الفصل الثاني

4 0 00

الفصل الثاني

العشق هو كل ما لم يكون يوما معك..

ما يمكن أن يكون دوما ضدك,

مزيجا من الجنون اليومي الذي يحدث لأعصابك الشرقية المزاج ..

ابدأ هذا الإعصار الناجم عن علبة الكلمات التي تأتي إليك من نافذة الورق بشيءٍ من الحذر,

لكي لا تنفجر عبوة الحنين الناسفة دفعةٌ واحدة ,,

تمهل في احتساء الوقت وضع قلبك الممتلئ بعشب الحلم في أمكنة مكيفة بالبرد وصقيع اللغة !!

لا تركض خلف هستيريا الأحلام وحاول أن تجد لك مقعدا خلف ظلال الروح ,,

لكي تبدأ البوح وأنت تشتعل فى طريقتك الحميمة إلى عالم ٍ يشبه الثلج بذاك البياض ..

ولكن تحتله جوارب منسية من الأبجدية ,,

تلك التي تشبه حذاء جندي فى ليل الهزيمة !!

عليك أن تربط أحزمة الأمان وتأخذ نفسا طويلا للإعلان النهائي عن بدأ الرحلة,

رحلة البحث عن شخصا رمت به الرياح والأعاصير ذات مساءٍ ماطر فى أبدية المجهول ,,

فحاول أن تجد فى زحمة الزمن وجنون المكان عن ظلالك المفقودة ...

أخرج إلى فسحة الكلمات التي اختلطت بنحيب المطر ,,,

أنها حالة الكائن العابرة التي تجتاح سنبلة الوقت,

وتعيد لك هاجس الرحيل من جديد !!

الرحيل بين أعواد السقوط و التشظي ..

واعتبار العربية هي هاجس الرحيل ونداءك القادم إلى الأبدية.

ربما تأشيرة واحدة للرحيل غير كافية لأن تعبر بحر الأبجدية !!!

وتغتالك العربية التي تشهق إلى مرفأها,وأنت تغرق في حصار البحث عن اللغة.

أجلس على سرير الرغبة ,

وأبدأ دوما في رحلتك العميقة نحو الأعماق ..

وأنت تغتال الكلمات في تأشيرتك الأخيرة ,,

وتقترب من سموك المقبل في الغياب ,

لعل ذلك الغياب يترك في الأرض طعما للرحيل والسير نحو أزمنة الصمت المقدس !!!

أخلع عن وجهك أمنيات الماضي ,

وأسرق لقلبك حنجرته المذبوحة بين الأصوات !!

فالنحيب على الماضي ليس مبررا لاقتحام الغد..

ولا يمكن أن تنجو من لعنة الغدر ومعالمه ,,

أن جاء القاتل بأدوات موتك,

فعليك أن تحتفظ بجاهزيتك إلى الرحيل ,

دون الحاجة إلى إيقاف الوقت تماما !!

عليك أن تأخذ تأشيرتك العاجلة إلى شاطئ الفجيعة,

دون أن تشعر برغبتك إلى البكاء أو الفراق !

أذهب إلى مدينتك الفريدة في الصمود ....

وسجل خاتمة الرحيل بشيءٍ يستحق البقاء..

لا تنظر إلى جواربك التي ستتركها في هذا المكان وتذهب بمأساة ودمع ٍ !!

أننا نمضي إلى ذلك المكان الذي يختاره لنا الجبناء ,

نمضي بقوة ٍ ونحن نتحدى شكل النهايات الغادرة دون أن نشعر بالخوف !!

نذهب إلى ساحات الموت كأننا ذاهبون إلى نزهة ٍ عابره!!

لم نترك الورق ,

لكي لا نُصاب بوعكةٍ نفسية جارحة,,

ولكي نغادر المكان ونحن برفقة الورق أيضا !!

ما أجمل الرحيل الذي يغتالك,ولا يغتال أوراق بوحك !!

فالورق هو محاولة الكائن الذؤابة في إشعال الزمن !!

وإيقاد شعلة الروح رغم كل الخسائر والهزائم التي اجتاحت أرضك !!

فالورق لم يكن كائنا ميتا كالروح ,,

الورق يبقى حيا و نابضا بالحيوية والسمو المدهش !!

فكن حذرا لكي لا ترمي حرائقك في عمق الورق..

وتقدم جنازة الحلم بكثير من الكبرياء ,,

تقدم بطلب التأشيرة النهائية إلى الرحيل لعلك تنجح في هزيمة قاتلك !

من أجل أن يدرك أنك لا تهاب طريقته السخيفة في الغدر والجنون..

أنت ستمضي إلى عالم المجهول ,

والبحث عن معنى ٍ يليق برحيلك !!

لا تترك أشياءك الجميلة قرب اللغة !!

وأمضي إلى عناوين ٍ سريعة في الرحيل .

فهناك رحيلٌ عن اللغة ,,

ورحيلٌ آخر في مستنقع الجبناء .

فلا تختار الشكل أيضا ,,

الرحيل برمته إلى حديقة الكلمات رحيلٌ له مذاقه الخاص !!

فهل يبدأ الرحيل في عالم الكلمات أم في مساحة الحبر الورق ؟؟!

لكل ٍ واحد منا طريقته المثلى في الرحيل ,

فهناك من يظن أن الرحيل ما هو إلى تذكرة ٍ عاجلة وعابرة في نفس الوقت ,,

فليس من الضروري أيقاد الذاكرة وإشعال الشموع ,للبحث عن معنى اللحظة,

فلن يكون الا عبورٌ موجز !!

وهناك من يختار الرحيل على الورق وعلى الكلمات!!

وأنا من اختار الرحيل على حافة الكلمة ودهشة الحبر العاري !!

أوجز تلك التأشيرة عاليا دون الحاجة إلى إرتعاشات الزمن .

أنها طريقة المقاتل فى البوح وفى الانتصار !!

الانتصار لطريقتك في الصمود وفى الصمت ,,

أنها مغامرةٌ مدهشة تلك التي تحاول أن تجعل الموت والجنون نسخةٌ واحدة,

فأيهما تختار ؟؟!!!

أتختار عنوانٌ لرحيلك ؟؟

أم علامة ٌ مبهمة من البقاء.. والتي لا معنى لحضورها ؟!!!

عندما تعطلت جسورك المؤدية إلى الشموخ والعزة والكبرياء !!

فماالذي جعلك تنتظر رائحتك المتعفنة ,بعد أن كنت مضيئا في حضورك المتعالي على هؤلاء ؟؟؟!!

ما الذي يعنيه هذا الحضور إذآ ؟؟

عليك أن تأخذ تأشيرتك دون رجوع ,,

وتترك قامةً لها حضورها المدوي فى حضرة الغياب المدهش والعاجل .

كان الرحيل الى المجهول يطاردني أينما ذهبت ,

ويدفعني الى إيجاز رغبتي الجامحة تلك .

أنا الذي راودتني تلك الفكرة المجنونة,,

الرحيل دون سابق إنذار..

فكنت أرحل دومآ عن المكان وأصحابه المخدوعين بزخارف البقاء !

كنت ارحل عنهم فى بحر الكلمة والورق ,,

أغوص عميقآ فى تأشيرتي المدهشة إلى ثكنة الورق ..

أرسم لحضوري معنى خارج حدود الوجود .

أنها فلسفة الإنسان فى العيش أحيانا ,,

تحاول البقاء خارج نطاق الحضور الذي يعيشه الأخر .

لم يكن الا رحيلٌ مؤقت فى هدب الكلمة ,

والرحيل الذي يستفزني دوما هو الرحيل إلى حقل الكتابة,

كان القلم يهزمني فى كل معاركي معه.

فينتصر برغباته الجنونية تاركآ خلفه سربآ من الحنين والعشق الباذخ!!

الحنين الى زمن ٍ لم أكون فيه !!

ذلك الزمن الذي أقرأ فيه ملامح الحضور المدوي !

ونافذة ٍ للعشق الجارف الذي ينام على أريكة الزمن المنسي,,

انه العشق الأزلي لشخص ٍ التقيناه على مساحة الورق!

وتماهى فى غيابه الى الأبد !

فكيف لك أن تعثر على ظلاله؟؟

وانت تبحث من طفولتك عن النموذج فى العيش وفى الحرية وفى الشجاعة والوفاء!

تبحث عن رائحةٍ لأثره فيصعب عليك ذلك ,

انت لاتختار الا زمنآ ولايمكنك أن تختار أبطاله بنفسك .

فالزمن يقلد من يشاء من الرجال ,

فقد يكون الذين يمنحهم الزمن رجولة وبطولية لايستحقون ذلك التقدير!

ولكن هذا الذي يحدث معك ,

عندما أريد البحث عن الرحيل ينتابني جنونٌ مروع الى شخص "زوربا"

أشعر بالغيرة منه ,لانني لن ألتقي به فى كل مفردات الزمن!

لن أجد شخصآ يشببه فى طريقته الجنونيه فى التعبير عن حالته ,

الذي يدهشني فيه لحظة أن يفرد ذراعه الوحيده وهو يرقص ,

ذات مصيبةٍ نزلت عليه !!

فكيف ستجد رجلآ بمثل هذا الإمضاء المدهش لحالته ؟؟

كان ذلك البطل يتقاسم معي الوقت والمسافات التي أجتازها ,,

أنه صورةٌ فريده لإنسان هذا الزمن .

لقد تجسدت أمامي هذه الصورة ,

كلما أحاول البحث عن معنى ٍ آخر للتعبير عن هزيمتي !

فالذي يمنحني القوة على الخروج من المآسي هو ذلك البطل ..

بسببه كنت أشعر بلذة الدمع والخسارة!

فهناك من أبطال الروايات من نشعر بهم معنا فى كل اللحظات ,

وننتمي الى طريقتهم فى العيش أيضآ .

ينتابنا حزنٌ عميق أحيانآ لانني لا القاهم معي فى الواقع !!

أريدهم أن يتحركوا ويشربون الشاي معنا ,,

لم كانت الرواية جسدٌ ميت فى ثقب الذاكرة ؟؟

لابد للشخصيات الهامة بالرواية أن تبقى حية !

ويبقى لها نزيفها الحاد فى الذاكرة ,لنُشفى من حالات الأبطال فى أي عمل ٍ روائي ..

لتنتقل حالة الرواية الى القارئ تمامآ ,

يصبح من الممكن خروج النص الى أرضية الواقع .

ويتماهي الفرق بين الكائن وأبطال الرويات,,

فيمكن أن تكون للرواية حضورآ مدوي ,,

يمكن لها أن تصير مشروعآ حيويآ قابل للعيش والنمو والإرتقاء !!!

الذي جعل من "زوربا" عنوانآ لشكل الزمن ,,

ورائحة ٌ لوجه الجنون والحرية والنضج الفلسفي ,

كانت تلك الهزائم الكبرى التي يعتبرها الأخرون فجيعة ,كانت تعني لديك الرقص والغناء!!

كنت تحولها الى شكل ٍ آخر من الإنتصارات .

فأي زمن ٍ ذاك الذي أنجب شخصآ مثلك !!

مالذي كنت تخفيه يازوربا وانت بتلك الذراع الوحيدة ؟؟

التي كنت تفردها بحثآ عن فضاء ٍ لمعنى النكسة والإنتصار والجنون فى آن ٍ واحد!!

لكن "خالد بن طوبال" فى ذاكرة الجسد للروائية الجزائرية "أحلام مستغانمي",

كان أيضآ بذراع ٍ واحدة !

كانت تلك الذراع الوحيدة التى تختصر فى مجملها ذاكرة ٍ لوطن..

كان يختلف عن "زوربا"كثيرآ ,فلم تكن تلك الذراع الشديدة الحزن تعني لاشئ !!

كانت قصيدة ً مكتوبة بكل البحور ,كانت جزءآ من جسور قسطنطينة المفروشة على ذاكرة "خالد"!

جزءآ من حرب ٍ خاضها "خالد" فى تحرير وطنه الجزائر من الإستعمار الفرنسي,,

لم يكن من ذاك البلد الا أن رماه بغزالة النسيان والفوضى التى تلي كل ثورةٍ !!

الثورة تأتي ثمارها لكل أولئك الجبناء الذين يتقاسمون مناصبها وثرواتها ,,

"خالد" خرج عن طور "زوربا"بحجم معاناته التى خسرها تمامآ ..

ولكن "خالد"لم يخسر شيئآ من كبرياءه وشخصيته الفذة فى الإبداع ,

وقدرته الفائقه فى العيش رغم كل الإسقاطات العابرة التى تجتاحه فى كل اللحظات !!

"خالد"الذي أشعل بداخلي نيران القوة مثل "زوربا"..

ولكن "خالد"كان أكثر من أي شئ ٍ ..

كانت علبة الألوان التي فاز بها من وطنه الجزائر بدلآ من تعيينه فى أي وزارةٍ تليق بنظاله وبذراعه المبتورة !

وأن مُنح منصب ٍ فى الحكومه فإنه حتمآ سيتحول الى شخصآ إنتهازيآ ,,

وينتهى معنى تلك الذراع الوحيدة ,

فتصبح لها بريق ٌ آخر كأولئك المرتزقة والمأجورين الذين يلهثون خلف فتات المناصب والأوسمة الكاذبة!!

عندما كان"خالد"وزيرآ للثقافة الجزائرية كانت تسكنه روح الإستخفاف بأعمال الأخرين!!

كان بمزاج البيروقراطي يلغي مايشاء من النصوص الإبداعيه التي تصله من المؤلفين والشعراء الشبان..

نسى أنه بذراع ٍ واحدة يملك القدرة على بتر ملايين القصائد من دواوين الشعراء الذين يتقدمون لطبعها ونشرها!!

فهذا الجميل فى "خالد"أنه ترك ذاك المنصب ليبقى نقيآ من إرهاصات الثورات وغنائمها !!

لم يكن من "خالد" بعد ذلك إلا الرحيل إلى باريس والبحث عن شكل ٍ آخر للعيش ,,

فكانت فاجعته أيضا أكبر ,,

عندما أعلن بكل جنون أنه يعشق ذاكرةٌ من عناوين الوطن ,,

ذاكرةٌ يجتمع فيها الوطن و"خالد"مرة واحدة.

كانت تلك الذاكرة هي "حياة"ابنة المناضل "السي طاهر"رفيق "خالد"فى كل المعارك التى خاضها ,,

فكانت "حياة"مبررا وطنيا لمناضل مثل "خالد" فى باريس..

كنت أنا أيضا أحسد "خالد"لأنه أكتشف ذاكرة بحجم "حياة".

فقررت أنا أقرأ تلك الرواية أكثر من مرة ,

وأنا أحاول أن أقترب من "حياة"لأظفر بعشقها بدلا من "خالد".

فكنت كلما أستعيد ملامح العودة إلى "حياة"و"خالد"أشعر برعشة العشق ,

وكأنني أفوز بها لأن "خالد"يعشق ما يرسمه من اللوحات التي يستعيد على إثرها الوطن,

فكنت أتسلل إلى "حياة"وأٌقبلها عوضا عن "خالد".

بقت صورة "حياة"تسكنني وتتسلق معي مسافات الزمن ,,

ذلك العشق الذي صرت أحتفظ برنينه كلما أنتقل جسدي إلى واحةٍ أخرى للعيش..

كانت "حياة"تذبحني بمنجل صمتها المدوي ,,,

"حياة"أحببتها دون أن أعي شكل المسافات وحجم الزمن الذي يفصلنا !!

لم أتذكر أن "حياة"لم تكن إلا عاشقة ٌ لخالد...

ولكن كانت تسكنني حيثما أذهب وحيثما أقرأ ذاكرتي أيضآ ,

اعتبرتها عاشقتي الوحيدة التي أستطيع أن أبحث عنها .

فلم أعشق فى الواقع سوى خيال "حياة",

كانت هي عناوين البحث الدائم عن العشق.

الأعمال الأدبية التي تهزّ مشاعرنا وتصعق عقولنا هي تلك الأعمال الحقيقية,

تلك التي يتحوّل الإنسان معها إلى رغبة التغيير والولادة بذاكرة ٍ أخرى غير تلك التي يحملها ,

تلك الأعمال التي تبقى خالدة في ذاكرة القارئ .

ويبقى تفسيرها لأكثر من جيل ,

الرواية الحقيقية تلك التي يصبح معها القارئ هو المؤلف الوهمي لها ..

وإنها رواية ٌ لأكثر من كاتب وأكثر من قارئ في الوقت ذاته ..

هناك أعمال تحاول أن تخرجك من طور الواقع إلى تفاصيلها المُدهشة ..

أن رواية "الجريمة والعقاب"للروائي الروسي "فيدور ديستوفسكي"تعتبر نظرية إخلاقية وفلسفية ,

رواية ٌ كان بطلها "راسكولنيكوف"أنها رواية خارقة استطاعت أن تخترق المعقول ,

وتذهب بقارئها إلى مساحة ٍ واسعة من الفكر والفلسفة,

تلك من روائع الأدب الروسي التي تدخل في إطار التركيب السيكولوجي للإنسان الروسي ..

كم أدهشني ذلك البطل بكل ما يملك من أدبيات ؟!

أنه كان صورة حقيقية عن المؤلف وتقلباته النفسية,

قراتها وأنا في مرحلة ما قبل الجامعة ,

لم أتصور حجم التفاصيل التي سأخرج بها من ذلك العمل !!!

إنه إختصارآ مُكثف لشخص "ديستوفسكي"!!

ذلك الذي قرر فى لحظة ٍ من لحظات دراسته الجامعية ,

أن يقتل أبوه الذي أرسل له قليلآ من المال,

كان مبدعا في طريقة التمرد الذي يملِكه !!

بعد سنة ٍ من صدور تلك الرواية ,

عاشت روسيا نفس الحالة على الواقع ,

أصبحت نظرية"راسكولنيكوف" محتملة على الواقع ,,

وهو أن شابا قتل امرأة مُرابية لكي يأخذ منها ثروتها وممتلكاتها ,

أي ّ عمل ٍ ذلك الذي يتحول الى مشروع حياة ..

ويصبح جاهزا للعيش والفعل على خبز الواقع!!

تلك التى تحول الأدب الى ثورة تعيش على ظلها الشعوب !!!

وتنير بضوئها الأمم وحضارات العالم ,

تبقى شاهدا على عظمة الأدب وفاعليته في خلق المستحيل ..

ذلك نتاج فكر ٍ راقي يعيشه المؤلف وينغمس في مشروع الحياة الصعب !!!!

لتكون تلك الأعمال فاعلة وصالحة للعيش والحرية,

المؤلف لمن يكتب ؟

أيكتب من أجل فعل الكتابة ذاتها ؟؟!!!

أم لأنه يقي نفسه من ذلك الواقع الذي يتنفس هواءه؟؟!!

أم لأنه يريد أن ينتج فكرآ وفلسفة ؟؟!!!

ربما الكاتب يلجأ الى الكتابة لكونها الفعل الإنساني الحُر!!!

انه الفضاء المُتسع لكل التغيرات التي يشهدها العالم !!

تلك التغيرات التي تفسد شرعية الإنسان للعيش ,

ليبقى حضوره باهتا ويتم على هذا عمليات إقصاءه التام من تلك الحقوق الشرعية التي يجب أن تكون مرادفة لوجوده!!

العمل الأدبي هو الذي يخرج من طور الورق والحبر الميت إلى ضفة الوجود !!

يحمل معه أدوات الرفض والتعرّية لكل أنواع الممارسات !!

الأدب هو الجدار الذي يفصلنا عن الواقع وكل أسراره الخفية!!

هو أدواتنا السرية التي نحتفظ بتركيباتها النحوية ولا نحتفظ بأصواتها المُدوية في وجه الحقيقة..

لأن الكتابة هي الخروج عن نص الموتى إلى نص الحياة ,

أولئك الموتى يجب أن يستعيدوا أنفاسهم لخوض الحياة من جديد!!

الكتابة سر ٌ من أسرار العظماء وقادة الأمم !!

أنها لوحة الرسام التي معها يحكم عالم الفضيلة !!

لذا الفرق الحقيقي بين الأعمال الأدبية الميتة وتلك التي تتقاسم مع الحضارات حصتها في العيش والتجدد!!

أم تلك تختنق بعد خروجها إلى الواقع وتمارس الموت سرا على نفسها !!

أنها كالفراشات التي تموت عند أول شعاع ٍمن النور !!

العمل الأدبي الذي يحاول أن ينتج الإنسان في كل العصور و الأزمنة,

ينتج شيئا بحجم الصرخة والإيقاف المُفاجئ لعجلة الزمن الخاطئة!!

ذلك العمل الذي يدخل في صناعة الإنسان وأشياءه المفقودة التي أقتحمها مارد الظلم والإذلال !!!!!!!

الأدب هو غياب القانون وتزويره وتمادي الحبر في غواية تلك الفوضى والقراءة الحُرة لتفاصيل ذلك التمادي !!!!

*********************************************

هناك شبه علاقة بين الأعمال الأدبية الذاتية التي تُلخّص سيرة المؤلف,

وبين تلك الشاهدة على عظمة التحدي والمقاومة والرفض !!!!!!!

فرواية "الخبز الحافي"لمحمد شكري..

على رغم كل المعالم الأخلاقية وغير الأخلاقية التي غمرت ذلك العمل!!

اختصرت ذاكرة الواقع وغمرت النص بجنونها الحاد و عناوين ذلك العيش الفاجع !!

الفقر وانعدام المقومات الأساسية لبناء الأسرة !!

أنها اختصرت مرحلة الكاتب في كل الأشياء التي غابت عن رغباته !!

وبقى بذلك الحد الجنوني فى تصرفاته وعلاقاته الأسرية التي أفرزت ذلك الشخص !!

أنه عمل يستحق الثناء رغم الخطاب اللغوي الفاسد الذي تخللها !!

لكن التجربة هي التي تنتج النص وتعطي النص زخما أكثر !!

تغفر للكاتب أدوات اللغة التقليدية المُستخدمة في بناء النص ...

وليس النص من ينتج التجارب أو الأعمال التي تستحق أن يستنشقها الآخرون ,,

النص ليس إلا عملا دعائيا لفعل التجربة و الفكر والفلسفة!!

أن المؤلف يعيد ترتيب الأشياء التي لا شكل لها !!

يمنحها روح الحياة دون أن نُفقد تلك الأشياء حقيقتها !!!!!!

لم يستطع المؤلف أن ينتج أبطالا وهميين أو أمكنة مجهولة!

فكان عليه أن يكتب صورته في الماضي:عند الطفولة وما يليها من سنين!

عند هذا الصنف الفريد من صنوف العيش و البقاء على خط الفقر المتهاوي في خطورته!

التجربة القادمة من عمق المأساة والفجيعة التي تغتال أفراد الأسرة,

وترمي بهم في أتون الأماكن القصوى بحثا عن لقمة العيش !

وهناك نصوص لم تلقى حظها في النشر .فتعثرت منذ الوهلة الأولى !

لم يمنحها الحظ حصة الظهور على حافة الولادة فتلاشت فجأة.

هناك الكثير من المبدعين الذين لم يستطيعوا أن يذهبوا إلى كتابة شيء ٍ يفزع الأدب ويجعله يقف مذهولا !

وهذا ما يصعب تفسيره في عالم الكتابة..

الكتابة تأتي في أقصى مراحل المقاومة والاستنفار,

أنها الجانب الأخر لهوية الإنسان في العيش وفي الحرية!

الكتابة عن شيئا ما..ربما تكون طريقتك في استهلاك ذلك الشيء والتحرر من وجوده تماما,

أنها المنطقة الأكثر عتمة ً و نورا تلك المساحة الشاغرة التي يتم الإعداد لزيارة مرافقها وملء السطور البيضاء لها بشيء ٍ من دمع الحبر.

مغامرة الكتابة والبدء في مشروع استنزاف العواطف والتعبير عن عاصفة الذاكرة والغياب و المنفى والوطن أخيرا !

فماذا يمكن لنصٍ أن يتجاوز خرائب كاتِبه ؟

كيف يمكن أن يُجسّد النص صورة مجهولة الملامح ؟

أن تحافظ مرايا النص عن صورة ٍ لا تشبه كاتبها تماما!!

النص الذي لم يجد له من أب ٍ شرعي يحاول أن يبعث الأنفاس بداخله.

أي كارثة ٍ تلك التي تلحق بنص ٍ لا ينتظر إلا قيام الساعة ليفصح عن جثمانه !

من أين للحبر كل هذا البقاء وكل هذا العمر والانتظار على مرمى السنين ليكمل شهادة ٍ تحاول تمزيقها آلة الزيف وماكينة الحرب الطاحنة التي تتبناها لعبة السياسة؟

فهذا نص ٍ لا يعلم احد في أي المنعطفات سيتعثر و ينال حقه في الهزيمة والموت !

النص الهارب من كل مفردات الإنسان الانتقامي.

انه يعاني الرحيل بكل التقاسيم التي تُشيّع مقاماته!

لم يكن يوما يغشى الرحيل لأنه ينشد أهازيجه ويدرك عشقه الجنوني إلى فوضوية المجهول!

المجهول الذي يكبر ويصبح ماردا عملاقا على حافة النص !

أي صمت ٍ هذا الذي يغتال بجنون عائلة النص ؟!

يحاول أن يلقى على الحضور بقية تفاصيل ذهوله.

فمتى ينتفض النص من لعبة السكون الذي تغمره ؟

يعثر في زحمة الأشياء المنسية على كينونته في التوّهج وفي الخفق,

أنه كل ما حاول أن يقترب من المعنى أو فك رموزه تغازله الرغبة في الاشتعال!

لا فرق بين النوم على صدر الكتابة أو الاكتفاء بسرايا النص المتشظي تحت رحمة المجهول!

جملة هاربة من النص أو أخرى تريد أن تحافظ على البقاء في صخب الموت العاجل للأشياء,

ليس مهما كل هذا الوداع الذي تجري مراسيم الإعداد له سرا في حضرة هذا الصمت الحاشد!

كل الذين يدركون حلاوة هذا الاحتفاء لا يعلمون كم يكون حجم الإنسان الذي يخوض كل هذه الرهانات الكبرى؟!

الرهانات التي نعقد معها صفقه أحزان الحياة وأفراح العمر المفقودة !

تلك التي تتدخل فيها أصوات المزايدات وتنتقل من طور ٍ إلى طور ٍ أخر,

ألن تأتي تلك الأحلام التي تنام تحت وسادة الروح مغمورة ً بغموض الزمن القريب ؟

وتقص على تلك اللحظة بعض أحزان ذاك الزمن القادم ؟

أي حزنٍ هذا الذي يغمر المكان بأنفاس الرحيل الفاجع؟

لماذا صارت الألوان لا لون لها.. والأشكال لا شكل لها ؟

ولماذا طريق العودة إلى الوراء له مذاق العودة إلى حضن الوطن ؟

العودة إلى ما مضى كأن هنالك شيئا خفي ينبغي أن نرسم ملامحه بدقة متناهية !

الوقت يركض في عجلة ٍ مريبة ..ويحرّك الاستشعار الكثيف في رسم صورة الغد.

تلك الصورة التي تأخذ أشكال عديدة ويبقى لها ذلك المعنى الخرافي والموحش في الذاكرة.

كل صباح ٍ أعثر على صورة ٍ أخرى وعندما أقترب من المعنى أذوب موتا ووحشتا وقهرا..

الصباحات الجميلة التي أعتاد القلب على قراءتها في أول أمنياته.

لم تكن بهذا الحجم من القسوة..

الصباح الذي كان يعني الجمال..العشق..الحلم..الوطن أولا و أخيرا .

وهاهو الوطن والصباح يقفان معا على عتبة الخاتمة !

يواريان على عجلٍ كل مواعيد الجسد ويطفئان شمعة الانتظار التي يتم استهلاكها في محاولة ٍ يائسة لاستعادة الصورة والمعنى السابقين اللامعين بكل التوهج !!

الصباح يقص على القلب أحدى حكايا هزائم الزمن المرير..

والذي أحال كل شيء إلى قصاصات ورق مهترئ.

بقى من تلك الحكايا جنازة حلم ٍ مات منذ ذلك التاريخ الهارب من تفاصيل النكسة!!

أي جنونٍ هذا الذي يزور رفات الجسد فيما بقى من زمنٍ ؟

الذاكرة وحدها من يغتالها الموت والحنين والذهول !

لم يعد هذا المكان مناسبا لنسيان الوقت!

ولن يكون أيضا مناسبا أن تجد صورتها المُهشمة على حائط المكان الأبدي,

ينبغي أن تتذكر صورتها الأولى التي تظهر موسومةً بعطر نرجسها!!

و جنازتها الأخرى والأخيرة التي تخشى اندثار الزمن دون الخوف مما حل فيها من طعنات!

ما يتوقعه المرء أثناء قوته,لا يمكن أن تحصل على نفس النتيجة في الوقت الذي تكون بموقف ضعف!!

المرء لحظة أن يقع في فخ ٍ ما..يدرك أنه يفقد كل الأشياء التي صنعها في الزمن السابق,

كل البطولات التي حصدها قبل ذلك الفخ لا شك أنها ستنال حظها الوافر من التبخر و الانعدام!

لم يكن الناس هم المشكلة التي تريد أن يتوقف الزمن عندهم.

التاريخ لحظة أن يعلن عن انتهاء الزمن بالنسبة لك .

وصرت تتربع على بقايا الوقت الهاربة من عقارب الحياة الكبيرة,

ليت للذاكرة تستطيع ان تُشفى من صراعها الأبدي مع الوقت !

تحاول أن تجد لها مرقدا جاهزا لنسف هذا الجدار المتبقي من الوقت!

أنه الوقت الإضافي الذي يحاول فيه لاعبوا الفريقان أن يسرقا نصرا بعد ضياع وقت ٍ جنوني!!

فأي وقت ٍ هذا الذي يعزز مكانة الذاكرة على مقبرة نصٍ مندثر تماما؟!!

ما شكل ولون وحجم و مذاق تلك الاتفاقية الصماء التي يُبرمانها؟

الذاكرة التي تحاول الإبقاء على شيئا من غرورها وكبرياءها.

لا تريد أن تكتب رحيلها بطريقة ٍ تشبه البكاء أو الندم!

النص هو الأخر لن يخرج من مقامات دهشته إلا في الوقت المناسب,

فمن يحافظ على أزهار الربيع المؤثثة في ذاكرة الروح الأولى ؟

من يحصد ذلك الجنون بأكمله بعد كل أناشيد الرحيل الطويل؟!

من يتقن اقتفاء أثر الفراشات الدامي في تلك الذاكرة المنسية؟

أحلام ٌ معطوبة.. وجسد ٌ تستدرجه عقارب الموت كل لحظة!

المشروع الأكثر حضورا في القلب يسقط في وعكته الخفية..ولم يبقى له من أثرٍ !!

أنه بقايا رمادا متطاير نحاول أن نلملم أشتاته ونصوغ من جسده عالمنا السحري.

لعل في ذلك شيئا يعيد البهجة الكاذبة إلى الروح!

فهل أصبحت الأحلام إلى هذا الحد الباذخ في الجبن و الموت البطء؟

أيمكن أن يرضى الإنسان برائحة ٍ نتنه وعديمة القيمة بعد أن يفقد حدائق ربيع ٍ عطرة؟

لن يكون الرد طبعا بلا أو نعم..

كل ما يُعتبر نتنا عند البعض فإنه عند آخرين يبدو شيئا مقبولا أو راقيا !

وهناك من ينظر إلى الأشياء الراقية على أنها عديمة الأهمية والجدوى !!

هذا مقياس عابر لحقيقة مفهوم الإنسان في تفنيد رؤيته للأشياء..

وليست كل الأشياء التي بحوزة الفرد يمكن اعتبارها دائمة العهد والفاعلية!!!!

كم يلزم من الأدب وقواميسه لسرقة ما تيسر من المفردات ؟

لنقي جلودنا بمعطف اللغة أحيانا وفرو دهشتها القارص.

اللغة بكل أبعادها وتناميها المُكثف في زحمة الركض خلف غابات التنبؤ القصوى.

لم يعد هذا الرحيل ينتظر شيئا,

ربما تذبل اللغة على بواباته المُشرّعة في التهيؤ تماما,

لا بد أن تكبر اللغة في تيار التأويلات وتمارس سياسة المكر.

لم لا تقترب اللغة بكل رصاصاتها من أدوات الرسم البدائية؟!

فهل للألوان أيضا التأويل ذاته في اللغة العربية؟

الرسم يعني التعبير بكل لغات الدنيا!!!!

أنها اللغة المشتركة التي يستطيع أن يقرأها العربي من الغربي!!

اللوحة التي يحين ولادتها على الورقة المخصصة لذلك,

تصبح جاهزة لقراءات العالم كله!!

الذي يكتب ويقرأ اللغة اليابانية ولا يفهم بالعربية شيء.. ربما يقرأ لوحة ٍ رُسمت أبعادها وتجلياتها بالعربية تماما,

اللغة التي تسبق الزمان والمكان !!

والذين يؤسسون هذه العلاقة الحميمة جدا بقراءة اللوحات هم أكثر إبداعا من ذلك الذي رسم حدود تلك اللوحة وحدود ظلالها !

أن أولئك المحترفين للتوقيع على اللوحة البيضاء بالألوان وبث الحياة في ورقة ٍ صماء ميتة.

كم هو بأس وخيالي وشاعر وفنان ذلك الذي يحاول أن يترجم نصا مُبهما لأعصابه الخفية على رِقعة الرسم ؟

الرسام هو الرجل الثاني بعد الطبيعة وتقلباتها الكونية والجيولوجية الذي يعمل على تغيير المكان وتزويره بالطريقة المناسبة لذلك!

يعمد بكل مكر على صناعة المكان والزمان من جديد.

أنه كآلة الزمن التي تخترق كل قوانين الطبيعة وتعمل على القفز عبر الزمن...فتكتشف أنك في زمن ٍ آخر.

هي طريقته البارعة في الجنون والجنون المضاد .

هنالك لوحات عالمية وصلت أسعارها إلى حدٍ خيالي,

السبب الحقيقي الذي دفع برسم تلك اللوحات عبارة عن سببٍ لا قيمة له أصلا بالرسم ولا بالإبداع,

هناك من رسم على صحن الأكل رائعته ليس لأنه يريد رسمها..بل لأنه لم يستطيع أن يدفع فاتورة الغداء إلى صاحب المطعم عندما طُلب منه أن يدفع ثمن الغداء..فقال لصاحب المطعم سأرسم لك لوحة على هذا الصحن بقيمة الفاتورة.

و هاهي تلك اللوحة تحقق أرقاما خيالية منذ ذلك الزمن,

فهل كان يتّوقع الرسام مدى أهمية أبعاد تلك اللوحة؟التي لم تستطع أن تولد على المساحة المخصصة لها..

فلفظت أنفاسها قبل الزمن الذي تستحق أن تُولد فيه!

وهذا الذي يعطي ذلك الفن جنونه المُدهش تماما!

ليس هنالك من زمن ٍ محدود لقراءة طقس اللوحة,

أنها تعيش كل حالات خيبتها وانكسارها وحنينها وجنونها..

كل الأشياء تمتزج بتناقضاتها.. فلن تكون هناك لوحة تعني العشق بمفرده دون أن تدخل لغة الكراهية أو الغيرة أو الاكتئاب بين ألوانها!

و أن رساما يظن فردية الحواس في الرسم لا شك أنه لم يصل إلى مرتبة الرسام,

اللوحات التي عليها عناوين تختصر أسم تلك اللوحة لا شك أنها لوحة كاذبة المشاعر والأحاسيس,

فكل لون من ألوان تلك اللوحة يدخل ضمن الدورة الدموية لمشاعر الرسام وأحاسيسه في تلك اللحظة.

الفن يأتي دائما من تلك الأعماق التي لا حدا لأعماقها,

كل ما لا يمكن وقوعه يمكن حدوثه على مساحة الإبداع والفن,

كم أنا سعيد لمعرفة صديقة من السعودية تحترف الرسم وشيئا من الكتابة... معرفتي بها جاء من منتدى الغالية"أحلام مستغانمي".على شبكة الإنترنت!!

أنها تملك موهبة فنية في الرسم,

قلت لها في أحدى لقاءاتي معها:

عليكِ أن ترسمي أقرب الأشياء إلى ذاتكِ!

لا تحاولِ أن تسلكِ طريقه ٍ معينه في الرسم,

أنها طريقتكِ المنفردة في عشق الريشة ومساحة الرسم.

عليكِ اعتبار تلك المساحة ليست مساحة ٍ للرسم فقط أنها مساحة معركة متكاملة,

مساحة للجنون ولطريقتكِ في العشق والحزن و التشظي !

مساحة خاصة تفردي عليها جناحكِ نحو سماء الحرية الفسيح.

لا تظنِ أن تلك المهنة للتسلية أو الدعابة..عملية في منتهى الخطورة والإنسانية!

وغالبا ما يعتقد البعض أن الرسم هو محاولةٌ فاشلة للتعبير عن حالة الصمت و الإحباط!!

وأضفت لها:أن مجتمع ٍ كالمجتمع السعودي والذي تسوده الثقافة الفائضة من الناحية الدينية!

يحتاج منكِ الكثير من القوة والإرادة لتجاوز ظل هذا الإرث العميق.

على اللغة أن تخرج من حيز التقليد والممكن.

واللوحة تأخذ أشكال متعددة للتمرد والرفض.

ولكن يأتي تفاعلها مع كلماتي ببطء.. فترد :

إن شاء الله سأحاول أن أقترب أكثر من عشق الرسم,

فقلت أنا مقاطعا:

- يا سيدة لم تمنحني بعد أسمها الحقيقي!!لا تعشقي الرسم فقط ..أعشقي سماء التمرّد وألوانه وأسماءه!توحدي بأغنياته وقصائده الممتعة..كيف وصل المبدعين الكبار إلى مراتب العالمية؟؟!

- أولا أريد أن احتفظ بخصوصية الاسم, منحتك ِ لقبي وهذا يكفي.أتمنى أن يبقى ذلك حدا للصداقة بيننا!عجبت جدا بأسلوبك في الكتابة وفي عمق تفاصيل المعنى الذي تحمله.ولكن هل لي أن أسألك سؤال؟

- نعم..ما السؤال؟

- ما الذي لفت نظرك إلى كتاباتي ؟

- كتاباتكِ رائعة قليلا..

قفزت كلماتها مسرعة:

- وماذا تنصحني بإتباعه؟

- عليك ِ أن تتصرفي بطريقةٍ كبيرة في الكتابة.. و الخروج بنص ٍ ممتلئ تغريدا بانتصاراته!

- وكيف أجمع بين الكتابة والرسم ؟

- الكتابة هي الوجه الأخر للرسم,فهناك لوحات نستشفها من عمق النصوص المكتوبة..وهناك لوحات تسيل نصوصا وكلمات باذخة التأثير والحرية!

- طبعا أن كنت تريد أن تبقى علاقتنا فانا أقول لك من البداية أنا فتاة مرتبطة ولا أريد أي تفاصيل بهذا الموضوع نهائيا,والجانب الثاني أن تكتفي بما قلته لك من معلومات عن الاسم وأفراد الأسرة.

- أظن أن هذه العلاقة ستموت يوما بفعل تأثير الصداقة وما يلزمها من تفاصيل ثانوية..أنا شخص لا يكتفي بهذه العناوين السجينة لصديقته التي يحن إلى كل مواعيد اللقاء بها !!!!

- أنت تريد فقط أن نخسر بعض لأسباب لا داعي للخوض في غمارها,

- ربما سأقول نعم ولكن أنا من يملك العشق لكل ما لم أصل إليه.وهذا الذي ستكتشفينه يوما مع شخص ٍ مثلي,أحب دائما النوم على فوضى المسافات وتعرية تلك المسافات على إنها شيء من الجنون الذي يمكن أن نجتازه تماما!!

يأتي الصمت كنوع من الدهشة:

- (..........)

- ربما أنا أقترب منكِ أكثر ليس لأجل حبٍ أو ما يشبهه..أنا أقترب أكثر من أجل أن أصنع لي صديقا أكتشف ثمنه في ما سيأتي من الزمن,

- وهل تحترم الصداقة ؟

- الصداقة ما هي إلا معنى فائض عن حقيقة الشيء الذي يكون سببا في تلك الصداقة,فإن كانت بداية الصداقة نتيجة للشات الفوضوي الذي يمتلأ بأصوات المراهقين,فبالتأكيد هي صداقة زائفة,والأمر يختلف أن كانت الصداقة أكثر نضجا لأنها تأتي من زوايا الكتابة والإبداع والحرية!

- بالفعل..الأمر يختلف من موضوع إلى آخر ومن مناسبة ٍ إلى أخرى!!أنت إذاً تملك أشياء جميلة في أسلوبك الفكري.. هل تستطيع أن تتواجد على الإنترنت في ساعات متأخرة من الليل؟

- لا أستطيع أنا لا املك خط إنترنت ولا جهاز كمبيوتر.

- أقصد في الساعة الرابعة صباحا..

- يا سيدتي لا أستطيع!! هل أعطيكِ رقم تلفون من أجل معرفة المواعيد بيننا..إن كنتِ مهتمة بشأن التعارف!!!

- قلت لك توقف عند ذلك الحد..لا نريد أرقام تلفونات ولا شيء.

- بالنسبة لي..الأمر طبيعي, أنا أحضر إلى مقهى الإنترنت في أي وقت وأذهب..لا أهتم كثيرا بالوقت,

- سأذهب الآن كن بخير وداعا..

- وداعا.

أنها ثقيلة دم نوعا ما ..ولكن ربما لأنها تضفي على المشهد نوعا من الرسمية,أن تطفو مزاج الأنثى على رغبات رجلٌ شرقي..

لا أتوقع أن تنجح بمزاجها ذلك وتخترق جدار عزلتها الاجتماعي والأسري..

لم تتجاوز محنة البوح باسمها وتكسر جدار التقاليد...فكيف لها أن تتمرد على الكلمات أو على مرسمها الصغير جدا,

الأدب لن يكون صورة مزيفة عن صاحب الفعل والناطق بالإبداع.

أنه صورة لصاحبه وظله الأخر....فليس هنالك من يلجأ إلى تزوير صورته وأنفاسه على الورق ويُقدّم أخلاقا لا تعنيه!!

فليس من الممكن أن تظهر في صورة الملاك على صدر الصفحات وأنت في الحقيقة ممتلئ بالحقارات والنذالة!

تكمن قوة الأدب في هذه التعرية الساحقة للواقع وللإنسان بالمقام الأول,

ولكن لا أستطيع أن أقرأ ملامح تلك الصديقة التي اختارت لقبها بالإنجليزية وانتهت عند تلك النقطة!!

بعد عدد من اللقاءات المختصرة معها,تأكدت فعلا مدى قناعتها بتلك الفلسفة في الحياة.

دخلت معها في متاهة ٍ لا تُوصف!!

متاهة الأنثى التي تحاول أن تدفع بك للوقوع في فخ شروطها.

أنا الذي أشعر بتلك البرودة التي تسكن روحها..

فأي برودٍ ذلك؟!!

لم أسكت عن المناخ العاطفي والأدبي والأخلاقي الذي تغمر أعصابي به !!

و في صباح ٍ باكر من شهر نوفمبر من عام 2006م ألقت ببعض جمرها على خانة الحوار الذي يجمعنا!!

ألقت بتحية الصباح على طريقتها التقليدية:

- صباح الخير ..كيف أنت في هذا الصباح؟؟

- صباحكِ سكر ..سيدتي..أنا كالعادة عاشق ٌ لمدينةٍ بحجم هذا الوطن ولكن تلك المدينة التي على يديها أموت طويلا,أنها تمارس سطوتها المُبكرة في الصباح , وتجلدني بعصا الحنين والعشق والقلق في المساء.

- أهذه كلها حالتك يا صديقي في هذا الصباح؟

- المدينة المُلونة بهذه الأجواء والطقوس.إنها تغمرنا بالفرح وبالمأساة معا..ولا نستطيع أن نفيق من هذه الازدواجية المشتركة.

- سأعطيك هذا الصباح شيء أريد رأيك الشخصي فيه.

- أخاف أن تكون أحدى لوحاتك العشقية في الرسم؟!

- لا ..ليست لوحات في الرسم أنها بعض الكتابات والمحاولات النصية..أريدك أن تقول لي رأيك فيها..

- ليس هناك من مانع!!

- أستلمها الآن..وسأذهب بعد أن تستلمها.

- لقد أستلمت الرسائل الثلاث,,

- كن بخير ألقاك في القريب العاجل.

- سلام لك ِ .

الرسالة الأولى:

(( أخبرتني ذات مره ...

أنك بعد أن أحببتني أصبح لديك ولع بالفرشات ...

لا أخفيك أستغربت حديثك جداّ .. وتشبيهك لي بالفراشة ...

ولكننى فى بعدك أكتشفت أنني أمتلك روح فراشة بداخلي !!

فراشة تبحث عن الحب .. الحلم .. و الجنون

تبحث عن بصيص ضوء يتسلل إلى داخلها .. ويبعث الدفء

إلى روحها... تبحث عن ضوء يأجج مشاعرها وأحلامها ...

فراشة ... تجد سعادتها ونشوتها فى أن تراقص الأضواء .. وألسنة اللهب !!

تتهادا بجنون ساحر وسط النيران .. ولا تستيقظ إلا بعد أن تكون النار

قد أحرقت أجنحتها الهشة !!

ولكنها وبدل أن تهرب بعيدا عنها ... تنظر اليها بشوق .. ووله

وجنون !

وتلتصق بها أكثر فأكثر حتى تفارق الحياة ....

هل هناك أجمل من الموت فى أحضان من نحب ؟؟

هل هناك أثمل من أن نغرق في رائحتهم العطرة حتى الموت ؟؟

هل هناك أشهى من أن تغتالنا أنفاسهم في لحظة موت ؟؟

هل هناك أروع من أن يكون دفء أحضانهم آخر ما نتدثر به قبل الموت ؟؟

حلم -24-10-2006 ))

الرسالة الثانية:

(( معك ...

كنت أعيش

لحظات ... عاصفة ... ثائرة ... انقلابية

مليئة باللهفة ... والجنون ...

انسى فيها من أنا ومن أكون ....

حبيبي ... ما أروع الجمر حينما تبثه يداك ... وتدثر

به حنايا روحي ... فيشتعل حبك فى دمي ... فا أجد نفسي

حورية بحر تناجي القمر...

حبيبي ... معك لا يمكن للحظات الا أن تكون أستثنائيه ...

مليئة بالشغف ... والوله ... والجنون

أحبك حتى الذبح

حلم - 27-10-2006 ))

الرسالة الثالثة:

(( حبيبي ... معك فقط

أدركت أن الحب وقوف

وليس وقوع !!

معك... يا فجري ... يا مطري ... يا مركبي ...

يا وطني ... يا قدري ... يا عيني ....

أدركت ... معنى الحياة ... معنى الفرح ...

معنى الألم .... !!

معك أحببت صوتي ... شفاهي... دموعي

أنيني... معك فقط !!

حلم - 29-10-2006 ))

طلبت رأيي الشخصي بتلك الكتابات.

طبعا لم أتمكن من قرأت تلك الرسائل لعدم قدرتي على التركيز في المقهى .ولعدم وجود الفلوس التي تجعلك أن تبقى في المقهى.

نقلت رسائلها إلى ذاكرة الفلاش التي أصطحبها معي وخرجت من المقهى.

خرجت وأنا أطوق مساحة الهواء بحثا عن حل ٍ لهذا المستقبل المجهول الذي يصطاد الملايين من خريجي الجامعات.

تحسست تلك الهوة العميقة التي نقع في بؤرتها أمواتا.

أي بلادٍ هذه التي لا يوجد فيها تساوي ٍعادل للوظائف؟؟

كثيرون ممن يحملون شهادات البكالوريوس ولكن الواقع رفض أن يعطيهم أدنى أهمية,

أنهم يمارسون تلك الأشغال الشاقة في حرج العمال في أول ساعات الصباح.

ينتظرون لقادم ٍ يأتي يأخذهم بسيارته إلى مكان العمل.

البلد بأكمله يختنق بأولئك المحترفين لنهب المال العام والثروة !!

فهناك من ينهب الأرض وآخر ينهب مخصصات مجانية من سيارات وعقارات وأموال يتم غسيلها في شركات خاصة تعمل لحسابهم الشخصي!!

لا طعم للشهادة الجامعية في هذه الأوطان التي يقف العلم على رصيف نسيانها الأبدي!!

مساحة ٍ لا تكفي إلا أن تسد فوهة لصوصها وبعضا من ذئاب ليله الدامس.

*****************************************************

من أي منفى يبدأ الإنسان في سرد مرايا وجعه الأكبر؟

أيمكن أن تتوقف الأرض عن دورتها حين تكون قد أوجزت حكايتك الموجعة تلك؟

كل شيء يتحرك بجنونٍ مدهش من حولك.

المنفى داخل الوطن أقسى بكثير من ذلك المنفى وأنت خارج حدوده!!

المنفى في الحالة الأولى لا يعني الموت أو الجنون مرة واحدة,ولا النهاية الأخيرة!!

أنه مثل تلك الطلقة التي تُعطّل جسدك كاملا عن الحركة!!

الحصيلة النهائية للجسد تلك حالة السكون الأخيرة التي تحافظ على ثنائية التنفس,

أنها اللغة الأخيرة والشاهدة على البقاء والحياة.

ليت المنفى الأول مثل المنفى خارج الوطن حتى تنهي شكل الجرح الذي يفقدك شهية الحياة,

فالأشياء المعلنة التي ندرك مفهومها تلك التي لا نخاف أو نتوجس من نتائجها..ندرك مسبقا أننا في حالة المنفى الفعلي!!

أنه منفى نشعر بديمومته منذ الطفولة,وفي كُتب الجغرافيا التي تحكي تلك الهجرة عن الوطن وكل أبعادها!!

التسمية التي تصوّر حجم الهجرة عن الوطن ومدى تأثيرها النفسي والعاطفي على ذلك المهاجر وأهله ووطنه!!

كانت تلك التسمية تثير لوعة كل الأطراف حزنا وبكاءً وحرقة..

لكنها أصبحت تعني في الوقت الحاضر الفرصة الذهبية للتحرر من لعنة ِ وطن !

الوطن الذي لا يؤمن بشرعية المواطنة إلا لأصحاب الكروش المنُتفخة..

وكل ما سواهم فإنهم يشغلون الحيز الصفري من خاناته العددية,

لذا هذه الطبقة التي لا حصة لها في هذه البلاد عليها أن تغادر الوطن بحثا عن شكل ٍ آخر لوطنٍ يمنحهم الخبز والحياة!!

أنها التسمية الكلاسيكية التي كنا نخافها ونحن في الصفوف الأولى للتعليم الابتدائي!!

نخاف أن تلتصق بنا عندما نصبح كبار ونترك الوطن,

و ها أنت أيها الوطن تنصت إلى حديثٍ يأتي أصداءه من الماضي حين عشقوك منذ طفولتهم.

منذ أن كنت غيمة ٍ أو نشيدا على صفحات الكُتاب المدرسي!!

أقسمت منذ الطفولة أن أختار الوطن فقط إلى كعنوان ٌ لوجودي وحياتي ومماتي وختام الأمنية!!

الآن وبعد كل معارك الأحلام والأمنيات والتحدي الصاخب لذلك التعرّي الحاد الذي تعيشه البيئة والمحيط الاجتماعي على حدٍ سواء.

هذا أخيرا حصاد زمن الحلم المنتظر لوطنٍ انتظرناه دهرا..

الحصاد الذي يفاجأ المزارعين بعدم جدوى كل ما أنفقوه من تعب ٍ وسهرٍ وتضحية.

هذا أنت بكل أدوات الغياب الكاذب تعلن عن حضورك الخالي والوهمي أيضا.

تُقدم المزيد من المبررات عن مشاريع الزمن القادم الذي يحقق لأبناء الوطن أحلامهم.

فها هم أبناء الوطن الذين يدخلون من زمنٍ إلى آخر ومن نفق ٍ إلى آخر بتلك العتمة ذاتها من لعنة المشاريع القادمة..ولكن تحت ذلك الخط المبهم لأوهام خادعة وماكرة,

لا شيء يستحق الانتظار فالذي تتوقع أن تحمله الأيام القادمة من تغيرات ربما يكون وهما..

الوطن الذي يشيّع على الحدود الآلاف من أبناءه إلى دول الخليج العربي بحثا عن فرصة ٍ أخرى للعيش.

تركوا خلفهم وطنا مجهولا في الذاكرة لا يعلموا عن تفاصيله شيئا,

و أعلنوا البدء في البحث عن أوطان ٍأخرى غير وطن الحقيقة.

هذه حقيقة ذاكرة ٍ مليئة بتعب الجغرافيا الأم.

ذاكرةٌ ملغومة بعدد لا يحصى من الهزائم والطلقات والحرائق!!!

و مع كل ذلك لا زال هناك وميض سحري يخفق في انتظار زمنٍ آخر.

ربما تولد مفاجأةٌ أخرى على جدار ٍ أخرس من جدران هذا الوطن.

ولكن الزمن الذي تأخذ عقاربه في الدوران تشكك في شرعية ما لم يأتي و ما لم يحدث بعد..

أن ما يتسلل من الوقت ويذهب تحت أدراج الريح يبقى خسارتنا الفادحة مع هذا الوطن!!

الموت بطريقة ٍ سرية و باردة وغير مُعلنة التفاصيل أبدا.

متابعة الجرائد اليومية والبحث عن تلك الإعلانات المنشورة فيها عن وجود فرص ٍ شاغرة للوظائف.

وتقديم ملفات التوظيف إلى الجهات التي المعنية بتلك الإعلانات,

وفي هذا المنعطف تتوقف الرغبة عن الشروع في أي عمل ٍ آخر أو التفكير فيه.

و بعد أن يتعثر من جديد مشروع التوظيف في تلك الجهة..يتم البحث عن وسيلة ٍ أخرى لمواصلة الحلم الطويل ذاك.

حلم ٌ يتحول على يد هذا الوطن إلى رماد ٍ متطاير و مبعثر!

الوطن بكل ما في جعبته من مافيا النهب وتلك المختصة في اللعب بأوراق الوطن البالغة السرية,

الجرائم التي لا تفصح عنها صحف النظام فيتم التكتيم الإعلامي عنها تماما.

ومثل ما يحدث في بقية الأجزاء الأخرى من الوزارات و المرافق الحكومية!

لم أكتشف آلية التعاقد الوظيفي في مجلس الشورى إلى بعد أن أدركت حقيقة العمل لديهم,

فالمدير الذي له كلمته القوية هو من يأمر بعمل تعاقدٍ ما,

ولكن الذي يتم التعاقد معهم بصورة ٍ متكررة ويزداد يوما بعد آخر هم من الجنس المؤنث,

بدون أن تعرف تفاصيل تلك الأسباب الخاصة التي يتم التكرم بمنح المذكورة عقد عمل.

وذلك بعد أحدى سهرات الفندق التي تتم بنجاح ٍ أكبر مع ذلك المدير,

ولم تنتهي قصة مطاردة النساء خارج أوقات العمل في الفنادق..أنها تُمارس فعليا داخل مبنى المجلس وفي وقت الدوام الحكومي!!

و على هذا الأساس يتم منح من تقدّم نفسها بمزايا إضافية في كل مستحقاتها المالية والإدارية أيضا !!!

وأيضا ما يتم المتاجرة به من نساء و كحول و بيرة وغيره !!!!

الظاهرة تلك لا تكون مع أولئك الحاصلات على البكالوريوس..أنها لأول فتاة تستلم لرغبات المدير العام أو مدير الحسابات,

فبعضهن حاصلات على الشهادة الثانوية والبعض الأخر ليس لديها أي مؤهلات.

فأي معيارٍ للتوظيف على مساحة أرض هذا الوطن ؟؟

الوطن الذي يفقد كل دقيقة بريقه السحري الممتد من أقصى الذاكرة والطفولة.

الصورة التي تحكي عن زمن ٍ تاه بين الأحلام و الأمنيات الوردية والتي بدأت تذبل ألوانها شيئا فشيئا..

ألوان أفصح عنها الواقع و حقيقة الفعل!!!!

الكثيرون من الأقرباء الذين يعرضون فكرة الخروج من هذا الوطن.

و لكن الإصرار على حتمية البقاء دون الخوف من شبح المجهول هو أحد عناوين المرحلة مهما كانت النتائج !!

شعارٌ ظل يلاحق الذاكرة عن وطنٍ قادم من جوف المستحيل..وطن أكبر من هذا الواقع والحلم معا,

ذلك الذي يمكن أن يعيد ترميم حجم الانكسارات والشروخ..

يصنع من كل الأشياء المُحطّمة شيئا يستحق التكريم والتقدير.

الوطن في الغياب كذلك الوطن في الحضور..كلاهما بنفس المعنى !!

الوطن يخرج من هالة الأشياء التي يستحق أن تكون مرادفا لحجم الحضور فإنه يبقى في حالة الغياب التام.

غياب أكبر من أي حضورٍ يمكن أن نسميه.

ما جدوى سباقٍ للركض على بوابة وطن ٍ كهذا ؟

وطن نصف سكانه مجانين لا تدرك المجنون السياسي من المجنون الذي فقد صوابه نتيجة مشاكله الاجتماعية والأسرية!!

لذا النصف الأخر الذي لم تصل بعد حالته إلى الجنون فإنه مرشح في فترةٍ قادمة إلى ممارسة تلك الوظيفة..

وظيفة التجسس لصالح النظام وخدمة الحاكم على رصد الأخبار وما يقوله أبناء الوطن الذين أتعبهم البقاء على مساحته كثيرا.

و لم تبقى من صلاحية الحاكم العربي إلا تلك المهنة الدنيئة في كل أبعاد مراميها.

و على هذه الصورة التي يلوح من خلال ألوانها أولئك المجانين الذين يكسون الشوارع!!

أيمكن أن تكون تلك الصورة هي صورة وطنٍ في قرن العشرينات و في عتبة الأوطان التي تتربع على عرش التكنولوجيا و الاتصالات الرقمية !!

الوطن يبدد حلم الشعب ويقتل كل تطلعاته..أنه يحافظ في هذه الحالة على بقاء منصب حكامه,

لذا يُقتل الكثير من أبناءه الشرفاء تحت هذا المسمى المكشوف.

كثيرون من اغتالتهم يد السياسة وامتد سُعارها لتشمل أجيال من ذهب النضال و عمالقة التأثير على الشعب,

لا قانون يدافع عن كل من يسقط في يد الحاكم.

و أخر من تغتاله تلك الآلة في حوادث السيارات أو تحت مسمى الإرهاب الجديد.

وموت ٍ آخر ذلك الذي يستهدف الشرفاء بمسمى "مرض ٍ عضال",

هذا الاسم الوهمي لمرض ٍ وهمي أيضا الذي حصدت من وراءه السلطة الآلاف من الشرفاء والمناضلين.

اللغة التي تُطلق على كل من يموت بيد تلد تلك الآلة العفنة.

الوطن الذي يسقط في بوتقة حرب ٍ سرية..حرب الإبادة المنظمة وغير المعلنة على كل من يرفع صوته عاليا في وجه الظلم..

كل من يقول كلمته الشريفة ويدافع عن قيم الحرية و محاربة الفساد..

هؤلاء من تسقط على رؤوسهم معاول النظام ويتم إقصاءهم وقتلهم بطرقٍ مختلفة.

الأرض هنا لها صدرٌ من جمر لكل اللصوص والفاسدين في هذه الجغرافيا..

أنها الحضن الدافئ لهذا الشكل والصنف من الشعب,

لم يكن أمر الخروج من هذا الوطن أمر هينا أنه يتعلق بكل أحلام الماضي !!

الموت على هذا الوطن مرادفا للبقاء والعيش فيه.

ليس من خيارٍ آخر إلا أن يكون المكان ذاته أيضا مساحة ٍ للدفن,

الرفض لأي خيارات ٍ أخرى لم يكن من سببٍ واضح للقبول بها .

أن مشاكل كثيرة تؤرق الإنسان خصوصا بعد أن يكمل دراسته الجامعية,

أنه يفتقر إلى أشياء تدخل في تركيبه البيولوجي..دون أن يدرك ذلك..يحتاج إلى الجنس والعاطفة والمال.

و لكن حين تجد نفسك عاجزا عن تحقيق تلك الرغبات وتجعل من الانتظار حلً لكل تلك المطالب الجسدية.

رغباتك الجنسية والعاطفية أيضا هي الأخرى بحاجة إلى قرارات سياسية..

كيف لواقع ٍ ملء بكل هذا التناقض أن يفك خيطا واحدا من خيوط تلك الشبكة الأكثر تعقيدا ؟

البدء من نقطة الصفر في الحياة والعيش مسألة في منتهى الصعوبة و الجنون.

واقعٌ ليس في رصيده إلا أرقام مهزومة لا تستحق الذكر.

فإنه الجزء المُتبقي من نصٍ على حافة السقوط يحاول أن يستدرك أنفاسه الأخيرة,

يستعيد وجه ٍ فقد ملامحه ذات زمنٍ أو يحاول نسيانه بذاك المعنى أيضا,

لم تبقى الأيام من حنينه إلى ذاكرته وذاكرة نص ٍ يرتعش عشقا سوى القليل حتى يصل إلى مرمى الفوضى والجنون.

أنه سفر ٌ تطرب على ريحه أغنيات الكتابة ومحاولة الخروج من مأزق الواقع.

الكتابة في زمنٍ كهذا تعني التحرر من أزمة الحاضر أنها محاولةٌ يائسة للدخول في مورفين النسيان.

لم يكن هناك من مبررا لاختيار المسافات أو الزمن بدلا من أن يكون الرحيل في مقامات الدهشة الأولى..

إمضاءٌ لا تراجع عن عشق عناوينه و استفزاز بوحه.

أنها أحدى تأشيرات الرحيل التي تقترب من ذلك النص الذي تتمزق خيوط كلماته على مساحة المجهول.

مساحة لم تكن مخصصة للبوح عن الرحيل بقدر ما كانت مساحة للتعبير عن حالة الكاتبة وما يتعلق بشروط الموقع الإلكتروني.

الكلمات تسبق كل ما له من صلة ٍ بالحضور أو الغياب,

تقفز إلى شيء ٍ يشبه الجنون أو التحدي.

الرحيل الذي أفترش مساحة الصفحات وأماكن البحث عنه.

رحيل ٌ في المقام الأول على أطراف النص الذي تبعثرت روائحه بعيدا..خارج حدود الوطن!!

أنه يبحث عن مكانا دافئا للخروج من لعنة الجغرافيا و هزائم الذاكرة مع هذا الواقع.

لم يكن العشق خارجا من مرايا الرحيل..العشق يأتي في الخانة الأخيرة من خانات الرحيل.

عنوانٌ هو الأقرب إلى تلك النصوص التي تنتقل من الذاكرة إلى الورق ومن الورق إلى جهاز الكمبيوتر ومنه إلى تلك الشبكة العالمية الواسعة شبكة الإنترنت.

اختيار اسم المدونة التي تضم باقة من نصوصٍ في الجنون والعشق والرحيل ..ما هي إلا امتدادٌ لوجع الذاكرة وقلقها المتزايد يوما بعد آخر.

لماذا الرحيل في زمنٍ ممتلئ بالعشق وبالحلم إلى غدٍ مشرق ؟؟

زمن يفيض بجنون الكتابة والانتظار..الزمن الذي ليس له من تعريف ٍ في الذاكرة.

أنه مزيجٌ من الزهو الكاذب الذي نشعر به,في حضرة أولئك المدراء الذين تربطنا بهم بعض الأعمال المالية معهم.

أرقام خيالية من الأموال التي نُوصلها إلى منازل أولئك المدراء.

أوراق مالية من الفئة المتسلسلة ..الفئة الأعلى رقما من عملات البلد,

ومع كل اللحظات الثمينة التي ترافق السير في موكب المال إلا أن القدر لا زال يقول كلماته عن شيء أسمه الرحيل !!

رحيلٌ في المعنى وفي العشق والحرية وفي الزمان والمكان..

رحيل ليس له من قرار معلن في جوقة الروح.

يأخذ أنفاسه من كلمات مرموقة في غموضها وتعرّيها الفاضح,

لم يدل شيئا واضحا على علامات ذلك المؤشر السابق لأوانه,

الرغبة في الكتابة والبوح أيضا عن حالة الكائن الذي يعاني من تغيير ٍ شاسع في الأحلام والواقع.

محاولة الخروج من وعكة الحقيقة و البقاء على حالة النسيان لكل ما يحدث تماما..

هل الكتابة تعني في زمنٍ كهذا الموت..النسيان..الحرية من قيود الوطن..العشق..الحنين إلى أرض ٍ لم تأتي بعد ؟؟؟

ربما يكون كل ما سبق وربما لا يكون شيئا مما سبق.

اللحظة الثمينة في الكتابة لا تجلب معها ويلات التفسير للنص المراد تفنيد دوافع الكتابة من أجله!

النص الذي يولد مرة واحدة على خارطة الورق يموت أكثر من مما يستحق على لسان القارئ!!!

الكاتب الحقيقي ليس ذلك الذي يجبر القارئ على مناسبة ٍ فريدة في كتابة النص..

و لكن النص بحد ذاته قادر على إعطاء القارئ فرصته في اكتشاف منجم النص الخفي وتفاعلاته الحية والميتة والتي دفعت به إلى مساحة الولادة والموت في آنٍ واحد.

النص يبقى مُبهما في كل تفاصيله وكل الظروف التي قادته إلى مساحة الضوء و الورق.

أنه كفيلً بالبوح عن كل أسباب الحضور والغياب..أسبابه في البوح و الغموض!!

تكمن قوته في تلك القدرة الخارقة التي تمنح النص الحركة والتجدّد يوما بعد آخر وقراءة ٌ بعد أخرى!!

النص لا شك في أنه الوجه الأخر للبحر بكل تقاسيم التجدّد والأشكال الأخرى التي في جعبته!!

في كل لحظةٍ تكتشف صدفة ٍ ما...وشكل ما...و لون ما...

عالم يصعب وصفه من اللحظة الأولى..وأن هناك شيئا تستطيع أن تبدأ منه..فمن أين لك أن تبدأ بالوصف؟!

كل النصوص التي تبدأ من النقطة الأخيرة وتحاول أن تقطع الطريق أمام القارئ لسبر أغوار النص!!!

لجعل المادة أكثر اشتعالا لحظة الغوص في ثناء الكلمات و ظلالها الوارفة!!

جاءت عناوين الرحيل في وقت ٍ مبكر من التنبؤ واليقظة..

ربما لأنها تحاول الخروج عن المساحة الضيقة التي تشغلها من هذه الجغرافيا المتعالية الصمت..

أصبحت الكتابة تعني ذلك الوطن المفقود على أرصفة الحقيقة ومحاولة البحث عن عطرٍ مثالي لوطن ٍ آخر!!

فأين يكمن سر ذلك العشق الجنوني لوطنٍ لم نجد من أثر ٍ له في الواقع ؟؟

أيمكن أن تكون الصورة على شاشة الكتابة هي الصورة الأكثر أتساعا لمعنى وطن؟

صورة ٌ لم تكتمل مشاهد حدودها بعد..أنها صورة تتمرد كل لحظة ٍ عن معالم الحاضر وسياط المستقبل!!

الصورة التي نبحث عن تفسيرٍ لجوانب معانيها فلم نعثر إلا على جثة الوطن.

وطن تحاول الكتابة فقط أن تنير معالمه ..تؤجل تلك الرائحة القادمة من العمق..

الكتابة التي توقظ نبضٍ هارب من الذكرى..

ومن لون صمته الحاد تماما وبقايا السر الكامن في نص ٍ لم يُكتب بعد,

أنه على حافة ذاكرة ٍ تستعيد الخُطى والأمنيات..في طريقها إلى البوح عن شكله النهائي ورائحته التي ما زالت تتسرب إلى مساحة الحاضر!!

لم يبقى من شيءٍ سوى التعبير أكثر عن العلاقة الحميمة بين الحاضر والغد.. بين وطنٍ في عتمة الزحام وعتمة الوهم أيضا,

ليس غير تلك الثنائية التي تمتد إليها زهرة الحلم وسرعان ما تعود خائبة الملامح!!!!

حلم ٌ ينكسر من الزيارة الأولى واللحظة الأخيرة للزيارة ذاتها التي تفصل بين الزمنين.

صخرةٌ لن يتوقف على صدرها معاول النضال وضربات الحرية بمرور الوقت..

محاولة إيجاد لغة عابرة في هذا السياق الجنوني على أزمةٍ نصفها الوطن والنصف الأخر لم يحن الوقت لإدراك معالمه,

الواقع يظهر ثمن تلك الخسائر التي نقترفها وننغمس في تفاصيلها كل لحظة.

لم نكتفي بمشهد الحزن على طريقة هذا الوطن..نضطر إلى البحث المؤقت عن قيمة ساندويتش الصباح أو ثمن الشاي في المساء.

تم تجريب عدد ٌ من الطرق في كسب مصاريف اليوم العابر..

تلك الطريقة التي أثقلت فيها على الموظف المسئول عن مخازن القرطاسية في مجلس الشورى.

أعتدت على طوب ٍ من الورق في الأسبوع للحصول على قيمته المالية في استوديوهات التصوير الذين يشترون الورق بثمن ٍ أرخص.

قيمة الطوب الواحد لا يتجاوز الأربعمائة ريال..قيمة جيدة لمواصلة الكتابة في مقاهي الإنترنت.

وأن يبقى هناك من زمن ٍ لمواصلة الحياة مع الآخرين.

كل ٍ بطريقته ينظر إلى الحياة..

فمواصلة الكتابة يعني مواصلة الحياة وعشق الحرية من أوسع الأبواب.

تلك القيمة القليلة جدا في حقيقتها تعني بالنسبة لمن يفتقر إلى الريال الواحد مبلغا محترما.

أنها تساوي في حقيقة الأمر الآلاف من الريالات في لحظةٍ مبتورة تماما كتلك اللحظات.

الجسر الذي تعبر عن طريقه إلى عالم تعشق روائح صمته وعبقه الفواح.

لم يكن إلا شيء يقف وراء كل هذه المسميات.

الوطن الذي قرأته على صفحات الكُتب في أحدى محطات العمر..وهاأنت تفقده كما فقد الهنود الحمر وسكان أمريكا في ذلك الوقت القمر الذي سرقه "كريستوف كولومبس" بطريقته الماكرة عندما اعترضوا طريقه وحاولوا قتله لأنه سرق الذهب ..فكان لأبد أن يهددهم بشيءٍ ما ..فكان في ذلك اليوم يعلم أن القمر سيحصل له خسوف..فقال لهم:إذا لم تبتعدوا عن طريقنا سوف أسرق القمر؟

و عندما وجدوا فعلا بأن القمر بدأ يختفي انصرفوا مذعورين وخائفين,

فأي طريقةٍ يمكن أن نفوز بها من هذا المخدر الذي يعني الوطن؟

لم نُشفى من وجعه الممتد من الوريد إلى الوريد..

أنه يتحول بفعل تغيرات الواقع إلى كوم ٍ من الأخبار المبوبة على واجهات الصحف والجرائد اليومية,

وطن ٌ نموت على ذراعه مليون ميتة في الثانية الواحدة ومع كل هذا نكتشف أنه يخبأ موتا أكثر في الأيام القادمة.

و يجد في تلك الممارسة شيئا من التسلية والترويح عن ذاته.

كم هو تافهة ٌ ذلك الوهم الذي نلقاه على ألسنة مسئولي هذا الوطن؟

يستخدمون الكذب أيضا والنفاق في كل حملتهم التي تخدم السلطة.

ذلك المسئول في وزارة الخدمة المدنية لحظة سؤالي له عن عدد الدرجات الوظيفية للمؤسسة العامة للاتصالات؟

فكان الرد بمنتهى الكبرياء والازدراء:أربعين درجة لقسم مهندسي الاتصالات.

تفاءلت كثيرا وأنا أحاول أن أهدأ فرحتي بذلك العدد الكبير جدا.

في مرحلة الإعداد للانتخابات الرئاسية..و هي من ضمن الحملة التي يقودها الحزب الحاكم في ذلك الوقت,

وجاء التاريخ المحدد ليؤكد عدم وجود درجات وظيفية.

وهكذا تتحول البداية المدهشة إلى لون ٍ قاتم وتُختتم بحزنٍ أسود.

********************************************

هنالك شيئا ما على أطراف الذاكرة يعلن عن قدرته في استعادة أجزاءه المنسية.

يلملم بقايا جرح ٍ نازفٍ في زوايا المكان,

المكان الذي لا يشبه أي شيء سوى عزلة هذا الوطن المأساوية,

موحشٌ حزن شوارع هذا الوطن بما تحمله من صورة ٍ تثير الرهبة.

العديد من الأطفال الذين أستوعبهم الشارع في تزيين كل ما يؤثثه من الخرائب.

لتكون براميل القمامة هي وليمتهم الكبرى في البحث عن بقايا طعام ٍ فائض,

في أي مستقبل ٍ ينتظر تلك الطفولة ؟

كانت تلك البراميل بما فيها من نفايات كفيلة بأن تكون حضنا دافئا لأطفال الوطن المحرومين من كل شيء..

فائضٌ هذا الوطن بكل ما يملك..فائض بالحرية الجوفاء وفائض برجاله ونساءه ولصوصه و عصاباته الليلية..

فائض بثواره وثوراته و فائضٌ أيضا بجيل ٍ من الشرفاء الذين يقفوا صامتين لمشهد الوطن الأخير,

الوطن متهم بهذا الانحسار الكبير في مسار ما بعد الوحدة وبعد كل الحروب الظالمة التي أُرتكبت بحق أبناء الجنوب,

ها هو الوطن اليوم بعد أن أنجز مشروعه الأول في الاحتلال والتدمير للجزء الأخر من الوطن..

أنه يستعيد عافيته في الحقد والإقصاء الشديد لأبناء ذلك الشطر الجنوبي.

تم تجريدهم من وظائفهم وأرقامهم المالية وإعلان الحرب الباردة في كل الوزارات على ملف للمراجعة والمعاملة لشخص ٍ ينتمي إلى الجنوب.

أنهم مستبعدون من كل الدوائر العسكرية والكليات الحربية لظروفٍ غامضة ومبهمة للغاية.

هكذا تكون أرادة المنتصر والخارج من حرب ٍ قد ظفر بها على الطرف المهزوم والخاسر في المعركة.

لم تكن حرب عادية..فقد ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في دعم الطرف المنتصر وذلك للقضاء على أقطاب الاشتراكية والأحزاب الشيوعية فيما بقى لها من آثار في الأقطار العربية.

أنها توهم العالم أن الحرب متوقفة بين الطرفين وتعطي الطرف الشمالي الضوء الأخضر لشن الحرب على الجزء الجنوبي والزحف على أبواب المدن الجنوبية.

ساهم أيضا في هذا الجانب أولئك القادة العسكريين الجنوبيين في التبليغ عن كل القواعد العسكرية من أجل أن يربحوا بعض المقاعد الوزارية في حكومة الطرف الشمالي.

الحرب التي مزقت أسم الوحدة و بعثرت كل ثمار النضال الوطني المساهمة في بناء مشروع الوطن الأول!

حرب ٌ أجهضت ميزانية الوطن لخوض مثل تلك المغامرة.

الحرب بدأت بتلك التصفية البشرية لعناصر الجنوب..اغتيالات يومية وآنية في اللحظة ذاتها,

تلتها موجة تكفير لعناصر الحزب الاشتراكي اليمني.

شعر أبناء الجنوب بمرحلة الإقصاء والحرب من كل الجهات,

لم تنجح كل الطرق الدبلوماسية في حل الأشياء الفعلية التي دفعتهم إلى الخلافات.

أنتجت تلك الأزمة الدبلوماسية أزمة الحرب العشوائية.

أزمة وطنٍ يعيش ويلات حربٍ سوداء ويغني بأعلى صوته لأنه يريد أن يكتشف نكهة القتال هذه المرة على يد أبناء الأرض الواحدة ويسير في موكب الضحايا بمفرده !

لقد سأم من حروب الماضي التي كانت لطرف أجنبي وأخر وطني.

فهاهو اليوم يجرّب تلك الحرب التي يقتتل فيها أبناء الوطن الواحد!!

الحرب التي لا مبرر لها سوى من يستولي على كرسي السلطة بمفرده.

من يظهر في النهاية بموقف المنتصر نتيجة لقوة ٍ كامنة يمتلك ثمن أبعادها,

بالتأكيد سيعلو صوته في أرجاء هذا الوطن الشاسع !!!

ولكن من تزحف صوبه ذراع المشيئة بغية أن تصيبه بإحدى شظايا السقوط الكبير..

السقوط في قاع الخطايا وقاع الخيانة في نظر الوطن الذي لن يُرّجح إلا كفة المنتصر فقط في النهاية,

لن يمنح أناشيده وأسماءه سوى لذاك الذي يفوز بهذا السباق المرّ..سباق المذابح الدموية أنه السباق إلى حانات الموتى الجدد.

في الأخير الوطن لن يكون إلا تذكرة عبور للاستيلاء على كل الثروة والسلطة والأرض معا.

وطنٌ سيفقد كل رموزه الوطنية بهذه النهاية الحتمية للحرب!!

أولئك الرموز الذين يساهموا في إثراء الوسط العمالي للمطالبة ببعض الحقوق المسروقة!!

الحقوق التي يعمد الحاكم المتصرّف بنفوذه وتوجهه السياسي إلى تغييب يد القانون على المواطن!!

والزجّ به في أتون المتاهة والضياع القسري تماما!!

فالحرب حتما قامت من أجل تسوية المقام في الدرجة الأولى وإزالة تلك القشور التي تحاول أن تعيد للشارع حقه في الحرية و شجاعته في المطالبة باسم القانون!!

لم يستمر مشروع تلك الوحدة الذي ساهمت في ترميم شروطه طرفان لثالث لهما..

انهار ذلك المشروع كانهيار جدار برلين وبقت مشروعيته تقتصر على المنتصر!!

الخارج من أحدى جراحات الوطن الكبرى مكسوا بذل الانتصارات التي يطلقها على ذاته وحاشيته!

أننا نسرق من الوطن لحظته الحقيقية..ففي الوقت الذي ينبغي لنا أن نواسي الوطن على هذه المعارك الخاسرة التي يخوضها و على تلك الجراح النازفة من جبهة أبناءه..

أصبح على كل أنصار المنتصر اعتبار ذلك اليوم موعدا للاحتفالات والأعراس الوطنية.

التاريخ وحده من نترك له حرية الصمت والاحتفاظ بحقيقة مُرّة تماما!!

لن يدركها أحدا سواه..لن يبوح بسر ٍ أسمه الوطن المذبوح على يد أبناءه الحُكام الجُدد الذين اغتالوا صورته دون أن يدركوا ما الذي يقترفوه !!

بقت الضحية في متناول قاتلها كأنه لن يهديها الموت بل سيكللها بالورود والياسمين,

فلن يتوقف الزمن لأي سببٍ كان..مهما أنحسر تاريخ المكان على ذاته وحاول تلفيق الحكاية التي تطوّق مساحة الوطن من جميع الجهات عدا تلك الأجزاء الجنوبية منها..فأنها تدرك مدى الخسائر والأكاذيب التي تمارسها الأطرف الأخرى!!

فمن أيّ الجهات تحاول أن تطوي تلك الحكاية الأم التي هي حكاية جزءٍ من وطن لم يعد في كل هوياته وطنٌ للجميع؟!

وطنٌ بكل معانيه إلى الطرف المنتصر لا غير !

وحكاية الأجزاء الأخرى التي سيتناوب على نهبها القادة القادمين بجيوشهم ولصوصهم المحترفة لذاك العمل المنتظر!!

تناوب على تقاسم الأرض التي لم يعد لها من حامي أو مدافع لحرمتها!

التاريخ اليوم يسلب تلك المدينة حضورها الذهبي ونضالها السابق في المقاومة والتحرر من براثن الاستعمار الأجنبي!!

ها هي اليوم تقف عارية الرجولة والمقاومة, وتستسلم إلى الذين دنسّوا كرامتها !!

المدينة برمتها تطوي التاريخ و تعلن نهاية صمودها!!

يسقط الماضي تحت أقدام الحاضر ويبقى الحاضر بكل عناوينه المريرة!!

أنهم يستفيقون على مأساة لا نهاية لخيوطها ومتاهاتها!!مأساة ٍ تتجذر على عتبة المستقبل المنتظر.

صورةٌ تتكسر ملامحها فجأة لتبقى مُفرغةٌ المعنى والشكل أيضا!

محزنٌ مستقبل جزءٍ من الوطن..ذلك الذي تمارس ضده سياسة الطرف المنتصر بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ستمتد تلك العقوبات تشملهم وتوقف حياتهم ومستقبلهم.

هذا لا يعني بالطبع أن بقية أبناء الشعب للطرف المنتصر سيعيش في بحبوحة من السعادة.

ولكن ربما ستكون تلك الأجزاء التي تقع ضمن النطاق الجغرافي للطرف المغلوب تحت المجهر!!

سيعاني رجالها ونساءها ثمن تلك الهزيمة التي نزلت على رؤوسهم.

وها هي الحياة تمشي ولا تنتظر أحد..ها هو الوطن مُغلفا بعصبة حكامه يوقف تلك الدرجات الوظيفية الممنوحة لأبناء الجنوب.

هذا الإقصاء الذي شمل كل مناحي الحياة..إقصاء سياسي واقتصادي وثقافي و وطني واجتماعي وعسكري وعلمي !

لم تكن تلك القوة التي اجتاحت ذلك الجزء من الوطن قادرة على فعل ما حدث!!

ساهمت أطراف ٌ أُخرى من خارج الوطن في كل ذلك الدعم!!!

و لم يسلم الطرف المغلوب من الدعم الخارجي والذي كان أخطر من الدعم الذي تلقّاه الطرف المنتصر.

الطرف المغلوب فقد شرعية ما يطالب به,لحظة إعلان الانفصال!!

كل الذين يطالبون بحقيقة موقفه ومطالبه أي الطرف المغلوب ذاب ذلك الجليد عند إشعال أول ثقاب للانفصال!!

عاد أغلب المقاتلين من جبهات القتال في تلك اللحظة!!

فهم عن ماذا يدافعون وعن أي شيءٍ يقاتلون ؟؟

الوحدة لم تكن نتيجةً لخطأ ٍ وطني أو خللٍ اجتماعي !!

أنها نتيجة نضال وطني وحلم ٌ يراود الأجيال في توحيد أجزاء الوطن الذي يرزح تحت عبء ووطأة التشطير!!!

و لكن الوحدة التي خدعت الطرف الذي أعلن في النهاية الانفصال أجهضت كل ما يملك من مقومات ومزايا!!

هذا الاسم الذي تحوّل إلى ثعلبٍ ماكر يحاول أن يلتهم ما حوله!!

ويوقظ النار والجمر في كل الأوقات..استمرار حالات الاغتيالات والفوضى التي يمارسها الطرف المنتصر!!

حتى وصلت الأمور إلى ذروتها في التعقيد!!!

أستهدف ذلك الغطاء الوهمي الكثير من الشرفاء والوطنيين الذين علّت أصواتهم مناديةٍ برفض الظلم والعبودية,

فكانوا هدفا لعمليات ومآسي النظام المحكوم بالطرف المنتصر,

حصدت تلك الفترة أرواح مناضلي الكلمة الحُرة والصوت الجريء الذي يصدح بهتافاته بحثا عن رائحة ٍللحقيقة!!!

وسط هذه الخرائب كلها يستفيق المشهد الوطني على صورة ٍ مُهشمة الملامح !!

صورة ٌ لا تكاد تظهر شيئا من ألوانها وتقاسيم وجهها المجهول!!

صورةٌ تختنق بكل الأشياء المتوارية في أعماق المعنى الحقيقي لأبعادها الكاملة.

أنها لا تشبه شيئا عن عالمها التي تبحث عن صورته في الحقيقة!!

يمنحها المكان غموضا أكثر بعد خروجها من الزمان أيضا عارية الهوية.

لم تكتمل الألوان لإظهار الصورة جلية على مساحة الرسم في اختصار المسافات..

ولا المكان أيضا قادر على التواطؤ في رسم المشهد كما يمكن أن ينبغي!!

كم نحن بحاجة ٍ إلى لوحات ٍ تخرج من عتمة الواقع وتعطي الصورة الواقعية لكل هذه العتمة؟

فأيّ عتمةٍ تلك التي تحتل هذا الواقع وتُطوّقه من جميع الجهات؟!

الواقع الذي لم نجد له من مكانةٍ تعزز شعور هؤلاء المسكونين بكل هذا الحزن والضياع,

ليس لأنهم ارتكبوا شيئا مخل ٍ أو اقترفوا جرما بل لأنهم ينتمون إلى هذا الوطن..

ينتمون إلى راياته وأناشيده وأعياده الوطنية و العسكرية والبربرية!!

ولكنهم لا ينتمون أبدا إلى ثرواته وخيراته ورواتبه المالية أو درجاته الوظيفية!!

ينتمون إلى مساحة الحُرقة والألم والموت جوعا على أرصفة شوارعه!

و ما بقى من حياتهم فانه خليطا من الذل والظلم الذي تمارسه بعض رموز السلطة من قمع ٍ واضطهاد على تلك الطبقة الاجتماعية الخالية الأرقام والعلامات المميزة!!

كثيرون من أبناء تلك الطبقة من تشرّدوا وفقدوا صوابهم بسبب أعمال النهب وأشكال الظلم التي تمتد إلى ممتلكاتهم المكتسبة من الأجداد!!

أصبحوا بلا مأوى ولا عناوين تحترم عودتهم في ما سيأتي من زمنٍ قادم!!!

لذا من الصعب أن يبقوا على متن الواقع أحياء دون أن تصيبهم نوبة الجنون أو الموت صمتا و قهرا.

أنهم نتيجة هذا الركام الزائف من عبث التسلّط والهيمنة والجبروت!

ليس في القاموس من جملة ٍ أو كلمة تحفظ وجه القانون سوى مصادرة الحقوق وتمليكها إلى الأقوى!!

هذا الوجه المفقود الذي لم تستطيع اللوحات اختصار عُمقه الإنساني تماما!!!

وبقى الفن عاجزا عن تصوير ذاك المشهد الأزلي الذي ما زال يمارس حضوره في الذاكرة وفي أغوار الزمان!!

هناك هوةٌ لا تتسع لكل هذه الأصوات التي لم تجد لها من صدى في ما تيسر لها من الهذيان والبوح بأسرارها!

فبقت مُعرّضه لرياح الزمن يسرق من جعبتها ألم السنين وحزن هذا الواقع الباذخ!

لا تنتظر شيئا من دوران الأيام والأشهر سوى أنها توزّع ملاحم البكاء الموحش على أول عابر طريق.

تتسكع في واحة الصمت وهي بحالةٍ من الذهول التام لصورةٍ فقدت ما لا تملك من الفقدان والضياع.

هذا الصمت المرّوع لن يكون إلا تلك الصورة المفقودة من لوحة الرسم و جنون الألوان أيضا.

صورة تغادر المكان بحثا عن ذاكرة ٍ تُعيد شيئا من هيبة الأسلاف في طريقتهم لرفض الواقع وكل مُلابساته الغامضة,

تحاول الخروج من مرارة الفقر ومأساة الذل التي تختلقها حركة المجتمعات وعواصفها الهائجة.

فالخروج من تلك البؤرة لا يعني بالطبع خروجً من المكان فحسب بل الخروج من الزمان أيضا.

لا شك أن محاولة العيش أو الجنون المطلق خارج هذا الإطار الاجتماعي الموحش والكئيب يعتبر عملا خارقا وبطوليا.

أنه لا يعترف بعمق جراح الحاضر ..و لا حقيقة معه سوى قوة الأشياء المادية الجوفاء,

تلك القوة الخرافية القادمة من أعلى الهرم السلطوي الذي يمنح من يشاء و يسلب من يشاء!!

فقط بقايا ظلال ٍيزيح الستار عن سرّ القوة الكامنة بكل هذا العبث الجنوني..لم يكن سوى العبث بحق الأمم والشعوب!!

وتحويل الإنسان وهو بهذا التصنيف إلى كائن يلعب دور الضحية تماما!!

كائن يعلن صمته وموته قهرا أمام هذه الأدوار كلها..وهو مازال على فعل الطبيعة موجودا بكل ما أُوتي من عدمية الوجود !!

القانون الذي يتسابقون على اقترافه وتلطيخ بنوده بمعاول تلك القوة المُجّردة من معناها!!!

قوة تزوير الحقيقة وتجريدها من المضمون لتبقى هكذا عاجزة ٌعن صون كيانها,

حقيقة فقدت لسّعتها وبقت تعاني وباء من ينطق بها ويحاول أن يجعلها صورة هذا الوطن ومعطف الحكم القائم في حل النزاعات و الانقسامات التي تعرّقل مسيرة التنمية والنهوض بهذا الوطن بأكمله!

ليس المجتمع من ينجو من فعل السياسة لأنه ربما محكوم بجغرافيا وتضاريس يصعب اجتيازها تماما..لوعورة المكان وغياب وجهه النظام السياسي على مساحته المحاصرة بكل هذه التفاصيل القاتمة.

لذا يمارس اللعبة بعض من يملكون سياط الحاكم وجلّاديه المدسوسين في عتمة البيئة وتقلّبات الجغرافيا المريرة.

الجغرافيا التي تمتد حدودها دون سابق عِلم ٍكما تمتد أيضا إلى ذراعيها يد الخراب والدمار ونيران الظلم والجبروت,

اليد التي على إيقاعها تذهب الممتلكات سرا في عمليات ٍ من نهب الجلاد ودستوره القائم,

المكان الذي لا يتسع إلى تبادل الأدوار وقراءة الأحداث بشكلها المغلوط !!

ولكن مع هذا تتماهي الحقائق قليلا ويلوح نزيف الجرح ولو كان خفيا على جلد الضحية ..في حضرة وطنٍ يحتضن بكل وقاحةٍ حفنة من رجال القانون والعدالة في حينٍ أنهم خارج حدود القانون والعدالة!

ليس لوجودهم من مبررٍ أو حقيقة ولكن تأتي ضمن أشكال أخرى من زيف الواقع ومجونه التام!

المشروع القائم في تجريد الملكية والأرض والثروة أيضا لإنسان هذا المكان والذي يمكن أن يكون أكثر عدما وأوفر تعاسةً بل الأقل جذورا في عمق تماديه بالنفوذ والجاه,

هكذا الطبيعة تستسلم لتلك الرصاصات المرتعشة والمجنونة التي تحصد وجهها الحي وقامتها المديدة في التوهج!

اليد التي تحصد بدون هوادة و لا انتظار لإثبات صحة الفعل من عدمه!!!

مشروع الحياة الذي يتستّر خلف كواليسها عدد مرعب من أفعال الإنسان المختبئة تحت معطف القوة والجبروت على أشياء الأخر الذي أنهزم أمام واقع ٍ مرير..واقع ٍ يفيض بظروف القسوة و تشظي العيش ومرامي الجغرافيا المحيطة ,

الإنسان الذي كلما اقترب من ظروف المكان الصعبة..ظروف تُسقط كل المراهنات حول مسألة تطبيق القوة وحضور قانون النظام السياسي الحاكم في هذا الوطن.

أيمكن للطبيعة في ظروفٍ كهذه أن تلغي شرعية القانون وسيف الحاكم وتعمل على تغييب سياط جلادو هذا البلد الشاسع؟

أن تذيب جليد الطاغية في غمرة هذه الفجائع الكبرى التي تتحقق على ظروف المكان الجبلية و قسرية الظروف التي تجعل من العيش عملا خارج المعقول والممكن.

ولكن ما إن تخفت كل تلك الأنوار حتى تلوح في الأفقِ صورة الأشباح التي تجتاز الحدود لتتمكن من الوصول إلى البقعة المجهولة في ذاكرة هذا المكان المجهول التفاصيل والبدايات أيضا.

لا بأس أن تعثر الأقدار على صورة ٍ لأشباح استوطنت المكان فجأة دون الغوص في معرفة: ما حدث ؟أو ما الذي سيحدث؟

والذي لم يحدث بعد ؟!!!

الصورة كاملةً تبرز في زاويةٍ ضيقة من زوايا المكان وتجلّيه الكثيف أيضا.

الصورة التي تلد سجّانها وجلّادها وأشباح ليلها الحالك الظلمة والظلم معا.

فأي صورة ٍ تلك التي تختلف عن طبيعة سرّها وأسرار الجغرافيا الممكنة ودون سواها؟!

صورة ٌ لا تحمل الجينات الوراثية لأبويها ولا المناخ الذي ساهم في تكوين ملامحها!

صورة الوطن وصورة الأرض الممزقة على يد الأشباح وناهبو الحقوق..صورة هذا الإنسان المعدم بظروف الحياة أو الحنين إلى أرضٍ غادرها الأسلاف بحثا عن ظروف ٍ أخرى لم تُحقق مراميها هذه الجغرافيا!!!

الطبيعة أيضا بكل هذه القسوة الجغرافية تنتج وحوشا كاسرة تلتهم بمخالبها جلود وأنفاس الإنسان الأكثر ضعفا والأقل دفاعا عن حقوقه, ليس لأنه يفتقد حق الدفاع عن عرضه وكرامته بل لأنه محكوم بظروف الجلّاد وأشباحه المتناسخة في عمق المكان والجغرافيا.

صورة تجد لذّتها في تطبيق العقوبة على ضحيتها دون مبررٍ لتطبيقها,

اللذة الكاملة في اكتشاف عددٍ هائل من الضحايا الذين وقعوا تحت معول الجلّاد وطعناته الموغلة في جسد المسكين وأحلامه البدائية وخيوط العزلة ومنفى الحياة المُرّ الذي يؤسس دراما واقع الحقيقة!!

حين تصبح الضحية جزءا من قاتلها..لا فرق بين جرم القاتل وعقاب الزمن ولا مصيبة الضحية الجديدة,

فأيّ جرمٍ يمكن أن يليق بجّلاد ٍ يرى في اقتراف الجريمة عملا عابرا وممارسة ً يومية تأتي ضمن قائمة المواهب وفنون الترف التي يعيشها الجّلاد ؟

و كذا ما مقدار الجرم الذي تستحقه الضحية فهي التي تجد في الواقع صورة ً لمرارة ٍ كثيفة ولا متناهية ولم يعد لها من حلٍ سوى رصاصة القاتل السريعة بكل عناوينها واختصاراتها الخاطفة جدا؟

أيهما أكثر قسوة من الأخر..الضحية أم الجّلاد ؟أو عتمة المكان بكل وحشته وتجاعيد الأحزان المتهالكة كتهالك الزمن على صدر النسيان ؟!!

كلاهما ينتظر حصته الوافرة في الفعل والطموح..واحد من أطراف اللعبة يحاول اصطياد الضحية ويجعلها هماً محتملا وقائما والطرف الأخر ذلك الذي يُعلّق حصته في الحياة بأمل ٍ وقليلٍ من الطموح في إشعال الحرب بينهما وإنهاء مسلسل ٍ باذخ الذل.

نهاية حياة ربما تبدو كأنها جملة هاربة من أي تعليقٍ أو علامة استفهام توضع في نهاية جملةٍ مجهولة.

و نوعٍ أخر من سيرة الضحية الذي يغادر الواقع مجنونا أو مغادرة ٍ لا رجعه معها,

لكي يحاول نسيان كل النيران التي أُطفأت جمرها في أعماق الروح.

ويخلع ذاكرة الواقع وكوابيس أحلامه كما يخلع شخصا معطفه في ليله ٍ باردة!

لا المكان و لا رجاله ملائمين لموتٍ يستحق الذكر والخلود.

المكان ودراما الواقع تشيران إلى شيءٍ من الذل الذي يتسلل إلى داخل الروح!

المجتمع أيضا الذي لا تحكمه النخوة و لا الشهامة في سير أموره وحل مشاكله العابرة أو العميقة,

بل يخضع إلى كل الأشياء السطحية الواهية والوهمية في نفس الوقت,

أنه محكوم ببعض الأوامر التي تأتيه من عمق ذلك البئر الغائر العتمة والوحشة,

بئرٌ يُمثّل مصدرا لموت الأهالي وجنونهم ورحيلهم إلى أمكانةٍ أخرى بعيدا عن تلك اليد التي تحاول تغريبهم ونفخ العبودية والذل في نفوسهم.

فإن كانت مشكلة الشعوب الحقيقية هي مشكلة البيئة و شحه مصادرها لكان بإمكانهم العيش بحياة ٍ أقل شقاءً وبؤساءً!!

فربما الموت بسبب ندرة الماء أو انعدام الخبز أهون كثيرا من ذلك الموت الذي تُهان فيه وتُقاد إلى المشنقة ظلما وقهرا لكون الفرد يحاول الدفاع عن حق ٍ يسلبه الأخر..أو لأنك لم تستسلم لرغبة الطاغية والسفاح,

أنه أمام خيارات مُعقدة لا تترك خلفها مجالا للخلاص أو الهروب من شبح الخاتمة الجاثم على الأبواب,

لم يعد بالإمكان الخروج من تلك الأزمات والهزائم أمرا طوعيا أو تحت أهواء من الترف.

فالكائن تحت أحلّك الظروف وأكثرها عتمة..لا يمكن أن يتخلص بمفرده عن حركة المجتمع بكل ما يحويه من ظلم ٍ وجشع واضطهاد وطريقته الخاصة في التفكير وفي قراءة الواقع.

مهما أمتلك الكائن من ثقافة ٍ أو أفكار تحررية في إعلان التمرد وعدم الخضوع إلى الفكر العبودي الذي تمليه عليهم ثقافة الواقع وظروف البيئة وعقلية الإنسان الذي وطأ تضاريس هذه العزلة المغلقة و فاق على سيف و أوهام ذلك الشبح المتبدد في الحقيقة والخيال والحلم والواقع..شبح الجّلاد و طاغية الأجيال,

الأفكار التحررية التي تحاول أن تسكن الكائن وهو في طور النضج والمراهقة بكل أنواعها والذي يخترق كل هذا الجدار الفاصل من حصار الواقع ومرارته,

أنه يعاني من تلك الأفكار وجدوى ترجمة تفاصيلها أكثر من معاناته الحقيقية مع الواقع.

واقعٌ منغمس في وحّل الخطيئة والعزلة بأبعادها و زواياها.

القوة التي بحوزة الجّلاد ..ربما تكون مزيدا من القوة المادية الموافقة لتلك الثقافة السائدة التي تملكها الدول العظمى في الحرب والسلم.

ماذا يمكن أن تصنع بتلك الأفكار التحررية أو الشعور المطلق بمدى الحرية والسلام الاجتماعي؟

لا تفي بالمطلوب ربما لأنها عاجزة عن فكّ العلاقة التي تربط المجتمع بحاكمه وجّلاده المتميز!!

الفكر التحرري أيضا يحتاج إلى أن ترافقه القوة من أجل الدفاع عن مشروع الأفكار التي يريدوا لها النجاح وحتمية الفعالية,

الأفكار غالبا ما تعمل على تهيئة الجانب المعنوي والنفسي لدي الطرف الذي يبحث عن الطريق إلى الثورة بكل مفرداتها.

لذا ترافق الأفكار المحمومة التي تسعى إلى كسر طوق الظلام والعثور على فوهة الضوء..ضوء الحياة والحرية.

يرافقها بالتأكيد شيئا من السلاح وترجمة الأفكار إلى فعل يكتسح معاقل العدو ويلحق به الهزائم والحروب و ترغمه على تلك الرائحة الكريهة القادمة من روائح الموتى.

الفكر بمفرده ليس كافيا في حل مشكلة الواقع والخروج من عتمة الزمان الذي يمزّق محيط المكان ويغتال ذاكرة الإنسان وينفي هويته وعلاقته الحميمة بجوهر الأشياء.

الطريق المؤدي إلى تحريف الواقع أو رفضه ليس المناخ الملائم لتغييره.

الواقع الذي يعتبر مرآة لأفراده وصورتهم الأخرى على مساحة الحقيقة,

أنه كل ثقافة المجتمع و وعيّه أو غباءه !

انعكاسا مباشرا لعواصف الوطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية,

و لا تختار المجتمعات القروية إلا الوجه الرديء من أوجه السياسة والشكل الرجعي في الممارسة.

فالناس الذين يتظاهرون بانتمائهم الحزبي..لا يدركون لماذا انخرطوا في ذلك التنظيم الحزبي دون سواه ؟

أنه امتداد لثقافة القبيلة وسلوكها الذي تحتفظ به في طريقتها العشوائية.

فالذي ينتمي إلى تنظيم ٍ معين بالتأكيد يعبّر عن ولاءه لشيخ القبيلة أو جّلاد المنطقة بأكملها,

عن هذا السِجال المُعلّب من أيدلوجية الأحزاب ومدى انعكاسها على حجم الصراع المُكتسب أيضا من المكان ذاته..

يأتي دور الغائب والذي كان غيابه ربما بسبب ظروف اقتصادية أجبرته على مغادرة الوطن,

أنه خارج حدود الوطن وحدود اللعبة السياسية ولكنه يمارس شيئا من فوضى الانتماء إلى الوطن.

تلك الفوضى التي لم تجيز له كسب قوته اليومي البسيط والذي يكون ممكنا بالنسبة لآخرين والذين وجدوا في مساحةٍ كهذه موطنا خصبا لسرقة الأموال والثروات.

*******************************************