادة كي تصاحبني ولا تتخلى عني في ساعة الشدة، فيشتد ساعدي ويرحل من داخلي الضعف، كي لا أظل جبانة أخشى توقعات المستقبل، متقوقعة على نفسي، لا أشعر بالحيوية والنشاط، بل أمضي الوقت منتظرة على هوامش الخيبة والفشل، أشكو هموم الأيام ومعاناة مآسيها.

فالجد، ما خُلق إلا لأمثالي، والاستقامة، ما عرفتُ في حياتي غير طريقها.... كنت كالطائر الغريب، أقف دائماً على الشاطئ البعيد، فإذا ما اقترب أحد مني، تماديت في البعد، فالناس كلهم غرباء عني، إذ ليس من السهل أن تأمن جانب الغريب، إلا إذا عرفته وجربته وأمنت جانبه، ومن أين لي جرأة الإقتراب من الناس، وحتى إذا ما اقتربت منهم، فهل أنا مؤهلة لاختبارهم وتصنيفهم...

فلم تكن لدي خبرة بالحياة، ولم أخرج عن دائرة ضيقة وضعت نفسي داخل حدودها، وفي ذلك يكمن السر الذي استحال سداً من الوهم،جعلني أخشى الناس ويملأ صدري خوفا وحذراً منهم، فقد علمتني والدتي أن الناس ليسوا كما نظن ونحسب، بل إن كثيراً منهم ذئاب تعيش في ثياب البشر

فليس من الضروري أن تكون اراء الآخرين صحيحة، فكثيراً ما يجانبها الصواب. فقد أحببت أن أحتفظ بأحداث حياتي، ولا أريد الهرب من أمر شق علي تحمل نتائجه، في وقت لا أستطيع إهمال أراء والدتي، أو أحتقر أفكار الأخرين. لأن حياتي بدونها ليس لها فائدة، فنحن توأمان يتنفسان بأنف واحدة.

أعترف بأنني كنت دائماً مأخوذة بسحر بيانها، وروعة تدبيرها، فهي المثل والقدوة، والقول الفصل في جميع أمور حياتي، فلا يغيب عنها شيء من تفاصيل أعمال اليوم، لا في البيت ولا في الجامعة، وكأن الجلوس من أجل تناول طعام الغداء كان الهدف منه تقديم هذا البيان الشامل، ولإتاحة الفرصة أمامها للتحدث عن سعادة البيت والإستقرار العائلي، إلى أن تصل إلى الحديث عن الزوج والأولاد... ولتكرار هذه المقولة في كل يوم، دفعتني مسألة الزواج للبحث عن مبرر يجعل الظل ينفصل عن ألأصل...

لقد فهمت المعلومة التي أحبت زرعها في وجداني، فابتسمت ابتسامة طمأنتها وقلت:

ـ لاشيء يستدعي تكرار هذا الحديث يا والدتي.

قالت: -لا تنسي أنني أم، ومن واجب الأم النصح والإرشاد.

توقفت عن الحديث رغبة في عدم استمرار النقاش. وفي الحقيقة أردت البكاء على الأيام الماضية. قبل بلوغي سن الزواج، كانت أياماً رغيدة لا يكدرها علينا عريس أو مكدر. أما اليوم فحديث والدتي يملؤني خوفاً وقلقاً.

وكأنها فطنت للهدوء الذي ساد الغرفة فقالت:

ـ لا عليك. إنه مجرد كلام.

فجرت على شفتي شبه ابتسامة لكلامها المشحون بالألغاز.

فلم تراودني نفسي بأن أكون ناقمة عليها في يوم من الأيام. ولكن شيئاً من العتاب عرف طريقه إلينا وأصبح ينمو بيننا، رغم أنني أعرف أنها نبع الحنان الذي يرنو إليه الظمآن بنهم وشهية. فنحن لا نفتأ نطالبها بالعطف ما دامت الأمومة رمزاً تقدسه الأديان وتحترمه جميع الأطياف...

عندما طرأت هذه الأفكار على بالي، انتابني شعور بنكران الجميل. لأنني قطعة من والدتي. فاشتد ألم الحيرة في جسدي، واندفعت الدموع تلهب وجنتاي، فتأكدت أنني انحدر في طريق خاطئ يتمادى في خلق هوة الخلاف بيني وبين والدتي التي لم يكن لها وجود أصلاً..

فعدت أدراجي أحتمي بأحضانها، عاتباً على نفسي، ناقماً على أفكاري، فأصبحت أشد تعلقاً بها وأكثر إصغاءً لقولها، حريصة على التفكير كثيراً قبل اتخاذ أي قرار.